الفصل الرابع

9 0 00

الفصل الرابع

في مساء الغد، تمدّد عبد القادر في مكانه طويلا. لم يتمكّن النومُ من التغلّب عليه ليريحه من العمل الشاق طوال النهار. فكّر مليّا في الأحداث التي جرت في ذلك اليوم، أحداث مفاجئة لم يكن ينتظرها. انطلقوا في الصباح الباكر نحو مكان العمل كالعادة. باشروا الحفر في جوّ ضجر يشبه جوّ السماء الملبّدة بالغيوم. أسرعت البرودة في وتيرة الحركات. الهدوء تام والصمت مطبق. اقترب وقت الهجير رويدا رويدا. وبينما كا‏ن المساجين منهمكين في عملهم والعساكر مشدّدين حراستهم والعريف يتلذّذ بغفوته تحت صنوبرة ظليلة، ارتفع صوت متذمّر، ألفت أنظار الجميع. اشرأبّت الرؤوس واتّسعت الأبصار. رجل ضامر، لا يقل عن الخمسين من العمر، واهن القوى، منبطح على ركبتيه، يئنّ بصوت مسموع. هرول عسكري، وهدّده بسلاحه:

- عُدْ إلى عملك في الحين...

اشتغل ‏الرجل حتى انهارت قواه وسقط أرضا. كا‏نت هيأته هزيلة ونحيلة، يرتدي سروالا عربيا مرقّعا وشاشية بيضاء، اسودَّت أطرافها. حملق الجميع في الحادث وانتظروا بفارغ الصبر، متوجّسين ممّا سيحدث.

- اتركني أستريح بعض الدقائق فقط، يرحم والديك... إنني مريض وتعبان... لا أستطيع مواصلة العمل...

لفظ الرجل هذه العبارات بصوت لا يكاد يُسمع، متوسّلا للعسكري بأنْ يمنحه بعض الراحة، حتى يسترجع قواه. حاول هذا الأخير النهوض به بيده اليسرى، شاهرا سلاحه في صدره، مستعدا لإطلاق النار. لحقه عسكري ثان ليساعده في ذلك لكن الرجل الخائر القوى سقط أرضا مرة أخرى. أغمَض عينيه، مُتألّما، متأوّها في بُغام، لا يكاد يخرج من حنجرته. وقف العريف بتثاقل، تابع المشهد لبعض الثواني، ثم تقدّم وأمر العساكر أن يُنهضوه فورا ليستأنف عمله طوعا أو كرها. اندهش عبد القادر أمام هذا الفعل. فكّر في الوثوب على العسكري الذي يمسك الرجل المريض من ذراعيه ويحثه على الوقوف.

‏"سأنقضّ عليه وأطرحه على قفاه... ولكنّهم سيطلقون عليّ الرصاص بدون رحمة... لا، لا أغامر، لأنتظر ماذا سيحدث..."

‏ساد الصمت أثقل وأضجر من الجوّ الشتوي الكئيب، المشحون بالأنظار القاتمة. تصلب السجناء في أماكنهم دون حركة.

‏بعد قليل، تشجع سجين، متقدّم في السن وتقدّم نحو العريف. وجَم أمامه مرتبكا، حدق فيه هنيهة ثم نبس في صوت منخفض:

- مون سرجان، دَعْهُ يستريح... سنسرع في العمل لكي نعوّض قسطه...

‏- اخرِسْ... من أعطى لك الحقّ في الكلام أيها الحقير.

‏صرخ العريف بازدراء في صوت أجشّ. مكث قليلا ثم رفع يده اليمنى فوق رأسه، وحلّق بها في الفراغ ، مزمجرا:

- استأنفوا عملكم، ولا شأن لكم بذلك...

‏لم يجد كلامه صدى في وسط المساجين. لم يتحرّكوا من أماكنهم. التفتت كل الأنظار إلى العريف، محدّقة فيه دون حركة. رجع العساكر القهقرى، شاهرين سلاحهم في الرهط المتجمع، مستعدين لإطلاق النار.

التقت أنظار الجمعَين في صمت مخيف... انتظار هلع، في غمرات الموت، أثناء ساعة الاحتضار.

- استأنفوا عملَكم وإلاّ...

‏زمجر العريف لكنه سكت دون إتمام تهديده. (وإلا ماذا ؟) تساءل عبد القادر:"هل سيُطلق النار على أكثر من مائة سجين؟ هل هذا ممكن؟ لا... لا أظن ..." تلتهم أنظار المساجين كلا من العريف والعساكر والعجوز المنبطح على الأرض المهشمة. عاد العريف يهدّد من جديد:

- سأعدّ إلى ثلاثة، وبعد ذلك سآمر بإطلاق النار... واحد... اثنان...

