القسم الثاني

6 0 00

القسم الثاني

لم يكن فرانك لانج وأبولين دوفيل متفقين، تونس لن تقف على قدميها، قال رجل التحري الخاص، ستقف تونس على قدميها، قالت ضابطة الدي جي إس إي. أن نستثمر هناك، أضافت الشقراء الفرنسية، وأن نبني المصانع. ضحك فرانك لانج، وراح يردد: يوتوبيا! يوتوبيا! لما تعاني فرنسا من ركود الأعمال ما تعاني، ولا تجد كيف تخرج من أزماتها، كيف سنستثمر هناك، ونبني المصانع؟ لم يكن دافع ذلك التشاؤم، كان دافع ذلك الحس التاريخي. التاريخ عجوز، ونحن نعيش في آخر مراحله: الشيخوخة. إذا مات متنا كلنا، فالتاريخ أوحد، ولن يولد تاريخ جديد، فمن أين يولد؟ التاريخ بركان، ونحن في جوفه، وهو في أقصى فورانه، وهو في أقصى نَوَمَانه، ومن يقول بتغيير النظام العالمي ليتغير كل شيء لهو مخطئ، لأن التاريخ نفخ كل الأنظمة على شتى أنواعها من ضلعه، والنظام العالمي هذا هو آخر نظام، النظام الأخير. أما ما يقال عن الثوريين الجدد كالقدامى، فكله كلام منمق، لأن الإناء بما فيه ينضح. كل هؤلاء عينات زمنهم، لربما كانت عينات تختلف شكلاً، ولكنها تتشابه فعلاً، وهذه هي تونس بالثلاثي الذي يحكمها اليوم كأحسن مثال.

وعلى العكس، كان فرانك لانج وأبولين دوفيل متفقين عندما يتعلق الأمر بالقيم العليا للإنسان، هذه القيم التي لا تشيخ، والتي بها يمكن تجاوز أقسى الشروط، والذهاب مع التاريخ إلى نهايته بشكل أقل تراجيدية. بنات هوى تونس اللواتي يبعن مفاتنهن في باريس ليملأن خزائن الدولة بالعملة الصعبة بعد كساد السياحة فكرة ثورية من ناحية، ومن ناحية فكرة مهينة ومشوِّهة ومستلِبة. إذن صفقة القِوادة هذه يجب إيقافها، ولإيقافها يجب الذهاب إلى تونس. لن تتوقف العملية بفضح بعض الأسماء، لأن عملية كهذه في البؤس التونسي هي بالفعل ثورية، وهي بالفعل تاريخية، ستتكلم وسائل الإعلام، وستكون ضجة، لكن لن يلبث أن يهدأ كل شيء. يجب الذهاب إلى تونس، والبحث مع الحكم الجديد عن وسائل أخرى تتحايل على التاريخ بقدر ما يستطيع الخيال إنتاجه، فالتاريخ لا يمكن خداعه بسهولة. عندما يكون العجز كاملاً، وتنعدم الوسائل، يبقى الخيال من أجل البحث عن مخرج غير مهين وغير مشوِّه وغير مستلِب.

*

كان من المنتظر أن تكون لبنى بن عثمان، رئيسة جمعية بنات الهوى، باستقبال أبولين دوفيل وفرانك لانج في مطار قرطاج، فتقدم من أبولين دوفيل وفرانك لانج شاب ذو لحية شقراء ناعمة، وقال لهما إنه قادم من طرفها.

هل وقع لها شيء؟ سألت ضابطة المخابرات الخارجية.

لم يقع لها شيء، أجاب الشاب، إنها متوعكة.

كانت على الهاتف مساء أمس لا تشكو من شيء، قال رجل التحري الخاص، وهو يلمس اللصقة الصغيرة التي على جبهته.

في تونس اليوم لا تسأل كيف كنت مساء أمس، قال الشاب.

إلى هذه الدرجة؟ تهكمت أبولين دوفيل.

إلى هذه الدرجة، ابتسم الشاب، قبل أن يشير إليهما باللحاق به.

سار الشاب ذو اللحية الشقراء الناعمة بسرعة، وهما يسحبان حقيبتيهما، ويغذان السير من ورائه دون أية صعوبة، فالمطار فارغ تقريبًا، وليس هناك الكثير من المغادرين كالقادمين. خارج المطار، فتح الشاب صندوق سيارة مرسيدس سوداء، وضعا فيها حقيبتيهما، وهو يقول لهما:

ستنزلان في فندق ابن خلدون.

