(2)
الجمعة 17 أغسطس
أيقظني أستاذي في الفجرلنحضر الإحتفال بوفاء النيل المبارك. صلينا وأفطرنا. امتطى بغلته وركبت أنا حمارا. خرجنا إلى الجامع الأزهر فالتقينا السقائين بستراتهم
الجلدية وأخذيتهم العالية. اتجهنا جنوبا واخترقنا الحواري والأزقة حتى بلغنا الشارع المحاذي لضفة الخليج اليمنى والذي يمتد من باب الشعرية حتى قناطر السباع.
صادفنا موكبا من العساكر والمارة يتقدمهم رجل عملاق ببشرة برونزية و عينين جاحظتين وخدين غائرين وفوق رأسه عمامة بيضاء كبيرة ويحيط بجبهته رباط أسود ويتعلق
خنجر طويل بنطاقه الأحمر اللون فوق قميص موشى بالقصب وحذاء برقبة. وبين يديه الخدم بالحراب المفضضة. تعرفت فيه على الخواجا برطلمين. تباطأنا حتى ابتعد الموكب
ثم واصلنا السير لغاية قصر قنطرة السد عند فم الخليج. هنا يخرج الخليج من النيل جنوبي قصر العيني عند السبع سواقي. التحقنا بالركب الذي تقدمه القائد بونابرته
بصحبة بقية القادة ومشايخ الديوان. وخلفه عساكره وطبوله وزموره. كان الزحام شديدا على الشاطئ الذي ظللته أشجار الكافور والصفصاف. ورأيت أن أغلب الحاضرين من
النصارى الشوام والقبط والأروام والافرنج البلديين ونسائهم، وقليل من الناس البطالين.
تعلقت عيوننا بمنصة خالية تعلوها مظلة. ثم دقت الطبول والصنوج. وتقدم بونابرته ومعه الجنرالات ومندوب الباشا وأغا المشاة نحو المنصة بخطوات ثابتة وسط التصفيق.
لم أصدق عيني عندما تبينت ملابسه. كان يرتدي قفطانا دمشقيا وعمامة غرست فيها ريشة أوزة. اتخذ مكانه فوق سرادق مذهب يطل على النيل الممتلىء. وانحنى شخص على المياه
يقيس مستوى ارتفاع النهر. ساد الصمت ثم أعلن عن منسوب المياه. صفق الجمهور أعطيت اشارة تحطيم الحاجز الذي كان يحبس المياه. فهوت المعاول. و شرع مرور الماء.
ثم انكسر الحاجز وتدفقت المياه إلى الخليج لتملأ برك القاهرة وتروي القليوبية والشرقية. علت الزغاريد ودوت المدفعية. وقذف أحدهم في المياه بتمثال لعروس النيل
فهدرت الأصوات. وقفز بعض الرجال والصبية في الماء بينما ألقت فيه النسوة مزقا من شعورهن وملابسهن.
ووصلت مئات المراكب القادمة من بولاق في سباق للفوز بالجائزة المخصصة للصف الأول. وقام بونابرته بتسليمها للفائزين. ثم شرع يوزع بسخاء هبات كثيرة تسابق الجمهور
عليها. وأخذ يرسل التحايا بكفيه مائلا إلى الأمام بشكل مضحك. ثم ألبس الشيخ خليل البكري فروة وقلده نقابة الأشراف مكان عمر مكرم الهارب. وأخيرا أعطى الإشارة
بالانصراف. استدار أستاذي ببغلته في طريق العودة. واستأذنت منه في زيارة صديقي عبد الظاهر الذي يسكن قرب قناطر السباع. أذن لي فانطلقت بحماري وسط بيوت مظلمة
متداعية تنبعث منها روائح كريهة وحوانيت أشبه بمرابط الخيل. رجال في أسمال محشورين في الأزقة أو قاعدين يدخنون القصبات أمام مداخل بيوتهم وحوانيتهم. عميان يشخذون.
نساء قليلات مقززات يخفين وجوها عجفاء خلف خرق نتنة وتبدو صدورهن المتهدلة من أرديتهن القذرة. أطفال صفر الوجوه ينهشها الذباب.
بلغت مجموعة من الأحواش الكبيرة التي تمتلئ بأكواخ صغيرة يتكدس داخلها الفقراء مع حيواناتهم. ولجت حوشا يلعب به أطفال قذرون بجوار كرسي راحة مكشوف. وفي جانب
ركع شاب على ركبتيه دافنا رأسه بين ركبتي حلاق يزيل شعره. ربطت الحمار في مسمار بمدخل الحوش واتجهت إلى الكوخ الذي يقيم به عبد الظاهر مع أمه الكفيفة ويدفع
ايجارا له عشر بارات في الشهر. كنا قد تعلمنا سويا في الكُتّاب. وجئنا معا من الصعيد هربا من الطاعون. واضطر للعمل في وكالة أقمشة ليعول أمه. ولم تنقطع صلتنا.
