(4)

6 0 00

(4)

الأحد 2 ديسمبر

اصطحبني أستاذي إلى سويقة السباعين، يسارجهة الموسكي، ومنها إلى حارة الناصرية وقبل أن نصل إلى شارع الكومي انحرفنا في الدرب الجديد ترجلنا عن ركائبنا أمام

البيت الذي أفرده الفرنساوية لأهل المعرفة، والعلوم الرياضية، والكتبة والحٌسّاب، وهو في الأصل بيت قاسم بك الذي كان الآن يقاتلهم في الصعيد. ربطنا البغلة والحمار

بجوار ركائب عديدة. فقد كان هناك عدد من المشايخ من أعضاء الديوان. رأيت الشيخ الشرقاوي بملابسه الفخمةولحيته الكبيرة البيضاء المشقوقة وأنفه الطويل وعمامته

الدائرية الهائلة.والشيخ المهدي بعمة مماثلة أصغر حجما ولحية صغيرة يغلب عليها اللون الأسود. والشيخ البكري بعمامته السوداء الدائرية والفيومي الذي لف رأسه

بشال من الكشمير الأبيض ذي حافة مزركشة.

رحب بنا الفرنساوية وصحبونا إلى الداخل. وقال لنا المدير فورييه إن لجنة العلوم والفنون تضم 151 عضوا يسكنون ويعملون في حجرات القصر والبيوت المجاورة له. ولجنا

بناء رائعا ثم قاعة هائلة عالية السقف تحفل جدرانها بخزائن الكتب الخشبية. ثم خرجنا إلى بستان به بركة ومزارع وسواقي ونافورات وطرق ممهدة للمشاة تحف بجانبيها

التكاعيب وكراسي للجلوس وكنيفات لقضاء الحاجة. وكانت الحديقة تتألف من طبقات يعلو بعضها بعضا وتصعد المياه إلى أعلاها عن طريق أنابيب خاصة وعند كل مصب لهذه

المياه مكان للجلوس. و قال لي أستاذي إن قاسم بك كان قد أباح للناس التنزه في رياضها وسماها "حديقة الصفصاف والآس لمن يريد الحظ والإئتناس".

ووجدنا أن الفرنساوية أحدثوا حديقة للحيوان وأخرى للطيور وخصصوا جانبا من الأرض للتجارب الزراعية. وجانبا آخر لمرصد ومطبعة ومجموعة آثار وورشة تصنع بها أجهزة

جراحية وبراجل وعدسات تلسكوبية وميكروسكوبية وأدوات رسم ومساحة وأصباغ للطباعة وشفرات سيوف وقبعات. دخلنا المرصد وقدمونا إلى توت الفلكي وتلامذته. وشاهدنا الآلات

الفلكية الغريبة المتقنة الصنعة، وآلات الارتفاعات العجيبة التركيب الغالية الثمن، وبها نظارات وثقوب ينفذ النظر منها إلى المرئي، وإذا انحل تركيبها وضعت فى

ظرف صغير. وكذلك نظارات للنظر فى الكواكب وأرصادها، وأنواع الساعات الغالية الثمن التى تسير بثواني الدقائق وغير ذلك.

انتقلنا إلى بيت حسن كاشف جركس، اليوناني الأصل، الذي شيده وزخرفه وصرف عليه أموالا عظيمة من مظالم العباد. وقد أفردوه لصناعة الحكمة والطب الكيماوى، و فيه آلات

تقاطير عجيبة، وآلات لاستخراج وتقاطير المياه، والأملاح المستخرجة من الأعشاب والنباتات، وحول الجدران قوارير وأوان من الزجاج البلوري المختلف الأشكال والهيئات

على الرفوف، وبداخلها أنواع المستخرجات. وبدأوا يعرضون علينا أعاجيبهم.فأخذ أحدهم زجاجة فيها بعض المياه فصب منها شيئاً فى كأس، ثم صب عليها شيئاً من زجاجة

أخرى، فعلا الماءان وصعد منهما دخان ملون حتى انقطع وجف ما فى الكأس، وصار حجرا أصفر. ثم فعل كذلك بمياه أخرى، فجمد حجرا أزرق، وبثالثة فجمد حجرا أحمر ياقوتيا.

وأخذ آخر شيئاً قليلا جدا من غبار أبيض ووضعه على السندال وضربه بالمطرقة بلطف، فخرج له صوت هائل كصوت البنب انزعجنا منه فضحكوا منا.

وأداروا زجاجة بفلكة مستديرة، فتولد من حركتها شرر يطير، ويظهر له صوت وطقطقة. وإذا لمس شخص الزجاجة الدائرة ارتج بدنه وارتعد جسمه وطقطقت عظام أكتافه وسواعده

فى الحال برجة سريعة، ومن لمس هذا اللامس أو شيئاً من ثيابه أو شيئاً متصلا به، حصل له ذلك. هز أستاذي رأسه قائلا: كلها أمور غريبة، ينتج منها نتائج لاتسعها

عقول أمثالنا.

سأله فورييه: ماذا قلت؟.

ترجمت له ما قاله أستاذي. تطلع إلى طويلا ثم قال: أنت تعرف الفرنسية؟.

قلت: قليلا.

قال: نحن في حاجة إلى شبان من أمثالك يعرفون اللغات. ما رأيك في أن تأتينا كل يوم للمعاونة في تنظيم الكتب العربية بالمكتبة. ونخصص لك أجرا علي ذلك. عندنا واحد

إسمه إبراهيم الصباغ لكنه مريض.

تطلعت إلى أستاذي فتفكر قليلا ثم قال: لا بأس.

قال: غدا إذن تبدأ.

انتقلنا إلى بيت إبراهيم كتخدا السناري وهو نوبي من أهالي دنقلة كان بوابا بالمنصورة ثم اتصل بالأمير مصطفي بك وتعلم اللغة التركية ثم اتصل بالأمير مراد بك وتقرب

منه وأصبح من أعيان القاهرة. وخصص الفرنساوية البيت للمصورين ومنهم أريجو الذي يصوّر الآدميين تصويرا يظن من يراه أنه بارز فى الفراغ مجسم حتى أنه صور المشايخ

كل واحد على حدة في دائرة. وعرفنا أن كبيرهم دينون في الصعيد. ورأينا واحدا منهمكا في تصوير الحيوانات والحشرات، وثالثا يصوّر الأسماك والحيتان بأنواعها وأسمائها.

ويأخذون الحيوان أو الحوت الغريب الذى لايوجد ببلادهم، فيضعون جسمه بذاته فى ماء مصنوع حافظ للجسم، فيبقى على حالته وهيئته لايتغير ولايبلى ولو بقى زمنا طويلا.

في طريق العودة أبدى أستاذي تعجبه مما رأيناه. وقال إن العمل في المكتبة فرصة لتجويد لغتي. ثم أضاف وهو ينظرإلى بامعان: وأيضا لمعرفة أخبارهم. قلت: وماذا بشأن

دروسي معك؟.

قال: ربما وجدنا وقتا في المساء. وفي كل حال يمكن تأجيلها حتي تنقشع هذه الغمة.

الإثنين 3 ديسمبر

أذن لي أستاذي بأن آخذ الحمار حتى الناصرية.كان الجو باردا فأعطاني شالا من الكشمير وضعته حول رأسي وصدري. وعندما وصلت أمام قصر قاسم ربطت حماري إلى سور البيت.

استقبلوني ببشاشة. واقتادني أحدهم إلى قاعة امتلأت جدرانها بخزائن الكتب وامتدت وسطها تختاة عريضة مستطيلة حولها كراسي منصوبة موازية يجلس عليها أناس منهمكون

في العمل. كان السقف مرتفعا ومؤلفا من زخارف خشبية جميلة. وكان الجو دافئا، فقد حرقوا أخشابا في مدفأة حجرية بطرف القاعة.

أعطاني دفترا لأسجل الكتب العربية وأراني كيف أفعل. وطلب مني أن أجلس حيث أشاء. وأشار إلى طرف القاعة حيث فسحة صغيرة تعلو شبرا عن الأرض وبها زوجان من المناضد

المتقابلة. اخترت واحدة وانصرفت إلى تفقد محتويات الخزائن. كان أغلبها بالفرنسية.وبها جملة كبيرة مطبوع بها أنواع التصاوير، وكرات البلاد والأقاليم والبحار

والأهرامات والحيوانات والطيور والنباتات، وتواريخ القدماء، وسير الأمم، وقصص الأنبياء بتصاويرهم وآياتهم ومعجزاتهم، وحوادث أممهم. من جملة ما رأيته كتاب كبير

يشتمل على سيرة النبى صلىّ الله عليه وسلم، ومصوّرون به صورته الشريفة. وهو قائم على قدميه ناظر إلى السماء، وبيده اليمنى السيف، وفى اليسرى الكتاب، وحوله الصحابة،

بأيديهم السيوف. وفى صفحة أخرى صورة الخلفاء الراشدين، وفى ثالثة صورة المعراج والبراق، وهو صلىّ الله عليه وسلم راكب عليه من صخرة بيت المقدس، وفي غيرها صورة

بيت المقدس، والحرم المكى والمدنى، وكذلك صورة الأئمة، وبقية الخلفاء والسلاطين، وصورة إسلامبول، وما بها من المساجد العظام كآيا صوفية، وجامع السلطان محمد.

ووجدت كثيرا من الكتب الاسلامية مترجمة بلغتهم، مثل كتاب "الشفاء" للقاضي عياض، العالم المغربي، و"البردة" للبوصيرى. وعندهم كتب مفردة لأنواع اللغات وتصاريفها

واشتقاقاتها، بحيث يسهل عليهم نقل ما يريدون من أى لغة كانت إلى لغتهم فى أقرب وقت، وكتب في علوم الطب والتشريح والهندسيات، وجر الأثقال. لم يكن هناك عدد كبير

من أصحاب المكان. لكني لاحظت كثيرا من الزوار يدخلون ويجلسون حول التختاة. فيطلب من يريد المراجعة ما يشاء من الكتب، فيحضرها له الخازن، فيتصفحون ويراجعون ويكتبون.

وكان بينهم عساكر وبعض أولاد البلد الشوام الذين يعرفون اللغات.ورأيت أحد عساكرهم منهمكا في حفظ آيات من القرآن الكريم.

الثلاثاء 4 ديسمبر

ذهبت اليوم إلى المجمَع مبكرا. جلست إلى منضدتي. وألفيت فتاة رائعة الحسن تجلس إلى المنضدة المقابلة. كانت ذات بشرة حليبية وشفتين متطابقتين وأسنان رائعة. ولها

عينان زرقاوان بأهداب طويلة.ورأس يكلله شعر ذهبي بديع. كانت ترتدي ثوبا رماديا ويحيط بعنقها وشاح من الصوف غطى صدرها. ابتسمت لي. وعرفت فيها الشقراء التي رأيتها

في الشارع تمرح مع أصدقائها فوق الحمير.

