(3)

5 0 00

(3)

مرت أيام مرض أم فتحي على فتحي وهو يشاركها الغيبوبة , كان الحزن ظاهرا عليه , والغم كذلك , ولاحظ جميع من فى الكلية ذلك , أو لعله حسبهم يلاحظون ذلك وهم لا يلاحظون وجوده أصلا !!

فهو كما هو , يجلس جلسته المعتادة موجها نظره لمسجد الكلية , مراقبا بعدم إنتباه الداخلين والخارجين منه.

فجأة لمعت عيناه بفكرة , كان من تأثيرها نزول العرق باردا على جبينه, ودار حديثا صامتا بينه وبين نفسه

أدخل المسجد وأصلي ركعتين وأدعي لها , الصلاة فى بيت ربنا والدعاء فيه أكيد هيستجيبه ربنا.

بس لو إتقبض عليك , واتهموك إنك عايز تقلب نظام الكلية , أو نظام الحكم , أو إنك بتاع إنتخابات الجامعة !!

مش هيحصل , عمري مادخلت , وعمري ما عملت حاجة , أنا فى حالي , ومستحيل يتهموني بحاجة معملتهاش !!

ها !! هيخدوا العاطل فى الباطل, وإنت كده يبقى كسرت كلام أمك فى مرضها.

ماهو أنا هدخل مش عشان نفسي , دا عشان مرضها .

لو صاحية وفى صحتها كانت هتوافقني إني أدخل أكيد.

كان يشعر بالتيه وكأنه طفلا مازال يحتاج أن يلقم صدر أمه , لم يكن يعرف أن يتعامل فى الدنيا من غير نصائحها وحكمها , كان مشتت الذهن , وهذا ما دفعه ليكسر ولأول مرة أحد حكم أمه العزيزة المريضة !!

قرر فتحي أن يدخل مسجد الكلية !! ليبحث فيه عن دواء قد يكون الأطباء عجزوا عن إيجاده فى كتبهم , فلعله يجده فى هذا المكان المرتبط بالصلاة إلى الله.

دخل فتحي مسجد الكلية لأول مرة , وهو يترقب , وقلبه يدق بصوت مرتفع , كان يشعر وكأنه يقوم بمغامرة قد تكون مُهلكة , والأدرينالين فى جسده فى أعلى معدلاته وكأنه يدخل قفصاً للأسود !!

وفى المسجد لم يجد إلا طلاباً بين ملتحٍ وحليق, يصلون جماعات وفرادى , بينما يقرأ البعض الآخر بعض الكتب الدينية .

توضأ فتحي , ليهدأ بعد الوضوء قليلا , وذهب إلى أبعد ركن عن المصليين والمتحلقيين , ليرفع يديه إلى السماء بتكبيرة الإحرام " الله أكبر " ويصلي فى خشوع تام .

شعر فتحي بأنه لم يصلِ من قبل , شعر بفارق شديد بين صلاته البيتيه وبين صلاته فى مسجد الكلية "اللي بيودي في داهيه".

أطال فى صلاته , ورويدا رويدا , نسى الكون من حوله , نسى أن هناك من يراقبه , وهناك من يسمعه ,

وارتفع صوته بالدعاء مصحوبا ببكاء شديد ونهنهة :

" يارب إشفِ أمي , يارب متخليهاش تسيبني , يارب أموت أنا وهي تعيش , يارب أرجوك إشفيها , يارب مليش غيرها فى الدنيا , يارب من غيرها مليش عيشة فى الدنيا , يارب هكون مُطيع لك وعمري ما هعصيك بس إشفهالي .. يارب .. يارب "

كان صوته مرتفعا وبكاؤه بنحيب عالٍ , ليراقبه الجميع ويبكي البعض على بكائه,

وعندما أتم صلاته , نظر فرأى الكل ينظر إليه , فغالبه الخجل الشديد , فأخذ حذاءه وفر من المسجد فرارا

ليلحقه أحدهم مناديا .. " فتحي.. فتحي "

إلتفت فتحي ليجد محمود.. الشيخ محمود.

كان الشيخ محمود من زملاء فتحي العابرين , لا يدور بينهما حديثٌ إلا بعض الأحاديث السريعة المقتضبة , وبينما قد يكون محمود لا يعرف شيئا تقريبا عن فتحي إلا إسمه , كان فتحي يعرف كل شئ عن محمود !!

