(4)
ها هي الليلةُ العاشرةُ من بعدِ ذلك اللقاء ... ليلةُ فجيعةٍ كبرى، ليلةُ دموعٍ عظمى،، آهاتٌ كثيرةٌ، وأنينٌ طويلٌ، ونحيبٌ ليس بقليلٍ ...
الساعةُ تصيرُ إلى السابعةِ قبل البكاء، وأنا غارقٌ في كتابةِ رسالةِ الماجستير، رقمٌ غريبٌ يتصلُ بي، لا أذكرُ أنني رأيتهُ من قبل، بهدوءٍ رفعتُ هاتفي وأجبتُ على تلك المكالمةِ المشؤومة.
- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
- الأخ هتان؟
- نعم، مَن معي؟
- معك الدكتور سعود من مستشفى الملك فيصل التخصصي بعدما ارتعش جسدي خوفاً ألف مرةٍ في ثانيةٍ واحدةٍ فقط ...
أجبت:
- خيرٌ إن شاء الله؟
- نريدُك أن تحضرَ حالاً إلى هنا ...
- لماذا؟ مَن هو المصابُ؟
- تعال الآن وستعرفُ كلَّ شيءٍ
انتظر انتظر ... لا تتركني حائراً هكذا، قل لي مّن لديكم؟
- تعال الآن يا أخ هتان، وستعرف كلَّ شيءٍ.
أرجوك قلْ لي مَن المصاب ... ألووو ... ألوووو
المتصلُ أنهى المكالمة وأنا أحملُ قلبي بين يديَّ.
" يالله يا رحيم الطف بنا، يا كريم يا عزيز الطف بحالنا، ولا ترنا مكروهاً في أحدٍ من أحبابنا ..."، هكذا بدأتُ أردِّدُ وأدعوا الربَّ بأن لا يحزن قلوبنا، وكأنَّني كنتُ على درايةٍ بأنَّني سأواجهُ أصعبَ موقفٍ قد يمرُّ بهِ الإنسانُ في حياته.
جذبتُ ثوبي سريعاً، ارتديتهُ وخرجتُ من غرفتي راكضاً ...
يا الله نسيتُ مفاتيح سيارتي ... عدتُ وأخذتُها سريعاً وفي طريقي لباب الخروج، كانتا أمِّي وجدَّتي جالستينِ هناك قريباً من البابِ، وشاهدتا الخوفَ في عينيَّ وأنا أسابقُ نفسي للخروج، وكيف كانت ترتعشُ يداي ... مسكتُ مقبض البابِ ودفعتُ بهِ بعيداً، ففي حالةِ خوفٍ كهذهِ لا يجبُ أن تقفَ أمامَنا أيّةُ أبوابٍ.
أركضُ للسيارةِ وأمي تركضُ خلفي وهي تنادي: "هتان، هتان ... ما بك؟ توقف أرجوك .. هتان لا تتعبني توقف"، آهٍ يا أمي ليت قدماي كانتا قادرتينِ على التوقّفِ، كلُّ شيءٍ بي لم أعد أستطيعُ التحكُّم بهِ، والوحيدُ الذي كان مستعداً للتوقفِ هو نبضُ قلبي.
كيف لا يتوقَّفُ نبضي وأنا أعلمُ ما سأواجهُ هناك، وأنا أعلمُ أنَّني سأعودُ باكياً على رجلٍ لا يعوَّضُ أبداً، وحزينَ القلبِ على أبٍ لا أستطيعُ مهما كبرتُ أن أعيش دونهُ... فوحدهُ هو أبي مَن خطرَ في بالي، واهتزَّت كلُّ أطرافي بمجرَّدِ التفكير بأنه متعبٌ أو مصابٌ. وياليت حدسي كان كاذباً ...، ليتّهُ كان وساويسَ شيطانٍ لعينٍ، أو أضغاثَ أحلامٍ وبعد قليلٍ سأفيقُ منه.