فتحت الدفتر وكتبت في صدر الصفحة الأولى "بسم الله الرحمن الرحيم". حددت الخزانة التي سأبدأ منها. واقترب مني شاب منهم أكبر مني سنا. سألني في غضب بلغتهم: ماذا

تفعل هنا؟. لم أحر جوابا فأشار بيده أن أترك مقعدي. نهضت واقفا وتناولت دفتري وتطلعت حولي حائرا. أومأت الفتاة إلى المنضدة المجاورة لها قائلة: تعال هنا. واحتل

هو مكاني.

جلست إلى المنضدة التي عينتها لي وكان فوقها محبرة وريشة وقلم من البوص. لم يكن بيني وبينها غير شبرين. سألتني عما إذا كنت أبحث عن شيء. فأجبتها بلغتها بأني

أعمل هنا. قالت إن لغتي جيدة. قلت لها إني تعلمتها عند تاجر فرنسي وأراجعها في الكتب بين الحين والآخر لكني أفتقد إلى المران. وذكرت لها إسمي فقالت إن إسمها

سيتويين- أي المواطنة- بولين. كانوا يلقبون أنفسهم بالمواطن والمواطنة على عكس أيام عملي عند التاجر الفرنسي الذي كنا نخاطبه بالمسيو أى السيد. ورويت لها كيف

تعلمت القراءة والكتابة وحفظت القرآن في كُتاب قريتي ثم مات أهلي في الطاعون فجئت من الصعيد وجاورت في الجامع الأزهر.

وشرحت لها معني المجاورة حيث التغذية مضمونة من خلال التوزيع اليومي لحوالي قنطارين من الخبز، بالإضافة إلى الغاز الضروري لإنارة المصابيح وفي كل شهر يوزعون

علينا عطايا للمصاريف. وحاولت أن أرسم لها صورة لجو التدريس والجلبة التي يصنعها سوريون وفٌرس وأكراد ونوبيون وهم يناقشون الأحكام والجبر والتأويل والفلسفة،

لكن اللغة خانتني. وقلت لها إني ترددت على دروس الجبرتي قبل أن يلحقني بمنزله لأواصل الدراسة على يديه وأصبح تلميذا له. سألتني عن مصير هذه الدراسة فقلت لها

إن الدارس يصبح عالما بعد عشر سنوات ويتولى التدريس لكن الغالبية تنصرف بعد سنتين أو ثلاث. صمتت متأملة ثم عادت إلى عملها. نهضت واقفا ومضيت إلى خزانة الكتب

العربية. فتحتها وحملت بعض كتبها إلى منضدتي وجلست أتصفحها. كان بعضها في النحو والهجاء باللغتين العربية والفرنسية. ومنها كتاب عن سقوط القسطنطينية وكتيب يضم

أسماء مديريات القطر المصري بالعربية. ثم كتاب عن مرض الجدري وآخر عن مرض الرمد بالعربية والإيطالية. وثالث يضم آيات قرآنية في لغتهم.

لمحت الشاب الذي أخذ مكاني يتابعني والتعبير الغاضب لا يفارق وجهه. همست لي الفتاة دون أن ترفع عينيها عن دفتر كبير أمامها: لا تبال بجاستون فهو هكذا دائما.

بدأت أعمل ولاحظت أنه لا يكاد يرفع بصره عنها.

الأربعاء 5 ديسمبر

كان نومي أمس قلقا. وتخللت صورة الشقراء أحلامي.استمعت لآذان الفجر: "سبحان الله هادي العباد، سبحان الواحد الأحد، سبحان الملك المعبود، المقصود والموجود. سبحانك

يا حي سبحانك يا دايم". ثم أغفلت قليلا وأخيرا نهضت وصليت. وانطلقت مسرعا إلى المكتبة. وجدتهما خلف منضدتيهما. وجهت إليهما تحية الصباح بلغتهما. رد على جاستون

بهمهمة غير مفهومة أما هي فرفعت إلىّ وجها باسما وهى تقول: بونجور. وجلست إلى المنضدة المجاورة.

ولج القاعة كهل في الخمسين حياها وقال شيئا لجاستون ثم انصرف. سألتني:هل تعرف من هذا؟. إنه مونج وهو عالم عبقري. هو الذي أشرف علي تطيير المنطاد. قلت: المنطاد

الفاشل؟. قطبت حاجبيها وقالت: إنه عبقري في العلوم الرياضية وكان مساعدا للافوازيه. هل سمعت عنه؟. هززت رأسي نفيا قالت إنه عالم كبير في الكيمياء والفيزياء.

واكتشف بمعاونة مونج تركيب الماء من غازين هما الأكسجين والهيدروجين. وأوحت لي لهجتها أنه اكتشاف هام.

ظهر عند باب القاعة رجل رث الثياب ذو رأس مستديرة وشعر أشعث. سأل بصوت عال عن مونج فردت عليه. وقالت لي إنه يدعى برتولليه. سألت هازئا: عبقري آخر؟. لم تنتبه

إلي سخريتي وقالت إنه:طبيب وكيميائي وله مؤلفات في تحضير الألوان والأصباغ. وإن الاثنين لا يفترقان حتى أنهما يسميان معا مونجبرتولليه. عرفتني أ يضا على كبير

المترجمين فنتور وهو أكبر رجال الحملة سنا. هنأني على لغتي وقال إني يمكن أن أصبح مترجما جيدا لو اعتنيت بدراستها. قلت إن الأجرومية صعبة وخاصة تصريف الأفعال.

علقت هى أنها يمكن أن تساعدني مقابل أن أعلمها العربية.

رحبت بالأمر. وسألتني بعد انصراف فنتور: هل انت مملوك أو تركي أو فلاح؟.

عجبت للسؤال الذي لم يخطر على بالي من قبل. فكرت لحظة ثم قلت: مصري.

قالت: سألقبك إذن بالمصري.

سألتني أين أسكن فقلت لها. أشارت إلى الطابق الأعلى قائلة إنها تسكن هنا مع زوجها. شعرت بالضيق. سألتها عن عمله فقالت إنه ضابط في الجيش. أضافت بعد قليل إنها

ابنة لكونتيسة أعدمت خلال الثورة منذ ست سنوات. فاضطرت لأن تكسب عيشها بالعمل واشتغلت بائعة قبعات ثم تعرفت بالضابط وأحبته وتزوجا. أضافت وفي عينيها نظرة حالمة:

ارتديت نقابا شفافا واستقلينا مركبة مغطاة بالورود البيضاء.

حكت لي ضاحكة كيف جاءت مصر. فعندما انضم زوجها إلى الحملة أرادت مرافقته. لكن بونابرته منع سفر الزوجات والعشيقات. فتنكرت في زي رجل. ارتدت حذاء عسكريا وسراويل

وصدرية ومعطف. وأخفت شعرها الطويل تحت القلنسوة العسكرية المثلثة الشكل واستقلت السفينة مع زوجها من طولون. قالت: لا أنسى كيف وقف بونابرته بضفيرته القصيرة

وخصلات شعره الجانبية المنسدلة على كتفيه. خطب في الجنود المبحرين إلى مصر واعدا كلا منهم بستة أفدنة. كانت لعيونه اللامعة تأثير السحر على العسكر. سألتها عنه.

فقالت بشئ من الافتخار إنه ضابط مدفعية نال رتبة الجنرال وعمره 24 سنة لاستيلائه على مدينة طولون من الإنجليز. وبعد ذلك بثلاث سنوات أنقذ الجمهورية من ثورة

الغوغاء وقضى عليهم بلا رحمة. وكافأته الحكومة باعطائه قيادة الجيوش الفرنسية في إيطاليا. فجعلته انتصاراته بطلا قوميا. كنت قادرا على متابعة لغتها. ولم أرفع

عيني عن شفتيها.

سألتها: هل التقيت به وجها لوجه؟.

التمعت عيناها وقالت: ليس بعد.

قلت: يبدو أنه عبقري آخر.

لم تعبأ بسخريتي وقالت بحماس: أنت لا تعرف الأسئلة التي يوجهها للعلماء: هل في الإمكان زرع الكروم في مصر؟ وكم حبة يثمر القمح فيها وكم في فرنسا؟. وهل في الإمكان

حفر الآبار في الصحراء؟. هل الأرض هى الكوكب الوحيد المسكون؟ وكم عمرها؟ هل دعوى تفسير الأحلام صحيحة؟

روت كيف فوجئت بمنظر الإسكندرية: شوارع قذرة غير مرصوفة مقفرة من الشجرثم عدد كبير من الحلاقين وعدد كبير من الكلاب الضالة. وهو نفس ما رأيناه في القاهرة. لاحظت

علامات الضيق على وجهي فقالت بسرعة:تعرف أجمل شئ رأيته في الإسكندرية؟. عامود السواري ومسلة كليوبترا التي نجحت بدهائها وجمالها في ايقاع أنطونيو في حبائلها

وتزوجته وجلست على عرش من الذهب. لم يفلح حديثها عن كليوبترا في إزالة غضبي من طريقة كلامها عن مصر. فانكببت على عملي. وقامت هي بعد قليل فغادرت القاعة. وعادت

حاملة كوبا من الشكولاتة قدمته إلىّ. شكرتها وشربته ووجدته لذيذا. كانت تواقة للكلام فلم تلبث ان استرسلت في الحديث عن رحلة الجيش من الإسكندرية إلى القاهرة:

الجراية الوحيدة للجميع لم تتعد البقسماط الجاف. وعانينا من العطش وكوت الرمال أقدامنا. مئات جنوا وقتلوا أنفسهم بالرصاص. كان البعض يحتضرون ظمأ ويتوسلون لشربة

ماء. ومات عند الآبار من الاختناق أو تحت الأقدام ثلاثون جنديا. ثم تحسنت الأحوال عندما اقتربنا من القاهرة. فقد اكتشفنا الشمام. لكن الكثيرين أصيبوا بالإسهال

من أكله. وعندما رفضت قرية إمدادنا بالطعام ذبحنا 900 رجل وامرأة وطفل وأحرقنا القرية ليكونوا عبرة للشعب الهمجي.