لو كان ابن خلدون هنا! قالت أبولين دوفيل لفرانك لانج، والشاب يبتسم دون أن يفهم شيئًا.

إنه قريب من كل شيء، أوضح الشاب.

وهل سنذهب لنرى لبنى بن عثمان؟ سأل رجل التحري الخاص.

هي من ستأتي لتراكما، قال الشاب، وهو يشير إليهما بالركوب.

متى؟ سألت ضابطة المخابرات الخارجية.

لا أعرف، أجاب الشاب، وهو يركب، ثم بعد أن ركبا، وهو يسوق: لا تقلقا من أجلها، ارتاحا من عناء السفر، وكل شيء سيكون كما تريدان.

وسيارة المرسيدس السوداء تشق بهما شوارع تونس، كانا ينظران من حولهما، ويريان أن كل شيء كما يعرفانه في زمن العهد القديم. كانت الشمس القوية نفسها، والبنايات البيضاء، والعابرون الذين يبدو عليهم التفكير في شيء لا يعرفه أحد غيرهم. كان يطبع وجوههم كل غموض الغربة على الرغم من وجودهم في بلدهم، وكان يثقل هاماتهم كل عناء الوقت على الرغم من بطء عقارب الساعة. وسيارة المرسيدس السوداء تصعد بهم شارع الحبيب بورقيبة، لفت انتباههما أن أرصفة المقاهي خالية من الرواد، لكنهما لم يلاحظا أي فرق في المعاملة بين محجبة وسافرة. كانت كل امرأة تمضي في سبيلها، وكل رجل يمضي في سبيله.

أرصفة المقاهي لماذا خالية؟ سأل فرانك لانج الشاب.

لأن الناس اليوم يفضلون الذهاب إلى المساجد، أجاب الشاب، وهو يبتسم.

والكحول؟ عاد فرانك لانج يسأل.

ماذا الكحول؟ طلب الشاب.

هل هو ممنوع؟

لا.

قال رجل التحري الخاص وضابطة المخابرات الخارجية لنفسيهما، أرصفة المقاهي خالية من الرواد ليس لأنهم اليوم يفضلون الذهاب إلى المساجد. كانت رائحة من الكبت تفوح في الأجواء كرائحة الياسمين الذي تباع باقاته إلى جانب كل أنواع الزهور في الرصيف الأوسط للشارع الشهير.

أول ما ترك الشاب أبولين دوفيل وفرانك لانج في فندق ابن خلدون، أخذا تاكسي إلى جمعية بنات الليل. لم يريا مسئول الاستقبال، وهو يتلفن ليخبر عن خروجهما، لكنهما وجدا باب فيلا الجمعية مغلقًا، وكذلك نوافذها. أعطيا للسائق أجرته، وتركاه يذهب. سيدخلان على طريقتهما، وسيحاولان فك كل هذه الألغاز، أليست هذه هي مهنتهما؟ دارا حول الفيلا، وبحجر كسرا زجاج نافذة، وأمكنهما بعد ذلك الدخول. في الصالون كانت عدة لوحات معلقة لأشهر المساجد في العالم، وعلى جدار الدرج الصاعد إلى الطابق الأول علقت صورة كبيرة لزعيم الإسلاميين، ماجد الغنوجي. في غرفة بالوجه المقابل دخلا، كان مكتب لبنى بن عثمان. عرفا أنه مكتبها من صورتها، وهي محجبة. بحثا عما يساعدهما على فك اللغز الذي صارته دون أية فائدة، لم تكن هناك وثائق ولا صور ولا فواتير، لم تكن هناك ظلال ولا آثار ولا لطخات.

وهما ينزلان الدرج، إذا بهما وجهًا لوجه مع امرأة تبتسم لهما، وهذه تقول لهما:

اطمئنا، أنا لست منهم، كنت هناك عندما جاء التاكسي بكما، فتبعتكما عن كثب.

سلمت عليهما بحرارة:

أنا رئيسة جمعية المعلمات، واسمي نزيهة، نزيهة الشابي، الشابي كالشاعر.

ابتسمت أبولين دوفيل كما لو كانت تبتسم لإحدى آلهات الفينيقيين، كانت نزيهة الشابي تتألق، خداها الحمراوان لخجل سري، وعيناها الواسعتان المضيئتان بكل أسرار العبادة، ولون بشرتها الأبيض الأحمق، الأحمق لأنه لم يكن بياضًا لكل فتيات الكون.

ما الذي تريدين قوله لنا، مدموزيل شابي؟ طلب فرانك لانج بلهجة جافة.

