الفصل الخامس

6 0 00

الفصل الخامس

بعد أسبوع كانت المجموعة المكونة من خمسة وعشرين فارساً بالإضافة إلى جابر وعبد القيوم ويوسف صالح قد خرجت من بغداد متجهة جنوباً.. وقد استراح الجميع يوماً كاملاً وأخبرهم جابر بالجهة والمدينة فتحولوا بعدها جهة قانين.. كانوا يسيرون في منطقة من الجبال المرتفعة محاذرين المدن التي تقيم بها جيوب مغولية.. حتى لا يتسامع الناس بهم أو يصل إلى المغول خبر وجهتهم.

وعند التقائهما فرح صالح بعبد القيوم كثيراً وتوثقت بينهما عرى المعرفة.. وعند أول اللقاء قال عبد القيوم:

- أهلاً بسارق البطيخ الصغير، الذي كان يتسلل إلى البستان ليلاً ويعبث فيه.!

فرد صالح ضاحكاً:

- كان البطيخ الذي تزرعونه لا يقاوم!

ثم طفقا يتناجيان ويتذاكران أيام إقامة والد عبد القيوم في بطحاء النهر.

وقد اتضح للجميع منذ البداية أن يوسف لن يكون تابعاً مريحاً لجابر. وكان قد اغتاظ حين رأى عبد القيوم بصحبة جابر.. وهو الذي حاول الوصول إليه فلم يوفق.

وغاظه كذلك انكشاف أمره.. فجابر بات يعرف أن الاعتداءين اللذين تلقاهما كانا من قبله.

وقد بيَّت النية أن يخالف ما كان تعهد به للوالي.. وامتلأ تصميماً على أن يستأثر باغتيال شيوم وحده.. ويفوز بمدينة الأشبار.. وأن يستولي على رقعة المنذر في سبيل ذلك.. وصمم أن يعرقل جابراً.. وينتهز أيّ فرصة لإثارة الرجال ضده لكنه فشل في ذلك!

كذلك حاول استمالة عبد القيوم إلى جانبه والتقرب منه.. وكان سلاحه الوحيد لبلوغ ذلك حديثه الدائم عن قرابته من والي بغداد.. ووصوله إلى الخليفة إذا شاء.. واستناده إلى بحر من العلاقات والصداقات مع كثير من الأكابر وممن يرجى نوالهم.. وبذل عدة محاولات لكنه صدم بجدار صلد من اللامبالاة من قبل عبد القيوم!

وكان آخر محاولاته تلك التي بينت له أيَّ مسافة بينه وبين عبد القيوم وبينت له أيضاً أن أساليبه الثعلبية لا تجدي نفعاً معه فالشاب المغولي صاحب آخِرَةٍ.. لا تتفق طبيعته مع مطامعه هو ولا طموحاته. وقد غير أسلوبه بعدها متنقلاً من التملق والتودد إلى المهاجمة والعداء!! فقد تأخر عبد القيوم ذات مرة لسقي جواده من أحد الجداول.. فاقترب منه يوسف وقد أشرق وجهه الأبيض المدّور بابتسامة عريضة كشفت عن ثناياه الكبيرة.. وطغت على عينيه الواسعتين الجميلتين نظرات ماكرة.. هادئة.. وعندما حنى جَوَادُهُ رأْسَهُ للشرب قال وهو يمد إلى عبد القيوم كيساً صغيراً كان قد أخذه خفية من جراب حصانه:

- خذ هذا الكيس يا سيدي لقد سقط منك فجئت به إليك.

فقال عبد القيوم الذي بدأ يفطن إلى مكره وحيله:

- سيدك! تقول إني سيد يا يوسف؟!

- لا.. بل سيد القافلة كلها.. وعمادها الذي تقوم عليه..

غمز عبد القيوم منبّهاً يوسف إلى أنه مدرك كل ما في الأمر وقال:

- لا تغامر بشرفك.. فأنا لا أعدو أن أكون حطاباً أما أنت فقريب من الولاة.. وابن الأكابر.. وصديق الخلفاء؟!!

- إن شرفي سيزداد وكذلك قدرك يا عبد القيوم إذا سرنا معاً في طريق واحد وأدركت أيّ رجلٍ مفيد أنت.