هذه المرة أدركت خطأها على الفور فوضعت يدها فوق يدي معتذرة. ثم استطردت: كان مشهد المماليك المقاتلين في انبابة خلابا. كانوا يرتدون ملابس فخمة ويحملون معهم

ممتلكاتهم. ووجد زوجي في عمامة أحدهم بعد مصرعه خمسمائة قطعة ذهبية. وقالت إن بعض الجنود وقعوا أسرى لدى البدو ثم تحدثوا بعد اطلاق سراحهم عما تعرضوا له من

معاملة رهيبة واعتداء على شرفهم. وضحكت قائلة إنهم تقبلوا هذه الاعتداءات فيما بعد على أنها من الأخطار التي يتعرض لها المحاربون في بلاد الشرق. لكن البعض فضلوا

أن يقتلوا على أن يتعرضوا لهذه المهانة. وقالت إن بونابرته انتقد هذا الإسراف في الفضيلة وقال لأسير منخرط في البكاء: علام تبكي؟. أهذا كل ما تثير حوله الضجة

أيها الغبي؟.

سألتها عن معيشتها فقالت إنها تعاني من الذباب والبعوض والعرق وتهرش طول الليل ثم تنهض في الصباح عليلة كئيبة عاجزة عن الحركة. عند الظهر رأيت زوجها لأول مرة.

فقد جاء وصحبها إلى مقر إقامتهما في الطابق الأعلى. كان وسيما ممشوق القامة. ولم تعد بعدها.

الخميس 6 ديسمبر

أعطتني عودا من الخشب يبرز منه عمود رفيع من الرصاص. قالت إنه من اختراع كونتيه أحد علماء الحملة. سألتها: عبقري آخر؟. قالت إن في استطاعته أن يصنع من أبسط

المواد ما تدعو إليه الضرورة من أدوات. أصبحت الكتابة ميسرة بالقلم الجديد ولم تعد بي حاجة لاستخدام المحبرة أو الرمال للتجفيف. وعندما انتصف النهار أحضرَت

كتابا لتعليم اللغة عنوانه "تطبيقات في العربية الفصحي مختارة من القرآن لينتفع بها دارسو العربية". قربت مقعدي منها لنقرأ سويا. وهبت علىّ رائحة عرق شديدة.

وبدا لي أن ملابسها لم تغسل منذ مدة طويلة. بدأت أقرأ معها الآيات وترجمتها. كنت أهتز في مقعدي يمنة ويسرة فتعجبت. قلت لها أننا نقرأ هكذا في الأزهر. أقنعتني

بعدم الاهتزاز ووجدت صعوبة في ذلك. ثم أحضرت الصحيفة الفرنسية التي يصدرونها كل أسبوع واسمها كوريير دي ليجيبت.

تصفحنا العدد الأول الذي صدر منذ أربعة شهور. كان يشتمل على مقال خاص بالمولد النبوي، وأخبار الجيش وحوادث القاهرة وأهم الأخبار المحلية كأنباء الإحتفالات والأعياد

وحفلات الموسيقي والرقص في دار غيط النوبي التي أسموها بالتيفولي على اسم مكان مثله في باريس. وكانت به أيضا أخبار الديوان ونداءاته بالهدوء، وبعض النوادر والقصص

القصيرة. قرأنا سويا حكاية طريفة عن رجل نوبي أراد ريجو أن يرسم له صورة. وعندما شرع في تلوين الرأس والصدر هب النوبي مفزوعا يطلب من المصور أن يعيد إليه رأسه

وصدره. ورفض آخر أن يجلس للتصوير لأنه اعتقد أن أجزاء الجسم المصورة لا تلبث أن تتجمد ويموت أصحابها.

الجمعة 7 ديسمبر

فوجئت اليوم بأنها قد حركت منضدتي بحيث أصبحت لصق منضدتها. كان الجو دافئا فألقت الوشاح الذي يغطي صدرها جانبا. وكشف رداؤها الواطئ الصدر عن منبت نهديها.وانبعث

منها عطر لطيف. كنت قد أعددت لها ورقة بالألفاظ العربية المستخدمة في الحياة اليومية وما يقابلها من الفرنسية فتدارسناها ثم قرأنا معا الإعلانات المنشورة في

صحيفة الكوريير دي ليجيبت. وعندما انحنت فوق الصحيفة رأيت ثدييها الصغيرين المكورين فاشتعلت النار في جسدي. واستعذت بالله من الشيطان الرجيم. سجلت ترجمة الإعلانات

في ورقة كما يلي:

ـ في نهاية الشارع الفينيسي، في بيت المواطن الطيب فولمار يوجد مصنع للمشروبات والخمور بجميع أنواعها والطافيا وغيرها من السلع الأوروبية الطراز.

ـ المواطنان فور ونازو وشركاؤهما يصنعون جميع أنواع المشروبات في ميدان بركة الفيل قرب المستشفي بأسعار معتدلة.

ـ حمامات فرنسية خلف ميدان بركة الفيل.

ـ تبغ فرنسي من جميع الأنواع مصنوع في بيت حسن كاشف في شارع بتي توار أمام المطعم الميلاني.

ـ حانوت القبعات الفرنسية يحيط المواطنين علما بأنه أنشأ مصنعا للقبعات خلف مكتب البريد.

ـ كوتشينة جميلة تباع في مطبعة الجيش.

تركتني بعد الظهر وبقيت حتى بعد الغروب لأحضر إحدى الأمسيات غير الرسمية التي يجتمع فيها علماء المعهد ليتبادلوا الحديث عن أعمالهم. جلسنا بقاعة استقبال كبيرة

في حرملك القصر. كان بعضهم يرتدي سترات ذات ياقة عالية تكاد تخفي نصف الوجه. والبعض الآخر في ثياب مهملة. ورأيت كفاريللي الذي يسميه العامة بأبي خشبة بسبب ساقه

الخشبية. وكان طويلا مهيبا غزا الشيب شعر رأسه.

جاءت بولين مرتدية ثوبا مقصبا وجلست إلى جواري. أبديت اعجابي بالثوب فقالت إن الباريسيات يفضلن الآن الموسلين الشفاف وقد أقلعن عن القماش المقصب الثقيل رغم قيمته

لأنه لا يتفتت بسبب كثرة الخيوط الذهبية على عكس الموسلين الذي لا يصمد طويلا للاستعمال. ومالت على هامسة: تصور إن زوجة المواطن تاليين وهي مركيزة سابقة ترتدي

ملابس شفافة دون أي قميص تحتي فيمكنك أن تري كل شيء. تحب ذلك؟. وأضافت دون أن تنتظر اجابتي: ترتدي أيضا جوارب بلون البشرة. يشترك زوجها مع بونابرته في أن زوجتيهما

كانتا خليلتين لعضو الإدارة بارا. لم أستوعب تماما حديثها.

افتتح مونج الاجتماع بنتائج احصاء سكان القاهرة فقال إن عددهم 300،000. وقال: يمكن توطين بضعة آلاف من الفرنسيين في مصر ليزرعوا الأرض ويتاجروا في بضائعها. وعندئذ

يغدو هذا البلد أجمل مستعمراتنا وأفضلها موقعا. وقال إن مهمة اللجنة العلمية هي انجاح هذا الهدف. لاحظت أن كثيرين من أعضاء اللجنة العلمية لا سيما الشبان لا

يشاركون رئيسهم حماسته. تحدث أيضا عن مشروع لشق قناة بين البحرين الأحمر والمتوسط. ذكر آخر أن طواحين القمح ضعيفة ودقيقها غير ناعم ولا تقوم بفصل الردة عن الدقيق

لذا يكاد يكون من المستحيل أن تأكل في مصر خبزا كخبز باريس. انصرفت قبل أن ينتهي الاجتماع. ومررت في طريق عودتي بسوق الدلالين حيث تباع الملابس القديمة.

الأحد 9 ديسمبر

اليوم عطلتي الأسبوعية من المعهد. قضيته في دراسة اللغة. لا أحتمل يوما لا أراها فيه. صليت في مسجد ستي زينب ثم خرجت عند العصر. مررت بحانوت خراط في مبتدأ الأشرفية.

كنت دائما أتوقف عنده لأرقب براعته في تحريك الالة القاطعة بإبهام قدمه اليمنى على الشيء المراد تشكيله بينما يحرك قوسا بيده اليمنى. فوجئت به واقفا خلف منصة

تحمل شتى أنواع الأطعمة والمقليات. قال عندما أبديت استغرابي: أكثر الصنائع كسدت لانعدام طلابها. ولم يعد يروج غير الأكل. استفسرت عن ابنه الذي يعاونه. قال

إنه اشترى حمارا ويعمل مكاريا. وهو يتكسب جيدا. فالكثير من الفرنسيين يدفع أجرة كبيرة ويظل طول النهار فوق ظهر الحمار بدون حاجة، سوى أن يجري به مسرعا فى الشارع.

وطبعا يجري ابنه خلفه ويعود آخر اليوم مقطوع النفس.

فكرت في شراء هدية لبولين فاتجهت إلى وكالة العجاتية حيث تباع قلادات المرجان. ثم عدلت عن ذلك إلى شراء شال من واردات أوروبا في خان الخليلي ثم قدرت أن الأفضل

والأرخص أن يكون من الصناعة المحلية. ذهبت من بين القصرين إلى سوق أمير الجيوش برأس حارة برجوان حيث يوجدالرفاؤون والحياكون.اشتريت شالا من صناعة المحلة الكبيرة.

ثم مضيت إلى مقهانا المعتاد عند قنطرة الموسكي. كان ممتلئا برواده من الزعر والسريحة والمكاريين. واحتل الشاعر دكته المعهودة. ووجدت عبد الظاهر في انتظاري.

تحدثنا عن كساد غالب البضائع وغلوها، وانقطاع الأخبارمن الخارج، ووقوف الانجليز فى البحر وشدة حجزهم على الصادر والوارد، حتى غلت أسعار جميع الأصناف المجلوبة

من البحر الرومي.

انضم إلينا حنا وكان معه كتيب فرنسي به ما يدعى بإعلان حقوق الإنسان الذي أصدره الفرنساوية في مستهل ثورتهم. ترجم لنا معجبا مادة عن حق الإنسان في الحرية والملكية

والأمن ومقاومة الاضطهاد. حكيت لهما عن عملي الجديد. وطلب مني حنا أن أتوسط له في العمل معي. تخيلته يتحدث بطلاقة مع بولين فهو يعرف اللّغة أحسن مني. ووعدته

بغير حماس. سألناه عن زينب فقال إنه لا يكاد يراها. وإنها تخرج كل يوم بصحبة امرأة فرنسية.وأحيانا يرافقها واحد من قادتهم. تركنا بعد قليل فقال عبد الظاهر إن

أسافل النصارى من القبط والشوام والأروام واليهود يركبون الخيول ويتقلدون بالسيوف، ويتجاهرون بفاحش القول، ويستذلون المسلمين.