الطريقُ إلى المستشفى –في زحمة الرياض الشهيرة- أخذَ منِّي ما يقاربُ الخمسة والثلاثين دقيقةُ ... ومئة دعاءٍ للربِّ، وخمسين رجاءٍ له، وربما سبعين مكالمةٍ لهاتفِ أبي الذي يزيدُ من قلقي في كلِّ مرَّةٍ يجيبُ بـ: "عفواً إنَّ الهاتفَ المطلوب لا يمكن الاتصالُ به الآن"، والكثير الكثير من اللعنات على هذا الهاتفِ الذي يأبي أن يطمئنَ قلبي، وعلى كل ِّ سيارةٍ أمامي تأخِّر وصولي للمشفى.
وصلتُ وركنتُ سيارتي أمامَ بابِ المشفى دونَ أن أهتمَّ لصراخِ حُراسِ المشفى، وهم يأمرونني بإزاحتِها، وتوجّهتُ سريعاً لمكتب الاستقبال.
- السلام عليكم أخي ... أحدهم اتصل بي وأمرني بالحضورِ حالاً ...، خيرٌ إن شاء الله، ماذا أردتم مني؟
- ما اسمك؟
- هتان محمد..
- لقب العائلة لو سمحت..
- الخالد..
بدأ الموظّف بتقليب الأوراق الصفراء التي أمامه ثم قال: انتظر قليلاً في غرفة الانتظار، سيحضر الطبيب ويحدِّثك، فقط انتظر هناك.
جررتُ قدمَّمي كجنديٍّ جريحٍ، وأسندتُ ظهري على كرسي الانتظار، وأنا شاردُ الذهنِ أشعثُ الشعرِ من هولِ المصيبةِ التي أتوَّقع حدوثَها مع قدومِ الطبيبِ.
مع بطءِ قدومِ الطبيبِ، أحسستُ أنَّ الشيبَ بدأ يغزوني، فقدماي تهتزُّ، وقلبي ينبضُ بسرعةٍ كبيرةٍ، وكأنَّه مجهدُ من البقاءِ حيّاً طوالَ تلكَ السنينِ القليلة، وأشعرُ أن شعري بدأ يتساقطُ... يتساقطُ بلونٍ أبيض، وظهرت تجاعيدُ القلقِ على محيّاي حين جاءَ صوتُ الطبيبِ منادياً...
- هتان ... هتان
قفزتُ مسرعاً إليه وأنا أردد...
- نعم ، نعم .. أنا هنا
صافحني وقال: تعال معي إلى مكتبي أريدُ أنا أخبرَك بأمرٍ... تشبَّثتُ بهِ وأنا أحاول معرفة هذا الأمر الهانِّ الذي أكلَ الكثيرَ من أجزاءِ قلبي، ولكنَّهُ لا يتحدَّثُ ولا يقولُ شيئاً...، ولما يتحدَّثْ فهو خبيرٌ في هذهِ الأمور، ويعلمُ جيداً ما يسببهُ المفجوعون من أخبارهِ في أورقةِ المشفى من بكاءٍ وصراخٍ.!
دخلتُ معه إلى مكتبهِ الكئيبِ، أغلق البابَ وأمرني بالجلوس، ثم قال: هتان، سأخبرك بأمرٍ، ولكن أريدك أن تكون قويّاً.
- قلْ قلْ أرجوك، لم أعدْ أحتمالُ أكثر ...
- قبل ساعتين، وقع حادث دهسٍ في إحدى الطرقِ، وحين أحضرت سيارةُ
الإسعافِ المصابَ لدينا كان ينزفُ، وقد نزفَ الكثيرَ من الدماءِ في الطريقِ إلى المشفى، وللأسف لم نستطعْ إنقاذهُ، فقلبُه الهرِم لم يتحملْ هذا النزيفَ، وعندما تفحَّصنا جيوبَ ثوبهِ وجدنا بعضَ البطاقاتِ الرسمية التي تدلُّ على اسمهِ ... محمد هتان الخالد ......
(( يا الله، كيف يستطيعُ شخصٌ يداوي قلوبَ البشرِ أن يقتلها بهذهِ الطريقةِ الباردةِ.))