‏انتقلت أنظار المساجين من الواحد إلى الآخر، في تمهّل ثقيل، تمهّل السلحفاة، أمسكوا الفؤوس وانحنوا قليلا وحرّكوا العتاد، موهمين باستئناف العمل، بينما بقيت الأنظار تتلصّص من تحت ما يجرى حولهم. وقف العريف في مكانه ومسدسه في يده، تنفس الصعداء ومسح العرق من جبينه بطرف قميصة. تقدم نحو العجوز وأمَر عسكريا بمساعدته على الوصول إلى شجرة قريبة ليستريح بعض الوقت. عادَت ملامح الحياة إلى وجه الشيخ الواهن، لفكرة أنه سيُمدّد جسده الهشّ على التراب، كي يسري في عروقه نبض الحياة ثانية. استَمرّ العمل في صمت مريب إلى أن حان وقت الهجير، حيث وصلت الشاحنة محمّلة بالأكل. لم ينبس العريف بكلمة واحدة حول الحدث للسائق أو لمن رافقه. قضَم المساجين الخبز بمرارة، وهم يتبادلون الهمس واللمز الحزين والأنظار الناقمة، المستاءة. لم يتحرك الرجل الواهن من مكانه. بقيَ متكئا على جذع الصنوبرة. أمر العريف سجينا بإيصال صحن الأكل إليه. قضم الشيخ من رغيف الخبز بحركة بطيئة وراح يمضغ بعينين مغمضتين. بعد نصف ساعة، استأنف المساجين عملهم. عاد المريض ورفع الفأس واندمج وسط زملائه. مرّت الظهيرة ثقيلة وقد أطلّت الشمس وارتفعت الحرارة بعض الشيء. عند اقتراب غروب الشمس، جاءت الشاحنات وعاد العمال-المساجين إلى المحتشد. وعند نزولهم في الساحة، حضر عسكري ومعه دفتر المناداة. فباشر بنطق الأسماء مثلما جرت العادة. ظلّ العسكري يردّد اسما عدّة ‌مرّات دون أن يتلقى إجابة.

- أولحسن علي... أين هو؟

‏ بقي السؤال بلا جواب. التفتت الوجوه، ونطقت الألسنة ومسحت العيون الوجوه الحاضرة. عبد القادر بدوره بحث عن الغائب وتساءل مع نفسه أين سيكون. يعرفه كما يعرف مقرّ سكن عائلته، وقد تبادل معه التحية وبعض الأخبار العامة منذ فترة.

- ابحثوا عنه في المعسكر...

‏انطلق بعض العساكر مُسرعين نحو غرف الإقامة. بعد وقت قصير، عادوا مهرولين يشهرون خيبتهم في ملامح وجوههم الحائرة. وقف أحدهم وقال في ارتباك:

- لا يوجد أحد في المعسكر. فتّشناه كليّا.

‏لحظتها أدرَك الجميع، المساجين والعساكر معا، أنّ الغائب قد انسَلّ هاربا أثناء تواجدهم في مقر شقّ الطريق، ولم يتفطن إليه أحد. حدّق العريف في اللفيف بنظرة شزراء وصرخ:

- هكذا إذَن... لم يكن حدث اليوم إلا لعبة وحيلة لهروب هذا السجين... سنَرى جيدا من هو الأقوى ! ابحثوا لي عن المريض المزيّف...

‏يا للعجب والذكاء الخارق! لم يتفطّن عبد القادر لهذه الحيلة. العملية واضحة وضوح ثمرة التين اليانعة. فينما كا‏ن الشيخ منبطحا على الأرض، جاذبا اهتمام وأنظار الجميع، هرب أولَحْسَن عليّ متسلِّلا بين الأشجار ليلتحق بالغابة القريبة، وما عليه إلى ‏أن يتّكل على سرعة وقوة قدَميه. في هذا الوقت من بداية الليل، يكون قد أمّن هروبه ولا يمكن للجيش أن يمسك به حتى وإنْ مشّطوا المنطقة كلها وليلا. أكيد أنّه بأحد مراكز المجاهدين يحتفل معهم بنجاح وسهولة تخلّصه من الأسر.

‏شقّ عساكر طريقهم بين الجمع الواقف بفظاظة وغيظ، باحثين عن العجوز. أمسكه أحدهم من تلابيبه وقاده إلى العريف الذي نظر إليه ومطّ شفتيه سخطا ووعيدا، ثمّ طلب إتمام المناداة... من يدري ؟ فكان الهارب الوحيد.

- ستُحرمون من الأكل هذا المساء، وسترون ماذا سيجري لهذا الحقير الذي التصوّر نفسه ذكيا... كان يتكلم وأنظاره الشّزراء تحدّق في الوجوه الشاحبة المتراصة. في نظام عادٍ، اتجه المساجين إلى زنازنهم، مرفوقين بحراسة شديدة. لم يكن الحديث طويلا هذا المساء. اقتصر على الهارب ومصير العجوز. لم يكتم عبد القادر فرحه وشوقه إلى الهواء الطلق والحرية. أعجب الكل بهذا الهارب دون أن يعرفوه جيدا.

- الحرية تؤخذ بالعنف والقوة والاتحاد...

