القسم الرابع

4 0 00

القسم الرابع

صرخ الشيخ، وهو يضرب على ظهر ماجد الغنوجي، رئيس الإسلاميين، المنحني على مكتبه، في بنطاله الأسود وقميصه نصف الكم الأبيض:

أخرجي، يا عدوة الله!

فلم تخرج.

أعاد الشيخ بصوت أكثر جسامة، وهو يضرب على ظهر ماجد الغنوجي بأكثر قوة:

أخرجي، يا عدوة الله!

فلم تخرج.

وللمرة الثالثة، صرخ الشيخ بأقصى ما يستطيع عليه، وهو يضرب على ظهر ماجد الغنوجي بأقصى قوة:

أخرجي، يا عدوة الله!

فكان رد فعل رئيس الإسلاميين أن صاح: آي! واعتدل واقفًا، وهو يأمر:

يزي!

تسلق الشيخ كتفيه، وراح يتلو:

بسم الله الرحمن الرحيم، الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات الى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور الى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون .

يزي! يزي! نبر ماجد الغنوجي بغضب، وهو يدفع الشيخ بعيدًا عنه.

ولكن سيدي... تأتأ الشيخ.

يزي! يزي! يزي!

يزي سيدي.

أيها الفاقد للرشد! كيف يخرجونهم من النور إلى الظلمات وهم في الظلمات؟ لهذا ليلى طرابلسي لا تريد أن تخرج من كرشي. أخرج!

داكوردو سيدي.

ولم يخرج.

قلت لك اخرج، اذهب إلى الجحيم!

ماذا لو عضضتك سيدي؟

ماذا لو فتحت رأسك؟

وعلى كل حال، اللطافة لا تساوي شيئًا سيدي، وهي لا تأتي إلا بما هو ليس طيبًا.

اخرج بسرعة، أيها الشيخ الضال، أيها الشيخ الدجال، صاح رئيس الإسلاميين بأقصى غضب، وهو يرفع يده يريد ضربه، فسارع الشيخ بالتوجه نحو الباب، وماجد الغنوجي يقول من ورائه: دع الفرنسيين يدخلان، وقل لهما ألا يطيلا البقاء، فلدي برشة من المواعيد والأشغال التي لا تعد ولا تحصى.

أخذ ماجد الغنوجي مكانًا على مقعده الوثير، وفوق مكتبه الضخم ملفات لا تعد ولا تحصى. على الجدار من ورائه، كان هرم من الصور المؤطرة لأسماء مكتوبة بالأحرف الكوفية المذهبة. في قمة الهرم كان اسم الله في قلب الأنوار، وتحت على اليمين اسم محمد، وعلى اليسار اسم أبي بكر، وتحت التحت على اليمين اسم عمر، وعلى اليسار اسم عثمان، وتحت تحت التحت على اليمين اسم علي، وعلى اليسار اسم ماجد، الذي هو ماجد الغنوجي، زعيم الإسلاميين. لكن ما كان يلفت انتباه الناظر إلى ماجد، أن الاسم كان كالله في قلب الأنوار. مسح ماجد الغنوجي لحيته القصيرة عدة مرات، وتنحنح عدة مرات، التفت إلى العلم التونسي على يمينه، وإلى علم جبهته بسوبرمانه الإسلامي على يساره. عاد يتنحنح عدة مرات، ويمسح لحيته عدة مرات. تطلع إلى الباب، وهو يستقيم بنصفه الأعلى متعاليًا، وفطن فجأة إلى صورته في كادر أمامه. رفعها فوق أعلى رزمة من الملفات، وأدارها بحيث يقع الزائر عليها أول ما يقع. كان يبالغ في الابتسام لدرجة تبرز معها ناباه بروز مصاصي الدماء، بينما تحيط به سلسلة من الجماجم.