- لقد أكثرت عليَّ من هذا الكلام.. وقد وعيت حتماً ما تريد قوله.. تريد أن تجعلني نائباً لك على مدينة الأشبار أنت الآخر فأغرق في الأموال والجاه وتقدمني بمعرفتك ووجاهتك فأنال الحظوة وأصبح قائد الجيوش المقربين.. أليس كذلك؟

- كأن هذا الكلام لا يطربك؟! إن آلاف الطامحين يتمنون ربع ما عرضت عليك!

- أنا في وادٍ وأنت في وادٍ.. أنا لست طالب مجد.. أنا أريد شيئاً أرجوه من الله.. كما نسيت أني وأنت كلانا تحت إمرة جابر لذلك تطالبني أن أنضم إلى صفك.. كأنك تنوي أن تنشئ لك صفاً آخر؟!

- لقد جنحت في تفكيرك.. كل ما أريده أن نصبح أصدقاء!

- أي أن أنحاز إليك.! وانحيازي إليك معصية لجابر وهو أمير الرحلة ومعصيته معصية لله..

دب الحنق إلى يوسف ولم يعد يبتسم بل صاح:

- أنا أشرف منه.. وأقدر أن أهبك ما تطمح إليه.!

- الذي أحب وأطمع فيه ليس عندك ولا عنده!

- إنه لا يعدو أن يكون عبداً سابقاً من عبيد خالي أبي الحسين.. وليته ظلّ كذلك.

- لقد أصبح حرّاً.. ثم لو كان لا يزال عبداً لأطعته فما لي ولعبوديته حسبي أنه الأمير وكفى.

زفر يوسف زفرة تشبه زفرة جواده عندما ارتوى. وقال:

- أخشى أن تندم لأنك لم تستمع إليَّ..

- إنني أسير الآن في سبيل الله.. وهو ما أطلب لذا فلن أندم على أيّ شيء يقع بعد ذلك أو يفوت.

رجع الشابان بعد فراغ الخيول من شربها إلى حيث بقية الرجال.. لكن عبد القيوم أوقف حصانه والتفت إلى يوسف الذي توقف هو الآخر وقال:

- يا يوسف أنت تذهب لتستقبل سهام العدو بصدرك.. وتقذف بروحك في أتون الموت.. أفليس من حق نفسك عليك ألا تخاطر بها وتزهقها إلا في سبيل نعيم مقيم لا نعيم زائل؟!

أجابه يوسف في ضجر واضح:

- هذا كلام لا يليق بشجاعتي.

- كن مجاهداً في سبيل الله.. ولا تجاهد في سبيل شهواتك يا فتى!

- هذا رفض منك لرفقتي؟.

- لقد قلت ما أدين الله به.

وبغير قليل من الغضب ساط يوسف جواده بشدّةٍ فانطلق يعدو.. وراكبه الفائر يتمتم بكلام غير مفهوم!!

في أحد النهارات نزل الرجال قرب جدول ماء ينساب نابعاً من بين الجبال. ورفعوا السروج عن الخيول وأطلقوها ترعى من الأعشاب الوافرة في هذه المنطقة. كانوا متأكدين أنهم قرب قرية ما فثمة آثار وروث لأغنام وجمال.

كان جابر يستلقي على الأرض حين قال لرجل من رفاقه اسمه مالك الفهري:

- أنا لا أرى يوسف.. أين هو؟

رد مالك الفهري:

- لقد لاحظت غيابه منذ نزلنا هنا!

وجاء الجواب حين طلع يوسف قادماً برفقة أحد رجاله الخلّص، وقال لجابر في لهفة:

- لقد جئت من النبع.. وهناك آثار ظباء.. لنذهب ونصطاد منها.. إنها لن تبتعد كثيراً عن الماء!

قفز جابر والتقط قوسه وسهامه، فقال عبد القيوم:

- سأرافقكم.. أنا أحب الصيد.

وانطلقوا جميعاً إلى حيث النبع ورافق يوسف صاحبه الذي جاء معه وأمضوا ساعة يسيرون وسط الصخور صعوداً.. وكان يوسف يحث الخطى حريصاً على أن يكون في المقدمة وأن يختار الطريق!

