الفصل الثالث

12 0 00

الفصل الثالث

‏في الصباح الباكر، استيقظ المساجين تحت تأثير أشعة الشمس التي ولجت من الكوّة، شمس دافئة دفء فصل الشتاء. انقطع المطر عن النزول، وساد جوّ شاحب. على الساعة العاشرة، أخرجوهم إلى الساحة المركزية قرب المكتب. باشروا النداء بالاسم. خرج نقيب من المكتب، ووقف على كثب من الباب. ابن الاربعين، لا يهتم كثيرا بالمساجين، أو لا يريد إظهار اهتمامه بهم لمكانته العليا. ألقى نحوهم نظرة عابرة، توحي بالاستياء، وقال بهدوء في فرنسية تطغى عليها اللهجة المحلية:

- أنتم هنا بلا عمل منذ أيام عديدة... تأكلون وتشربون وتنامون، وهذا بفضلنا... سجنّاكم ‏لأنكم تساعدون أعداءنا، الخارجين عن القانون. جئنا إلى هذه الأرض المتخلّفة لنشر الحضارة، لكي يرتقي الرجل "الأنْديجين" إلى رجل متحضّر... ولكن للأسف الشديد، لا تفقهون هذا المغزى، كونكم تستمعون إلى هراء العصابات المنتشرة عبر الجبال مثل الذئاب الجائعة...

‏سكت مليا، حدّق في بعض الوجوه المتسائلة. ارتفع بغام بين المساجين. أغلبيتهم لا يفهمون الفرنسية. لذا راح بعضهم يسأل البعض الآخر. ماذا يقول هذا الرومي المتغطرس؟ وما جدوى الكلام الذي لا يُفهَم. أردف النقيب بصوته الثقيل:

‏- هذا تعرفونه جيّدا... لكن ما أقوله لكم هو أن تتبصّروا الموقف، وتساعدوا فرنسا أمَّكم الجليلة. زيادة على هذا، أخبركم بأنه ابتداء من يوم الغد ستخرجون إلى العمل لبناء الطريق المؤدي إلى أعالي الجبال. يجب عليكم أن تكدّوا فيه لكي ننهيه في ظرف ستة أشهر، لأننا في احتياج كبير إليه. الآن، عليكم أن تعملوا لتنظيف المعسكر، وغدا في الصباح الباكر، سننطلق للعمل... هيا انتشروا ...

لفظ هذه العبارات الأخيرة بصوت أجشّ، مؤكدا على نهاية المقابلة.

‏مضى النهار بدون حادث يلفت النظر.

‏وفي صباح اليوم التالي، قبل انبلاج الفجر، تجمّع السرب في ساحة المحتشد: المساجين والعساكر والنقيب. في هذا الغبش، كان نسيم الصباح البارد يصفع الوجوه، ويقلّب لونها‌ إلى احمرار شاحب. باشروا النداء... والواحد وراء الثاني، عند سماع الأسماء، انتحى السجناء نحو الشاحنات الأربع الشاردة التي تصلّبت، جامدة في هيكلها الضخم، خارج المحتشد، أمام السياج الحديدي. يتوالى خيالها الأسود، أمام أعينهم التي ما لبث النعاس يغادر معاقد جفنيها. يتحرك العساكر ويحرسون كل واردة وشاردة. ركب النقيب مع السائق في الشاحنة الأمامية وانطلقوا في العتمة، في هدير مدوي، يعكّر صمت الفجر الذي لم يتجرّأ على تعكيره إلا الديَكة بصياحهم الرتيب.

رغم حماية غطاء َالشاحنة السميك، إلا أنّ الوجوه كلّها ازرَوْرقَت من سوط الرياح الباردة. يُحاول كل سجين مقاومة البرد بالالتصاق بجسد الجالس بجواره، بحثا عن الحرارة والدفء. يخترق ضوء المنارة العتمة، ويبعث الحياة في هذا الطريق‌ المنعزل. في مثل هذه الساعة من الفجر، يسود صمت طويل وثقيل لا يزعجه إلا بعض الفلاحين المحرومين الذين ينزلون من الجبال، لبيع غلتهم الضئيلة في القرى المجاورة. مكث السجناء صامتين، لا ينبس واحدهم ‏بكلمة. تتصاعد أنفاسهم غير المنتظمة، زافرة بخارا يتلاشى مع الهواء البارد. وتطارد عيونهم المناظر التي تتعاقب في الطريق ‌وراءهم، باحثين، عن جزئيات جذابة تشغلهم عن التفكير في همومهم الحاضرة والدائمة. يتصاعد الضوء رويدا، رويدا، ليطارد الظلمة وصمتها المضجر.