قطعت نزيهة الشابي ابتسامتها، وتوجهت بالكلام إلى أبولين دوفيل:

لبنى بن عثمان في أيدي الوحدة الخاصة.

لم تزل هناك وحدة خاصة بعد بن علي؟ سألت الفرنسية الشقراء، وهي تداوم على الابتسام للإلهة الفينيقية.

تجدونها الآن في أقبية وزارة الداخلية، كشفت رئيسة جمعية المعلمات.

لماذا؟ عاد فرانك لانج يطلب بلهجته الجافة، قولي لنا لماذا، مدموزيل شابي.

باختصار لأنها رفضت تعهير المعلمات، قالت نزيهة شابي لاهثة، وقبل ذلك تعهير الموظفات، وتعهير العاطلات عن العمل، وتعهير نساء المنازل، النساء عامة، تعهيرهن، وبدلاً من ذلك استنفرت الجمعيات والنقابات على الحكم، فكان القرار بمعاقبتها أقسى عقاب.

انهارت رئيسة جمعية المعلمات، وانفجرت تبكي، فأخذتها أبولين دوفيل بين ذراعيها، وهدأتها.

لا تبكي، يا حبيبتي، همست لها.

فجأة، توقفت نزيهة الشابي عن البكاء، وقالت:

يجب إنقاذ الابنة الحق للثورة.

سنذهب إلى وزارة الداخلية، لانج، قالت أبولين دوفيل لرجل التحري الخاص.

وماذا سنقول لهم؟ تهكم فرانك لانج. لبنى بن عثمان زائرة تنزل في مضيفكم، ونحن نريد أن نراها؟

بالضبط، هذا ما سنقوله لهم. هم يعرفون من أنت، من أنا، ولسوف يستجيبون، وإلا جعلنا من الحادث حدثًا عالميًا، أليسها الأحداث التي تصنع التاريخ، ويصنعها؟ أم أنك نسيت؟ ولا تنس أنك تنزل في فندق ابن خلدون على حسابهم، يعني أنهم يعترفون بك، ويقدرونك حق قدرك، ويحسبون ألف حساب كيلا يثيروا غضبك.

سأوصلكما بسيارتي، قالت نزيهة الشابي، وهي تتألق من جديد متجهة نحو الباب.

لكنه موصد، يا حبيبتي، أوقفتها الفرنسية الشقراء.

لقد نسيت تمامًا.

بعدك، يا حبيبتي.

جعلتها تخرج من النافذة أولاً، ثم خرجت هي، ففرانك لانج.

*

ما أن غادر فرانك لانج وأبولين دوفيل ونزيهة الشابي المكان في السيارة الفورد الزرقاء حتى وصلت سيارتان مرسيدس سوداوان فيهما عدد من أفراد البوليس السري، كانوا كلهم من أصحاب اللحى. حطموا باب فيلا جمعية بنات الهوى، ودخلوا كالمجانين. رأى رئيسهم زجاج النافذة المحطم، وفهم كل شيء. أخذ يصرخ في مأموريه، ويضرب، وهم يتدافعون إلى حيث كانت سيارتا المرسيدس السوداوان. امتطوهما، وذهبوا بسرعة البرق.

قالت رئيسة جمعية المعلمات، وهي من وراء مقودها:

لم يتغير شيء في وزارة الداخلية، وحدتها الخاصة، هي والبوليس السري ظلتا رب تونس. ما تغير في العهد الجديد خوف الناس الذي غدا أقل من السابق، أو لم يعد له وجود. لهذا هم لا يكمشون أحدًا بمخالبهم إلا بعد أن يحسبوا للأمر ألف حساب، وحالة لبنى بن عثمان خير مثال.

ولماذا أرصفة المقاهي فارغة؟ سأل فرانك لانج.

لأن الناس اليوم يفضلون الذهاب إلى المساجد، رمت نزيهة، وهي تبتسم. ثم نفت: لا، ليس صحيحًا.

ربما لأنهم يثرثرون كثيرًا، وهذا ما لا يحبه البوليس السري، علقت أبولين دوفيل.

المقاهي دومًا ما كانت أفضل مكان للثرثرة، أوضحت نزيهة الشابي، ولكن ليس هذا هو السبب. السبب هو البحر.

ماذا؟! صاح الفرنسيان بصوت واحد.