وصرنا نلتقي كثيرا بصحبة حنا. كان في سني وأكثر سمرة ونحولا. رحب بي وجلسنا فوق مصطبة حجرية بالحوش. تعرفت أمه بالداخل على صوتي فحيتني.ونادته فدخل وعاد بصحن
من البلح وكوب من اللبن الرائب. سألته عن الأحوال فاشتكى من قلة الرزق. وقال إن التاجر صاحب الوكالة أنقص أجرته متحججا بالأموال التي دفعها للفرنساوية. وإنهم
لم يذوقوا اللحم منذ عدة شهور.
ترددت فجأة صيحات مذعورة واختفى الأطفال على الفور داخل أكواخهم. وأغلقت أبوابها. وأزاح الحلاق زبونه جانبا ولوح بموسه في الهواء. ظهرت دورية من جند الفرنساوية
في مدخل الحوش وتجاوزته مبتعدة. ولم تلبث أبواب الأكواخ أن فتحت وخرج الأطفال وعاد الزبون الشاب إلى حجر الحلاق. قال عبد الظاهرإن الفرنساوية يصعدون الأزقة
والدروب للتحرش بالنساء. وأردف بتصميم: ونحن على استعداد لهم. رددت آية من سورة القصص"وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون".
قال: نسيت أول الآية "وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمّها رسولا يتلو عليهم آياتنا".
ـ لم يأت أحد بعد. وعموما فإننا أفضل حالا من أيام الأتراك والمماليك.
ـ خسئت. أولئك مسلمون لانصارى.
ـ سمعت من أستاذي أن الفرنساوية ليسوا نصارى وانما هم من الدهرية.
سألني هازئا: وما هذه الدهرية يا مولانا؟.
ـ الذين ينكرون البعث والدار الآخرة والأنبياء ويقولون بقدم العالم وبأن الحوادث الكونية من فعل الحركات الدورية. وعقيدتهم هي تحكيم العقل. ويزعمون أن الرسل
محمدا وعيسي وموسي كانوا جماعة عقلاء وأن الشرائع المنسوبة إليهم كناية عن قوانين وضعوها بعقولهم لتناسب أهل زمانهم.
ـ اذن هم كفرة ويجب قتالهم.
ـ وكيف السبيل إلى ذلك؟.
لم يجب وشعرت أنه يضمر شيئا لا يفصح عنه. سألني عن حنا ثم قال إن القبط استقووا بالفرنساوية وإن معلمهم يعقوب رافق عسكرهم إلى الصعيد ليعرفهم الأمور. دافعت عن
حنا قائلا إنه لا شأن له بهذه الأمور وإنه موضع ثقة الشيخ البكري. دعاني لتناول طعام الغذاء لكني اعتذرت وانصرفت بحماري لألحق بصلاة الجمعة.
الجمعة 17 أغسطس مساء
اضطجع أستاذي فوق الأريكة وتربعت عند قدميه. قرأت عليه حصة اليوم من كتاب الشيخ النفراوي في الرد على الأسئلة الخمسة التي ذكرها الشيخ العلامة أحمد الدمنهوري.
كنت أقرأ وأنا أهتز كالعادة يمنة ويسرة، ويستوقفني ليستفسر عما فهمته أو ليشرح لي ما استغلق على فهمه. انتهيت من السؤالين الأول والثاني حول إبطال الجزء الذي
لا يتجزأ وقول ابن سينا عن ذات الله وكيف أنها نفس الوجود المطلق. ثم توقفنا عند السؤال الثالث في قول أبي منصور الماتريدي إن معرفة الله واجبة بالعقل مع أن
المجهول من كل وجه يستحيل طلبه.
قال الشيخ: يكفي هذا اليوم. حان وقت العشاء. نأكل هنا.
كانت عادته أن يتعشى في غرفة نومه بالطابق العلوي. انضم إلينا خليل واحضر لنا الخادم صينية بها صحنان من العدس وبصل. تبسم الشيخ وقال: هل تعرف ما قاله الشيخ
العنبوطي الشافعي رحمه الله؟. قال: اجتنب مطعوم عدس وبصل/ في عشاء فهو للعقل خبل. لم تمنعنا أبيات العنبوطي من التهام الطعام بالملاعق الخشبية. ثم اغتسلنا وأخرج
الشيخ أوراقه وبدأ يكتب. رويت له واقعة الدورية الفرنساوية وتعليق عبد الظاهر عليها. لكني احتفظت بالحديث الذي دار بيني وبينه لنفسي. وتناولت ورقة فارغة ووضعتها
علي فخذي وغمست ريشة في المحبرة. سجلت ذلك الحديث ثم وصفت احتفال وفاء النيل. تطلع إليّ فجأة عابسا: ماذا تفعل؟. قلت: أدون تفاصيل الاحتفال.