***
أبي، والروح تصرخُ ألماً على فراقِكَ، والجسدُ هزيلٌ من دونِ استقامتكِ.
أبي، يا رجلاً أنا نصفُهُ الثاني، وهو كلُّ أرجائي.
أبي، يا مَن لا تقسو أبداً، كيف قسيتَ على قلبي، ورحلتَ بعيداً عني.
أبي يا حبيبي، وقدوتي، وشمعتي وأجملُ وأكملُ وأطهرُ الرجال في حياتي ...، من أين آتي بأبٍ ثانٍ، حتى أكبرَ بين يديهِ وأتعلمَ من جميلِ صنعهِ.
أبي، أرجوكَ عُدْ ... عدْ ليومٍ واحدْ، لساعةٍ واحدةٍ، لدقيقة يتيمة ...، أرجوك عُدْ ففي شفتيَّ قبلةٌ تريدُ الهبوطَ على قدمِكَ، وقبلةٌ أخرى تريدُ معانقةَ رأسِكَ...
يا أبي، مهما كبرتُ، ومهما نضجتُ وتعلَّمتُ وأحسنتُ الترُّف، لن أستطيعَ من دونِكَ التقدَّمَ، برحيلكَ وضعتني على حطِّ أعوجَ بعدما كان يستقيمَ بنصائِحكَ.
يا أبي، أنتَ السماءُ، والغيومُ والكثيرُ من الأصدقاء...، كيف أعيشُ الآن من دونِ سمائي؟
يا أبي، الكتابةُ إليك ... أصعبُ بكثيرٍ مما كتبتهُ لفاتنةِ قلبي!
رحيلُ أبي كان رحيلاً مُرّاً ومؤلِماً، فمَن بعدهُ سيرفضُ رغباتي المراهقة خوفاً عليَّ، ومَن بعدهُ سيصرخُ في أذنيَّ حين أتخلَّفُ عن جماعةِ المسجدِ وصلةِ الرحمِ، مّن بعدكَ يا أبي سيحرصُ على أن نجتمعَ كلَّ مساءٍ، وإن كان اجتماعنا على وجبةٍ عشاءٍ ...، ومّن سيخجلُ كثيراً حين يسمعُ أمي وهي تحكي لنا قصصَ زواجها، وكيف أنها أحبَّت زوجها كثيراً من بعد أولِ ليلةِ لقاءٍ.
كيف أحكي يا أبي مشهدَ رؤيةَ جسدكِ الباردِ مَمدّداً في ثلاجةٍ؟ والصرخاتُ في داخلي ساخنةٌ وجافَّةٌ...، كيف أعودُ من دونك، من دونِ جسدِكَ وروحِكَ؟، وماذا أقولُ لأمِّي؟ زوجُكِ ماتّ!، رأيتُ قبلَ قليلٍ جسدّهُ من دونِ تلكَ الروح التي قضيْتِ سنينَكِ تعتنين بها وتحبين قربها وبعدها وطيبها وقسوتِها!!.
وماذا أقولُ لجدَّتي الكبيرة؟ ابنُكِ الذي يقولُ لكِ دائماً: "جعل الله يومي قبلَ يومكِ يا ستَّ الحبايبِ"، حين تشتكين من أمراضِ الكبرِ، فقد استجابَ الله دعاءَهُ ورحلَ عنكِ وجعلكِ تبكين عليهِ بدلاً من أن يبكي عليكِ!!.
وماذا أقولُ لجُمانةَ، وليمامة؟، أبوكُما الذي لا يرضى أن يرى الحزن على محيَّاكُما قد رحلَ ورضي أن تحزنا الآن!، وكيف أصبِّرُ نفسي؟ وأنا سأحملكُ بيداي غداً واضعُكَ في الترابِ، أضعُ أحبَّ الناسِ لقلبي في الترابِ.!
لم أستطع العودة للمنزلِ بعد أن ماتت كلُّ مشاعري مع موتِ أبي، كان ذلك الليلُ حالكَ السوادِ، ليلٌ جاء مُتربِّصاً لقلبي، ليحزنه كثيراً ويألمهُ كثيراً...