خاض الركب في طريق بين الأشجار الباسقة من الصنوبر والعرعار والسرو والأدغال الشائكة من الأعشاب المختلفة. تتحرك بعض الطيور الصباحية وترفرف بين الأشجار باحثة عن الأكل لها ولفراخها. انعطفت الشاحنات في انحدار وعر وسط طبيعة متوحّشة، يأمل فيها شعب بأكمله، شعب ظامئ إلى ماء الحرية والهناء والهواء الطلق. طفقت الشمس ترسل أشعتها لتنير أرضا مسلوبة مغتصبة. لكن رغم وجودها في هذه الحالة نلحظ خيطا من الآمال والرجاء في كيانها.

‏انخفضت سرعة الموكب قليلا ثم توقفت الشاحنات. نزل النقيب لرؤية الجسر الذي حطمته المياه الفائضة المتسببة من سقوط الأمطار العنيفة. كما نزل عدة عساكر لتقدير الموقف. أمر النقيب بتصليح للجسر. اشتدّت الحراسة حول الشاحنات الأربع بينما استعد مساجين الشاحنة الأولى للنزول. جلب البعض التراب من حافة الطريق وأحضر البعض الثاني الحجارة ‏الضخمة من بين الأدغال والأشجار. ووضع التراب والأحجار في مكان الجسر الصغير، ثم غطيت بالأغصان المورقة.

- هذا يكفي... إنّه إصلاح مؤقت... سنعود إليه لاحقا حينما تقل مياه الوادي...

‏جاء صوت النقيب ينهي العمل مؤكّدا أنّ الجسر الجديد يسمح للشاحنات بالعبور. التحق المساجين بالشاحنة واستأنف الموكب سيره في اطمئنان مضطرب. تزحلق الدولابان الأخيران بين الأغصان هنيهة، دارا في نفس المكان، ثمّ انطلقا سالمَين إلى الضفة الأخرى من الجسر. عادت المياه إلى مجراها. انضمّ العساكر الذين نزلوا إلى الشاحنات واستأنف الركب في صرير ثقيل. بقي عبد القادر في مكانه. حرز الحادثة لمعرفته المنطقة أحسن مَعرفة. بعد تهاطل الأمطار، تتكسّر بعض الجسور ويصعب عبورها. لم يكن قد فكّر في الهروب بعد. ‌كان جالسا في الشاحنة الأ‏خيرة، ينظر إلى الوراء، إلى الطريق والغابات المحيطة، كأنها تجري في اتجاه معاكس: أشجار السرو والصنوبر والأدغال.

‏يحملق في كل هذه المناظر دون أن يشعر بوجودها الحقيقي، هي أشباح تتوالى أمام عينيه، وكأنها هي التي تحدق فيه وتتمتع بسحنته الكئيبة. خرجوا من الخميلة المكثفة ودلفوا إلى أراضٍ مسطحة، حقول محروثة حديثا، ولعل المطر أوقف عملية الزرع. تلتها حقول الكروم بأوراقها الذاوية، نصفها مبعثر على حافة الطريق في الحفرة المغطاة بالأعشاب الخضراء الحديثة النبت. كل هذه الطبيعة الخلابة، في نظر السياح، لا تبدو ذات جمال في نظر عبد القادر. يراها متعطشة إلى عاطفة تعيد لها رونقها المفقود. يعرف جيدا أنها جزء من كيانه، لأنه ولد فيها وترعرع وسطها وتشبع بالروائح البرية الرائجة في أعالي جبالها، فكيف به لا يحبها ولا يدافع عنها، ليزيدها فتنة، ويقوى حبه لها. هذه الطبيعة تناديه هو وغيره من المواطنين، بصوت حنون كأنها تطلب النجدة. أغلبيتهم منهمكون في البحث عن الخبز والماء لسد الرمق، منشغلون عن هذا النداء، لا يكادون يسمعونه، بل يستمعون إليه وهم ‏في شغل شاغل عنها، بحيث يفقد الصوت معناه وهدفه الحقيقي. بالرغم من ذلك، فهم الأوائل الذين يتمنّون رؤيتها فاتحة ثغرها لتبتسم لتدفع في قلوبهم العاطفة والحنان المنتظر، ومن ثمة الخبز والماء لا لسدّ الرمق فقط، بل لتحويله إلى وردة فائحة يمكن التمتع بها.