ـ لأي غرض؟. لقد دونتها.
ـ فكرت أن أقلدك.
بدا عليه الضيق ولزم الصمت.واصلت الكتابة حتى انتهيت ثم أعدت المحبرة والريشة مكانهما. وحملت الورقة وأنا أحركها في الهواء ليجف الحبر وانسحبت إلى حجرتي. استلقيت
على فرشتي وأنا أفكر في رد فعله. تقلبت واشتقت إلى الجارية السوداء لكني لم أجرؤ على الذهاب إليها في وجود أستاذي.
الخميس 23 أغسطس
أقضي هذه الأيام في حجرتي بين الفرشة وكرسي الراحة فقد أصابني الزحار كعادتي مع كل فيضان. وتناولت كميات كبيرة من مغلي جذور الإشار الهندية والصمغ العربي والرمان.
السبت أول سبتمبر
عاد الجبرتي من اجتماع الديوان ساخطا. قال إنه طلب مع الآخرين من أصحاب التزامات الأراضي الإذن في التصرف في حصصهم، فاشترط الفرنساوية دفع الحلوان. كان الشيخ
ملتزما على أرض في قريته ابيار. يدفع ما يتقرر عليها من مال ويحصل من استغلالها على ما يشاء. تبعته إلى مجلس العقد حيث خلع فروته وحذاءه وهو يزفر مستاءً. قال
إن بونابرته أحضر شالا بألوان الراية الفرنساوية ووضعها على كتف الشيخ الشرقاوي. فتغير مزاجه وامتقع لونه واحتد طبعه ورمي به إلى الأرض. ثم قرأ المعلم التركي
نقولا قصيدة باللغة العربية يشيد بها بالقائد الفرنساوي. سكت ثم ردد بلهجة متهكمة بيتا منها: الشهم بونابرته أسد الوغا ذو الاقتدار/ قهر الممالك كلها وقضى المراد
بما أشار. أضاف: عند انصرافنا صادفنا الشيخ السادات في طريقه لمقابلة بونابرته. لا أظنه سيرفض وضع الشال الفرنساوي.
استأذنت من الجبرتي بعد القيلولة. وذهبت إلى مقهى فتحي أحد صنائع الفرنساوية قرب المشهد الحسني. كان مزودا بموائد وكراسي خشبية بدلا من المصاطب أو المقاعد الحجرية.
ويجتمع فيه الناس للسمر والحديث واللعب ويحضر معهم فرنساوية. انضم إليّ حنا ثم عبد الظاهر. قال حنا إن الفرنساوية احتلوا بني سويف. كان يبدو حزينا كسيف البال.
سأله عبد الظاهر ساخرا عن أخبار زينب. قال إن البنت فجرت. فهي تخرج الآن كل يوم دون أن تغطي وجهها. سكت ثم قال: تلصصت عليها مرة في حجرتها. كانت سافرة بلا برقع
واليلك مفتوح من أمام يظهر منه قميصها ورأسها تحت طاقية تدور بها مسبحة من اللولؤ وتتدلي منها ضفاير من الحرير تزيد من طول خصلات الشعر. كانت ممسكة بمرآة تزيل
بالموسى كثافة حاجبيها وتجعلهما خطين رفيعين فوق الجفن. ثم اكتشفت أنها تتكلم مع أبيها. ورأيتها تمد نحوه قدمها ذات الخلاخيل فاذا به يركع ويقبلها. ودفعته بقدمها
فوقع على الأرض. تطلعنا إليه في دهشة. قال إنه لا يستغرب هذا فالرجل معروف بمجونه. كل ليلة يشرب خمر البرجندي الممزوج بالبراندي ولا يرحم البنات والصبيان. ظهر
الإستنكار على وجه عبد الظاهر وقال: كافر وكافرة. دخل قبطان فرنسي برفقة امرأة من أولاد البلد المخلوعين. رماها عبد الظاهر بعيون نارية وقال: هى وأمثالها يستحقون
القتل. قال حنا: قوما معي لنرى زينب فموعد خروجها الآن. مضينا نحو الموسكي وعبرنا القنطرة وسرنا بين المتاجر التخصصة في بضائع أوروبا: جوخ، ورق، مناديل، سجاجيد،
تبغ،صابون، تين مجفف، سكاكين، أمواس، شيلان، أكواب زجاجية، سكر، ساعات حائط، فانلات منقوشة، ساعات ذهبية، دبابيس. مررنا بعطفة تؤدي إلى حارة اليهود حتى وصلنا
العتبة. سرنا في اتجاه شارع مشتهر ثم انحرفنا يسارا قرب جامع الكخيا. استوقفنا زحام من الناس. وتبينا أن حمارين اصطدما بسبب السرعة. وكان الراكبان فرنسيين.