أخذتُ هاتفي بعد أن صارَ بكائي بدونِ دموعٍ، بعد أن نضبت أنهارُ عينيَّ فلم يتبقَّ منها شيئاً ليسقطَ، بحثتُ في قائمةِ الأسماء على اسمٍ قريبٍ يستطيعُ احتوائي في حالتي هذه، ولكن لم أجدْ غيرَ صديقي خالد أهلاً لهذهِ المهمَّةِ الحزينِ...، فكم من صديقٍ كان أقربِ لنا، ويفهمُ قلوبَنا أكثر من شخصٍ تربطنا معهُ صلةُ رحمٍ ودمَّ.!
خمسةَ عشرَ دقيقةً كانت كافيةً، ليصلَ خالدٌ سريعاً للمشفى، رغم أنَّه لم يفهمْ من مكلمتي شيئاً غير أنَّني بالمشفى وأبكي.! دخلَ خالدٌ للمشفى باحثاً عنِّي، فوجدني جالساً على الأرضِ، فلا كرسي يستطيعُ تحملَ وزنَ صراخي ودمعي.
أقبلَ عليَّ وأخذَني في حضنِهِ وقال: ما بك ... ما بك يا هتان ... لمّ تبكي؟
ويا لصعوبةِ الجوابِ على هذا السؤال، ويا لتعاسةِ المجيب، ويا لخيبتهِ الكبيرة ... ومع شهقاتي أجبتهُ: أبي ... آه يا خالد، أبي مات ... رحل ....
ولم يملكْ خالدٌ إلا الصمتَ، فهو يعلمُ جيداً أن لا شيءَ في تلكَ اللحظةِ سيخفِّفُ عنِّي ويجفّف دمعي ...
ساعدني على النهوض، وجعلني أتكِئ على كتفهِ واتجهنا لخارجِ المشفى... حاول خالدٌ كثيراً أن يخفّف عنِّي بقولهِ: " يا هتان، يا صديقي إنهُ قدرُ الله، وهو مكتوبٌ علينا جميعاً، أبوك ليس بحاجةٍ لدموعِكَ الآن، ولا لهذا الأنين، هو بحاجةٍ لدعائكَ ، فأن كنتَ تحبٌّهُ حقّاً ادعوا له، فهذا الشيء الوحيدُ الذي سينفعُهُ."
واستمرَّ في الحديثِ والنصحِ حتى وصلنا إلى المنزلِ، وأنا خائفِ القلب مما قد يحصل في الداخل، وقبلَ أن أودِّعه أمسكَ بيدي، وقال : "يا هتان، أنت الآن رجلُ المنزلِ، أنت الآن الأبُ الحنونُ على أفرادِ عائلتهِ...، أمُّكَ واخواتُك وكلُّ أفرادِ عائلتك سيكونون أقوياء إن كنتَ قوياً أمامهم...، حاولْ أن تتحدَّثَ مع أمِّكَ أولاً وتخبرَها عمَّا جرى، وبمجرَّدِ معرفتها بالأمرِ سيعرفُهُ الكلٌّ."
وكان خالدٌ صادقاً كثيراً في هذا الجانب، فبعدما دخلتُ للمنزلِ، وجدتُ أمي تنتظرُ عودتي وهي تبكي في فناءِ المنزلِ، فخروجي بتلك الطريقةِ كان لا يبشِّرُ بخيرٍ أبداً ... استقبلتني بحضنٍ كبيرٍ، وهي تتساءلُ: "أين أباكَ يا هتان، أخبرني أين هو؟، فقد حاولتُ الاتصالَ بهِ كثيراً ولكنهُ لا يجيبُ، سألتُكَ بالله يا ولدي، طمنْ قلبي، قل لي أنَّه بخيرٍ."
لم أتمالكْ نفسي، فسقطت على قدميها وبصوتٍ كالسيفِ مزَّقَ قلبها: " رحلَ أبي ... رحلَ يا أمِّي"