يشاع أن شواطئ تونس ستعرض للبيع من أجل إحياء السياحة، أجابت رئيسة جمعية المعلمات، وكل التوانسة يقومون ويقعدون على الرمال بعد أن توزعوها فيما بينهم... نحن لسنا بعيدين الآن عن وزارة الداخلية.

فكرة جهنمية لانج، تهكمت ضابطة المخابرات الخارجية، لو كان ابن خلدون هنا لقال لك كل شيء.

أكثر ما يشغلني الآن مصير رئيسة جمعية بنات الهوى، همهم ضابط التحري الخاص.

هنا، قالت نزيهة الشابي، سأقف هنا، من الأفضل ألا يعرفوا أنني أحضرتكما. اقطعا الرصيف، وعلى بعد مائة متر وزارة الداخلية، ستعرفانها بسهولة من بنايتها الرمادية على عكس كل بنايات تونس البيضاء.

نزلا من السيارة، وهي تضيف:

بالطبع سأنتظركما.

وتألقت ابتسامًا، وللمرة الأولى لاحظت أبولين دوفيل أن غمازتين وسط خديها التفاحيين نقرهما عصفور مغرم، وأن لون شعرها مزيج من الخروب والحناء.

*

بعد أن قدما نفسيهما إلى رئيس الوحدة الخاصة، ولماذا كانا هناك، قال لهما الكولونيل الذي بقي جالسًا من وراء مكتبه، تحت صورة لبن علي، إن لبنى بن عثمان، غادرت وزارة الداخلية إلى الجولاج.

ماذا؟! صاح الفرنسيان بصوت واحد.

إنه معتقل حمام الشط، أوضح الضابط، قبل الثورة هكذا سماه الناس، الجولاج، وبعد الثورة بقي اسمه على حاله.

هل أنت واثق مما تقول كولونيل؟ سأل فرانك لانج بلهجة خشنة.

كيف لا أكون واثقًا، وأنا من أرسلها هناك، نبر الضابط.

ولكني لا أثق بما تقول كولونيل، قذفت أبولين دوفيل في وجهه.

انتهى عهد الكذب كابتن دوفيل، قذف الضابط بدوره في وجهها، تعالا معي إذا كنتما لا تصدقانني.

نهض من وراء مكتبه ببطنه الضخمة، وتعمد المرور من وراء الشقراء الساحرة، والاحتكاك بها. قهقه تحت نظرات ضابطة المخابرات الخارجية السوداء من الغضب، وأشار إلى زوج التحري بأن يتبعه.

في الطابق التحت-الأرضي، فتح الحراس الباب الحديدي الضخم أول ما رأوا رئيسهم.

ليس لدينا الكثير من الموقوفين كالماضي، همهم الكولونيل، وعليكما أن تتأكدا بنفسيكما من ذلك. بعد الثورة، لم يعد لدينا ما نخفيه على أحد.

وهم يمرون بقفص، قفز فجأة كلب شرس، وأخذ ينبح مبديًا أنيابه. أعطاه الكولونيل حبة سكر، وداعبه من عنقه، "لطيف أنت! لطيف أنت!"، ردد الكولونيل إلى أن هدأ تمامًا. في الزنزانة المجاورة، رأى فرانك لانج وأبولين دوفيل شابًا معضوضًا، وهو يغرق في دمه.

سنرسله إلى الإسعاف، أوضح الكولونيل، فلا تقلقا من أجله.

في الوجه المقابل كانت امرأة على الأرض تلهث، وهي تفتح، وتقفل فخذيها الدمويين، وتردد:

لقد اغتصبوني كلهم، أبناء القحبة، كلهم، لقد اغتصبوني كلهم!

لا تستمعا إليها، قال رئيس الوحدة الخاصة.

وهذه أيضًا يجب إرسالها إلى طبيب، قالت أبولين دوفيل.

في إحدى الزنازين، كانت ثلاث حمائم ذبيحة، وفي زنازين أخرى، كان شبان مضمدون، ولكن كانت نظراتهم ميتة.

نحن نُعنى بنزلائنا كما تريان، همهم الكولونيل.

أليس كذلك كولونيل الخراء؟ قذفت أبولين دوفيل.

شكرًا على الإطراء كابتن دوفيل! رد رئيس الوحدة الخاصة.

ولماذا أرسلتها إلى الجولاج، لبنى بن عثمان، كولونيل الخراء؟ ثَنَّى فرانك لانج.

لأن كولونيل الخراء هذا رحيم القلب، أجاب الضابط، أنا مع العنيدين لا أستطيع شيئًا أما هم...