وبعد فترة توقف قائلاً لجابر:

- سنتجه من هنا.. واتجهوا أنتم من الجهة المعاكسة.. وكل يحمل نشابه فلابد أن يصادفه أحدنا.

وقال جابر:

- لن نظلّ نتتبعه سائر اليوم فلنجتمع في هذا المكان بعد ساعة.

ومضى جابر وعبد القيوم وعيونهم على كل بقعة من سفح الجبل وعند كل صخرة متنبهين بحثاً عن الظّباء. وبعد قليل من المسير قال عبد القيوم:

- لقد سئمت!

ضحك جابر قائلاً:

- ألم تقل إنك تحب الصيد!

تلفت عبد القيوم ثم قال بخفوت:

- بلى أحبه.. وها هو.. انظر في الأعلى وعْلٌ كبير!

وقال جابر وهو يركز بصره على وعل يقف قرب صخرة كبيرة:

- اخفض صوتك حتى لا ينفر.. إنه لا يعلم بنا.. سنحاصره بهدوء.

- إنه لن يفلت منا.. فإذا نفر فسيتجه إلى حيث يوسف وصاحبه وسيكون قريباً من مرمى أسهمهما.

وصعد الصديقان بحذر واقتربا من الوعل الذي لم ينفر ولم يتحرك.. وفجأة قال عبد القيوم:

- أحس بحركة خلفنا.. هناك من يراقبنا!!

لم يستجب جابر لمخاوفه.. وعزا ذلك لصوت الرياح.. فواصلوا صعودهم.. حتى التفت عبد القيوم ثانية:

- لقد رأيت شيئاً يختبئ!

- سنفكر في أشيائك هذه بعد أن نظفر بالغداء.

شد عبد القيوم قوسه وهمّ بالنزول للتأكد مما رأى.. لكن جابر منعه وقد أغراه جمود الصيد.. وعندما صاروا على مسافة تكفي لإصابته قال جابر:

- إنه لم يتحرك البتة.. كأنه صخرة.. أطلق عليه يا عبد القيوم أريد أن أرى مهارتك.

شد عبد القيوم الوتر ثم أفلت السهم باتجاه الوعل فاستقر في جوفه - لكنه لم يتحرك!! فسأل جابر:

- هل قتلته؟

- أظنّه مقتولاً من قبلنا!

واتجها إلى الوعل لتصدم أنوفهم رائحة منتنة.. كان الوعل مثبتاً إلى صخرة ومربوطاً بحبال دقيقة لا ترى إلا عن قرب.. ودلت رائحة جيفته أنه ميت من يومين أو ثلاثة كما أن الديدان كانت تتساقط منه.. وفي أسفل بطنه جرح ودماء يابسة.. وتساءل جابر في دهشة:

- إنه مقتول من قبل.. لكن لماذا ربط إلى الصخرة حتى بدا كأنه واقف؟!

- ربما يريد من فعل ذلك أن يجتذب حوله القطيع وربما ذلك من طرف الصيد.

- قد يصدق ظنك.. لنغادر فالرائحة لا تطاق!

وقبل أن يتم جملته.. رأيا حبلاً انسحب من تحت الصخور.. ثم تبعته هدهدة عظيمة.. وتدحرجت باتجاههما صخور كبيرة.. تجرف معها صخوراً أصغر وتراباً وبعض الحصباء!!

حاول عبد القيوم وجابر الهروب نزولاً.. لكن السيل المفاجئ جرفهم.. وتمكن عبد القيوم من اللجوء جانباً، وزلت قدمه فسقط تحت جرف صغير على مؤخرة رأسه ففقد وعيه في الحال. أما جابر فقد دهمته إحدى الصخور الكبيرة ومشت فوقه دون أن تصيبه إلا بخدوش صغيرة.. وسرعان ما نهض وفر من بقية الصخور المتدحرجة.. وجلس يلتقط أنفاسه ثم أحس بزوغان بصره وثقل رأسه.. ثم استلقى فاقداً الرشد!!

ومكث ساعات على حاله تلك لا يحس بشيء.. ثم استيقظ مثقلاً.. ليجد نفسه في غير المكان الذي كان فيه.. كان في كوخ يشبه أكواخ الفلاحين.. هل يمكن أن تكون قد سقطت منه في سفح الجبل.. أو سقطت عندما دهمته الصخرة الكبيرة؟!