فقد كان من الشباب الملتحيين اللافتين للنظر, فوجهه ذو البياض الناصع , مع شعيرات لحيته المتفرقة باللون الأصفر أمورٌ جعلته مميزا عن أصحابه الملتحيين !!

مالك يافتحي؟ سمعناك بتدعي لوالدتك.

آه .. أصل الحاجة بعافية شوية.

سيشفيها الله ويعافيها , فلا يُخيب الله دعاء إبن صالح مثلك لها.

آمين ياشيخ محمود , ربنا يشفيها ويخليها ليا, بس هو ياشيخ محمود مافيش حاجة ممكن أعملها لها غير الدعاء !!

بالطبع يوجد !! الدعاء المستجاب له شروط عدة , يجب أن توفرها كلها, وأيضا دعاؤك وأنت متمسكٌ بسنة النبى صلى الله عليه وسلم يختلف عن دعائك وأنت تارك لسنته, وأنا أرى فيك سمت الصالحين لا ينقصك إلا بعض الجهد القليل.

أتمسك بسنة الحبيب صلى الله عليه وسلم إزاي ؟ أنا بعمل كل حاجة كويسة , حتى ما بكلمش أي بنت من بنات الكلية !!

ياأخي الحبيب , اللحية ! أنا أتحدث عن اللحية , فهي سنة ثابتة عن الرسول صلى الله عليه وسلم , وكذلك تقصير الثوب قليلا .

بس اللحية ممكن توديني فى داهية !! ممكن يقبضوا عليا بسببها !!

أطع الله والرسول ولا تخشى إلا هو , يحفظك الله ويكن دعاؤك مستجابا , وإحنا كلنا معاك, توكل على الله وسيفتح الله عليك فتحا كبيرا , وعلى والدتك إن شاء الله.

ذهب فتحي واعدا الشيخ محمود بالخير , ذهب والتفكير يأكل رأسه , والخوف يملأ قلبه , ولم يكن لذلك من حل إلا كوب كبير من الليمون المثلج !!

بعده .. قرر فتحي أن يلتحي وأن يُقصر الثوب , وينتظر شفاء أمه القريب !!

بعد بضعة أيام ظهرت لفتحي لحية بسيطة , لم يكن ليلحظها أحد لو لم تكن مصحوبة بسروال قصير أيضا يرتديه , وعندما علم ياسر المتغيرات الجديدة , قرر أن يبتعد عنه , فهو الآن موضع شبهات , وقد يجلب له الفصل من كلية الشرطة !!

لم يكن يتوقع فتحي من ياسر ذلك الفعل , ولكنه لم يكترث , فالدنيا تهون أمام شفاء أمه , وإن كانت اللحية وتقصير الملابس سيشفيها , فسيفعله وإن قاطعته الدنيا كلها , وإن إبتعد عنه ياسر , فهذا أهون كثيرا مما فعله بالفعل , أنه كسر كلام أمه وتمرد على بعض حكمها !

إلتزم فتحي بأصحابه الجدد , كان يأكل أكلهم , ويشرب شربهم , ويدعو دعاءهم , ويجلس مجالسهم , كان مُنتبها ومجتهدا فى تقليدهم , خاصة محمود قدوته الجديدة , وصاحب الحكم المؤقت لحين شفاء صاحبة الحكم المريضة ,

كان يملك يقين تام بأن شفاء أمه قريب , وأن إستجابة دعائه ماهى الا مسألة وقت ,فدعاء الملتحي المقصر الملتزم سيستجيبه الله بالتأكيد ,

حتى أن فتحي كان يتغاضى عن بعض الأفكار الغريبة التي يسمعها من محمود , ويتجرع بعض أكواب الليمون المثلج ليُبعد رفضها عن رأسه ,

فهو لا يستطيع أن يقتنع أن الخروج فى مظاهرة هو أمر حرمه الله , ولكنه فقط قد يكون مضيعة للوقت والجهد , لكن كيف يُحرِّم الله مطالبة صاحب حق بحقه !!

لكن الليمون كان يُبعد عن رأسه تلك الأفكار التي قد تؤجل شفاء أمه , وهو لا يريد شيئا إلا شفاءها.

وتعلّم فتحي من محمود الكثير فى هذه الفترة , وعلم بعض ما كان يدور فى صدره هو وأصحابه ولم يعرفه عنهم مع طول مراقبته لهم !!

