الكتاب: المقامر
المؤلف: فيودور دوستويفسكي
المترجم: سامي الدروبي
الطبعة الأولى، 2013
المقامر 1866
إن فكرة تأليف رواية «المقامر» قد خطرت لدوستويفسكي سنة 1863، أثناء رحلته إلى الخارج مع باولين سوسلوفا. فبينما كان دوستويفسكي في طريقه إلى باريس للحاق بحبيبته التي تلبث بمدينة فسبادن الألمانية ليقامر على الروليت. وقد ألهبه هوى هذه المقامرة، وربح، وظن أنه أدرك القواعد التي يجب اتباعها في هذه اللعبة لضمان الربح. وها هو ذا يكتب إلى فرفارا كونستان، أخت زوجته الأولى، قائلاً: «لقد أصبحت أعرف السر حقاً: إنه سر بسيط غاية البساطة، وهو أن يمتنع المرء من حين إلى حين، دون أن يهتم أي اهتمام بمراحل اللعب، ودون أن يفلت منه زمام سيطرته على أعصابه. ذلك كل شيء. يستحيل أن يخسر اللاعب متى اتبع هذه القواعد». ولكن دوستويفسكي ما يلبث أن يروي لأخت زوجته ما أصابه في اللعب من سوء الحظ وما نالته به المصادفات من نكبات، فيقول لها في رسالة بعث بها إليها من مدينة بادن بادن بعد الرسالة الأولى بأسبوع واحد: «لقد وضعت لنفسي بمدينة فسبادن طريقة في اللعب طبقتها فسرعان ما ربحت عشرة آلاف فرنك. ولكنني اندفعت في تيار الحماسة صباحاً، فغيرت هذه الطريقة، فما لبثت أن خسرت على الفور. حتى إذا عدت في المساء إلى تلك الطريقة، فاتبعتها اتباعاً دقيقاً لا أحيد عنه، وجدتني أربح من جديد ثلاثة آلاف فرنك بسرعة وبغير كبير جهد. فقولي لي بعد هذا: ألم يكن من حقي أن أتحمس وأن أظن أنني إذا طبقت طريقتي تطبيقاً صارماً كنت أضع سعادتي بين يدي؟...».
إن هذه الحاجة بعينها إلى المال، وهذا الظمأ نفسه إلى الاغتناء في سبيل إسعاد ذويه هما الينبوع الذي ستصدر عنه صورة «السوبرمان» المخفق: راسكولنيكوف، بطل رواية «الجريمة والعقاب». ولكن دوستويفسكي، قبل أن يتصور روايته «الجريمة والعقاب» يفكر في معالجة موضوع آخر. وها هو ذا يكتب إلى ستراخوف في 18 كانون الأول (ديسمبر) 1863، قائلاً: «ليس عندي الآن شيء جاهز. ولكنني وضعت مخطط قصة موفّقة (في رأيي)، موضوعها هو التالي: شاب روسي في الخارج... شخصية حية (يُخيّل إليّ أنني أراها ماثلة أمامي)... النقطة الأساسية هي أن كل ما يتدفق في الشاب من نسغ الحياة، وكل ما يضطرم فيه من قوى، وكل ما يعصف به من فوران واندفاع، وكل ما يتصف به من جرأة وجسارة، النقطة الأساسية هي أن هذا كله تستنفده الروليت. إنه مقامر. ولكنه ليس مجرد مقامر، كما لم يكن «الفارس البخيل» الذي وصفه بوشكين مجرد بخيل (ولا أريد أن أقارن نفسي ببوشكين، وأنا أقول هذا من باب الإيضاح). إنه شاعر من نوع، خاص، ولكنه يحس بالخجل والعار من هذا الشعر، لأنه يشعر بصغاره شعوراً عميقاً، رغم أن الظمأ إلى المخاطرة يرفع قدره في نظر نفسه. والقصة كلها ترينا كيف ينصرف إلى المقامرة على الروليت خلال ثلاث سنين في بيت من بيوت القمار. ولئن اجتذب كتابي «منزل الأموات» انتباه الناس من حيث هو تصوير لسجناء لم يسبق لأحد أن وصفهم قبل ذلك عياناً، فلا شك أن هذه القصة ستجتذب هي أيضاً انتباه الناس من حيث هي تصوير مفصل جداً للروليت بالعيان... «هي وصف لنوع من الجحيم يشبه جحيم المعتقل». ولكن من الواضح أن هذه القصة لا تعدل «منزل الأموات» قوة وعظمة. ولا شك أن الكاتب أحس بذلك، فلم يتكلم عن مشروعه هذا بعدئذ خلال ثلاث سنين. والواقع أنه كان في أثناء هذه المدة منهمكاً أشد الانهماك في تأليف روايته: «الجريمة والعقاب» التي ما ينفك يعيد النظر فيها ويبدلها وينقحها؛ وهو ينتهز أثناء ذلك فرصة من الفرص فيكتب قصته «في قبوي» ثم يعود إلى روايته الكبيرة «الجريمة والعقاب» التي يبدأ بنشرها في شهر شباط (فبراير) 1866؛ ولكن ها هو ذا يتذكر في أول تشرين الأول (أكتوبر) من