كان الكوخ واسعاً ومرتباً.. وثمة مصباح معلق في السقف.. ونار تشتعل وفوقها قدر تفوح منه رائحة شهية.

وقام من فراشه إلى الخارج ليصادف ليلاً صامتاً وهدوءاً ممتعاً.. وشعر في نفسه أنها رقدة طويلة مريحة.. أزالت عنه كثيراً من تعب السفر.. لكن من نقله إلى هنا.! وماذا حدث أثناء فقدانه رشده؟! وأين عبد القيوم؟!

وعاد إلى فراشه منتظراً أيَّ جواب.. واستلقى يفكر فيما حصل.. ولم يشك أن انهيار الصخور وذلك الحبل الذي انسحب كان أمراً مقصوداً.. وأن ثَمّة حيلة دبرت للقضاء عليه هو وعبد القيوم..!

وقطع عليه أفكاره دخول رجل مخيف.. فارسي السحنة.. عملاق.. يبدو معتوهاً.. عليه آثار حروق كثيرة.. وعند ظهوره ابتسم لجابر ابتسامة بلهاء عريضة.. وثرثر بعربية مكسرة:

- إذاً فأنت قد استيقظت.. خفت أنا أن تموت.. مضى زمان وأنت فاقد وعيك.. أنت صبور.. ليتني أعرف من أين جئت؟! لقد حملتك من سفح الجبل على كتفي.. أنت مسكين.. سقطت عليك الصخور.. أنت مبارك وحظك حسن لذا جئت أنا وأنقذتك.. أنا أعيش هنا.. هذا بيتي.. أنت ضيفي.. أنت مسكين.. كدت تموت.. أنت جائع.. أنا صنعت لك طعاماً سيرد عليك عافيتك.. لحم أرنب اصطدته.. هل تحب الأرانب.. ليتني أعرف من أين جئت.. ليتني أعرف..

اعتقد جابر أنه لو تركه يتكلم فسيظّل على ذلك أياماً متتالية لذا قاطعه قائلاً:

- أعظم الله مثوبتك يا أخي على إنقاذي.. لكن أين أنا؟!

- أنت هنا في كوخي.

- وأين صاحبي الذي كان معي؟

- صاحبك.! من المغولي؟!

- نعم.

- هو صاحبك.. أنت تحبه؟

- نعم.

وهنا تغيرت ملامح الرجل وظهرت عليه علائم حقد مكتوم وشراسة وقال:

- أنا لم أساعده.. هو شرير.. مغولي.. المغول أشرار!

- أما زال على سفح الجبل؟!

- نعم.. أنا لم أساعده.. دعوت الله أن يموت ويروح للجحيم.. أنا أكره المغول.. لقد قلت لنفسي.. اذهب واضرب رأسه بصخر كبير حتى يموت.

وقام جابر منزعجاً للبحث عن صديقه.. لكنه تساءل أي اتجاه يسلك وهو لا يدري عن موقع سقوطه من هذا الكوخ.. والليل مظلم.. كما أن ساقيه تحتاجان لبعض الراحة كي تحملاه.. ولما وجد نفسه عاجزاً عن فعل شيء انفجر في وجه الرجل صائحاً:

- ألست إنساناً أليس في قلبك رحمة.. إن كنت من الإنس فاذهب وأنقذه أو دلني على مكانه.!

فصاح الرجل هو الآخر:

- أنقذه؟! أنقذ مغولياً.. ليذهب ويقتل الناس.. هو مغولي.. هم مجرمون.. قاتلون للنساء والأطفال.. مخربون للبلاد والمزارع.. الموت لهم قتلة الصغير والكبير والبهائم..

ثم هدأ قليلاً.. وتابع بصوتٍ متألم باكٍ:

- هم قتلوا زوجتي.. وأولادي.. وحرقوا جسمي وقلبي.. ألا تنظر..

وكشف لجابر عن بطنه وصدره وظهره.. كانت الحروق تشمل جسده وبعضها قد استعصى على الشفاء!! وأضاف:

- المغول أحرقوني. الشيوم شاه قانين.. صنع ناراً.. ووضع على جسمي زيتاً.. ثم دفعوني في النار.. وقمت أركض.. النار الحمراء تأكل الجسم والثياب.. وأنا أركض.. أصرخ..