علم أن حليقى الذقون الذين يشاركونهم المسجد , هم أصحاب بدعة من جماعة الإخوان المسلمين , وأن ما يفعلونه حرام شرعا , فهو يُعد خروجا عن الحاكم , وأنهم مضيعون لسنة النبي , فمافيهم من ملتحٍ , ولا فيهم من مقصر.

بس أحمد مكرم ميظهرش عليه أبدا إنه صاحب بدعة , أو إنه مش كويس !! دا كل علامات الطيبة والتقوى ظاهرة عليه .

قالها فتحي للشيخ محمود ليرد عليه محمود بلغة العارف بالشيء :

لا يخدعك ذلك , فالمبتدع من غيّر وبدَّل , وهم جميعا غيروا وبدلوا , وخروجه فى المظاهرات -كما أخبرتك- حرام شرعا .

إنت مش قلتلي إن الشيخ أبو إبراهيم هو أعلم أهل الأرض؟

نعم , إنه عالم جليل , الله يكرمه ويبارك فيه , ماشاء الله علمه غزير ووافر.

سمعته إمبارح بينادي بنصرة فلسطين , وأن نتظاهر نصرة لها .

أعوذ بالله ! أعوذ بالله أن يكون قد قال ذلك ! لقد خُيَّل لك ما قاله بالتأكيد , أو لم تفهم معنى كلامه.

ياأخي أنا متأكد , صدقني.

ياأخ فتحي أنت علمك مازال قليلا ولقد فهمت معنى كلامه بطريقة خاطئة , فحاشى لله أن يكون قد قال ذلك , فهو من أهل السلف المحافظين على سنة الحبيب ولا يحيد عنها أبدا !!

طيب , إزاي ننصر فلسطين ؟!!

بالدعاء ,لا تستهين بسلاح الدعاء .

وسلاح المقاطعة ؟

إنه سلاح بإتجاه صدورنا نحن وليس بإتجاه صدور الأعداء !! فكل بدعة ضلالة ولن ينصرنا الله ببدعة.

ولكن الدعاء وحده ممكن ينصرنا؟ مش زمن المعجزات إنتهى؟

الله قادر , والدعاء سلاح من يؤمن بالله فقط , ولا تنسى أن هذا السلاح هو من سينقذ والدتك من مرضها .

آه , إن شاء الله عن قريب , خلاص أنا موافقك على كل اللي بتقوله ياشيخ محمود , إنت أكثر علما وتعرف أكثر مني بالتأكيد .

بارك الله فيك , فما أنا إلا طالب علم , يجب أن تشاركنا كثيرا من دروس العلم , حتى تعرف كيف تبتعد عن البدع , وتحفظ الله , وتحفظ سنة رسوله.

معك إلى آخر الطريق , بس هو إمتى ربنا هيشفي أمي ؟

ياالله !! خُلق بالفعل الإنسان عجولا !! يافتحي إصبر وستجد خيرا , وسيشفيها الله عن قريب , قد يكون الله لم يجد فى قلبك كمال الحفاظ على سنته والبغض لكل بدعة , تقرب له بالسنن واكره البدع من كل قلبك وابتعد عنها , وستجد الإستجابة بأم عينك قريبا.

أنا بكره البدع بكرهها , وعمري ما هعمل حاجة فى حياتي إلا السنن .

بارك الله فيك

كان فتحي صادقا فى كلامه , وأصبح من بعد جهل كبير بالدين ..الشيخ فتحى !! يدافع عن اللحية , ويدعو لها , ويهاجم كل بدعة , ويشكك فى أي تغيير ,

كانت تملأه الحماسة , وأصبح يشعر بأنه إمتلك من العلم الديني الكثير , وأنه أصبح من طلاب العلم مثله مثل الشيخ محمود ,

وأيقن وقتها فقط أن شفاء أمه أصبح وشيكا .

وبينما هو خارج من المسجد يوما , وجد إثنين مرتديين الملابس المدنية يسدان عليه الطريق , وضع أحدهما يده على كتفه , بينما الأخر فى مواجهته ,

طلع بطاقتك ياروح أمك !

تصاعد الدم فى رأس فتحي , من الذى يجرؤ أن يضع إسم أمه فى جملة لا يحبها !