"تلك الأصوات التي ما زالت تتابعني ليل نهار ! إنّها مريعة، مخيفة، توحي بالأصوات التي يسمعها الناس في القبور... طيلة ثلاثة أشهر وأنا أسمعها كل ليلة في جوار زنزانتي. الكثير من الموقوفين لا يملكون القوة الكافية لتحمّل التعذيب الوحشي... في تلك الساحة المطلّة على البحر وخلف ذلك الشباك الحديدي الصدئ... اللعنة على تلك الساعات الأولى التي أخضعوني فيها إلى التعذيب... ربطوني بحبل نيلوني إلى الشباك الحديدي ويداي تقطران دماً... كم كا‏نت تؤلمني !... أشعر بها حتى الآن... أحسّ بها أكثر من كل العذاب الذي دقته. جاءوا بالملاقط التي يسري فيها التيار الكهربائي، ملاقط صغيرة، مسنّنة من فولاذ لمّاع، ووضعوا ملقطا في شحمة أذني اليمنى، وملقطا في إبهام يدي اليسرى، وجاء التيار الكهربائي كصاعقة نزلت من السماء في ليلة دامسة، ممطرة، والرعد والبرق يدويان. وَثَبْتُ دفعة واحدة وصَرخت بكل جوارحي. لم أعرف من الوهلة الأولى ماذا أصابني... وجدت جسدي يرتعد وانفلت منّي زعيق مريع. أحسست بصداع مرعب برأسي. أوقفوا التيار. وجاء صوت ‏مظلي بنبرته الحاقدة: (تكلّم أيّها الحيوانتكلّم ! أيّها العربي القذر !) . دوي أجش، أيقظني من الغفوة الدائخة التي اعترتني. أتذكر جيدا تلك النظرة التي حدقته بها، نظرة مملوءة بالانتقام والاستياء والثورة. جاء التيار ثانية، لكنني هذه المرّة، استقبلته بمواجهة داخلية قوية. كنت أنتظر عودته منذ انقطاعه. بعد ذلك، جاءوا بأنبوب الماء، أرقدوني على ظهري. فتحوا فمي بقوة وأدخلوا قمعاً حديديا. في البداية شربت ورويت. كنت ظامئا... امتلأ بطني، لم يعد يكفي لقطرة واحدة. تسرّبت المياه من أذنيّ وأنفي. آه...، ما زال الوجع يدقّ في صحنَي أذنيّ".

ضغط براحة يديه عل أذنيه وأغلق عينيه لأنه يتحسّس الألم ويريد أن يسترجع تأثيره.

"بعد وقت طويل أظنه أكثر من ساعتين، ساقوني إلى زنزانة، حجرة صماء. لم أتذكر أنني نبست بكلمة غير الزعيق... في البداية كنت أصرخ، لكنّني عرفت كيف أصرخ داخل ذاتي دون أن يسمعوني... سأهرب من هذا السجن، وأقول لهم بأنني لم أتكلّم، انتصرت... صبرت طيلة ثلاثة أشهر من العذاب الأليم حتى استأنست به، ‏وتكيّف جسدي معه، ولم أعد أشعر كثيرا بوقعه. آه ... لتلك الزنزانة الغارقة في الظلمة الحالكة. الباب المصفّح... الجدران المجَصّصة بالحشيش... لم أعرفه في تلك العتمة، لكنّي تحسّسته مرات عديدة... مسحت به دمي، وأكلت منه لإطفاء الحرارة التي تجري في أحشائي... كا‏نت أصوات المساجين تصلني في البداية كأصوات تخرج من المقابر. كانت تخيفني وتزيدني رعبا. تأتي عادة مختلطة بصوت ارتطام الأمواج بالصخور تحت الزنزانة. يصل ماء البحر إلى غاية وسط البناية، عبر دهاليز تحت أرضية. حين يَسقط المطر، وتصفر الرياح، يتعالى صوت عباب البحر الأهوج، ويختلط بصيحات المساجين الفظّ، ويصلني الكل في نوع من الهذيان الذي يوحي بالجنون. لم أكن أرى أحدا. أحيانا حينها أساق إلى الزنزانة ألتقي بسجين، جاء ليقوم بدوري في تلقّي العذاب، لكنني دائما عند العودة، أكون في حالة لا تسمح لي بالتعرّف على وجهه. أشعر بنظراته البائسة تحدّقني رثاءً لحالي ولحاله معا. كم ‏اشتقت إلى سماع صوت بشر غير أصوات الجلادين الآمرة والمستهترة..."