الإثنين 10 ديسمبر

قدمت إليها الشال الحريري فشكرتني ووضعته حول عنقها. وأعطتني قطعة حلوى فرنسية عبارة عن حبة كرز مغلفة بالشكولاتة. ولم يرفع جاستون عينيه عنا. كان معها العدد

الجديد من صحيفة ليكاد اجبيبسيان التي يصدرها المعهد على هيئة كراس صغير. قرأنا معا مذكرة لمونج حول ظاهرة السراب. فأثناء الزحف من الإسكندرية شاهد الجنود جزرا

مرتعشة ومنعكسة في بحيرة تأخذ في التراجع بقدر تقدم المرء نحوها. وذكر مونج تفسيرا لهذه الظاهرة.فضوء الشمس في الهاجرة يزيد من سخونة الرمل. فيتمدد الهواء القريب

مباشرة من الأرض ويصبح أقل كثافة من طبقات الهواء الأعلى. وهنا تنعكس عليه أشعة الضوء القادمة من أجزاء السماء المنخفضة والقريبة من الأفق كما في المرآة، وينتج

عن ذلك أثر مزدوج فهو يجعل الأفق يبدو أقرب من جهة صور مباشرة لقرى ولنخلات توجد بعيدا. في ذات الوقت الذي يقلبها فيه مكسبا إياها صورة المياه التي ليست غير

حد السماء المعكوس.

لم أستوعب تماما الشرح ونقلته في ورقة لأريه لأستاذي لعله يكون أكثر قدرة على الفهم.

الثلاثاء 11 ديسمبر

ذهب استاذي إلى منزل الشيخ النابلسي الذي يجتمع به أعيان التجار والعلماء لقراءة الكتب ومناقشة مؤلفيها. وقال إن بونابرته اشتكى للمعلم جرجس الجوهري من قلة

حماسة الأقباط للفرنساوية على عكس مشايخ المسلمين الذين يأتون له كل يوم ويكشفون له عن كنوز المماليك.

الأربعاء 12 ديسمبر

منذ وصلت وعيني على الباب. جاءت أخيرا وجلست بجواري. شممت رائحة الصابون تنبعث منها. شرعت أسجل الكتب وكل حواسي موجهة نحوها. ثم سمعت جاستون يترنم بموسيقى حماسية

أعجبتني. قالت لي إنه نشيد الثورة المعروف بالمارسيلييز ورددت كلماته بصوت خافت: هيا يا أطفال الوطن/ حل يوم المجد/ إلى السلاح يا مواطنون إلى السلاح. طلبت

مني أن أكرر الكلمات حتى حفظتها.

جمع جاستون أوراقه وغادر القاعة دون أن يوجه إلينا كلمة. وقالت لي إن المواطن فورييه مسرور من عملي وقرر أن استمر فيه عند عودة إبراهيم الصباغ. قرأت معها بعض

الأمثال من كتاب الدمنهوري. وضحكت لواحد يقول "التزوج فرح شهر وغم دهر وكسر ظهر". وقالت: تماما. وبعد قليل اقترحت أن أصعد معها إلى غرفتها لتسمعني النشيد على

آلة موسيقية. غادرنا مقعدينا واتجهنا إلى باب القاعة الداخلي. عندما وصلناه التفتت خلفها واكتسحت القاعة ببصرها ثم ارتقت الدرج. صعدت خلفها وأنا أتحاشي النظرإلى

مؤخرتها الدقيقة. ولجنا مسكنا صغيرا من غرفتين متصلتين. في احداهما بيانو كبير، أزالت غطاءه وجرت بأصابعها فوق مفاتيحه. قالت إنها حصلت عليه من أحد أولاد البلد

الأفرنج. ثم جلست على مقعد أمامه ووقفت إلى جوارها. عزفت موسيقى النشيد.ثم تناولت دفترا من فوق الآلة وفتحته على صفحة مليئة بلغة غريبة أخذت تقرأ منها وهي تعزف

بعض القطع الموسيقية التي لم أستسغها.

سألتها عما في الدفتر. فقالت إنه اللحن مكتوبا. فالنغمات تتحول إلى علامات وإشارات. تعجبت قائلا: كيف يمكن كتابة الموسيقى؟. قالت: سأريك. غن لي شيئا من موسيقاكم.

غنيت لها: يا أبيض ولون الياسمين/ ياللي على الحب لاحظ/ وحياة عيونك والوجنات/ أنا أسير اللواحظ. ترجمت لها المعني فاحمرت وجنتاها. جعلتني أغنيها عدة مرات وهي

تنصت في اهتمام وتخط علامات على ورقة. ثم رددت اللحن وأنا مذهول.

قالت: أغنية أخرى.

غنيت: الخمر والورد الأحمر/ يتغزلوا في خدودك/ ناديت من عظم وجدي/ يا شبْكتي من عيونك.

سجلت اللحن على الورقة وقالت: أنا لا أطيق موسيقاكم. إنها مجرد أنغام غليظة ورفيعة ذات ضوضاء منفرة. غضبتٌ فنهضت واقتربت مني حتى وقفت أمامي مباشرة. قالت: أنا

آسفة. كنت أمزح معك. رفعت يدها إلى وجهي وتحسست خدي بأناملها وهي تتطلع إلى عيني. تجمدت في مكاني عاجزا عن أي حركة. ظللنا هكذا برهة ثم انكسفت واستدارت مبتعدة

قائلة: هيا بنا نعود.

هبطنا وجلس كل منا إلى منضدته. انهمكتْ متجهمة في العمل وتجاهلتني تماما.

الخميس 13 ديسمبر

وجدت اليوم إن منضدتي قد عادت إلى مكانها الأصلي بعيدا عن منضدتها. واستقر كوم من الكتب الفرنسية أمامها. سألتها عن درس اليوم. قالت إنها مشغولة. خاطبها جاستون

متحدثا عن المعارك الناشبة مع الفرنساوية في جرجا. وقال إن رجلا مغربيا بمكة دعا إلى الجهاد ضد الفرنساوية في مصر فاجتمع نحو الستمائة من المجاهدين، وركبوا

البحر إلى القصير ثم انضم إليهم جملة من أهل الصعيد وبعض أتراك ومغاربة. نقلت هذه الأخبار إلى أستاذي. وقضيت الوقت في غرفتي.ولم أجد رغبة في مراجعة اللغة. وبعد

الغروب ذهب أستاذي عند الشيخ السادات الذي دعا بونابرت إلى العشاء بمناسبة عيد مولد السيدة زينب. وعند عودته روى لي ساخرا ما وقع من حديث. فقد قال بونابرته

إن العرب رعوا الفنون والعلوم في زمن الخلفاء لكنهم اليوم في جهل عميق ولم يبق لهم شئ من معارف أ سلافهم. فردالسادات بإنه قد بقى لهم القرآن الذي يحوي جميع

المعارف. فتساءل ساري عسكرما إذا كان القرآن يبين طريقة سبك المدافع فأجاب المشايخ بجسارة: نعم.

أمضيت الليلة عاجزا عن النوم. استرجعت ما وقع بيني وبين بولين عدة مرات وأنا أتعجب لجفائها.

الجمعة 14 ديسمبر

عاد الشاب إبراهيم الصباغ بعد أن أبل من مرضه. كان نحيفا في سني ويبدو عليلا. عرفتني عليه بولين. تطلع إلى منضدتي وفهمت أني أجلس في مكانه. قالت له بولين: اتركه

بجواري فنحن ندرس اللغات. وأشارت إلى المنضدة المجاورة لجاستون فجلس إليها. اتفقنا علي تقسيم العمل بيننا. وعرفت منه أنه حفيد الوزير السابق لضاهرالعمر وكان

كاثوليكيا يونانيا. وأن كفاريللي احتضنه ويعلمه اللغة الفرنسية والجغرافيا والرسم.

السبت 15 ديسمبر

حضرت المناقشات المسائية في الحرملك على أمل أن أراها. لكنها لم تأت. وكان كفاريللي موجودا بخشبته وبرفقته إبراهيم الصباغ. ألقى أحدهم بيانا عن وضع الأرض الزراعية.وقال

إن تنظيف قنوات الري والإصلاح من شأن التربة بزراعة الأشجار المعمرة التي تقي أوراقها من لهيب الشمس سيجعل مصر من جديد مخزنا لغلال أوروبا كما كانت يوما للإمبراطورية

الرومانية. سأله واحد عن حكاية الالتزام. قال إن الملتزمين هم الذين يحوزون الأراضي.ويحصل الفلاح على حق زرع قطعة من الأرض بالشراء فاذا مات كان على وريثه أن

يعيد شراءها من جديد. ويدفع الفلاحون للملتزمين أيضا رسوما سنوية تقدر بثلاثين مليونا من الفرنكات كل عام. ومن هذه الملايين يدفع الملتزمون ستة ملايين ضرائب

محلية ومثلها للسلطان ومثلها لشيوخ البلد الذين هم وكلاء للملتزمين و8 ملايين للجباة الأقباط و4 ملايين يجمعها حكام الأقاليم عينا مثل الجمال والخيول كما يدفع

الفلاحون 9 ملايين لقبائل البدو كى لا يغيروا عليهم. وفي النهاية لا يتبقى للفلاح شيء.

علق كفاريللي بأنه لا بد من إصلاح عام في ملكية الأرض الزراعية يجعل الفلاحين ملاكا حقيقيين وتتحسن أحوال مليونين ونصف فلاح من تعداد مصر البالغ 3 ملايين. فيعترفون

بجميل فرنسا. عارضه كثيرون وقال أحدهم إن منح الأرض للفلاحين الذين يشغلونها سيجعل من المستحيل توزيعها على ضباط الجيش الفرنساوي أو الموالين لهم. تفرع الحديث

إلى آراء كفاريللي الغريبة. فقد ذكر أن العمل في رأيه هو المصدر الوحيد للملكية. وقال إن القوانين التي تقدس الملكية تقدس الإغتصاب والسرقة. واقترح تقسيم المجتمع

إلى ملاك في الحاضر وملاك في المستقبل فهولاء يكونون مستأجرين لأملاك أولئك لفترة 20 عاما يشتغلون فيها لفائدة الملاك ثم يصبحون بدورهم ملاكا ويتخذون لهم مستأجرين.

الجمعة 14 ديسمبر

رويت لحنا حكايتي مع بولين. اندهش ونظر إلىّ في حسد. حكيت له ما حدث في غرفتها ثم تصرفها بعد ذلك. سألته عن رأ يه في سلوكها. تناقشنا طويلا وقال إنها خليعة.

ونصحني بأن أطلب منها تعليمي العزف على البيانو. وعندما نصعد إلى غرفتها أحتضنها وأقبلها. وقال إن الإفرنجيات عموما يحببن التقبيل وله تأثير السحر عليهن. عند

انصرافنا توقفنا نتفرج على غازية في الطريق ترقص.ومعها رجلان وامرأة يعزفون على بعض الآلات الموسيقية. كانت تحرك قدميها ونصفها الأعلى حركات سريعة ولم تلبث

تعبيرات وجهها وهيئة جسمها أن عبرت عن ا لتوتر والشجن ثم سرت في جسدها كله رجفة المتعة. واعتراها وهن مصحوب بالخجل سرعان ماتلاشى شيئا فشيئا.

