(4)

6 0 00

(4)

بدأ فتحي تعامله مع الإنترنت بتصفح معلومات لم يكن يتخيل أن يحصل عليها بسهولة عبر ذلك الفضاء اللامتناهي , لم يكن همه التعرف على الفتيات , أو دخول حجرات الدردشة , فيبدو أن صدمة فقد أمه وإن زادته شكا فى كل شيء إلا أنها زادته نضجا.

وأصبحت قراءة الأخبار ومتابعة الأحداث والمقالات هي شغله الشاغل ,

كان يرى كيف يتغير تفكيره ويرى الدنيا من منظور آخر بهذه الثقافة المنسابة إليه عبر أثير الإنترنت, ولم يكن يسيئه شيئا إلا إكتشافه أن حِكَم أمه ومعلوماتها بها كثير من الأخطاء , بل أغلبها خاطئ !!

تخلص من خجله وإنطوائه خلف شاشة الكمبيوتر المضيئة , فما يجري بين أصابعه من أزارار الكمبيوتر , قد لا يتمكن أن يجريه على لسانه.

وبدأ من هنا الدخول فى مناقشات حول السياسة و العلم والكرة , والديـــن !!

الدين , الذى أهمله بشدة , فبعدما كان مصلياً قارئا للقرآن صائما ومحافظا على السنن كل الحفظ , ترك كل ذلك تماما , بينما تساوره بعض الشكوك والوساوس التي يحاول أن يبعدها عن رأسه , ينجح أحيانا ويفشل أحيانا , حتى زادت وساوسه و أبت أن تُكتم بداخله , فباح ببعضها إلى ياسر.

ليه ربنا خلقنا ؟

همممم معرفش .

عشان نعبده .

صح عشان نعبده .

ونعبده ليه ؟

عشان ندخل الجنة , ربنا وعدنا بكده .

زي ما وعدني إنه يشفي أمي !

ياشيخ فتحي العيال أصحابك هما اللي وعدوك بكده , مش ربنا .

بس أنا كنت بعبده عشان يشفيهالي .

ما إنت كنت المفروض تعبده لذاته , فهو سبحانه وتعالى يشفي لك أمك , مش عبادة مصلحة يعني !

وإنت بتعبد ربنا ليه ؟ مش عشان تدخل الجنة زي ما إنت قلت ؟

آه

يبقى إنت كمان بتعبده عبادة مصلحة , وزي ماشفاش أمي , مش هيدخلك الجنة , مش هيدخل حد فينا الجنة !

واد يافتحي , أنا قايم أروّح , إنت هتلعب لي في دماغي بكلام فلسفة أنا مليش دماغ له, سلام .

ذهب ياسر , وترك فتحي غائصا فى أفكاره , بينما أصبح صوتها أعلى في رأسه بعدما تجرأت وخرجت وجرت على لسانه, كانت الإجابات مبهمة , والمصدر مشوش , فالعلم من الإنترنت كمطاعم الوجبات السريعة , لا تأخذ حظا كافيا من الطهي , وتختلط مكوناتها وتمتزج فلا تستطيع فصلها أو تحديد ملامحها,

فالإنترنت يعطي لك نبذة , لا تضاهي القراءة في كتاب يجمع لك التفاصيل بالشرح والتحليل , ولا يضاهي بطبيعة الحال التعلّم على يد مُعلم ماهر , يعطي لك المعلومة بالطريقة التي تستوعبها بها , ويُجيب عن أسئلتك لتستوعب الإجابة وتستقر فى عقلك بكامل تكوينها.

وفتحي كان عقله مليئا بتلك النبذات , التي صادفت قلبا به شك من هول صدمة فقد أمه , وصدرا مليئا بالفراغ التي تركته برحيلها , لكنه كان يعتقد بأن عقله فلتة من فلتات الزمن , فأعطاه حجما أكبر من حجمه.

وبعد إجابات ياسر البئيسة , وعلو صدى الوساوس , أخذ فتحي وساوسه وتساؤلاته ودخل بها إلى الإنترنت , يسأل ويتقصى ويتابع , وكان فريسة مهيئة للإصطياد.

طرح تساؤلاته وانتظر , لتنهال عليه الإجابات , والتعاطف , والحب , والإهتمام , والتصفيق !

شعر بقيمته , أصبح هو محور إهتمام الجميع في ذلك العالم الموازي , وبعدما قرأ كثيرا من الردود عليه

وجد ذلك الرد الختامي فى ركن من الصفحة , صفحة الإنترنت , وصاحبة الرد ذات الصورة المُختلفة عما اعتاد أن يراه , ذات ملامح مريحة , مرحة , وشعر لا تخجل من كشفه , ونحر يجذب العين , وجسد ممشوق , وتفاصيل لا تخفيها ثياب أنيقة ترتديها فى صورة تملأها البهجة .

" الله غير موجود , وإن كان موجودا فهو لا يستحق العبادة "

صادفت العبارة الأخيرة هوىً في نفسه , مع صورة السيدة صاحبة الرد , فأخذ الرد معه . وفضوله يصحبه , وبدأ مراسلة صاحبته .

دامت المراسلات بينهما كثيرا , وعرف أخيرا معنى أن تكون الحياة مُبهجة ,

هي .. سيدة فى العقد الرابع من عمرها , متزوجة وسعيدة في زواجها , لها طفلين بنت وولد , لم يؤثروا على جسدها فمازال قوامه كقوام السبّاحات , تشرب الخمر أحيانا , وترقص فى أغلب الأحيان , تخلصت من الدين والخوف من الآخرة , فأصبحت حياتها جنة لم يعدها بها رب المؤمنين .

كان هذا تعريفها لنفسها , رأى فى حياتها المثالية التي يبحث عنها , بل يبحث عنها أي إنسان ,

قرر , وخلع رداء دينه , وأعلن إلحاده.

فتحي.. أصبح ملحدا.