أفهم من وجودكما ما بيننا، بدأ رئيس الإسلاميين الكلام، بعد أن سلم عليهما بحرارة، وأجلسهما في مقعدين مريحين، مريحين جدًا، وجود كابتن دوفيل على الخصوص، أن فرنسا التي كانت في البداية تريد تقديم يد العون اللوجستي والخبراتي والمخابراتي لبن علي كي يقمع الثورة قد بدلت موقفها. أمس كانت تقف إلى جانب النظام، اليوم تقف إلى جانب الشعب.

إلى جانب الشعب، همهمت أبولين دوفيل، ليست هذه هي الحقيقة، أو، على الأقل، ليست هذه كل الحقيقة.

حقًا دومًا ما كانت للتاريخ حقيقتان، رد ماجد الغنوجي، وهو يبتسم ابتسامة واسعة، ولكننا نحن، أصحاب اللحى كما يسموننا، نحاول أن نتجاهل ذلك.

التاريخ يخدع أحيانًا كالمرأة الشبقة التي تسعى إلى قضاء غرضها بشتى الوسائل، قال فرانك لانج، وأول الوسائل الخداع.

تريد القول الرجس؟ في هذا الرجستر، لا تخف علينا، نحن والتاريخ أبناء عم، نثق به، ويثق بنا.

لو كان ابن خلدون هنا... رمى فرانك لانج، وهو يلتفت نحو أبولين دوفيل، ويبتسم، وأبولين دوفيل ترد على الابتسامة بالمثل، بينما ماجد الغنوجي يعبس دون أن يفهم شيئًا. لو كان ابن خلدون هنا لقال هذا لأنكم لا تفرقون بين العصبية (إخونجية فيما بينكم) والمُلك (الحكم).

لهذا نعجز عن تسيير البلاد تريد القول؟ نبر زعيم الإسلاميين بضيق. اسمح لي أن أقول لك إننا قادرون على تسيير البلاد، أولاً لأن لا أحد ينافسنا في الحكم، ثانيًا لأن الحكم حكمي، ثالثًا لأن الحكم مصالح، ونحن كل المصالح، حتى التي لغيرنا هي لنا، رابعًا لأن لا حسابات شخصية لنا، ونحن كل الحسابات الشخصية، خامسًا لأن التسلق على الحبال الفرنسية كالأمريكية كالروسية كالصينية كالشيطانية نتقنه تمامًا.

أستاذ ماجد الغنوجي، لماذا لم تأخذ كرسي رئيس الجمهورية؟ سألت ضابطة المخابرات الخارجية دون لف أو دوران.

بكل بساطة لأن الحكم من الخارج خير ألف مرة من الحكم من الداخل، تكون لك الحرية المطلقة، اليد الطولى في الخفاء.

لو كان ابن خلدون هنا، همهمت بدورها أبولين دوفيل، وهي تبتسم، ويبتسم معها فرانك لانج.

لو كان ابن خلدون هنا، صرخ زعيم الإسلاميين كمن فيه مس، لقال لك إن الناس مقتنعون بأنني هنيبعل الذي حررهم من براثن الرومان، المهدي الذي عاد ليقيم العدل، سوبرمان الذي سينقذ البلاد.

وصمت مفكرًا، وهو يكبس شفتيه بسبابته تحت أنفه، فتبين كشارب هتلر. ولما طال تفكيره أكثر من اللازم، ألقى فرانك لانج:

ستنقذ البلاد بتجارة بنات الهوى؟

تجارة بنات الهوى حاشاك، فعل كهذا في ظرف تونس المزري الحالي فعل ثوري، رد ماجد الغنوجي متباهيًا.

ثوري، ولكن لا أخلاقي، همهمت أبولين دوفيل.

نظفنا شوارع تونس منهن، وتقولين "لا أخلاقي"! نبر زعيم الإسلاميين بشيء من الحقد.

وكرامتهن؟

لا كرامة لنبي في قومه.