لنخرج من هنا لانج، طلبت ضابطة الدي جي إس إي، وهي تسارع إلى مغادرة زنازين التعذيب.

لحق بها رجل التحري الخاص دون أن يفوه بكلمة، فالكولونيل الذي داعب الكلب الهائج إلى أن هدأه. في الممر، صاح من ورائهما:

مع السلامة.

فاستدارت أبولين دوفيل، وانقضت عليه كاللبؤة، مسددة قبضتها إلى كرشه الضخمة. وهو ينحني على نفسه من الألم، ضربه فرانك لانج بحذائه، وأسقطه أرضًا. زحف الكولونيل بصعوبة حتى مكتبه، وفي الهاتف، قال لاهثَا:

إنهما في الطريق إلى حمام الشط.

*

وهم في الطريق إلى حمام الشط، شرحت رئيسة جمعية المعلمات لأبولين دوفيل وفرانك لانج أن جولاج حمام الشط هو المقر السابق لمنظمة التحرير الفلسطينية حيث كانت مكاتب عرفات وسجونه التي يرمي فيها معارضيه، وبعدما ضربه الإسرائيليون، جعل بن علي منه معتقله الرهيب. لم تكن سيبيريا الفضاء لقتل الوقت والإنسان، فكان على المعتقلين أن يملأوا الأكياس بالرمل في الصباح، ويفرغوها في المساء. كانوا على موعد كل يوم مع العدم، إلى أن ينفقوا الروح.

ولماذا لم تحطمه الثورة كما حطمت ثورتنا معتقل الباستيل؟ سألت ضابطة المخابرات الخارجية، وهي ترتعش من الغضب.

الثورة لم تحطم سوى عربة محمد البوعزيزي، أجابت نزيهة الشابي بلهجة مُرة.

أنا أسمع ضحكات المعتقلين، ولا أسمع ضحكة لبنى بن عثمان، همهم فرانك لانج.

هل تعتقد أنهم قتلوها لانج؟ همهمت أبولين دوفيل مكربة.

يعذبونهم، فيضحكون، عاد رجل التحري الخاص إلى الهمهمة.

لقد قتلوها، لقد قتلوها، رددت نزيهة الشابي مضيعة.

قل لانج، هل تعتقد أنهم قتلوها؟ عادت ضابطة الدي جي إس إي إلى الهمهمة.

أنا أسمع أنغام البالالايكا، همس فرنك لانج.

لقد قتلوها، لقد قتلوها، لقد قتلوها، صرخت التونسية، ووجهها القمري يدخل في طور المحاق.

أنغام البالالايكا، عاد فرانك لانج إلى الهمس.

آه، يا إلهي! ابتهلت أبولين دوفيل.

صمت ثلاثتهم طوال الطريق إلى حمام الشط، كانت الطريق طويلة، لكنهم صمتوا، وهم يحدقون في اللاشيء، ويصغون إلى صوت البحر القادم من كل الجهات. لم يكن بحر تونس يبين للعين، لكنه كان هناك، على مقربة من جهة ما، وكانوا يسمعون صوته. كان الصوت يشبه غناء حور قرطاج، كان عذباً، لم يكن حزينًا، كان ينقل كل مرح الأمواج منذ عرائس الفينيقيين إلى شهداء سيدي بوزيد.

أول ما رأوا، وهم على مقربة من المعتقل الرهيب، الأسلاك الشائكة التي تحيط به، أسلاك غريبة الشكل، عندما تراها تحس بانغرازها في جسدك، لا شيء سوى أن تراها، مجرد أن تراها، وهي بارزة كأصابع القدر، قادرة، هيابة، قوية، مهلكة، مدمرة. أشارت نزيهة الشابي إلى ناحية لم يزل الردم فيها منذ الغارة الإسرائيلية، وقالت:

لقد حولوا هذه الناحية إلى مقبرة للجماجم.

هنا يضاجع الشيطان المعتقلات، همهم فرانك لانج.

هنا تقع المعتقلات في حب الشيطان، همهمت أبولين دوفيل.

كم من مرة حلمت في مضاجعة الشيطان، همهمت رئيسة جمعية المعلمات، وأوقفت سيارتها.

في الداخل، كان المعتقلون يملأون الأكياس بالرمل، ويرمون الفرنسيين بنظرة مرتابة. تعثرا بجثة امرأة ملقاة دون أن يبالي بها أحد، كانت عارية الفخذين، ومن مهبلها يسيل مائعًا أحمر لم يكن دمًا. ابتسم الحارس المرافق لهما، وأوضح:

جعلناها تأكل الهريسة من فرجها لشد ما كانت تحبها.