"كم قلت لهم: سأذهب معكم إ‏لى الجبال وأحارب. إنّ هذا العمل جدير بأن يدخلني السجن في كل لحظة، وبسهولة. ودائما كان الردّ: لا يا عبد القادر، أنتَ في مكانك المناسب، تقوم بدور المرشد‌ بين الفلاحين، وتحرّضهم على دفع قدرهم من المال الذي نحتاج إليه، كما تقنع الشباب إلى الانضمام إلى صفوفنا. أنتَ مكانك بين المدنيّين. لا يمكن للجميع الصعود إلى الجبال، ومن سيقوم بالعمل وسط الجماهير التي تحتاج إلى توعية وتجنيد، ومن سيخبرنا بالمشاريع الجهنمية التي يخطّطها الجيش الفرنسي لمحاربتنا... ماذا أقول لجوابهم... لا شيء... مصيرنا مكتوب على جبيننا... كم من سجين رموه من فوق الجرف. البناية كلها نتنة بروائح الدم والجثث الكريهة، العفنة..."

تنفس عبد القادر الصعداء، بهدوء، ونظر إلى الطريق الطويل الهارب وراءه.

‏"سأهرب من هنا... سأهرب عند أوّل فرصة، وألتحق بصفوف المجاهدين. أظنّهم لن يُمانعوا هذه المرة لأنّني سأكون معروفا كسجين هرب من المحتشد."

‏حضَرت الشمس في موعدها الأبدي، مرسلة نورها في هذه الأراضي العطشى. وصل الركب إلى نهاية الطريق المخصّص لمركبات. في أعلى الجبال، يقطن فلاحون في دوار كبير لا تربطه بالطريق الكبير إلا دروب ملتوية لا تسلكها إلا الأقدام وحوافر الحمير والبغال. عرف الجيش الفرنسي بأن تلك المنازل تُستغلّ مركزا للمجاهدين، يستريحون بداخلها أيّام الشتاء الباردة. فقرّر شقّ الطريق الذي يمكن شاحناتهم ودباباتهم من الوصول إليها. توقّفت الشاحنات في منبسط قرب رابية. نزل المساجين بهدوء. راح النقيب يقلّب خريطة المنطقة التي تحتوي على تصميم لتضاريس المنطقة. حدّق في الرسم مليا ورفع عينية وأرسل بصره نحو الجبال بين الروابي والأودية. أشار بيده الينى إلى الوجهة التي يمر منها الطريق، ملتوية بين الأجمات، إلى أن تصل إلى الدوار في أعلى جبال الظَهْرة.

بدأ العمل في جوّ ثقيل وكئيب. باشروه بقلع الأدغال والشجيرات في مسافة عرضها خمسة أمتار وطولها مائتا متر. عمل شاقّ بعد عذاب وسوء تغذية دامت عدة أشهر. المساجين منهمكون في العمل والعساكر منشغلون بالحراسة، والصمت يخيّم على المكان. لا يُسمَع إلا رنين الفؤوس والمعاول. عاد النقيب مع الشاحنات إلى المختشد، وأسندت الرئاسة إلى عريف بَدين ذي لسان سليط وزعيق لا ينقطع. منذ أن طلعت الشمس وهو متكئ على جذع شجرة صنوبر تحت ظل أوراقها، وهو لا يتوقف عن الصراخ. الخريطة مطروحة على الأرض أمام جذع الشجرة، سيحاول بناء الطريق حسب التصميم. تنضّد عبد القادر عرقا. فهو يعمل باحتداد تحت الشمس الشاحبة، المسرعة في الفضاء الغائم. بدأ الفأس يثقل بين يديه. كان يعالجه في حركا‏ت بطيئة. رفع رأسه مليّا، أرسل نظرة خاطفة إلى أصدقائه، ثم انحنى، وعاد يحرّك الفأس بحركات تلقائية.

‏"إن هذا العمل لا يعجبني. يستغلوننا في شقّ طريق يوصلهم إلى إخواننا المجاهدين. لن أسرع في حركاتي. العمل في حدّ ذاته لا يخيفني ولا يتعبني. فمنذ وعيت برجولتي وأنا أضرب الفأس وأقلب الأرض في مزارع الكولون... ولكنني اليوم تعبت قبل حتى أن تنتصف الصبيحة... ماذا حدث؟ إنّ كراهية العمل هي السبب... جوّعونا ورعّبونا وعذبونا هؤلاء الحلاليف ! أفقدوا لنا طاقتنا ! العذاب، الجوع، النوم ‏المختلط بالكوابيس، الزعيق المريع... أتذكر كيف كنت أعمل في قطف العنب، فرغم القيظ، أشتغل بلا انقطاع وبلا تعب... أما اليوم، فلم ينتصف النهار حتى وجدت عضلاتي منهكة. إنّي متعب... متى تغيب الشمس لنستريح قليلا."