وقد تكرر هذا في الآونة الأخيرة بسبب من السرعة التي يسوق بها الفرنساوية. ولاحظت أن عددا من المحلات التجارية رفعت لافتات باللغة الفرنساوية. وكان الجابي أمام
أحدها. كان في زي المماليك المؤلف من السراويل الفضفاضة الطويلة المشدودة فوق الكعبين والعمامة فوق القاووق وحول وسطه منطقة علق بها خنجر من الأمام وعلى منكبيه
جبة تدلى على جانبها الأيمن سيف معقوف. برفقته جندي فرنسي يحمل دفترا كبيرا فيه أسماء التجار وبيانات عن الضرائب المطلوبة منه ومعه الكاتب وعلى رأسه عمامة كبيرة
وفي منطقته دواة مستطيلة من النحاس.
بعد عدة عطفات ولجنا درب عبد الحق حتى الدار التي أنشأها علي بك الكبير على بركة الأزبكية لمحظيته خاتون التي تزوجها مراد بك من بعده. كانت دار البكري بجوارها
وتطل على البحيرة. رأينا أمامها جمعا غفيرا من أولاد الكتاتيب والفقهاء والعميان والمؤذنين وأرباب الوظائف. وعرفنا منهم انهم يشتكون إلى الشيخ البكري من قطع
رواتبهم وخبزهم لأن الأوقاف استولي على نظارتها النصارى القبط والشوام. خرجت جماعة منهم من البيت بعد قليل. وشرع الجميع في الانصراف. وقفنا على مبعدة ننتظر.
وعند الغروب ولجت الدرب مركبة فاخرة يجرها جوادان. وفي مقدمتها يجلس جنديان ثُبت ريش النعام في قلنسوتيهما. قلنا في نفس واحد: مركبة ساري عسكر. فلم يكن يركبها
أحد غير بونابرته. ولم تلبث أن خرجت فتاة في رداء سابغ وبرقع من الموسلين الأبيض يغطي وجهها كله عدا العينين وشال يغطي رأسها. هبط أحد الجنديين ففتح لها الباب.
ودارت العربة في نهاية الدرب لأنه مسدود. ثم مرت من أمامنا. انزوى حنا خلفنا كى لا تراه. ولم تكن قد أغلقت نافذة المركبة. ورأيتها تخلع النقاب والبرقع كاشفة
عن وجه رائع الجمال. تبعنا المركبة على مبعدة. ورأيناها تتوقف أمام بيت بونابرته. وبدا حنا موشكا على البكاء فنهره عبد الظاهر قائلا: ما نهاية هذا كله؟. أنت
قبطي وهي مسلمة. قال حنا مدافعا: الحب لا يعرف التفرقة بين البشر في الدين أو غيره. استعاذ عبد الظاهر من الشيطان الرجيم وقال: إنها كافرة تستحق الرجم.
الخميس 6 سبتمبر
حضر الشيخ الصاوي ومعه شيخ آخر في الصباح الباكر. واجتمعا بأستاذي في القاعة الداخلية. تلكأت بجوار الباب وسمعت الشيخ الصاوي يقول إن الفرنساوية أمهلوا محمد
كٌرَيم حتى الظهر كي يدفع ثلاثين ألف ريال وإلا أعدموه. كان الشيخ كٌَرَيم في الأصل قبانيا يزن البضائع ثم صار وكيلا لمراد بك الذي جعله حاكما للإسكندرية. وعندما
وصلت المراكب الفرنساوية قام بتحصين القلاع وجمع جيشا من المواطنين تصدوا للغزاة ثم اعتصم بقلعة قايتباي إلى أن رأى عبث المقاومة فأعلن الاستسلام وتلقاه بونابرته
لقاء كريما وأبقاه حاكما للمدينة. والظاهر أنه واصل في الخفاء التحريض على قتالهم ودافع عن أهل المدينة عندما فرض الفرنساوية سلفة اجبارية على تجارها وتلكأ
في تحصيلها فقبضوا عليه. وعندما حضروا إلى مصر عثروا في بيت مراد بك على خطاب من كٌرَيم يتضمن خططا لمقومة الفرنساوية فأحضروه إلى مصر وحبسوه.