تجارة بنات الهوى ليست الحل، همهم رجل التحري الخاص.

الحل هو الإسلام، طن زعيم الإسلاميين.

وبعد ذلك، وهو يكبس شفتيه بقلم أسود معترفًا:

فعل كهذا في ظرف تونس المزري الحالي فعل جهنمي.

رفع رأسه إلى قمة هرم الصور من ورائه، وبعد إشارة كسولة من يده، همهم:

كل شيء بيد الله.

لا يد لله في كساد السياحة، أستاذ ماجد الغنوجي، قالت ضابطة الدي جي إس إي.

الأشغال لا تمشي، ولكن لا أحد يموت من الجوع، تمتم ماجد الغنوجي. التوانسة يضحكون، وهم يبدون سعداء.

يلعن دين، أستاذ ماجد الغنوجي، هل أنت في كامل قواك العقلية؟

لا، أجاب ليفاجئ التحريين الفرنسيين. وبشيء من الشيزوفرينية: أنا الدولة والدولة في الدولة!

ماذا؟ صاح فرانك لانج وأبولين دوفيل معًا.

إنها ليلى طرابلسي، همهم ماجد الغنوجي يائسًا.

ليلى طرابلسي الدولة في الدولة؟ عاد التحريان الفرنسيان يصيحان.

لهذا أنا هويتان، اعترف زعيم الإسلاميين. مشروع التجارة "بالحريم" هي.

نهض من وراء مكتبه، وبدأ يصرخ:

أهلاً وسهلاً بالمحجبة وبغير المحجبة!

ثم:

غير المحجبة إلى الجحيم وبئس المصير!

سمعا صوتًا أنثويًا يخرج من فمه قائلاً:

أيها الغبيّ، يا ابن عليّ!

ثم بصوته:

كنت في شبابي أحب البيتلز وأكره أزنافور لهذا غدوت ما غدوت، ولكن لو كنتُ ممتلَكًا من طرف ملكة الإنجليز لأبقيتها في بطني يومين، وطردتها شر طردة. لماذا؟ لأنها ديمقراطية فوق اللازم.

ولو كنتَ ممتلَكًا من طرف كاتي؟ سألت أبولين دوفيل بمكر.

لو كنتُ ممتلَكًا من طرف كاتي لأبقيتها هي الأخرى في بطني يومين، وطردتها شر طردة. لماذا؟ لأنها لطيفة فوق اللازم.

ودايانا؟

طوال العمر. لماذا؟ لأن لها روحًا شيطانية كروحي.

تناول أحد الملفات، وأخذ يمزق ما تحتوي عليه من مشاريع بيد عصبية، وهو يرتعش كله، ويجمجم كلمات غير مفهومة تحت النظرات الدهشة للفرنسيين.

كل هذه المشاريع لا تحول دون كساد السياحة مصدر رزق تونس الوحيد، صاح ماجد الغنوجي، وهو يلهث.

ومشروع الكابتن دوفيل؟ سأل فرانك لانج.

مختبرات النانوتكنولوجيا؟

من أجل تطور تونس والعالم، سارعت أبولين دوفيل إلى القول.

نحن نرفض مشروعك، كابتن دوفيل، قال الرئيس اللارسمي لتونس بلهجة قاطعة، ونفضل الإبقاء على تخلفنا، وإذا بالصوت الأنثوي يخرج من فمه محييًا: أيها الذكيّ، يا ابن عليّ!

ثم بصوته:

نحن نفضل البقاء على تخلفنا أحياء جوعى على تطورنا أغنياء موتى. ونحن على كل حال لا نفكر في ترك السلطة لمجانين العلم، التوانسة يعجبهم مجانين الدين. لماذا؟ ليصبروا على ما هم فيه. يحلمون كثيرًا، التوانسة، ويحبون من يجعلهم يحلمون. الجنة التي لنا لهي نار السياحة، لهذا يحتمل التوانسة كل شيء، ويأملون، لهذا جاءوا بنا، وسيبقون علينا إلى يوم القيامة. لو كان ابن خلدون هنا لقال لك إننا فهمنا جيدًا بسيكولوجية شعبنا.