وجعل يمثل لجابر كيف كان يركض صارخاً وهو ينفض النار عن جسمه بيديه ثم تابع:

- صنع الشيوم هذا الحريق.. حتى يضحك هو.. ويضحك الجنود..

أنا أقسمت بالله الكريم بعد هذا الحريق.. أن أقتل كل مغولي أقدر عليه.. إن كان كبيراً شاباً.. أنا أقتله.. وإن كان صغيراً أو نساءً.. أنا لا أقتله.. وهذا حكم ياقوت القوي.!

وسكت ليلتقط أنفاسه ويمسح الزبد عن شفتيه.. ثم قال بنشوة منتصر:

- أنا قتلت منهم إلى الآن عشرة بدون السلاح.. الحمد لله..

وأشار إلى عنقه مفهماً جابراً أنه قتلهم خنقاً.. وكان جابر قد هدأ ورأى أنه لا يملك إلا إقناع "ياقوت" أن صاحبه المغولي ليس شريراً.. فقال:

- صاحبي مغولي.. مغولي مسلم يحب المسلمين.. أنقذه يا ياقوت! فهتف "ياقوت" دهشاً:

- مغولي مسلم!! يحب المسلمين؟!

- نعم يا ياقوت.. أنا أحبه.. أنت ستحبه أيضاً.

وبصعوبة أقنعه جابر بما يريد وبصعوبة اقتنع.. وبعدما تحدث طويلاً عن نفسه خرج وتوغل في الظلام.. وقد عرف جابر أن اسمه ياقوت وأنه فارسي.. وأنه عاش في مدينة قانين الفارسية بين العرب المقيمين هناك.. وأن الحوادث ألقت به في طريق حاكم قانين البطاش.. وأنه قبل سنوات اعتدى مع جماعة آخرين على جنود شيوم وقتلوا بعضهم.. فاعتقلهم وعذبهم وقتل معظمهم، واختصه هو بأشد العذاب فقتل زوجته وأولاده وأبقى صبياً له في الخامسة.. وسجن هو لحين ولما طالب أن يأتوا بطفله ليبقى معه في السجن وألح في ذلك.. قتله شيوم بيديه.. وأوقد عليه النار ثم تركه يركض ويتعفر بالتراب ساقطاً حتى انطفأت النار بعدما شوهت جسده.. كان يبدو مجنوناً.. وثبت عند جابر أن المصائب التي مرت به لم تترك عقله سليماً.. وقد اشتكى لجابر من أن الناس ينادونه بالمجنون.. حتى آثر العزلة والعيش وحيداً قرب النبع في كوخه هذا.. يقتات من الصيد وبعض ما يجلبه من القرية القريبة.

واعتبر جابر ذلك من المصادفات أن يخرجوا لقتال شيوم ثم يلتقون رجلاً يتوق للانتقام منه.. وخطرت لجابر خاطرة.. أن يضم ياقوت إلى رجاله فهو قوي وتائق للقتال.. لكنه خشي من تقلباته وغرابة أطواره.. فاستبعد الفكرة مؤقتاً.

بعد قريب من الساعة قام جابر وفتح غطاء القدر وتناول شيئاً من الطعام.. ثم أعاد الغطاء.. وسمع وقع أقدام.. ثم دخل عليه ياقوت يحمل عبد القيوم على كتفه وفزع جابر خشية أن يكون قد أصيب بمكروه وقام على الفور ينظر إليه لكن عبد القيوم خاطبه بصوت لا أثر للوهن فيه.. وهو ما زال على كتف ياقوت:

- جابر.. أنت هنا.. هل حملك هذا البغل أيضاً؟!

وقال جابر:

- هل أصبت؟

- لا.. أنا بخير.. ما عدا جرح صغير في مؤخرة رأسي.

- إذا لماذا لم تمشي على قدميك؟

- لم يدع لي فرصة.. لقد حملني مع أني قادر على حمله!

كان ياقوت قد ذهب لتحضير الطعام لأضيافه.. فغمز جابر لعبد القيوم وهو يشير بذقنه إلى ياقوت بأنه شبه معتوه. فرد عبد القيوم:

- ذلك واضح جدّاً.