السبت 15 ديسمبر

قضيت بعض الوقت في تصفح مخطوطة قبطية جميلة رسمت بالألوان وزخرفت بالذهب بعناية فائقة. وقالت لي بولين إن زوجها مقيم في المعسكر. شجعني هذا أن أطلب منها تعليمي

العزف على البيانو. تطلعت نحو ابراهيم وجاستون ثم قالت:ليس اليوم. انصرف الاثنان عند الظهر فدعتني فجأة إلى الصعود معها. كان قلبي يدق بعنف وأنا أتذكر نصائح

حنا. لكن لم تسنح لي فرصة تطبيقها. فبمجرد دخولنا مسكنها التفت إلىّ واحتضنتني ثم وضعت شفتيها على شفتى. وفجأة حدث شئ غريب. فقد ادخلت لسانها في فمي.

لم أدر ما جرى بعد ذلك. فقد وجدنا أنفسنا فوق أريكة مجاورة وأنا فوقها وعضوي داخلها. احتضنتني في قوة وفجأة جاء ظهري فتشبثت بي وهي تردد لاهثة: انتظر. ثم انفصلت

عني وجففت مائي بطرف ثوبها. وأحسست أنها مستاءة. أزاحت عمامتي وعلقت على رأسي الحليقة قائلة: شعرك ناعم وجميل. لماذا تحلقه؟. لو أرسلته يكون شكلك أجمل.

قلت: أعوذ بالله. تريدين أن أصبح مثل المخنثين.

فكت جدائل شعرها الطويل فتحسست خصلاته التي تدلت فوق كتفيها حتى خصرها وشممت رائحة الصابون تنبعث منه. قالت إنها تجد صعوبة في تنظيمه في خصلات متموجة. وتستخدم

لذلك عاكصا من الورق. وإنها تفكر في قصه حسب الموضة الجديدة إلى خصلات قصيرة تنسدل فوق الجبهة. نهضت واقفة وأخذتني من يدي إلى الغرفة الداخلية. كان فراشها وسط

الحجرة عبارة عن سجادة مبسوطة على ألواح خشبية تحيط بها أربع مخدات فخمة وأعلى ذلك غطاء من الحرير أو الموسلين. وحولت عيني بسرعة عن الفراش. تناولت حقا صغيرا

فوق منضدة بجوارالفراش. رفعت غطاءه فرأيت مسحوقا أحمر. قالت: إنه روج لتحمير الخدين لكني لا أستخدمه. هل تعرف أن سيدات البلاط الملكي في فرنسا كن يستعملن لزينة

وجوههن 13 ظلا مختلفا واحدا فوق الآخر؟. أنا أكتفي بكريم إسمه ندى السوسن أدهن به وجهي قبل النوم. وعند الخروج أبلل إصبعي الصغير وأمر به على حاجبي ورموشي حتى

تلمع.

كانت تتحدث كالأطفال. أحطتها بذراعيّ فدفنت رأسها في عنقي. كانت أقصر مني قليلا. قبلتها في عنقها فرفعت رأسها ووضعت لسانها في فمي.

غنيت لها: قال لي غزالي أديني جيت وافعل كما تختار فىّ/ أركبك صدر برمان/ وتحل دكة ألفية.

شرحت لها معاني الكلمات وكيف أن الدكة الألفية هي حزام مطرز بألف لون.

جذبتها إلى الفراش. وفي هذه المرة خلعت ملابسي حتى صرت عاريا وساعدتها على خلع تنورتها وقميصها الداخلي. وبدت نحيلة للغاية. تأملت مبهورا جسدها العاجي ثم تحسست

نهديها فقالت إنهما صغيران. وإنها عندما كانت في الثانية عشرة كانت تضع عند الخروج أربعة مناديل تحت العباءة يمينا ويسارا مكان الثديين.

نصحتها أن تفعل مثل بناتنا. فهن يضعن لبابة الخبز الساخن بين النهدين للتعجيل بنموهما.

قالت: لكني لم أعد صغيرة.

قلت: عندي علاج آخر.

التقطت ثديها بفمي وأخذت أمتصه وأجذبه إلى الخارج. ثم فعلت المثل بالثدي الآخر. انتفخت حلمتاها وبدأت تتنهد. أردت أن أثني ساقيها إلى الخلف لكنها رفضت وباعدت

بينهما. ثم ولجتها برفق. قالت: تعرف ماذا تفعل كي لا أحمل ؟. أومأت برأسي فهمست: لا تتعجل.

جززت على أسناني محاولا السيطرة على نفسي.وعندما فقدت السيطرة غادرتها وأفرغت مائي فوق بطنها. سمعتها تصرخ ثم بدا لي أنها غابت عن الوعي.

تطلعت إليها مصعوقا ثم تلفت حولي بحثا عن قلة ماء. وإذا بها تمسك بيدي باسمة ثم ترفعها إلى فمها وتقبلها. اعتدلت على ظهرها وتنهدت في رضا. ثم وضعت يدها على بطنها

وبللت أصابعها من مائي ثم دعكت ثدييها. وقالت في خبث: هذا أفضل لنمو الثديين. استلقيت إلى جوارها واحتضنتها. أفلتت من أحضاني وقالت: لا بد أن ننزل الآن قبل

أن يأتي أحد.

سألتها عن السبب في النظرات النارية التي يرسلها جاستون نحونا. ضحكت وقالت وهي تغادر الفراش: لقد حاول مغازلتي لكني لم أستجب له فهو ثقيل الظل. ارتديت ملابسي

ووضعت عمامتي فوق رأسي. قلت لها إن الغد هو الأحد وقد صرت أكره هذا اليوم لأني لا أراها فيه.

السبت 15 ديسمبر مساء

ذهبت إلى بيت حنا ورويت له كل ما حدث وكيف أغمى عليها. فقال: جاء ظهرها. وقال إن المرأة لا يأتي ظهرها إلا إذا أحبت الرجل. و قال إن الرجل الفرنسي مخنث ونساءهم

يفضلن الرجال الأقوياء من الأقوام الشرقية.

الأحد 16 ديسمبر

عكفت على مراجعة دروس اللغة في حماس. وتدفأت بشراب الحبهان والقرفة.

الاثنين 17 ديسمبر

كانت اليوم باسمة كثيرة الحركة. قدرت أنها سعيدة بما حدث بيننا. وشعرت بالزهو. حكت لي منفعلة أنها ذهبت إلى التيفولي مع زوجها. وكان بونابرته موجودا فراح يحدق

فيها طول الوقت. ثم طلبها للرقص معه. وأثناء الرقص سألها عما تقرأ ثم ذكر أنه يقرأ بحماس قصة لكاتب ألماني مجهول تدعى آلام فرتر. وهي عن شاب يقتل نفسه بالرصاص

لأن الفتاة التي أحبها تزوجت أقرب أصدقائه.

تشاغلت بالعبث في الأوراق التي دونت لها فيها التعبيرات العربية الشائعة ثم استطردت: عندما حان وقت الإنصراف أشار بونابرته لزوجها أن يقترب. وقال له: أيها المواطن

فرنسا في حاجة إليك.غدا ستنطلق إلى الإسكندرية لتبحرإلى فرنسا وتبقي في باريس عشرة أيام. سأسلمك أوراقا سرية موجهة لحكومة الإدارة وتوجيهات لن تطلع عليها إلا

وأنت في عرض البحر وستمنح مبلغا ماليا قدره ثلاثة آلاف فرنك لنفقاتك.

سألتها: سافر؟.

قالت: سيسافر غدا. سيأخذ أول مركبة بريد إلى رشيد.

كان الفرنساوية قد استحدثوا نظام المركبات التي تنقل البريد والمسافرين من وإلى القاهرة.

فكرت في الفرص التي ستسنح بذلك للقائها. ثم شعرت بانقباض لم أعرف سببه.

الثلاثاء 18 ديسمبر

لم تظهراليوم في القاعة. قال جاستون إنها مشغولة بسفر زوجها.

الأربعاء 19 ديسمبر

وجدتها عندما وصلت. قالت إن زوجها سافر بالأمس. كانت تبدو متوترة وغير قادرة على التركيز. ولم نواصل درسنا. وعندما اقترحت عليها الصعود إلى مسكنها تأسفت لأنها

مشغولة بالاستعداد لحفل عشاء سيحضره بونابرته.

قال إبراهيم إن الفرنسيس عملوا كرنتيلة بجزيرة بولاق، وبنوا هناك بناء يحجزون به القادمين من السفر أياما معدودة لتأكيد خلوهم من الأمراض. وذكر أنهم يتحدثون

عن انتشار الأمراض الجلدية والزهرية بينهم وقد أعادوا لويس شقيق بونابرته إلى فرنسا لأنه أصيب بمرض الزهري.

الخميس 20 ديسمبر

هبطت من مسكنها قرب الظهر.وقالت إنها نامت في ساعة متأخرة بالأمس. سألتها عن حفل العشاء. فأجابتني بايجاز وتشاغَلت بالعمل. انتظرت أن تدعوني للصعود إلى مسكنها

فلم تفعل.

الجمعة 21 ديسمبر

لم تظهراليوم.

قال أستاذي في المساء إنهم رتبوا الديوان على تنظيم جديد، وعينوا له ستين نفرا جعلوا لهم شهرية وأسموه الديوان الديمومي. واختاروا منهم أربعة عشر نفرا هم الذين

يحضرون دائما، ويقال لهم الديوان الخصوصي. عد علي أصابعه وأنا مثله:الأربعة عشر هم من المشايخ: الشرقاوي والمهدي، والصاوي، والبكري، والفيومي، ومن التجار: المحروقي،

وأحمد محرم، ومن النصارى القبط لطف الله المصري، ومن الشوام: يوسف فرحات، وميخائيل كحيل، ورواحة الانجليزى، وبودنى، وموسى كافر الفرنساوى، ومعهم وكلاء ومباشرون

من الفرنسيس، ومترجمون.

حسبت من ذكرهم فوجدتهم ثلاثة عشر. سألته: ومن هو الرابع عشر؟. لم يجب وتشاغل بالقراءة. هل يمكن أن يكون هو المقصود؟. ولماذا لم يذكر ذلك؟. هل يشعر بالكسوف من

وجوده في الديوان؟.

أراني طومارا كبيرا على شكل رسالة من بونابرته فيها كثير من التمويهات على العقول مثل قوله: "العاقل يعرف أن ما فعلناه بتقدير الله وإرادته وقضائه.. إن القرآن

العظيم صرح فى آيات كثيرة بوقوع الذى حصل، وأشار فى آيات أخرى إلى أمور تقع فى المستقبل، وكلام الله فى كتابه صدق وحق... أن كل ما فعلته وحكمت به فهو حكم إلهى

لايرد...