قولي له كابتن دوفيل، طلب رجل التحري الخاص من ضابطة الدي جي إس إي.

فرانك لانج يحلم كثيرًا كالتوانسة، همهمت أبولين دوفيل، ولكنه يحلم أحلامًا أخرى مختلفة.

أستاذ ماجد الغنوجي، خاطب رجل التحري الخاص الدولة والدولة التي في الدولة، لتعود السياحة إلى ما كانت عليه من ازدهار يجب اختراق الحاجز النفسي للسياح، وهذا لن يتم عن طريق بيع الشواطئ لهم، فلا ضمان هناك، والعوم بالأحجبة كابوس الكوابيس الذي سيظل يطاردهم.

أنا الضمان، ألا يكفي هذا، هتف زعيم الإسلاميين.

مع الأسف لا يكفي.

إذن ما هو الضمان الذي يريدونه؟

لو كان ابن خلدون هنا لقال لك "الكازينوهات".

الكازينوهات؟

الكازينوهات هي ضمانكم لدى السياح، تدخلت أبولين دوفيل.

إلحاق الكازينوهات بالفنادق هذا يعني أن تونس تغض الطرف عن "القمار" كما تغض الطرف عن العوم بالمايوهات البيكيني، شرح رجل التحري الخاص، عند ذلك يتم اختراق الحاجز النفسي لدى السياح، وتعود حركة السياحة إلى ما كانت عليه.

هجم ماجد الغنوجي على فرانك لانج، وأخذه في أحضانه، وكذلك فعل مع أبولين دوفيل.

لاس فيغاس! همهم الصوت الأنثوي مسحورًا.

ثم بصوته:

أين الثريا من يد الراغب؟ موافق. مصالح الوطن فوق كل شيء! ولكن الزيرو كرواسانس الذي تعانونه؟

الزيرو كرواسانس الذي نعانيه عندما يتعلق الأمر بالكازينوهات لن يعود ذا أهمية، أوضح رجل التحري الخاص، فالمال يأتي بالمال.

ومتى نبدأ؟ أجيبا! عَجِّلا!

في الحال، قالت أبولين دوفيل، وهي تفتح هاتفها المحمول، وتخاطب الدي جي إس إي، وبعد عدة دقائق، أغلقت، ونقلت: كل شيء على ما يرام، سيتم الاتصال بالبنوك والشركات ورجال الأعمال، وخلال عدة أسابيع، تكون آلات اللعب في طريقها إلى تونس، مع حملة دعائية لا سابق لها في كل أنحاء العالم.