فجأة، تسلق قضبان زنزانة جماعية عشرات النزلاء المعدمين الذين هم أشبه بنزلاء أوشفتز. مدوا أيديهم ليمسكوا بالشقراء الفرنسية، وهم يبتسمون ابتسامة الموت. تأوهت أبولين دوفيل من شدة الألم، وكذلك فعل فرانك لانج، ثم وجدا نفسيهما وجهًا لوجه مع ضابط الجولاج.

باسم ستالين أرحب بكما، هتف الضابط، وهو يضرب بكعبه الأرض.

يبدو أن كل شيء على أحسن ما يرام في جولاجك، قذف فرانك لانج في وجه الجلاد.

كل شيء، كل شيء، ردد الضابط الدموي، وهو يضرب بكعبه الأرض.

كل شيء، همهمت أبولين دوفيل غائبة بعض الشيء.

أنتما هنا في زيارة رسمية؟ سأل مدير المعتقل، وهو يضرب بكعبه الأرض.

نحن هنا في زيارة خاصة، خاصة جدًا، أجاب رجل التحري الخاص، لنتعلم آخر مستجدات القمع في القرون الوسطى.

أهلاً ومرحبًا بكما، هتف ضابط المعتقل، وهو لا يتوقف عن ضرب الأرض بكعبه.

خذنا في الحال لنرى لبنى بن عثمان، رئيسة جمعية بنات الهوى، نبرت ضابطة الدي جي إس إي.

أنا لا أستطيع تلبية طلبك كابتن دوفيل مع الأسف، نبر الرجل الدموي دون أن يضرب هذه المرة بكعبه الأرض.

هل ابتلعها الشيطان؟

حتى الشيطان لم يقدر على ابتلاعها.

لماذا؟

لأنها هي الشيطان.

إلى هذه الدرجة؟

إلى هذه الدرجة، أكد مدير الجولاج، وعندما فطن إلى أنه لم يضرب بكعبه الأرض، فعل ذلك عدة مرات.

كف عن هذا، خراء! نبر فرانك لانج.

سأكف عن هذا، هتف الرجل الدموي، وهو يضرب بكعبه الأرض.

ما الذي فعلته في لبنى بن عثمان؟ نبرت أبولين دوفيل.

كل شيء، أجاب ضابط المعتقل، وهو يمسك نفسه عن ضرب الأرض بكعبه.

كل شيء كيف؟ عادت ضابطة المخابرات الخارجية تنبر.

كل شيء، الاغتصاب، الحرق، الكهرباء، الماء، اقتلاع الأظافر، اقتلاع الرموش، اقتلاع المسام، نعم حتى المسام، عدّدَ الرجل الدموي، وهو يمسك نفسه عن ضرب الأرض بكعبه مضيفَا: كهذه الثورية أنا في حياتي لم أر! ثم وهو لا يمسك نفسه.

الهيكل العظمي في الخارج هو هيكلها إذن، جمجم رجل التحري الخاص.

يؤسفني أن أقول لك لا، ليس هيكلها، وضرب الضابط الجلاد بكعبه الأرض.

أينها، صاحت أبولين دوفيل، وهي تقبض عليه من خناقه، وتهزه هزًا عنيفًا.

في مستشفى الأمراض العقلية، أجاب، والجبان يرتعد من الخوف.

أراد أن يضرب بكعبه الأرض، لكن أبولين دوفيل منعته بقدمها، وأوقعته على الأرض. سدد فرانك لانج كعبه إلى دماغ الجلاد، وخرج بسرعة مع ضابطة الدي جي إس إي. وهما يخرجان من البوابة، رأيا ثلاثة من أصحاب اللحى، وهم يجذبون نزيهة الشابي من سيارتها الفورد الزرقاء ليضعوها في سيارتهم المرسيدس السوداء، وينطلقون بها دون أن يتوقفوا على صيحات التحريين. امتطيا سيارة المختطفة، وذهبا في مطاردة لم تنته إلا بعد أن حطم فرانك لانج دعامة المرسيدس الخلفية، وفي طريق طويلة رملية كادت تلقي بهم في البحر. ها هو بحر تونس في الأخير، فكر الفرنسيان. أوقف رجال البوليس السري سيارتهم بشكل مباغت، وذهبوا على أقدامهم هاربين. خرجت نزيهة من السيارة المرسيدس السوداء، وهي تبكي، وألقت بنفسها بين ذراعي الشقراء الساحرة.