السبت22 ديسمبر

لم تظهر اليوم.

انتظرت حضورها ساعة زمان ثم نفذ صبري. سألت جاستون عنها فابتسم ابتسامة غريبة وقال: لا أظن أنها ستأتي بعد اليوم. استفسرت عما يقصد. قال إنها انتقلت إلى بيت

مستقل في الأزبكية. أكد لي إبراهيم الصباغ الخبر مضيفا: هؤلاء الفرنساوية لهم أمور غريبة بشأن النساء. لم أفهم ماذا يقصد.

الأحد 23 ديسسمبر

تجولت في الأزبكية على أمل أن أصادفها. ووقفت مدة في الميدان بجوار قصر ساري عسكر دون جدوى إلى أن بدأ أعوان برطلمين يشكون في أمري. وطلب مني رئيسهم الانصراف.

أنتقل بين غرفتي والحوش وأنا عاجز عن فعل أي شيء.

الإثنين 24 ديسمبر

لم تأت. وقال جاستون إنها تركت العمل معنا.

لم يأت إبراهيم الصباغ أيضا. وعرفت من جاستون أنه سافر في صحبة كفاريللي إلى السويس مع سارى عسكر بونابارته. ذكرت الخبر لأستاذي في المساء فقال إنهم أخذوا معهم

السيد أحمد المحروقي وإبراهيم أفندي كاتب البهار، وبعض المديرين والمهندسين والمصوّرين، وجرجس الجوهري، وألطون أبو طاقية وغيرهم.

الثلاثاء 25 ديسمبر

أنقل عيني طول الوقت بين منضدتها الخالية ومدخل القاعة. أشم رائحتها طول الوقت.

الأربعاء 26 ديسمبر

فوجئت بها في الصباح جالسة إلى منضدتها تتحدث مع جاستون. كان يقول إن العلماء أثبتوا أن مياه النيل صحية، ومغذية وتساعد على إدرار البول والعرق. قالت إنها سمعت

أنها تساعد على سرعة تكاثر الحيوانات. ضحك جاستون وقال: ربما هذا هو السبب في ارتفاع معدل الولادة بين أولاد البلد.

سألتها إن كانت ستعود إلى عملها معنا. أجابت بالنفي وقالت إنها جاءت لتأخذ باقي حاجياتها.

صعدت إلى مسكنها القديم. وعندما هبطت ساعدتها في حمل أغراضها إلى مركبة بجوادين في الخارج. قالت لي قبل أن تستقل المركبة: يمكنك أن تزورني في بيتي الجديد غدا.

طلبت صفته. فقالت إنه إلى جوار مقر بونابرته وبينهما بيت من طابقين.

عندما عدت وجدت جاستون مع صديق له. وكانا يضحكان. وفهمت أنهما يتحدثان عن بولين. ونظر جاستون إلىّ قائلا: لم تحلم أبدا بسكنى القصور وركوب المركبات. قلت في غضب:

كيف؟. لقد ولدت في قصر.

قال ساخرا: هي التي قالت لك ذلك؟.

قلت نعم. أبواها من النبلاء الذين أعدموا تحت المقصلة.

انفجر ضاحكا هو وصديقه. قال: كذبت عليك. أمها طاهية وهى ابنة غير شرعية لا تعرف لها أبا.

لا أصدقه.

الخميس 27 ديسمبر

ذهبت عند الغروب إلى ساحة الأزبكية. وقابلت في الطريق عسكرهم يحيطون بطاحون. وفهمت أنهم يأخذون من كل طاحون فرسا. وقال لي صاحب الطاحون إنهم يستعدون للسفر إلى

الشام.

درت في الميدان بحماري. كانت هناك حديقة كبيرة بجوار بيت ساري عسكر. و قبله بيت بطابقين وبجواره قصر صغير أمامه جندي فرنسي. توقفت أمامه وترجلت عن حماري. أفصحت

له عن غرضي فأفسح لي جانبا. طرقت الباب ففتح لي خادم أسود. وبدا إنه كان يتوقعني فقد تناول مني مقود حماري في صمت. مضيت في ممشى الحديقة حتى الباب الداخلي ودققت

عليه. فتحت لي امرأة شامية سافرة من بنات البلد ذات عيون سوداء واسعة وبشرة بيضاء وأنف طويل أقنى. وقادتني إلى مجلس بالطابق الأرضي. تركت حذائي عند الباب. وسرت

فوق سجادة حتى أريكة.

ولجت بولين القاعة بعد قليل في غلالة شرقية تصل إلى الأرض وقلنسوة تغطي رأسها. نهضت واقفا وترددت في الاندفاع إليها وتقبيلها. اقتربت مني وقبلتني في خدي ثم أشارت

لي أن أجلس. كنت ألتهمها بعيني ولا أصدق أنها أمامي أخيرا. خلعت قلنسوتها فوجدت أنها قصت شعرها حتى أسفل عنقها وقالت: ما رأيك في شعري.

أبديت استيائي فقالت: نابليون يحبه هكذا.

كانت أول مرة أسمعها تتحدث عن ساري عسكر باسمه الأول.

قلت بحدة: وكيف عرفت؟.

ـ هل تذكر يوم سفر زوجي؟. لقد دعيت في المساء أنا وبعض الأفرنجيات وزوجات القادة إلى حفل عشاء عند بونابرته. كانت حفلة شيقة. وتحدث فيها عن مشروعاته. قال إن

الحرب الهجومية تساعد الاقتصاد. وإن واجبنا المقدس أن نزرع أفكار الحرية والأخاء والساواة في أرجاء العالم. واذا تطلب الأمر سنفعل ذلك بالمدافع. صمتت وبدت تسترجع

شيئا ثم استطردت: كان يجب أن تسمعه عندما يتكلم. قال إنه من النوع الذي يمكنه أن يبني الدول ويقودها. وإنه أحد الرجال الذين يصنعون التاريخ. كنت أستمع إليها

وأنا أتمزق. استطردت:كان يحملق في طول الوقت، كان لعينيه مثل كلامه تأثير السحر عليّ. وقال لي أنه يفضلني في شعر قصير.

سكتت ثم ابتسمت وأضافت بخبث: لن تحب بقية القصة. انقبض قلبي. ولم تنتظر حتى أطلبها. قالت: عندما قدمت القهوة أراق الضابط الجالس إلى جواري قدحا على ثوبي. ثم

صعد بي إلى حجرة بجوار الحمام لأنظفه. وكنت ما زلت أدعكه حين أقبل نابليون. وبقينا في الغرفة عدة ساعات قبل أن نعود إلى الضيوف.

سألتها: وماذا حدث خلال تلك الساعات؟.

نظرت إلىّ عابثة وقالت: ماذا تعتقد؟.

شيء في تعبير وجهي جعلها تسترسل بسرعة: حكى لي عن قصة قصيرة كتبها وهو في التاسعة عشرة من عمره عن نبي يدعى حكيم أصيب بالعمى في معركة مع رجال الخليفة فغطى وجهه

بقناع ليخفي عاهته وزعم للناس أنه لو نزع هذا القناع لغشى سنا نوره بصر من يتطلع إليه. ثم حمل أتباعه علي حفر بئر عميق يقع فيه أعداؤه حين يهاجمونه. فلما حفروه

دعاهم إلى وليمة دس لهم فيها السم جميعا وجر جثثهم إلى البئر ثم أشعل نارا عظيمة وألقى بنفسه فيها.

ـ هذا كل ما جري في عدة ساعات؟.

لم تجب.

قلت: ماذا سيقول زوجك؟.

قالت: ألا تعرف أنه مسافر؟.

ـ وإذا عرف عندما يعود؟.

ـ هو يحبني. ثم أضافت بعد هنيهة تفكير: وأنا أيضا أحبه.

نهضت واقفا قائلا: أنت بطالة ومخلوعة. رفعت يدها وصفعتني. وضعت يدي على خدي مكان الصفعة ثم تقدمت من باب القاعة. شرعت أرتدي حذائي فلحقت بي واحتضنتني. و جذبتني

إلى الأريكة وقبلتني في فمي. ثم تركتني لتغلق الباب بالمزلاج. وخلعت الغلالة فبدت عارية. لم أملك نفسي وجعلت أتحسس جسمها بجنون. ولجتها بعنف وتحركت فوقها بغضب.

قالت فجأة بصوت ضعيف

ـ ليش توجعني؟. قالتها بالعربية وباللهجة الشامية.

قلت لها إني أحبها ولا أريد أن يلمسها رجل غيري.

قالت: حتى زوجي؟.

أغرقتني بالقبلات بعد أن جاء ظهرينا. وبقينا مدة في أحضان بعضنا.

شعرت بيدها فوق فخذي ورفعت رأسها وانحنت فوقي تتأمل عضوي. قالت وهي تتحسسه: لم أعرف أن المختون يكون جميلا بهذا الشكل.

أثارتني مداعباتها فاعتليتها من جديد.

سألتها: متى أراك ثانية؟.

قالت إن إعداد المنزل وفرشه يستغرق معظم وقتها، وإنها ستأتي إلى المعهد عندما يصبح لديها وقت.

الجمعة 2 يناير 1799

طول اليوم أفكر فيما قالته لي وما جرى بيننا. وكيف لم أستطع مقاومتها. وخالجني شئ من الزهو بأن بونابرته مهتم بالمرأة التي أحبها وتحبني. أحاول التماس الأعذار

لها. فزوجها ليس هنا. ثم من يستطيع أن يرفض طلبا لساري عسكر؟.

الجمعة 4 يناير

وقع اليوم حادث غريب. فقد اشتكى جاستون من ضياع أحد دفاتره. وفتش منضدته ثم سألني عنه. قلت إني لم أره. لم يصدقني وأصر على تفتيش منضدتي والخزانة خلفي. ثم فتش

منضدة بولين. ولم يعثر على الدفتر.

الأحد 6 يناير

وجدت نفسي أتجه إلى منزلها بعد الغروب. انزويت في زاوية بين دكانين على الناحية الأخرى بحيث أتمكن من رؤية مدخل المنزل. وقفت طويلا لا أجسر على الاقتراب وأنا

أرتجف من البرد. وفجأة رأيت جاستون آتيا من ناحية بيت بونابرته. تنحى له الحارس فدخل. ومر وقت طويل. كنت أتمزق وخيل لي أنه سيقضي الليلة معها، ثم خرج بعد قليل.

وانطفأت الأضواء. وعندما ساد الظلام انصرفت وأنا أبكي.