قال الشيخ الصاوي إن كُرَيم أرسل في الصباح إلى المشايخ وإلى المحروقي. وذهب إليه البعض فترجاهم قائلا اشتروني يا مسلمين. قال الجبرتي:الحال واقف كما تعرفان.
ولست قادرا على التصرف في أرض الإلتزام بأبيار. ولا أستطيع جمع ضرائبها من الفلاحين. أومأ الشيخان بالموافقة وانصرفا. وناداني الشيخ لأحضر له الأوراق والريشة
والمحبرة. كان مقطبا بادي الانزعاج. كتب قليلا ثم قام وأخذ يتمشى في أنحاء القاعة وهو يجذب شعر لحيته. قرب الظهر طلب مني الذهاب إلى الرميلة لمعرفة الأخبار.
سحبت حماري وغادرت المنزل. خرجت علي حماري إلى بين القصرين ومضيت جنوبا حتى بوابة المتولي فانطلقت في الشارع الطوالي الذي يبدأ عند تقاطع شوارع زويلة وقصبة رضوان
والسكرية والدرب الأحمر. واصلت حتى شارعي المحجر والمحمودية إلى أن ظهرت مئذنة جامع السلطان حسن فانحرفت يسارا حتى بلغت الجامع نفسه في ميدان الرميلة تجاه القلعة.
طفت بالميدان الذي يسمي بسوق العصر ويختص بتجارة الماشية والحبوب والخضراوات. كانت عربات الباعة الجائلين من صغار تجار التبغ وقصب السكر تتوسط الميدان. وبجوارهم
قرادون يلعّبون القرود. وقفت في طرف الميدان إلى جوار جامع صغير على ناصية الشارع المتجه إلى اللبودية والسيدة زينب. ترجلت عن حماري وربطته في عامود وجلست إلى
جواره. اقترب مني رجلان في ملابس أولاد البلد. تطلعا إلى بنظرة متفحصة. ثم واصلا السير. تبعتهما ببصري. كانا يحدقان في المارة. ولاحظت أنهما لم يغادرا الميدان
وانما يطوفان به. وأدركت أنهما من عيون فرط الرمان.
تردد آذان صلاة الظهر. ومضى بعض الوقت وعيني علي باب القلعة المعروف بباب العزب والمحصن ببرجين هائلين تزينهما الرايات البيضاء والحمراء. كان مغلقا وأمامه بضعة
حراس من الفرنساوية. شعرت بالملل وقررت الانصراف. فجأة فتح باب القلعة وخرج عدد من جند الفرنساوية شاهري السيوف.وتبعهم جندي يحمل طبلا. وبعد قليل خرج حمار فوقه
شيخ عاري الرأس. زدركت أنه محمد كٌريم. تقدموا في الميدان والطبال يضرب على طبلته. ركبت حماري وتبعتهم من مبعدة. شقوا به الصليبة ثم كتفوه وربطوه وضربوا عليه
بالبنادق. وأخيرا قطعوا رأسه ورفعوها على نبوت وطافوا بها بجهات الرميلة والمنادي يقول: هذا جزاء من يخالف الفرنسيس. عدت إلي البيت مهلوعا. رويت لأستاذي ما
شاهدته فلم يعلق بشئ.
الثلاثاء 11 سبتمبر
كان أستاذي يلقي درسه في الجامع الأزهر. صعدت إلى مجلس العقد. أغلقت الباب خلفي. كان الخدم قد انتهوا من تنظيف القاعة. وكان خليل في وكالة أمه أما جعفر فذهب
إلى السوق. كنت في مأمن من أن يدخل علىّ أحد. بحثت عن أوراق أستاذي التي يسميها "طيارات" و يسجل فيها وقائع الأيام. لم أجد أثرا لها فوق الأريكة أو أسفل وسائدها
وحشيتها. تقدمت من خزانة الكتب وفتحتها. قلبت في محتوياتها دون أن أعثر على شيء.. فتشت بقية الأرائك والمساند. طويت أطراف السجاد وبحثت أسفله وخلف الاسطرلاب
وتحته. جلست أفكر فوق الأريكة. كان يغادرالقاعة عادة بلا شيء في يديه. ومعني ذلك أنه كان يترك أوراقه بالداخل. ولما كان يخشي زيارة مباغتة من الفرنساوية فقد
أخفاها في مكان ما قريب. تأملت محتويات الغرفة ثم قمت إلى خزانة الكتب وفتشتها من جديد. لاحظت فجأة أن أحد جوانبها أسمك من بقية الجوانب. أنزلت الكتب المجاورة
على الأرض. وفحصت الجانب السميك. دفعته بإصبعي فتحرك حركة خفيفة. دفعته إلى أعلى. واكتشفت خلفه فراغا يضم أوراقا. استخرجت الطيارات وقلبت فيها. كانت مرتبة حسب
التاريخ وتبدأ بمقدمة صغيرة تنتهي بآية:" وما كان ربك مهلك القري بظلم وهم مصلحون". وتبعها بالأحداث منذ وصول الإنجليز إلى ثغر الإسكندرية قبل مجيء الفرنساوية.