تواصل العمل في صمت. يجرف المساجين الأرض، يقتلعون الأدغال والأعشاب التي جرفت من الأرض إلى مكان بعيد نوعا ما. عندما تطهر ساحة ما، يعود البعض إلى الوراء لتسطيحها بالمجرفة والقشاشة. طفق كلّ سجين يتعرّف على أصدقائه القدماء ممّن سبقت معرفته بهم. تتبادل النظرات المتعطشة في صمت مرفق بالابتسامات الحارّة . "ممنوع الكلام ! ممنوع التوقف ! ممنوع رفع الرؤوس !" هكذا كان العريف الثخين يصرخ باستمرار. مضى وقت الهجير، بأكثر من ساعة عندما وصلت شاحنة حاملة الأكل المتمثل في الخبز وقطع من الجبن. وزّع العريف الأكل بسرعة ولم تدم الاستراحة أكثر من نصف ساعة. تمدّد الكثير منهم على الأرض تحت ظل الأشجار القريبة. اشتدّت الحراسة ولم يسمح لأحد بالانتقال من مكان لآخر. عادت الشاحنة من حيث أتت، وعاد الجوّ ثقيلا بعد ما عكّره صخب محركها لبعض اللحظات. أشعل العريف سيجارة وجعل ينفث دخانها الذي يتعالى قليلا قبل أن يختلط بالهواء الحار، دون أن يتحرّك من مكانه رغم الشمس التي وصلته وعلت نصف جسمه. سيتحرك لا محالة متبعا ظلّ الشّجرة. جلس بعض المساجين القرفصاء، يتحدثون بهدوء، بصوت خافت كي لا يجلبوا انتباه العساكر. غاف البعض الآخر بعد أن أوصوا من يوقظهم عندما يصل وقت استئناف العمل، قبل أن يوقظهم العساكر بركلة مؤلمة. المتعبون منهم يجلسون مسندين ظهورهم إلى جذع الأشجار، يستمتعون بالراحة وبالنسيم العليل. يتلذّذ الجميع بالراحة المرجوة. العساكر أنفسهم يجلسون وبنادق الرشاش بين أيديهم، يحلمون بأوطانهم وعائلاتهم. تمدّد أحدهم ‏على مقدمة جسمه، يداعب سلاحه ويلسع في ساق من العشب، لا يبالي بشيء. جاء صوت العريف آمرا باستئناف العمل. لم يكادوا يتذوّقون الراحة ويتلذّذون بالتّماسك مع الطبيعة البديعة، حتى أُمِروا باستئناف العمل. نهضوا بتثاقل وتكاسل ظاهرين. تلمسوا الفؤوس والمعاول بنظرات غريبة، كأنهم لم يستعملوها قط. تغسل أشعّة الشمس الغابات وتطهّرها من القاذورات المتعلّقة بها، مرسلة أشعتها بأقصى قواها. تأتي في خط مستقيم دون اعوجاج كالسهم الذي يطلق من الرمح. بعد مدة قصيرة من العمل، عاد العرق يتصبّب من أجسادهم، عرق ملطّخ بالتّراب تنبعث منه رائحة نتنة. أصبح العمل شاقا عندما وصلوا إلى جهة مملوءة بالأشجار: صنوبر، سرو، زيتون برّي... بالمناشر، تقطع الأشجار بجهد كبير وعنيف: الأغصان ثم الجذع ثم الجذور لكي لا تنبت مرة أخرى. تتحوّل كل هذه الأشجار عند يبسها إلى حطب ينتفع به سكّان هذه المنطقة. استمرّ العمل بدون عقبات بقية النهار، ورجعت الطمأنينة والأمل إلى القلوب حين اقتربت الشمس من الغروب. انخفضت حرارتها واقترب الليل ليطرد آلام وشقاء النهار ليعوّضها بالراحة والانزواء إلى الذات. إن الليل بالنسبة للمساجين هو خير الملاجئ للاسترخاء والتماس طرق شتى للراحة النفسية والعضلية. في طريق الإياب، خيّم صمت مريع وثقيل. في الصباح، النسيم البارد هو الذي منعهم من الكلام، وفي المساء، العياء والنعاس هما اللذان سدّا طريق الاتصال بينهم، وكذا طريق الاتصال بينهم وبين ذواتهم. ظهرت بنايات المحتشد في الظلام الدامس.