الإثنين 7 يناير

في الصباح أخذ جاستون يتطلع إلى بنظرة غريبة. وفي العصر ذهبت على قدمي مرة أخرى إلى الأزبكية. رأيتها تغادر المنزل وتستقل إحدى مركبات ساري عسكر الفاخرة. عدت

أدراجي وتوقفت عند المقهي. لم يكن عبد الظاهر أو حنا موجودين. جلست فوق أريكة طويلة بلا مساند مفروشة بالحصر إلى جوار رجل معمم يدخن نارجيلة بمبسم من الرخام

الشفاف. شربت قهوة في فنجان صغير من الخزف مستورد من ألمانيا وضع في صحن صغير من النحاس. استمعت إلى الآلاتية يغنون: على ايش يا منى قلبي ترضى بالصدود/ وتشمّت

لتعذيبي عذولي/ على ايش يا غزال نافر/ تهجرني وأنا صابر/ هجرك ماله آخر/ فتت الكبود/ وأنا صرت من أجلك عدم في الوجود.

دفعت بارة ونصف ثمنا للقهوة وانصرفت وأنا أغالب دموعي.

الثلاثاء 8 يناير

كنا نستعد للإنصراف من المعهد عندما فوجئنا بزوج بولين يدخل مندفعا. تحلقنا حوله. وذكر لنا إنه لم يذهب إلى فرنسا. وإنه وقع في أسر الإنجليز بمجرد ابحاره من

الإسكندرية فأعادوه إليها. ثم أفرجواعنه، وأراد القائد الفرنسي استبقاءه بالمدينة بحجج واهية إلا أنه أصر على السفر إلى القاهرة لينضم إلى زوجته..سألنا عنها

فبهتنا، ولم نحر جوابا. ثم قال له جاستون إنها انتقلت للسكنى في الأزبكية في البيت الملاصق لقصر ساري عسكر. ظهرت عليه البغتة ثم ركب حصانه وانصرف.

مطر شديد.

الأربعاء 9 يناير

عاد إبراهيم الصباغ أول أمس مع ساري عسكر. وقال لي إن بونابرته في مدة إقامته بالسويس، صار يركب ويتأمل في النواحي وجهات ساحل البحر والبر ليلا ونهارا، وكان

معه من الأدم ثلاثة طيور دجاج محمرة ملفوفة في ورق، وليس معه طباخ ولا فراش ولا فرش ولا خيمة، وكل شخص من عسكره معه رغيف كبير مرشوق في طرف حربته يتزود منه،

ويشرب من وعاء من صفيح معلق فى عنقه.

وقال إن الفرنساوية يتحدثون عن عمل قناة بين البحرين تساعد التجارة وتجعل مصر مستودعا للبضائع القادمة من أوروبا وآسيا ولن تضطر السفن الفرنساوية للمرور عن طريق

جبل طارق أواتخاذ الملف الهائل حول رأس الرجاء الصالح.

الخميس10 يناير

سمع الصباغ من كفاريللي أن بولين اشتكت لبونابرته من زوجها. وأنه يعاملها بوحشية بعد أن بلغته الشائعات بشأنها. وقد طلبت الطلاق فوافق بونابرته على الفور بصفته

القاضى.

الجمعة 11 يناير

أقاوم التفكير فيها. أغالب فكرة الذهاب إلى الأزبكية. وأنتظر مجيئها. برد شديد والأرض مغطاة بطبقة رقيقة من الصقيع الأبيض.

السبت 12ينابر

قال الصباغ إن بونابرته أقام أمس حفل عشاء ترأسته بولين. وأثناء تناول الطعام جاء ذكر نبأ الطاعون فهوّن من شأنه. ثم ذكر أن طبيبا في الإسكندرية رفض علاج جرحى

مخالطين للمرضى فأصدر أمرا بمعاقبته بأن يلبس ثياب النساء ويوضع على حمار ويسحب في الشوارع. وعقبت بولين على ذلك بأنها ترفض اعتبار ارتداء ثياب النساء دليلا

على الجبن وأعلنت أنها على استعداد لمبارزة بونابرته.

بعد الظهر نادى القبطان الفرنساوى الساكن بالمشهد الحسيني بفتح الحوانيت والأسواق لأجل مولد سيدنا الحسين. وأوعد من أغلق حانوته بتسميره وتغريمه عشرة ريالات

فرانسة. وعرفت من أستاذي أن هذا المولد ابتدعه من سنوات مباشر وقف المشهد. وكان قد اعتراه مرض الحب الأفرنجي، فنذر على نفسه هذا المولد إن شفاه الله تعالى،

فحصلت له بعض إفاقة فابتدأ به، وأوقد فى المسجد والقبة قناديل وبعض شموع، ورتب فقهاء يقرأون القرآن بالنهار وبالليل "دلائل الخيرات" للجزولي. وانضم إليهم أهل

البدع فمنهم من يتحلق ويذكر الجلالة، وينشد القصائد والموّالات، ومنهم من يقول أبياتا من "بردة" البوصيري.

ذهبت في المساء إلى المسجد مع عبد الظاهر. كان هناك خلق كثير وافترش البعض الطريق يقرأون القرآن ويتناولون الأطعمة. خلعنا أحذيتنا وولجنا المسجد. وقفنا تحت القبة

الشريفة أمام الضريح الشريف الذي تعلوه مقصورة من النحاس الأصفر وفوق الضريح تابوت من الأبنوس المطعم بالصدف والفضة مكسو بالحرير الأحمر المزركش. تفرجنا على

العيسوية وهم جماعة من المغاربة. وكانوا يقفون قبالة بعضهم صفين ويقولون كلاما معوجا منغما بلغتهم وهم يضربون على الطبول والدفوف ضربا شديدا ثم يضعون أكتافهم

فى أكتاف بعض، لا يخرج واحد عن الآخر، ويلتوون وينتصبون ويرتفعون وينخفضون ويضربون الأرض بأرجلهم، كل ذلك مع الحركة العنيفة والقوة الزائدة. صاربالمسجد دوى

عظيم من هؤلاء ومن غيرهم من جمع العوام، والسوقة من أهل الحرف السافلة الذين تجمعوا للحديث واللغط والاضاحيك والتلفت إلى حسان الغلمان والسعي خلفهم. وطاف الباعة

بالمأكولات وخلفهم سقاة الماء فامتلأت ساحة المسجد بقشور اللب والمكسرات وبقايا المأكولات. غادرنا المسجد ووقفنا نتفرج على رجل يلعب بالعرائس. جاء وقوفنا خلف

المسرح الخشبي الصغير. ورأينا الرجل منحنيا على فتحات صغيرة في ستارة أمامه يرى منها المتفرجين دون أن يروه. وكان يمرر العرائس عن طريق فتحات أخرى فيجعلها تؤدي

الحركات التي يريدها بخيوط يحركها ويغير صوته بأداة صغيرة يضعها في فمه فيجعله بالغ الرقة مصحوبا بأنغام الناي. وأخذت العرائس تتشاجر والمتفرجون يضحكون.

الأحد 13 يناير

زارنا الشيخ حسن العطار صديق أستاذي في المساء. كان يصغره بعشر سنوات لكن تربط بينهما علاقة حميمة. وقال إن الناس تتحدث عن ذهاب عساكر إلى العريش استعدادا لسفر

بونابرته جهة الشام. وقال إن هذه الحملة ستكون مهلكته. وتلى علينا آخر قصائده وبها هذين البيتين:

ان الفرنسيين قد ضاعت دراهمهم/ في مصرنا بين حمّار وخمّار

وعن قريب لهم في الشام مهلكة/ يضيع لهم فيها آجال وأعمار.

تحدثا عن ظهور الطاعون. وقال الشيخ حسن إنه يبدأ بحمية مرتفعة يعقبها ألم في الرأس. ثم يظهر ورم في حجم البيضة في خن الورك أو الإبط. وهنا يكون على المرء السلام.

قال أستاذي: الطاعون ظهر في الجيش من شهر. وأعلمونا في الديوان بعدم ذكره. وإنه ليس إلا حمية تنتقل بسهولة من شخص إلى آخر.

قال العطارإنه سمع من بعض الفرنساوية أن بونابرته أصدر أوامره بأن يغسل الجنود أيديهم وأرجلهم ووجوههم كل يوم. سأله أستاذي عما يفعل معهم. قال: أعلمهم اللغة

العربية وأتعلم منهم فهم بارعون في البحث والتنقيب العلمي والأدبي. ان من تأمل في علمائنا السابقين يجد أنهم كانوا على اطلاع واسع على مختلف العلوم وكتبها حتى

كتب المخالفين في العقائد والفروع. أما نحن فقصارى أمرنا هو النقل عن القدماء دون أن نخترع شيئا من عندنا. وإذا ورد علينا سؤال في علم الكلام لا نجده فيها تخلصنا

بأن هذا كلام الفلاسفة. كما أننا لا ننتبه إلى قيمة كتب العلوم الطبيعية والأصول الهندسية.

الثلاثاء 15 يناير

أحاول اقصاءها من فكري وفي الوقت نفسه أتلهف على مجيئها. لزقوا أوراقا على الجدران بأنهم سيطيرون طيارة مثل التي طيروها من قبل وفسدت.

الأربعاء 16 يناير

خرجنا من المجمع وقت الظهر وذهبنا إلى الأزبكية حيث اجتمعت الناس. تابعنا الطيارة وهي تطير وتصعد إلى أعلى حتى وصلت فوق التلال المحيطة بباب البرقية. وهنا سقطت.

عدت إلى البيت مباشرة ورويت ما حصل لأستاذي فقال:لو ساعدتها الريح، وغابت عن الأعين لتمت الحيلة، وقالوا إنها سافرت إلى البلاد البعيدة.

الخميس 17 يناير

لاحظت أن أستاذي يذهب في الصباح الباكر كل يوم إلى الديوان. سألته عما يفعلون. فقال إنهم يأتون إلى قصر بونابرته فُيستقبلون بالتجلة ويقدم لهم الشربات والقهوة.

ثم يقبل ساري عسكر فيجلس وسطهم على الأريكة ويناقش القرآن ويطلب تفسير الآيات الهامة ويبدي إعجابه بالرسول. ويشكو لهم من المواعظ العدائية التي يلقيها الأئمة

في المساجد. ضحك ثم قال: مرة طلب من الأزهر أن يصدر فتوى تأمر الناس بأن يحلفوا له يمين الطاعة.

سألته: ووافق الشيوخ؟.

ـ الشرقاوي طالبه بأن يعتنق الإسلام. فقال إن اعتناقه للإسلام هو وجيشه دونه عقبتان: مسألة الختان وتحريم الخمر. وتناقش الشيوخ طويلا ثم طلبوا مهلة للتفكير في

الأمر.

الجمعة 18 يناير

سمعت في الجامع أن النبي صلى الله عليه وسلم ظهر لبونابرته وطلب منه أن يجهر بإيمانه بأركان الدين لأنه دين الله. وأنه رد ملتمسا مهلة سنة يعد فيها الجيش لذلك

فمنحها له النبى.