*

عاد السائق ذو اللحية الشقراء بفرانك لانج وأبولين دوفيل في سيارته المرسيدس السوداء إلى شقة نزيهة الشابي، وهما على رصيف العمارة المنتزهية، طلبا منه الانصراف، لكنه قال إنه سينتظرهما، ولم يعرفا لماذا. فوق، وجدا باب الشقة محطمًا، ولم يجدا رئيسة جمعية المعلمات. نزلا الطوابق الأربعة ركضًا، وأمام عدة ابتسامات متتالية للسائق، ركبا السيارة المرسيدس السوداء من جديد، وذهبا بحثًا عنها أول ما ذهبا إلى وزارة الداخلية، ليجدا كولونيل الوحدة الخاصة في مكتبه، وهو يلعب مع كلبه منبطحًا على الأرض. قال لهم إن المتظاهرين جاءوا، وحرروا كل الموقوفين. ومن عنده، ذهبا إلى الجولاج، ليجدا بوابته محطمة، وأسلاكه الشائكة مهدمة، ولا معتقل هناك، بينما مدير الجولاج يقضم الجماجم في مكتبه، ويضرب بكعبه الأرض. قال لهما إن المتظاهرين مروا من هنا، وأطلقوا سراح كل المعتقلين. في مستشفى الأمراض العقلية، وجدا كل شيء مفتوحًا، والمدير لم يكن هناك. لكن الممرضة أخبرتهما أن لا أحد من مجانين المستشفى أراد مغادرته من الخوف، وأن كل الحالات تفاقمت. جعلتهما ينظران من باب مزجج إلى قاعة مليئة بهم، وهم في عزلة تامة، فرأيا صاحب السجائر، وكل السجائر مشتعلة، وهو ينفخها، وصاحب المرآة يريد الدخول فيها، وصاحب البذلة العسكرية، وهو لا يتوقف عن قطع القاعة طولاً وعرضًا مرددًا: الغنوجي! الغنوجي! الغنوجي! ومن يمشي على يديه يريد المشي على رأسه، ومن يرتدي الحجاب يريد اقتلاع ثدي المرأة كلما كشفت عنه، وإلصاقه على صدره، وهذه تبكي بدلاً من أن تقهقه، ومن تمشط شعر الأخرى بوحشية تشدها منه بوحشية، ولبنى بن عثمان تركع، وهي في ثياب راقصة من راقصات الكباريه، وتصلي... عندما خرجا يائسين، ذهب بهما السائق ذو اللحية الشقراء إلى إسطبل خارج تونس. أشار إليه، وقال لهما:

هناك نزيهة الشابي.

وبالفعل وجداها في الإسطبل، وهي تضاجع حصانًا عارية تمامًا، فبعد أن اغتصبها رجال البوليس السري، تركاها لتغتصبها الخيول. استقبلتهما ببرود، وصاحت بهما:

لماذا أتيتما؟

لا تغضبي، يا حبيبتي، همهمت أبولين دوفيل.

بل سأغضب أكبر غضب، عادت نزيهة الشابي تصيح، ماذا تظنانني؟ قاصرًا كما كان يظن أبي؟

كنا قلقين عليك، همهم فرانك لانج.

أنت اسكت أحسن لك، رمت في وجهه، لا تقلق عليّ، أرجوك، لست أختك القحبة.

نزيهة، يا حبيبتي، ماذا دهاك؟ ابتهلت الساحرة الفرنسية، وهي تحاول شدها إلى صدرها.

ابقي حيث أنت، أمرتها الساحرة التونسية، من الأفضل أن تأخذي لك حصانًا تضاجعينه. الخيول هي هكذا، تحبنا أكثر منا، وهي لهذا تعمل على إشباعنا لأعوام.

مدموزيل شابي، رجاها رجل التحري الخاص، لنذهب من هنا.

أنا من سيذهب، قالت نزيهة الشابي بغضب، وحدي مع عاري.

امتطت الحصان الذي كان يمتطيها، وانطلقت، والفرنسيان يلحقان بها في السيارة المرسيدس السوداء حتى أطراف الصحراء، هناك حيث اخترق الحصان بفارسته السراب، وغاب عن الأنظار.

*

في عالم السراب، وجدت نزيهة الشابي نفسها، وهي ترتدي ثياب هنيبعل الحربية: السترة المزردة والتنورة المزردة، بينما تضع على رأسها القبعة الحديدية، وبيدها السيف الفضيّ. كانت تمتطي فيلاً، وتجر إلى جانبها حصانًا، وتسير من أمام جيش عرمرم لقتال الأشرار.

الأشرار يحيطون بتونس من كل مكان، من البحر، ومن البر، صاحت هنيبعلة بجنودها بعد يوم وليلة من السير، إذا غلبناهم في البحر غلبناهم في البر، ولكن كيف نغلبهم، وعددهم يفوق حبات الرمل؟

بالإرادة، صاح جندي.

بالإيمان، صاح جندي ثان.

بالشجاعة، صاح جندي ثالث.