وقبل أن يرد بعنف , لمح سيارة الشرطة على جانب الطريق , فأيقن أنهما من الشرطة ,

أنا معملتش حاجه

معملتش حاجه ؟ طيب تعالى نوريك عملت حاجه ولا لأ .

سحباه إلى عربة الشرطة وأخذاه إلى قسم الشرطة , وهناك بدأت التسلية .

عرف فتحي أن بعض الأفلام واقعية أكثر مما كان يعتقد , فما يشاهده هو فيلم عربي هو بطله , فالإهانات كانت جسدية ولفظية , في حفل ماجن على شرفه.

محدش يضربني !! أنا عايز كباية لمون !

كباية إيه !

لمون !

ضحك أصحاب الحفل حتى تساقطت دموعهم من الضحك, وتعجب فتحي لأمرهم , هل يضحكون مثلما نضحك؟ هل هم مثلنا ؟

إيه رأيك فى كباية اللمون دي !!

أتبع ذلك بضربة قوية على ظهره , ولم يكن هناك بد من الثورة , فليس هناك أكواب من الليمون يقدموها لأمثاله فى أقسام الشرطة .

بصوت عالي صرخ فيهم :

إنت بتعمل إيه؟ أنا عملت إيه عشان تعمل كده ؟ أنا عمري ما أذيت حد , أنا مصري زيك , أنا مسلم , أنا متدين , أنا بعرف ربنا , إنتم ما تعرفوش ربنا ؟ هو أنا مسلم وأنتم كفرة بتعذبوني ؟ أنا صاحبي طالب فى كلية الشرطة , حرام عليكم حرام عليكم حرام عليكم .

توقف المخبرون إندهاشا , وهم يتعجبون من صاحب الليمون الذي نطق !!

ثم عادوا للضحك الماجن مرة أخرى , وعادوا الى حفلتهم الصاخبة.

كفاية !!

نظر فتحي صوب صاحب الصوت , ضابط بثلاثة نجوم على كتفه , يظهر عليه العز , والمهابة

كفاية كده , وإنت يابني شوية وهنطلعك مش عايزين دوشة, فى مرور هيخلص ونطلعك .

بس كده ؟! دي كل الحكاية ؟ إنت ماشفتش عملوا فيّا إيه ؟ ماسمعتش وماشفتش إهانتهم ليا من غير سبب؟

إسكت , عشان تخرج !! هتعمل فيها مصطفى كامل يبقى هتقعد معانا لحد ما تعرف إنك مش مصطفى كامل .

صمت فتحي , وبلع غضبه , وأصابعه فى لحيته يتحسسها فى عصبية , بينما لا يشعر بآلام جسده من تأثير غضبه ,

ومساءً .. أخلوا سبيله!!

وعندما عاد إلى بيته منهكا , وجد جيرانه فى الشارع مجتمعين عندهم فى البيت , أيقن أن المعجزة قد حدثت , ودعاؤه أخيرا قد أُستجيب , فقلبه قد ملأه حب السنن وكره البدع والتبديل , وقد تم إيذاءه بسبب ذلك !!

دخل البيت متخطيا النساء والرجال دون أن ينتبه لزيهم الموحد , ولم يلتفت لدموع أخواته البنات , فدموع الفرحة ليس لها مثيل ,

وعند حجرتها , أوقفه أبوه , وهو يبكي محتضنا إياه , فبادره فتحي قائلا :

إيه يابابا !! إنت كنت شاكك إن دعائي ربنا هيستجيبه ؟ الناس كلها موجودة عشان تعرف إن اللحية والتقصير لازم يلتزموا بهم , عشان ربنا يشفيهم , ويستجيب دعاءهم , ولازم يبعدوا عن أي بدعة عشان كل بدعة ضلالة !

إيه يابابا ؟ هو دموع الفرحة بتبقى كتير كده؟ أول مرة أعرف إنها كتير كده !! أسمع إن فى ناس لما بتفرح بتعيط , بس مكنتش أعرف إنك وإخواتي منهم !! بس هي كتير كده؟

عديني يابابا أشوف أمي بعد ما ربنا شفاها , بعد ما ربنا إستجاب لدعائي ,

عديني أتـأسف لها عشان كسرت كلامها.

بابا !! عديني بقولك !! وإنتوا يابنات وزعوا شربات !!

وإيه كل الستات لابسة إسود كده ليه !! إنتم جايين عزاء !! إلبسوا حاجة تانية !!