‏تتالت الأحداث في سلوك ثقيل وساكن: الوقوف والنزول والنداء واستلام وجبة الأكل العادية، والالتحاق بالزنازن. على الساعة التاسعة، انطفأ الضوء ليفسح المجال لعتمة الليل. لم يتمكّن عبد القادر من النوم في هذه الظروف القاسية. تقلّب مرارا فوق سريره الحجري الصلب، يرتعش بالبرد. لا يمنحه الغطاء الوحيد الدفء الكافي ولا الراحة المرجوّة لجسمه المتعب والمنهك.

"بعد يوم من العمل الشاق، لا نجد شيئا نأكله ولا حتى فراشا وثيرا نستلقي فيه بأجسادنا المنهكة... إنّ العمل يتطلّب الأكل الجيّد والنوم الكافي... يا لحماقتي ! أين أنا ؟ بعد العذاب اللاإنساني والوحشي الذي ذقته على أيديهم، أيُمكننا أن ننتظر منهم فعلا خيّرا أو رأفة ما، مهما كانت ضئيلة ؟ لا، إنّ هذا التمني عبث. من المستحسن أن نثق بأنفسنا. فكما كانت لنا شجاعة مقاومة تعذيبهم الوحشي، فيجب أنْ نستمد الصبر أيضا للاستمرار على المقاومة الصامتة، إلى أن يأتي الخلاص... وسيأتي عن قريب إن شاء الله."

‏فكر قليلا في وضعيته المزرية. قلّب كلّ وجوهها. أخيرا، استأنس إلى فكرة الخلاص المتمثلة‌ في الهروب من هذا المحتشد الكريه. لكن كيف ومتى؟ هذا ما لا يعرفه. إن المستقبل والظروف سيعطيانه الفرصة المواتية. لم يعرف كيف أخذه النعاس حتى وجد نفسه في حلم غريب. وجد نفسه يجري وراء نور بعيد، يناديه ويغريه باللجوء إلى حماه. يتخبط في عتمة دامسة، لا يعرف لها حدودا ولا سببا. أصوات المساجين المعذبين تدوي في ذهنه، وتوتّر أعصابه. هو يتحرك في الفراغ ، يريد الالتصاق بمادّة صلبة، دون جدوى. يفتح فمه، لينادي، لكن الكلمات تصل إلى الحلق وتأبى إتمام مسافتها. يعيد النداء، بكل قواه... الكلمات لا تُخْرج. اقترب منه النور حتى كا‏د يطرد السواد الحالك، لكنه سرعان ما ابتعد، وتوقّف غير بعيد عنه. وجد نفسه يجري في الفضاء بسرعة مدهشة، ليلحق النور ما كا‏د يصله حتى ابتعد مسرعا. تلاحقه الأصوات المريعة. صعُب تنفّسه، كاد يختنق، أحسّ بحبل وُضع حول عنقه، وطفق يشتدّ ويحبس أنفاسه أكثر، شعر بالاختناق والنور يترقبه من بعيد...

‏- هيا انهضوا يا أولاد القــــــ...

‏دخل عسكري برشاشته بعد أن ضرب الباب بقوة رجله اليمنى، وطفق يركل ‏المساجين. استيقظوا فزعين، ونهضوا بسرعة واقفين، الكل في مكانه. حملق عبد القادر في المنظر بعينين منتفختين بالنعاس، أحسّ بثقل رأسه. لم يسترجع وعيه كا‏ملا. أخرجوهم من الغرفة، انساقوا للأمر دون تساؤل. ما زالت العتمة تخيّم على المحتشد. بدأوا يغسلون وجوههم. يصل المساجين من كل جهة، مسرعين والنعاس لم يغادر معاقد جفونهم. بعد قليل امتلأ الجوّ بكلامهم. يتصافحون وفي ثغورهم ابتسامات أخوية ومصيرية.

إنّهم اليوم في أتمّ الاستعداد للعمل، قالها عسكري واقف أمام الحنفيات الثلاث المنتصبة خلف بناية قرب مدخل المحتشد.

جعلهم نسيم الصباح البارد لا يستقرون بمكان واحد، بل يتحرّكون وينفثون في راحات أيديهم، لإعطائها قليل من الحرارة. ارتفع أمر الخروج. التحق كل سجين بمكانه في الشاحنات. وانطلق الركب يخترق ضوء المنارة المعتمة، ليضيء الطريق. يتحدّى هذا الغبش الليلي، مثل السكين القاطع الذي يغير على ماشية العيد ولا يجد من يصمد في طريقه.