بالحيلة، أكدت هنيبعلة.

جعلتهم يضعون المشاعل في الليل على قرون الأغنام، ويطلقونها كي يظن الأشرار أن جيش هنيبعلة يولي الأدبار، فيلحقون به، وبدورها تلحق هنيبعلة بهم، وتقضي عليهم، لكن الحيلة لم تنفع. بقي الأشرار في أماكنهم، ولم يتحركوا. أحرقت هنيبعلة الصخور، وفتتتها بصب النبيذ عليها، فلم توهم الأشرار بقوتها. بقوا في أماكنهم، ولم يتحركوا. جعلت جنودها يرتدون أجساد سمك القرش، فكانت النتيجة أكبر كارثة، ذبحهم الأشرار كلهم عن بكرة أبيهم، وأرسوا سلطتهم.

بعد قرون من عالم السراب، وجدت نزيهة الشابي نفسها، وهي ترتدي ثياب المهدي، ثياب القاضي العادل: العمامة البيضاء والقفطان الأبيض والخف الأسود، بينما تحمل تحت إبطها كتاب العدل، وبيدها ميزانه. كانت تجلس على مصطبة مرتفعة في السوق، ومن أمامها جمع لا يعد ولا يحصى من المظلومين.

المظلومون في كل مكان من تونس، في البحر، وفي البر، صاحت المهدية بالناس بعد انتظار للحكم طال، إذا أنصفناهم في البحر أنصفناهم في البر، ولكن كيف ننصفهم، وعددهم يفوق حبات الرمل؟

بالنزاهة، قال مظلوم.

بقوة البصيرة، قال مظلوم ثان.

بالعدل، قال مظلوم ثالث.

بإدانة الظالم، أكدت المهدية.

جعلتهم يذهبون إلى بيوتهم ليدينوا الظالم فيها، فلم يفلحوا، وإلى أحواشهم، فلم يفلحوا، وإلى مدنهم، فلم يفلحوا، وكانت النتيجة أكبر كارثة، تفاقم الظلم، وازداد عدد المظلومين.

بعد قرون أخرى من عالم السراب، وجدت نزيهة الشابي نفسها، وهي ترتدي ثياب سوبرمان الفنتازية: الكاب الأحمر والطقم الأزرق، بينما تربط جبينها بجوهرة خضراء من كريبتون، وتضع في إصبعها خاتم الرئيس المخلوع. كانت تطير فوق رؤوس الناس، والناس يرفعون رؤوسهم إليها.

الوضع مزر في كل مكان من تونس، في البحر، وفي البر، صاحت السوبرمانة بالتوانسة، وهم كلهم أمل ورجاء، إذا وضعنا حدًا له في البحر وضعنا حدًا له في البر، ولكن كيف نضع حدًا له، وهو متغلغل في أعماق الرمل؟

بالقوة الخارقة، قال تونسي.

بالقوة الخارقة، قال تونسي ثان.

بالقوة الخارقة، قال تونسي ثالث.

بالقوة الخارقة، أكدت السوبرمانة.

كان على البطلة الجبارة أن تنجز عملها خلال قرنين أو ثلاثة من عالم السراب، لم يعد هناك أشرار، ولم يعد هناك مظلومون، غدت الحياة مونوتونية لا طعم لها ولا روح، فغادر التوانسة عالم السراب واحدًا واحدًا. ومرايا السراب تبتعد مع تقدم السيارة المرسيدس السوداء، وقع فرانك لانج وأبولين دوفيل على نزيهة الشابي، وهي تنام تحت صخرة عارية، دومًا عارية، كالجنين. حملها رجل التحري الخاص بين ذراعيه، وجاءها السائق ذو اللحية الشقراء بسترته التي ألبستها إياها ضابطة الدي جي إس إي، ولفتها، وهم في السيارة، بذراعها، قبل أن يعودوا إلى حاضر تونس.