‏قال أحدهم ردّا على تنهداتهم اليائسة، والمختلطة بالرجاء والأمل. سكت قليلا ثم أردف، كأنه يلوم الهارب:

- إن عمله هذا، حدث فردي لا يجدي كثيرا. هرب وحده، وترك العجوز يتحمل المسؤولية والعذاب. أراه نوعا من الجبن واللاوعي. تكون الآن الحراسة أشدّ والمعاملة أقسى. فلا تتاح فرصة أخرى إلا نادرا. لو حدث العكس واستشار الأصدقاء لاستطاعوا تنظيم خطة يهرب فيها الجميع، وتكون النتيجة أنفع والصدمة أشدّ وقعا على الفرنسيين.

- لعله يكون قد التحق بالجبال. لا أشكّ بأنّه سيفعل غير ذلك، لأن التحاقه بذويه فيه خطورة كبيرة، وخاصة إذا مكث لديهم. سيرسل الجيش الفرنسي مظليين إلى عائلته يبحثون عنه، ويهدّدونها.

ردّ عبد القادر في وجه قطوب. كا‏ن متكئا على الحائط، ويداه تحلقان بركبتيه. قال ثالثهم:

- إنه محظوظ... لقد تمكّن من الهروب، هذا هو المهمّ... أمّا القول بأنّ العملية التى كا‏نت فردية ولم تكن جماعية، فهذا شيء أعقد من الهروب نفسه. العملية الجماعية تتطلب وقتا طويلا... واتحادا قد لا يتوفّر بالضرورة بيننا... أتظنّون أنّ الاتحاد سهل؟ ألا تخافون أنْ تتسرّب الفكرة إلى الفرنسيين ويقضون عليها في مهدها؟

- ليتني كنت في مكانه...

- تفضّل، ماذا تنتظر، اهرَب...

- ليست العملية بهذه السهولة التي تتصوّرونها. إنّ صاحبنا داهية، عرف كيف يستغلّ الفرصة. وربما دبِّرت من قبل مع العجوز. من يدري ؟ هل أجد أنا شخصا يضحّي بنفسه من أجلي أنا كفرد ؟ يقدّم نفسه للموت لكي يمنح لي الحياة. من منكم يتطوع لهذا النبل؟ ربّما كا‏ن الموت يخلّصه، فما بالك إذا أمسكه العدو وذوّق له مرارة السجن وجحيم التعذيب الذي ذقنا جميعا طعمه المرّ...

‏نظر في وجوه الجميع متسائلا: لم يجد إلا من يومئ له برأسه بالإيجاب. فبينما كانوا يتجاذبون أطراف الحديث والاستشارة فيما بينهم، وصلهم زعيق احتدّ تذمّره، تخطى الجدران لينثال عليهم كالصاعقة، لينبت في أعماقهم إحساس الرعب والموت، ويوقظ لديهم ذكريات مؤلمة، تزيد من توتر أعصابهم. خيّم الصمت داخل الجدران واسترقوا السمع، منجذبين بقوة غريزية غامضة. نهَض رجل، وقف أمام الباب وألصق إحدى أذنيه مع الخشب المتآكل، ثم عاد ونظر من خلال ثقب القفل. الظلام سائد، لا يحرّك ساكنا.

‏وحده الزعيق يتصاعد تارة ويهدأ تارة أخرى. انقضت فترة الاندهاش وتعالت الأصوات في المحتشد، داخل الزنازن. نهض الكلّ ليسمَعوا جيدا الصياح الذي يوصل معه الشعور بالألم المبرح. وصلهم صوت العساكر ووقع أقدامهم.

- اذهبوا إلى مراقدكم...

‏طرْقات في الباب... تلاشى الصوت ثم انقطع. لم تبق إلاّ صيحات العجوز تخيّم على البنايات الداجية.

- اذهبوا إلى مراقدكم... أين هي هذه المراقد، وهذه الأسرّة التي تتكلمون عنها؟

قال أحدهم في ازدراء ثم لزم مكانه، مسندا ظهره إلى الجدار الإسمنتي البارد، ينتظر في صمت ويحدث في الظلام الدامس الذي خيم على الغرفة. أطفأوا الأنوار من الزر الرئيسي الموجود في مكتب النقيب.

‏استرجع عبد القادر كل هذه الأحداث في ظرف دقائق قليلة، وبقي يتأمّل وضعيته ووضعية الآخرين. يجب أنْ نجد وسيلة فعالة للهروب نهائيا وجماعيا من هذا الجحيم ونلتحق بالمجاهدين. هم أحوج إلينا من غيرهم. لماذا لم أفكر طويلا في الهروب مثل اليوم؟ إن هذا الشجاع هو الذي أيقظ شوقي وشوق الجميع إلى الحرية. غرس الأمل في عقول الجميع. ولكن هيهات، ستكون الحراسة مشدّدة في الأيام المقبلة. مهلا أيها الحلاليف ! سنترك الظروف تهدأ قليلا. وبعد ذلك، ندبّر خطة فعالة لنتخلّص من وجار الكلاب هذا... فلأَنَمِ الآنَ، إنّ لنا مع الأيام المقبلة شأنا آخرَ...