فقال جابر وهو يبتسم:

- إنه رحمة من الله لنا.. فقد استيقظت لأجدني ممداً في كوخه.

- لقد فررت أنا من طريق الصخور عندما تدحرجت علينا.. لكن قدمي زلت فوقعت على مؤخرة رأسي وفقدت رشدي ثم استيقظت بعد فترى طويلة وذهبت للبحث عنك.. ثم رجعت إلى مكاني رجاء أن تجئ إليّ، أو تبحث عني أو يجدني يوسف وصاحبه.. ولكني فوجئت بهذا يقف على رأسي عابساً.. ثم ينحني عليّ ويجتثني من الأرض دون أن ينطق بكلمة. إلا بقوله: مغولي مسلم!! مغولي مسلم!! ثم لم يقل شيئاً بعدها!

ضحك جابر بسرور، وعندما لاحظ انشغال ياقوت بالطعام دنا من عبد القيوم وحذره من تقلباته.. وأخبره قصته.. وأنه أحد ضحايا شيوم وأن ما أصابه منه جعله معتوهاً.

ولبث الصديقان يتحدثان فيما حصل وأكد عبد القيوم ببراءته المعتادة أن صياداً قد وضع هذه الحيلة لكي يجتذب الوعل المربوط إلى الصخرة بغية الصيد ثم يسحب حبلاً لتتدحرج الصخور وتصيب الحي.. وأصر جابر أن ذلك كله من تدبير يوسف وعمله وأنه قد سرق الرقعة منه.. وفهم ياقوت فحوى الجدال الدائر ففصل بينهما قائلاً وهو يقدم الطعام:

- أنا رأيتكم تصعدون.. واختبأت تحت صخرة.. ورأيت أنا صاحبكم يجر الحبل.. حتى انهارت الصخور والتراب وضربتكم!

نظر عبد القيوم وجابر إلى بعضهما.. وقال عبد القيوم مرتاباً:

- يبدو أن توقعك هو الذي سيصدق!

وسأل جابر ياقوت مشيراً إلى جسمه:

- كيف كانت هيئة صاحبنا؟

- صاحبكم أبيض.. وقصير.. عيونه كبيرة وفمه مدور صغير مثل فم أرنب!

- وأنفه كبير؟

- أنفه كبير.. ويده كبيرة.

وأشار إلى خده ليفهم جابراً أنه صافي البشرة ووسيم.

فهتف جابر في غيظ:

- إنه هو!! إنه يوسف!! هل رأيت يا ياقوت صاحبنا يأخذ مني رقعة؟

- أخذ صاحبكم ورقة من ثيابك.. وأنت فاقد وعيك!

- لقد أخذها الخبيث وأنا فاقد رشدي.. لم أتصور أن يكون بهذا القدر من اللؤم والخيانة!!

وساد الصمت حتى قال جابر لياقوت:

- هل رأيت صاحبنا يصف الصخور.. ويربط الوعل بالحبال؟

- لا.. أنا صنعت هذه الطريقة.. لتضرب الصخور الوعل الثاني.. صاحبكم جاء ونظر الطريقة.. ثم سحب هو الحبال وجعل الصخور تضربكم.

وقال عبد القيوم:

- إنه صادق.. لقد رأيت تلك الحبال والصخور معدة بطريقة دقيقة لتتحرك جميعها متى ما سحبت إحداها.. وذلك عندما ذهبت للبحث عنك في السفح صعوداً ونزولاً.. ويبدو أن ياقوت علم أن يوسف ليس طيباً فلم يعترضه! لكن أين الرفاق.. ألم يأت منهم أحد؟!

- ربما هم الآن يجدون في البحث عنا.

وضمَّد ياقوت جرح عبد القيوم وخرج.. بينما بقي جابر وعبد القيوم يتحدثان عن شيوم ومداهمته واقتحام قصره.. وقرر جابر أن يعودا حالاً إلى بقية الرفاق.. ويعاقب يوسف عقاباً شديداً ويعيده مكبلاً إلى بغداد مع بعض الفرسان.