السبت 19 يناير

طلبوا جملة من الهجن، ثم رسموا على الأهالي عدة كبيرة من الحمير، وكذلك من البغال، فاختفى غالب أصحاب الحمير، وخاف الناس على حميرهم، فامتنع خروج السقائين الذين

ينقلون عليها الماء بالقِِِرب والسقائين الذين ينقلون الماء فوق الجمال، والبراسمية الذين يحملون البرسيم فوق ظهور جمالهم.

السبت 26 يناير

قتلوا بالقلعة نحو التسعين نفرا، وغالبهم من المماليك الذين وجدوهم هاربين في البلاد، والذين عس عليهم الخبيث برطلمين وأعوانه ووجدوهم مختفين في البيوت. عاد

الجبرتي من اجتماع الديوان وقال: إنهم يستعدون للسفر إلى الشام لمقاتلة صاحب عكا..

ـ ما رأيك في أن تذهب معهم؟.

قلت مصعوقا: وماذا سأفعل؟. أنا لا دراية لي بفنون الحرب.

قال: أنت لن تحارب. ستساعدهم في أمورالترجمة واللغة. وترسل لي بأخبارهم.

فكرت في بولين. هل ستذهب هى الأخرى؟.

قال أستاذي في حسم: لقد قدمت لهم اسمك.

الجمعة أول فبراير

استدعاني أستاذي لمجلس العقد. ووجدته متجهما منشغلا بأوراقه. رفع إلى ّعينيه وقال: ساكتة حامل.

وقع على الخبر كالصاعقة. ولم يكن قد خطر ببالي أنها قد تحمل من اتصالي بها. ثم فكرت أنها ربما حملت من شخص آخر.

وربما من الجبرتي نفسه فمن يعلم.

سألني: هل تعرف من جامعها؟.

هززت رأسي نفيا دون أن أنطق.

قال: فكر جيدا فالمسألة خطيرة وهي ترفض أن تتكلم.

كنت أعرف مدى الخطورة. فاذا لم يثبت أنها حملت من غير أستاذي وقع هو في القبضة. لأنه سيصبح الأب. والنتيجة أنها ستصبح مستولدة ولا يجوز بيعها ويصبح الطفل حرا

وله الحق في أن يشارك في الإرث. والمضحك في الأمر أن أم الجبرتي نفسه كانت واحدة من سراري أبيه.

أقسمت له أني لا أعرف شيئا عن الأمر. تنهد في ضيق وسمح لي بالانصراف.

السبت 2 فبراير

حسمت أمري وقررت الذهاب إليها لوداعها قبل سفري.أدخلني الحراس عندما خاطبتهم باللغة قائلا إني أحمل إليها رسالة من المجمع. فتحت لي خادمتها الشامية. عرفتني

وقادتني إلى قاعة الاستقبال في الطابق الأرضي ثم اختفت بعد أن أغلقت الباب خلفها. وبعد قليل فٌتح الباب ودخل جندي فرنساوي يرتدي سترة ذات شرائط مذهبة وبنطلون

ضيق لصيق بالجلد ويضع فوق رأسه قلنسوة من ذوات الريش. مرت لحظة قبل أن أتعرف عليها.

تقدمت منها واحتضنتها. تحسست خدي بأصابعها ثم دفعتني عنها في رفق وهي تتلفت نحو الباب. تطلعت إلي عينيها الزرقاوبن البهيتين. قلت لها إني افتقدتها وأفكر فيها

طول الوقت. ضحكت وكشفت عن أسنانها الرائعة. قادتني إلى أريكة وجلست بجواري مفرجة ساقيها وواضعة ساعديها بينهما.

أشرت إلى ملابسها وقلت: هل أنت ذاهبة مع الجيش إلى الشام؟.

قالت:لا. ثم بعد تردد أضافت: نابليون يحب أن يراني في هذه الملابس.

شعرت كأنها طعنتني بسكين. قلت: كنت مارا بالصدفة من أيام فرأيت جاستون يدخل عندك.

قالت: كان يسألني عن دفتر ضائع.

ـ عندما عدت بعد ساعتين زمان صادفته خارجا. هل استغرق السؤال كل هذا الوقت؟

قطبت حاجبيها: ماذا تقصد؟

أجبت بصوت ضعيف: لا شيء.

نهضت واقفة وقالت: يجب أن تنصرف الآن فقد حان موعد ذهابي إلى نابليون.

قلت: وإذا طلبت منك ألا تذهبي؟.

ضحكَتْ.

قلت: لوذهبت سيتوقف كل شئ بيننا.

قالت: أنت حر.

خطت نحو الباب. نهضت واقفا واقتربت منها. أردت أن أحتضنها لكنها دفعتني عنها. أحطتها بذراعي في قوة ومددت يدي إلى دكة بنطلونها. جذبتها بعنف حتى أوشك القماش

أن يتمزق. ولعلها خشت من ذلك إذ قالت فجأة: بيان.

خلعت البنطلون وتمددت غاضبة فوق الأريكة ارتميت فوقها. استسلمت دون حماس وقالت لي بعد أن انتهيت: تعرف؟. أنت ما زلت صغيرا. ارتدت البنطلون من جديد. وعندما خرجت

وجدت مزيدا من الحرس الفرنساوي ينتظر عند الباب.

الأحد 3 فبراير

ركب حسن أغا محرم المحتسب بالأبهة الكاملة، لإثبات هلال رمضان، وسار أمامه مشايخ الحرف بطبولهم وزمورهم. شق القاهرة كالمعتاد، ومر على قائممقام وأمير الحج وسارى

عسكر بونابرته، ثم رجع إلى بيت القاضي في بين القصرين، حيث كان الناس متجمعين وأنا بينهم. وأثبتوا هلال رمضان، ثم ركب من هناك بالموكب وأمامه المشاعل الكثيرة

والطبول والزمور والمناداة بالصوم، وخلفه عدة خيالة فرنساوية عارية رؤوسهم وشعورهم مرخية على أقفيتهم بشكل بشع.

الاثنين 4 فبراير

اليوم أول أيام الشهر الكريم. بالأمس تناولت السحور مع أستاذي وخليل. وفي الصباح استيقظت متأخرا فلم أذهب إلى المجمع. صليت الظهر وقضيت اليوم مع كتاب تعليم

اللغة الفرنسية.ولأن رمضان هذا العام جاء في الشتاء فإن اليوم انقضى بسرعة.

وعند المغرب أفطرت مع أستاذي. وخرج لاجتماع الديوان. ثم غادرت المنزل بعد صلاة العشاء. ووجدت الدكاكين مفتوحة. والناس تسير بالفوانيس ذاهبة إلى المساجد أو لزيارة

أحبابها والتسلي بالنقول أو للسهر في القهاوي على أصوات رواة الحكايات. وكانت المساجد مضاءة خارجها بالقناديل.

التقيت مع حنا وعبد الظاهر في المقهي وكان حنا يرتدي عمامة سوداء. سألته متعجبا: ماذا حدث؟

قال: ألم تسمع بالطومان الفرنسي؟. لقد منعنا من لبس الشيلان الملون والعمائم البيضاء وأمر بأن يعود النصارى إلى عادتهم في رمضان فلا يتجاهرون بالأكل والشرب فى

الأسواق ولايشربون الدخان ولا شىء من ذلك بمرآى من المسلمين.

قلت: يحاولون استجلاب خواطر الرعية أثناء السفر إلى الشام.

قال عبد الظاهر إنه شاهد موكبا متجها إلى العادلية وفيه القاضي ومصطفى كتخدا الباشا وأربعة من المعممين هم الفيومي، والصاوي، والعريشي، والدواخلي.

سألت: لم يأخذوا الشيخ البكري إذن؟.

قال حنا: اعتذر عن الذهاب لأنه لا يستطيع مغادرة المدينة. تعرفان لماذا؟. بسبب هيلانة.

كنا نعرف بأمرالنزاع الدموي بينه وبين أغا الانكشارية على غلام جميل من المماليك سٌمي بهيلانة.

قال: حكم المدير الفرنسي بوسليج بأن يحتفظ البكري بالغلام مقابل عقار قيم يتنازل عنه للأغا.

استمعنا إلى منشد يحكي قصة عنترة بن شداد بمصاحبة ربابة. ولعبت مع حنا دورا من الشطرنج ثم لعبنا ثلاثتنا الضامة فوق قطعة قماش خيطت بها مربعات ملونة من الجوخ.

وبقينا نتسامر حتى اقترب موعد السحورفتفرقنا. عدت إلى البيت فتسحرت مع أستاذي. حدثني عن اجتماع الديوان فقال إن بونابرته حضره وأعلن أنه مسافر إلى الشام ويعود

بعد شهر. سكت لحظة طويلة ثم أضاف: وأظن أنه سيعود سريعا ومهزوما. فلن يستطيع الانتصار على الجزار. ثم أن جيشه ليس في أحسن حال. لقد اضطر إلى رهن محاصيل الصعيد

قبل حصادها ليدفع رواتب الجنود المتأخرة.

سآلته عن الجزار. قال إنه شيخ في الستين أو السبعين. ولد في البوسنة والتحق بالبحرية التركية ثم باع نفسه إلى تاجر رقيق في أسواق الأستانة. فحمله إلى القاهرة

حيث اشتراه علي بك الكبير.وساعده في التخلص من أعدائه من المماليك. واستحق لقب الجزار لوحشيته.ثم تشاجر معه بعد سنوات ورحل إلى الشام حيث احتمى بأمير الدروز.ثم

انقلب عليه وسرقه. وأخيرا ظفر من السلطان العثماني بولاية عكا.

الثلاثاء 5 فبراير

حضرت زيارة الشيخ الطوالبي لأستاذي. كان يملك مطبخا لتكرير السكر في باب زويلة ينتج العسل الأسود والسكر الخام والسكر المكرر في أقماع كبيرة والملبس. وأراد

أن يتعاقد مع أستاذي على زراعة قصب السكر هذا الشهر على أن يتسلمه بعد الحصاد في شهر نوفمبر القادم. أبدى أستاذي عدم حماسه بسبب الأحوال وبسبب الامتيازات التي

أعطاها الفرنساوية لتجارهم. وقال: الانجليز يقفون بالبحر ويمنعون الصادر فماذا ستفعل بالمنتج؟.

قال الشيخ: هذا بالضبط ما يجعل إنتاج السكر مربحا لأن السوق الداخلية تطلب السكر الخام. ولا حاجة بي إلى تكريره وطلب أستاذي مهلة للتفكير.

الأربعاء 6 فبراير

اكتشفنااختفاء ساكتة في الصباح. وقضينا اليوم كله في البحث عنها دون جدوى.

* * *