ثم سجل ما وقع بعد ذلك. أوشكت أن أعيد الأوراق إلى مكانها عندما لفت نظري شيء. بحثت عن الورقة التي دون فيها أحداث اليوم العشرين من شهر ربيع الأول الذي يوافق
أول سبتمبر وتتبعت ما دونه بعد ذلك فوجدت أنه انتقل مباشرة بعدها إلى أحداث الأيام التالية دون أن يذكر شيئا عن اعدام محمد كٌرّيم. تعجبت للأمر: هل نسى؟. تصفحت
الأوراق القليلة التالية حتى تاريخ اليوم فلم أجد أثرا للخبر. وكان أحيانا إذا فاته شئ يسجله في الأيام التالية. سررت لأني دونت في أوراقي كل التفاصيل. حمدت
الله وقررت ألا أذكر له شيئا عن الأمر كى لا أكشف تجسسي على أوراقه.
أعدت الأوراق مكانها مرتبة كما كانت. وأنزلت لوح الخشب ثم أغلقت الخزانة وغادرت القاعة منتشيا بأني حققت شيئا فات على أستاذي.
الجمعة 14 سبتمبر
انتهى خليل من حلاقة رأسه وصعد ليستحم. أخذت مكانه فوق القاعدة الحجرية في الحوش. ووقف الحلاق خلفي يعمل مقصه في شعري. وجالت عيناي بين الخدم الذين ينتظرون
دورهم. ولاحظت فجأة أني لم ألمح الجارية السوداء منذ أيام. أراد الحلاق أن يترك شعر وجهي النابت لتنمو لي لحية لكني رفضت وطلبت منه أن يزيله. ثم تركت مكاني
لجعفر، وذهبت إلى حجرتي فأخذت ملابس نظيفة وبحثت عن فرخ من ورق اللف البلدي فلففتها به. خرجت إلى الحارة. مشيت بضع خطوات ثم ولجت عطفة غير نافذة بآخرها حمام
الصنادقية. استقبلني الخدم في الحجرة الأولى حيث أودعت ملابسي. ناولني أحدهم فوطة لففتها حول جسمي. وتبعته في ممر.أحسست بوهج الحرارة يتزايد تدريجيا حتى اشتدت
في مدخل الحجرة الثانية.
أحاطت بي سحابة من بخار ساخن معطر.رقدت على قطعة من قماش صوفي.اقترب مني عملاق عاري الصدر. انحنى فوقي وأخذ يطقطق مفاصلي. ثم بدأ يدلك جسمي بقفاز صوفي. كان يضغط
عليّ بقوة حتى خيل إليّ أن جلدي سينفصل عن جسمي.
وتوالى سقوط خيوط سوداء من جلدي. انتقلت غارقا في عرقي إلى حجرة مجاورة حيث سكب على رأسي رغاوي صابون معطر وخرج. وكان بالحجرة صنبوران واحد للماء الساخن والثاني
للماء البارد فاغتسلت ثم هبطت في مغطس مليء بمياه شديدة السخونة.وانتقلت منه إلى مغطس آخر من المياه الباردة. ارتديت قميصا وعدت إلى الحجرة الأولى. جلست فوق
حشية موسدة فوق أريكة حجرية. وقدم لي الخادم النرجيلة وفنجانا من القهوة. كان بجانبي شيخ أصلع ذو لحية عظيمة. وكان يتبادل الحديث بصوت خافت مع زميل له شديد
البدانة. أنصت لحديثهما وتبينت أن الشيخ الأصلع يعدد ما فرضه الفرنساوية من مقررات على المواريث والموتى، وعلى الرزق والأطيان والهبات والمبايعات والدعاوي والمنازعات
والمشاجرات والاشهادات. وقال إن المسافرلايسافر إلا بورقة، ويدفع عليها قدرا، وكذلك المولود إذا ولد، ويقال له «إثبات الحياة»، وكذلك المؤجرات وقبض أجر الأملاك،
وغير ذلك. أى على كل شيء.