ولم يكد يتم كلامه حتى دخل عليهما ياقوت مهتاجاً.. وهتف في لهفة:

- أنتم ستذهبون إلى شيوم..! أنا سوف أذهب معكم.. سمعتكم بأذني هل ستقاتلون الشيوم.. أنا قوي.. أنا أعرف القتال..

نظر جابر إلى عبد القيوم ومد شفتيه استياءً وقال:

- هذا ما لم أنتظر.!

فقال عبد القيوم:

- لقد سمعنا ونحن نتحدث.. لقد علقنا به!

وأدخل جابر يده في جيبه وأخرج بعض المال ودفعه إلى ياقوت معتذراً وأخبره أنه لا يستطيع اصطحابه.. فقال ياقوت مستجدياً:

- الشيوم قتل زوجتي.. وأولادي.. وأحرق قلبي وجسمي بالنار.. أنا أريد أن أنتقم !

اعتذر جابر مرة ثانية.. ووعده أن ينتقم له.. وأن يأخذ بثأره من شيوم فيئس ياقوت ودلَّه بصوت حزين على الطريق.. فانصرف جابر وعبد القيوم تاركيه يراقبهما في الباب وقد حدَّدت النار المشتعلة بالداخل ضخامة جسده.

سارا ساعة كاملة.. وكان عبد القيوم نشيطاً.. أما جابر فكان يتوقف كثيراً ليريح جسمه ويدلك ساقيه..

ووصلا إلى أصحابهما.. وكان أولئك قد أوقدوا ناراً وتلحقوا حولها.. وما إن رأوهما حتى هبوا إليهما.. كان واضحاً أن القلق آخذٌ بهم.. وأمطروهما بالأسئلة.. ودهش عبد القيوم وجابر لتناقص عددهم كانوا لا يتجاوزون العشرة.. وسأل جابر:

- أين البقية؟

فأجابه مالك الفهري الرجل الثالث في الرحلة:

- لقد أتانا يوسف بن محمد.. وقال إنه افتقدك وعبد القيوم.. وأنه وصاحبه بحثا عنكما.. فلما لم يجداكما عادا.. وقد حث الرجال على مواصلة المسير إلى قانين التي لم يبق عليها سوى مسيرة نهار.. وقد أمرته بالتريث إذْ لا يصح أن نغادر قبل أن نعرف مصيركما.. خاصة وأنك القائد.. وأن عبد القيوم هو عماد اقتحام القصر.. لكن يوسف أصرّ.. لقد رأيت الخبث في عينيه يا جابر فقد كان يحرّض الرجال على نبذك ويقول إن انتظاركما سيعطل مسير الرحلة.. وقد كثر الهرج والخلاف بيننا ما بين مؤيد لمواصلة الطريق وبين متريث لحين عودتكما.. ونهيت الرجال عن اتباعه وأمرتهم بتركه وقد أطاعني من ترى من الرجال ولم ينضم إلا رجاله الذين انتقاهم.. وهذا يؤكد لي أنه قد بيَّت هذا الأمر من قبل وأنه منذ بداية الرحلة كان ينوي الاستقلال بنفسه والانفصال عنك.. وهو الآن في طريقه إلى قانين وبصحبته رجاله العشرة ! وقد ذهب جماعة ممن بقي إلى النبع والسفوح المجاورة بحثاً عنكما.

طمأن جابر وعبد القيوم رفاقهما على سلامتهما.. وشكرهم جابر على الوفاء له ووعدهم خيراً وقص عليهم ما جرى منذ البداية..

ووصلت الجماعة التي ذهبت تبحث عنهما فاضطر جابر إلى إعادة الحكاية من جديد.. وأبان عن شكوكه التي تأكدت الآن.. وأخبرهم أن يوسف هو مدبر هذا الحادث.. وأنه سبق له اعتداءان عليه في بغداد في محاولة فاشلة للاستيلاء على الرقعة.. ونجح هذه المرة وسلبها منه وهو فاقد رشده.. وأمرهم أن يشهدوا بما رأوا وسمعوا عند الوالي أبي الحسن ابن يونس وعند الخليفة لمن يقدَّر له منهم أن يعود إلى بغداد !