تلك السنة نفسها العقد الذي أبرمه مع الناشر الجشع ستيلوفسكي، ذلك العقد الذي يلزم دوستويفسكي بأن يقدّم للناشر في أول تشرين الثاني (نوفمبر) رواية جديدة لم يسبق نشرها تتألف من عشرة ملازم من القطع الكبير على الأقل، وإلا فقد حقوقه عن جميع مؤلفاته السابقة واللاحقة جميعا. فينصحه صديقه ميليوكوف بأن يملي هذه الرواية إملاء (وهو لم يكتب منها سطراً واحداً بعد)، أن يمليها إملاء على فتاة تكتب بالاختزال. وفي الرابع من تشرين الأول (أكتوبر) تجيئه الفتاة آنا سنيتكين، فيأخذ يملي عليها، ويسير العمل سيراً حسناً. فما هي إلا خمسة وعشرون يوماً إذا بالرواية قد أُنجزت. وقد جاءت الرواية طيبة رغم هذه العجلة في إملائها. إنها تنبض بالحياة؛ والقارئ يحس إحساساً واضحاً أن دوستويفسكي يروي فيها طرفاً من قصة حياته. هي رواية الحب المعذب الذي عاشه دوستويفسكي مع باولين سوسلوفا (وقد احتفظ باسمها في الرواية)، البطل فيها هو الشاب ألكسي إيفانوفتش الذي يعمل معلماً للأولاد لدى جنرال روسي، والذي يأسره حبان جامحان قويان، أولهما الحب الذي يشعر به نحو باولين ألكسندروفنا القاسية العاتية الغريبة، والثاني هو الهوى الجارف الذي يرده إلى مائدة الروليت بغير انقطاع. وأن الحب الذي يحمله لباولين لهو مزيج مر حب وبغض معاً: إن ألكسي يعترف لباولين بأنه يجد في عبوديته تجاهها ملذات كبيرة، ويقول لها إن في المذلة والسقوط المتعة عظمى... وهو يخاطبها بقوله: استفيدي من عبوديتي، استفيدي منها!.... هل تعلمين أنني سأقتلك في يوم من الأيام؟
أما هوى المقامرة الذي يمازج هوى الحب في نفس البطل، كما كان كذلك في نفس دوستويفسكي في لحظة من اللحظات، فإن دوستويفسكي يصوره في هذه الرواية نوعاً من الافتتان، نوعاً من السحر، نوعاً من الهذيان، ويكاد يصوره نوعاً من التحدي للقَدَر! قال هنري ترويا متحدثاً عن دوستويفسكي: «لقد أتاحت له الروليت أن يعبث بالقدر كما كان القدر يعبث به». صدق هنري ترويا، فبفضل الروليت تجاوز دوستويفسكي «الجدار»، جدار المنطق، الذي لطا عنده بطل قصة «في قبوي». إنه ينتقل هنا إلى ميدان المصادفة، و«اللامنطق»؛ قائلاً: «لا يبقى ههنا دلالة لقولك أن اثنين واثنين تساوي أربعاً. إن القمار هو التجربة الأولى للحرية في العالم المادي».
وفي هذه الرواية يصوّر دوستويفسكي شخصيات أخرى طريفة: يصور السيدة العجوز بابولنكا التي ينتظر الجنرال، الرجل التافه، موتها الوشيك: ما أروع وصف دوستويفسكي لهذه العجوز حين استبدّ بها هوى المقامرة! وإذا كان موتها الوشيك: ما أروع وصف دوستويفسكي لهذه العجوز حين استبد بها هوى المقامرة! وإذا كان المؤلف يرسم للروس في هذه الرواية صورة غير مشرقة فإن الصور التي يرسمها لغيرهم ليست أكثر إشراقاً: فالآنسة بلانش الفرنسية التي تهب نفسها لمن يجزل العطاء أكثر من غيره؛ ودي جريو الذي لا يختلف دوره كثيراً عن دور متطفل إن لم يزد عليه حقارة؛ والبارون الألماني المتكبر المتعجرف الغبي؛ والبولونيون الثلاثة «النصابون»، هؤلاء جميعاً، وهم من غير الروس، ليسوا بالشخصيات المحببة. وهنا نرى خيبة الأمل التي أحسها دوستويفسكي تجاه أوروبا الغربية، والتي عبر عنها في «ذكريات شتاء عن مشاعر صيف». وليس ثمة إلا استثناء واحد: هو شخصية مستر آستلي، ذلك الإنجليزي الصموت الفاضل الذي يحب باولين دون أن يعترف لها بحبه، ويمد يد العون إلى ألكسي، ويحاول أن يصلح المساوئ التي يقارفها الأبطال الرئيسيون في هذه القصة. إن هذا الإنسان المتأمل يرى أن الروليت إنما خلقت للروس، الشرهين المتلافين المبذرين، المسعورة أهواؤهم. إن دوستويفسكي يدين هنا على لسان مستر آستلي مَيْلين جامحين كانا يعيثان في نفسه فساداً، ثم برئ منهما آخر الأمر.