انضم إليهما شيخ جليل معلقا على أخبار وصول الإنجليز والأتراك إلى الإسكندرية وتدميرهم لمراكب الفرنساوية. وتطلع البدين نحوي وسمعته يقول لزميله بصوت خافت إن
الفرنساوية سيقطعون لسان من يردد هذا الخبر أو يتكلم في هذا الشأن.
تساءل الشيخ الثالث: هل سمعتما قصة رسول السلطان؟.
وضحك. قال إن أغا يوناني حضر من الإسكندرية، فمر بالشارع وذهب لزيارة المشهد الحسيني. واستغرب الناس هيئته وقالوا إنه رسول من عند السلطان بجواب للفرنسيس يأمرهم
بالخروج من مصر. وبلغ بونابرته أن هناك مكتوبا من السلطان ورد إلى بعض المشايخ فركب من فوره في خيوله وعساكره وحضر إلى بيت الشيخ السادات. وأثناء مروره بباب
المسجد وجد الناس متجمعين داخله وخارجه. وعندما رأوه تصايحوا بصوت عال: الفاتحة. ويقصدون الدعاء بقدوم الأتراك وخروج الفرنساوية. وبهت بونابرته وسأل من معه
عن الأمر. ولم يفهم المترجمون بالطبع واقع الحال أو لم يريدوا اغضابه فقالوا له: إنهم يدعون لك. فصدقهم وانصرف.
ضحك الجميع ثم انتبه الشيخ لوجودي فلزم الصمت وهو يحدج رفيقيه بنظرات ذات مغزى. ومالبثوا أن غيروا كلامهم.وحكى الشيخ تفاصيل ما جرى للشيخ المحروقي شهبندر التجار
الذي اغتنى من تجارة الصادرات والواردات وكيف رافقه بعض الأعراب أثناء عودته من الحج لحمايته وفي الطريق نقضوا عهدهم ونهبوا حمولته واستولوا على البضائع التي
أحضرها من الحجاز وعلى ما معه من أموال. وفقد الرجل نحو ثلاثمائة ألف ريال فرانسه. قال الآخر إن الله منتقم جبار. فهو يعمل في تجارة الحرائر ولما حصل الطاعون
استولى على بيت شريكه وزوجاته وتجارته ثم خدم مراد بك وإبراهيم بك وصار من كبار الأثرياء. غادرت القاعة فوجدت ملابسي قد تعطرت بدخان خشب المر. ورش الخادم رأسي
وكل جسمي برغاوي الصابون المعطر. دفعت عشر بارات وعزائي أن الجبرتي يدفع في الحمام الذي يتردد عليه 30 بارة.
الأربعاء 26 سبتمبر
منذ أربعة أيام احتفل الفرنساوية بعيدهم فأقاموا صاريا كبيرا وسط بركة الأزبكية قال عنه العامة إنه الخازوق الذي أدخلوه فينا. وضربوا مدافع كثيرة، وتجمعوا عند
الصاري الكبير وعند العشاء عملوا حراقة بارود وصواريخ ونفوط وشبه سواقي ودواليب من القار ومدافع كثيرة. وصباح اليوم دوى طرق عنيف علي الباب الخارجي. فهرعت إليه
وسبقني جعفر لفتح الباب.ألفينا أمامنا جنديا فرنساويا وبرفقته اثنان من أصحاب الدرك وامرأة شامية سافرة الوجه. قال لهم جعفر إن الشيخ في الأزهر. فطلبوا أسماء
الساكنين وسجلها أحد الدركيين في دفتر كبير. ثم أمرنا ألا نسكن أحدا من الاغراب، وأن نضع على الدار قنديلا ونلازم الكنس والرش وتنظيف الطريق من القاذورات. وألا
ندفن ميتا بالترب القريبة من المساكن، كتربة الأزبكية، والرويعي، وإنما نستخدم القرافات البعيدة في باب اللوق وعرب اليسار والخليفة وغيرها.
قلت للدركي إن هذه أوامر كثيرة ومن الصعب أن نتذكرها كلها.
تطلع إلىّ في صمت برهة ثم قال: لم أنته. وأمرنا بترك الفضول والكلام في أمور الدولة. فإذا مر علينا جماعة من العسكر الفرنساوية مجروحين أو منهزمين لانسخر بهم،
ولا نصفق عليهم كما هى العادة.
سألته: هل هذا هو كل شيء؟.
قال: عليكم أيضا بنشر الثياب والأمتعة والفرش بالأسطح خمسة عشر يوما. وتبخير البيوت، كل ذلك للخوف من حصول الطاعون. قال جعفر إن الفرش منشور في الشمس.
قال الدركي: لا بد أن نتأكد.
قلنا إن الصعود إلي أماكن النساء مستحيل.
قال: لهذا أحضرنا المرأة معنا.