وفي الصباح الباكر كانت الكوكبة التي صار عدد أفرادها ثمانية عشر فارساً بقيادة جابر.. قد استعدت للرحيل.. واعتزمت مداهمة قصر الأمير شيوم بدون الرقعة التي تحتوي مخططاً للقصر.. وذلك اعتماداً على مهارة عبد القيوم في دخول القصر ثم فتح بوابته بعد ذلك.. وقد ظهر التردد في وجوه بعض الرجال خصوصاً بعد تناقص عددهم وأنهم سيقاتلون جنداً يفوق عددهم الخمسين في قصر يجهلون ممراته ومداخله بذلك العدد!!

ولكن عبد القيوم العظيم الثقة بالله.. ندبهم إلى الاعتماد على الله لا على سواعدهم.. وحثهم على تقوية صلتهم بالله وثقتهم به.

وذكرهم أن يخلصوا مقاصدهم ونياتهم لرضا الله وألا يفكروا كثيراً في غنائم هذه الحملة المحفوفة بالمخاطر.. وأنهم إنما يخوضون في أوحال الخطر.. وأنه كلما اقترب الركب من قانين فإنما يقترب من فرصة الموت.. فخير لأحدهم أن يكون صافي المقصد.. سليم النية في الذب عن المسلمين ودفع الظلم عنهم.

وكان عبد القيوم بوجهه الهادئ المؤمن.. ورباطة جأشه قد تسلل إلى قلوب الرجال وغسلها من التردد والخور.. وزاد في ثباتها.

ولم يكد الرجال يهمون بالمسير حتى برز لهم من بين الصخور ياقوت وهو يحمل عدته.. وقد اختطف عنان حصان جابر بعدما أدرك أنه الزعيم. وقال:

- أنا سأذهب معكم إلى قانين.

توقف جابر وأوقف جنوده وقال باسماً:

- هذا مضيفنا البارحة.. يريد مرافقتنا لاقتحام القصر.!؟

لم يجب أحد فقال صالح:

- هل هو الفارسي الذي أنقذك البارحة؟

- نعم.. واسمه ياقوت.

- لماذا لا تدعه يذهب.. نحن بحاجة للرجال بعدما نقص عددنا؟

وقال شاب اسمه العباس بن حسين:

- حقّاً لا ضير من اصطحابه.. فنحن لن نقابل أحداً.. وسيظل أمرنا سراً ما دمنا نراقبه جيداً وقد ينفعنا ساعة القتال..

فقال جابر:

أنا أخشى أن يصبح عبئاً علينا؟!

وقال عبد الرحمن الفهري ابن عم مالك:

- إنه يريد الانتقام.. وإن قبلت رأيي يا سيدي فدعه يذهب فإن عطشه للانتقام سيجعله يقاتل بقوة عشرة رجال !

وكي يقضي ياقوت على تردد جابر صاح به:

- أنا قوي.. أنا أقاتل جيداً..

ثم قبض على قوائم حصانه الأماميتين ورفعهما إلى الأعلى.. فجعل الحصان يحاول الإفلات صاهلاً.. ولكنه عجز عن ذلك. فهتف جابر به وهو يتثبت كي لا يقع:

- اتركه يا رجل.. سأقع !!

ووسط ضجة الرجال بالضحك قال عبد القيوم باسماً:

- اعطه ما يريد وإلا نسفك أنت وحصانك جانباً.. إنه قوي حقّاً!

فقال جابر صائحاً:

- ستذهب يا ياقوت.. لكن اتركه!

ترك ياقوت الحصان، فقال جابر:

- سأكافئك على مساعدتك يا ياقوت بالذهاب معنا.. فهل معك جواد؟

فقال ياقوت بحماس ظاهر:

- لا أريد أيّ حصان.. أنا أمشي ثلاثة أيام ولا أنام ولا أتعب!!

أشار جابر بيده إليه بالرحيل.. وساروا وسار معهم.. وقد أمضى النهار كله ماشياً.. رافضاً دعوة بعض الرجال له بالركوب قليلاً على الخيل.. وحتى عندما جلس الرجال قليلاً للاستراحة لم يسترح بل كان يدب هنا وهناك لجمع الحطب وخدمة جابر في فرح ظاهر.. كأنه لم يسر على قدميه البتة!!

وفيما بعد تبين للرجال أيّ مقاتل هو..!

************