‏أخذت الظلمة حيطتها منه وعادت تفسح له المجال كلما اقترب. تتركه يمر ثم تعود إلى مكانها منهزمة، تنتظر الهزيمة الكبرى التي ستصل بعد قليل. في هذا الصباح لم يعد السكوت مثل يوم البارحة. يثرثر المساجين غير مبالين بالحراس ولا بالريح الباردة التي تصفع الوجوه. المحظوظون هم الجالسون وسط وداخل الشاحنة، لا يصلهم البرد ولا صفير الريح. وصلوا إلى ميدان العمل وما زال الظلام لم ينقشع كلية بعد. في الأماكن المنخفضة، المكسوة بالحشائش الخضراء، وجدوا بعض العجائز يُكْسِرْن الحطب من الأشجار التي اقتلعوها في عمل أمس. جئن باكرا، لكي يأخذن الحطب قبل طلوع الشمس، هرولن خائفات حين وصل الركب، ودلفن بين الأشجار، ولكنهن لم يختفين تماما، في انتظار رد فعل العساكر. سأل العريف أحد المساجين عن سبب وجودهنّ في هذا المكان وماذا يردن. شرح له بأنهن يأخذن الحطب للاستعمال اليومي. أومأ العريف بيده إلى العجائز بالاقتراب وأخذ الحطب. على رؤوسهن (بليطة) من الصوف، وسراويل مدوّرة على الطريقة العادية، المتداولة بين نساء جبال الظهرة. وفي أرجلهن (صندلة) الرجال المصنوعة بالمطاط. لكل واحدة حبل وشاقورة صغيرة، أو مَزبَرة لقطع الحطب. يجمعن حزَما صغرى، ثم يربطنها بالحبل ويضعنها فوق ظهورهن، وينطلقن نحو الديار، هناك وراء الغابة.

‏بدأ العمل في بناء الطريق، بتكاسل ظاهر. انقضى اليوم الثاني بدوره تحت جوّ يملأه القيظ والتعب. ساد الكلام بينهم أغلب الأوقات. تخلل العمل نوع من المرح والضحكات المتقطعة. كا‏ن عبد القادر يعمل مثل الآخرين، غير مبالٍ بشيء، لكنه لم يتمكّن من التخلي عن الحلم الذي عاشه ليلة البارحة. فسّره كل التفسيرات الممكنة، وقلّبه تقليبا لا حصر له، ولكن رغم ذلك لم يطمئن قلبه إلى مفهوم واحد، ورماه إلى ذاكرة النسيان، متفاديا العواقب التي تترتّب من الوسواس. تعرّف على الكثير من المساجين الآخرين. تحدّث مع العديد منهم حول كل شيء، وحول لا شيء. لم يهتم العساكر بالكلام، اهتموا بالحراسة فقط. في المساء، عاد الركب إلى المحتشد، والحديث لم ينقطع بين الجميع. هذه المرة، لم يناموا في ساعة مبكرة بل تحدّثوا كثيرا عن هموم الدنيا. اتكأ عبد القادر على الحائط، وتغطى بالرداء الوحيد. جلس الأصدقاء يتحدّثون. بعد قليل ساد الصمت ولم يسمع عبد القادر إلا صوتا واحدا يحكي عن ماض مملوء بالكوارث:

- انخرطت في الجيش الفرنسي في سنة 1950. مكثت عاما في الجزائر ثم ساقوني إلى فرنسا أين تدربنا طويلا قبل إرسالنا إلى (لاندوشين). ذهبنا في الباخرة، ووقفنا في بور سعيد، في مصر، لكننا لم ننزل منها. بعد ذلك ساقونا إلى (سايغون)، ثم إلى (لمدين) حيث عملت هناك عامين في الجيش الفرنسي. أهل (لاندوشين) ناس طيبون وخاصة الفيتناميون. عرفوا بأننا جزائريون وتحدّثوا إلينا في مناسبات متعدّدة وكا‏نوا يقولون لنا: أنتم جزائريون، إخواننا في الكفاح ضد الاستعمار الفرنسي. استعماركم في الجزائر يشبه استعمارنا هنا في الفيتنام. يجب علينا محاربته. لم أكن أسمع مثل هذا الكلام في حياتي العسكرية ولا حتى في حياتي الخاصة. لم أقرأ ولم أتعلّم. كا‏نوا يحضرون للحرب. وكنا أصدقاء معهم. نخبرهم بكل المعلومات التي نملكها حول الجيش الفرنسي. تعاوننّا عدة مرات على إخراج السلاح والذخيرة من المعسكر الفرنسي. هرب العديد من الجزائريين وانضموا إليهم، في الجبال المجاورة . كنا نرى في تصرفاتهم بذور قيام ثورة عظيمة ضد الاستعمار. أمام هذا الموقف، عقد لنا الفرنسيون اجتماعات عديدة، ليزّيفوا لنا الحقائق التي حفظناها منذ زمن. كنت في مركز خارج المدينة، داخل الجبال، ثم التحقنا بالقوات العامة في مدينة (لمدين) أين اجتمعت كل الجيوش الفرنسية للاستعداد قبل الذهاب إلى ديان بيان فو. تعَسكرت القوات الفرنسية في سهل عريض، تنتظر الجيش الفيتنامي. يقابل هذا السهل جبال شاهقة تتصل بالحدود الصينية. لم نعرف كيف اضطرمت المعركة. كنا بين نارين. تأتي الأولى من الجبال... أسلحة ثقيلة... اندهشنا لشراستها. لم نعرف السر إلا بعد الهزيمة. أصِبت برصاصة واستيقظت في المستشفى العسكري. توقفت الحرب بعد ذلك. نقلوني إلى (هانوي). لم تقتنع فرنسا بالهزيمة وبنهاية هيمنتها في (لاندوشين)، بل حاولت القيام بعمليات عسكرية أخرى لكنها فشلت أيضا.

‏كان الفيتناميّون أقوى، واستحقوا الانتصار".

كا‏ن الرهط معلقا بشفتي الجندي السابق في الجيش الفرنسي، وهو يتكلم عن أحداث ماضية ما زالت حية بذاكرته، يريد استرجاعها ولو للحظة وجيزة. عاشَ تلك الحرب مرغما، وساعدته على اكتشاف بعض الحقائق التي لم يكن يعرفها من قبل. لا يتجاوز عمره الثلاثين رغم الشارب الأسود الذي يوحي بكبره في السنّ. حين يتكلم يفقد تقطيبته ونصبح أمام شاب نشيط، يضحك بظلامه مهما كان جديّا أو مأساويّا. شاشيته الحمراء، التي انقلب لونها إلى سواد لقِدَمِها، زادت من هذا الشابّ البدوي الخشن الذي يتلاءم مع المصاعب والحياة الشاقة. أثناء روايته لحياته في (لاندوشين) يخرج صوته من الكوّة ليتسرّب إلى الخارج ، ويتلاشى في العتمة. يصعد الصوت وحده ويصطدم بجدران الغرفة الفارغة. يبدأ الصوت ينخفض رويدا، رويدا ثم يرتفع في حماس بسيط، لا يكاد يتجاوز الجدران رغم الصمت المخيّم داخلها. كا‏ن يخاف من العساكر. حينما انتهى، اندهش الجميع لهذه المغامرات وهذه الحروب في البلاد البعيدة التي يسمعون عنها، والتي تشبه إلى حدّ بعيد وضعيتهم.

- نجح الفيتناميون في إخراج فرنسا من بلادهم‏، فلماذا لا ‏نستطيع نحن بدورنا أنْ نطرد جيشها من أراضينا؟ ...

- يجب أن نتحزّم مثلهم ونحارب حتى آخر أنفاسنا...

‏(شْشْتْ... اسكتوا... انتبهوا...) قالها عبد القادر في همس، واضعا إبهامه على شفتيه. سكت الجميع. وصل دوي وقع أقدام منتظمة، يقترب نحو غرفتهم. مكث كل واحد منهم في مكانه، حاول البعض أن يتمدّد ويلقي الغطاء على جسمه ليتظاهر بالنوم. ابتعد الدَوي ثم تلاشى. حملق أحمد في جميع الوجوه، محاولا اختراق الظلام الدامس، ثم نبس وابتسامة تملأ ثغره:

- من المستحسن لنا أن ننام. نحن متعبون... وغدا سيوقظوننا باكرا كما فعلوا اليوم...

‏تمدّد هو الآخر في مكانه، وألقى الغطاء ‏عليه، وقال:

- تصبحون على خير...

‏جاء الردّ من كلّ الجهات، أصوات ثقيلة ناعسة... ساد الصمت من جديد، ونام الجميع، مكتفين بالغطاء الواحد الذي لا يمنح الحرارة الكافية لإمكانية التمدّد والبحث عن النوم.