صعدت المرأة إلى أعلى الدار. وعندما عادت كتبوا بذلك أوراقا ألصقوها على الباب الخارجي.
السبت 6 أكتوبر
عاد الجبرتي من اجتماع الديوان وهو يردد ساخرا: نو. نو. أسرع إليه جعفر بالماء والقهوة. وروى لي الشيخ أن الترجمان طلب اختيار شخص يكون كبيرا ورئيسا عليهم.
فقال بعض الحاضرين: الشيخ الشرقاوي. فقال الرئيس: نو نو، وإنما ذلك يكون بالقرعة. فعملوا قرعة بأوراق فطلع الأكثر على الشيخ الشرقاوي. لوى الجبرتي شفته ساخطا.
قلت له إنه اختيار جيد.فهو رجل شجاع. قال: ماذا تعرف أنت عن الشيخ الشرقاوي؟. قلت: أتذكر انه منذ حوالي ثلاث سنوات حضر له أهل بلبيس وشكوا من أتباع محمد بك
الألفي الذين فرضوا عليهم أتاوات باهظة. فجمع الشيخ الشرقاوي المشايخ في الأزهر وأمروا الناس باغلاق الحوانيت وركبوا وخلفهم خلق كثير من العامة وذهبوا إلى بيت
الشيخ السادات ثم إلى جامع الأزهر.وفي اليوم التالي حضر الوالي التركي إلى بيت إبراهيم بك واجتمع الأمراء وأرسلوا إلى المشايخ فحضر الشيخ السادات والنقيب عمر
مكرم والشرقاوي والبكري ودار الكلام وانتهى بأن تاب الأمراء والتزموا بما شرطه العلماء وانعقد الصلح على أن يصرفوا غلال الشون وأموال الرزق ويبطلوا المظالم
والتفاريد والمكوس.
أضفت: هو رجل شجاع إذن.
قال: كان يدافع عن مصلحته. فله أرض بالقرية التي تعرضت للعدوان. اسمع قصة الشيخ الشرقاوي.
قال إنه ولد في ذات القرية ببلبيس في أسرة فقيرة. وعندما أتم حفظ القرآن في الكتّاب ارتحل إلى القاهرة لاستكمال تعليمه بالأزهر. وعاش وسط المجاورين في حالة من
الكفاف. فاضطر إلى العمل إلى جانب دراسته. وتلقى الطريقة الصوفية على يد الشيخ الكردي. وعاش في ضنك لا يطبخ في داره إلا نادرا وبعض معارفه يرسلون له الصفحة
من الطعام ويدعونه ليأكل معهم. ثم عرفه الناس واشتهر ذكره فواصله بعض التجار الشوام وغيرهم بالزكوات والهدايا فراج حاله وتجمل بالملابس وكبّر تاجه. وضم اليه
أشخاصا من الطلبة والمجاورين الذين يحضرون دروسه. وصار يذهب بهم إلى بعض المآتم فينشدون ويذكرون ثم يطلبون العشاء ويأخذون دراهم.
ارتشف الشيخ من قهوته ثم قال: عندما أراد السلوك في طريقة الخلوتية حدث له اختلال في عقله ومكث بالمارستان أياما ثم شفى فلازم الإقراء وألف في تاريخ الولاة والسلاطين
وفي علم التوحيد. وتمكن بمساعدة بعض الأثرياء من شراء دار وأصبح من أصحاب الأملاك و تولى مشيخة الأزهر وكان أول ما فعله أنه أراد التعويض عن أيام الحرمان بالمبالغة
في اثبات قدره فزاد في تكبير عمامته وتعظيمها حتى صار يضرب بها المثل. وعندما جاء الفرنساوية تقرب إليهم فجعلوه رئيسا لديوان القضايا فانتفع بالمعلوم المرتب
له واستولى علي تركات ودائع خرج أربابها. وزاد طمعه فاستولى على ايرادات خان خوند طغاي وأقام به مسجدا وضريحا لنفسه وبنى بجانبه قصرا ملاصقا. واشترت زوجته الأملاك
والعقار والحمامات والحوانيت.
تعجبت: كيف صار إذن شيخا لجامع الأزهر؟.قال: الله ابتلى الأزهر بأهل السوء الذين يضخمون من حجم عمائمهم ويوسعون من أكمامهم حتى يبدون في هيئة المعلمين ويتأبطون
عددا من كتب الأصول أينما ذهبوا بهدف اصطياد العطايا.
الأحد 7 أكتوبر
طلب علماء الديوان من بونابرته إصدار فرمان بصرف 2700 بارة لهم شهريا بحكم العادة ويتضمن الالتماس أسماء ثلاثة وعشرين شيخا.
* * *