ولا أقولكم , إلبسوا النقاب أحسن عشان ربنا يشفيكم ويشفي أهاليكم .

بابا !! بطل تبكي عشان كده ماما هتضايق , وعديني !

أسكت !! أمك ماتت يافتحي .

بطل !! إنت خرفت !!

أمي خفت !! إنت مش فاهم حاجة !! بص لقلبي , بيكره البدع , والله بيكرهها , شوف بنطلوني , مقصره جدا , ولحيتي خلاص أطلقتها , إنت أكيد مش فاهم , أكيد مش شايف كويس .

أمك ماتت يافتحي , أمك ماتت .

أمى ماماتتش , إنت اللي مت , إنتم كلكم اللي متوا , أمي مامتتش .

ودخل فتحي غرفة أمه مندفعا , وأمسك بجسدها رافعا رأسها عن الوسادة :

قوليلهم إنك مامتيش , قوليلهم إن ربنا إستجاب لدعائي , قوليلهم إنهم كدابين ,

إنتِ مابتقوليش ليه ؟

هي ما بتقولش ليه يارب ؟

قولي ! إنطقي !

بس , بس ! أمك ماتت , سيبها وإستهدى بالله , أمك فى الجنة , أمك ماتت يافتحي ! ماتت .

ماتت ! واللحية ! والبنطلون القصير ! والبدعة ! والمظاهرات ! وأحمد مكرم ! والشيخ محمود !

إنت فين يارب ! إنت مش وعدتني يارب ! طولت لحيتي وقصرت بنطلوني وكرهت البدع

فين وعدك يارب ؟! يارب فين إستجابتك للدعاء يارب ! فين إستجابتك يارب !

وخرج فتحي راكضا إلى الشارع , يركب وينزل حتى وصل إلى بيت الشيخ محمود وهو فى حالة يُرثى لها , طارقا الباب بكلتا يديه ,

فتح الشيخ محمود الباب ولحيته الصغيرة تسبق وجهه, وجه طالب العلم ! صاحب الثمانية عشر عاما !!

فتحي؟ مالك ؟

فين الوعد؟ أمي ماتت ليه؟ إنت مش وعدتني؟

لا حول ولا قوة إلا بالله , إنا لله وإنا إليه راجعون .

لا !! إنت عيل ولا إيه؟ إنت رجعت فى كلامك ؟؟ إشفيلي أمي !

إيه الكلام دا يافتحي تماسك شوية , هو أنا اللى بشفي ؟ الله هو الشافي !

والله ماشفهاش ليه ؟ أنا سمعت كلامك وعملت كل اللي قلتلي عليه , واللحية أهيه والبنطلون أهو والسنن فى قلبي والبدع بكره سيرتها , مستجبش ليه ؟!

فتحي ! إنت هتكفر ! ربنا أعلم بالخير.

ربنا ؟! أنا ربي اللي بصلي ليه غير ربك إنت !! ربي مابيخلفش الوعد !! وربك بيخلفه .

ياكافر ! إرحل من هنا يانجس , قطع الله لسانك , إذهب إذهب ولا تعد.

ذهب فتحي راجعا , وهو يبكي , وعند أول مقهى قابله , ألقى بجسده وطلب كوبا من الليمون , بل إثنين , بل قد يكون وصل عددهم إلى عشرة أكواب أو عشرين من الليمون المثلج !!

وبعدها .. ذهب إلى أقرب حلاق وحلق ذقنه , ورجع إلى البيت يجر رجليه جرا وقد هدأ غضبه , وتزعزع إيمانه بالله ,

تم دفن أمه صباحا, وترك هو أخذ واجب العزاء ليقوم به والده , وانكب على عصير الليمون المُثلج يتقرعه كما يتقرع النديم خمره !

وعاد ياسر إلى صحبته بعد حلاقته للحيته , وتقبله فتحي وكأن شيئا لم يكن !

وبعد إلحاح شديد من ياسر, أخذ فتحي بنصيحته واشترى كمبيوتر وأخذ وصلة إنترنت من جار له , ليشغله عن حزنه , مع أكواب الليمون,

ودخل فتحي فضاء الإنترنت المفتوح , بقلب حزين , وعقل يفصله بين الإيمان والكفر شعرة !

وكانت نصيحة ياسر مثمرة , فقد ألهاه عالم الإنترنت عن عالم الحزن.