القسم الثاني

4 0 00

القسم الثاني

إلى رئاسة مجلس متكلمي البصرة.

مكتب المتكلم العام.

م/ استشارة

استنادا إلى ما جاء في استعلام مقامكم الموقر بشأن إمكانية وجود حوادث تاريخية، أنكى وأكبر، أو على الأقل تضاهي الظواهر السلبية والحوادث الدامية التي وقعت مؤخرا، وطلبتم مشورتنا، مشكورين، في إيجاد أمثلة تعادل أو تفوق الأحجام والمديات المأساوية التي وصلت إليها تلك الظواهر والكوارث التي حدثت وما زالت تحدث في مدينتنا العزيزة، وهي كالآتي حسب التسلسل الذي أفدتمونا به ضمن كتابكم :

القتل الجماعي بتفجير أو نسف العمارات السكنية بمن فيها من قبل قوى الإرهاب.

المجاعة. وظاهرة أكل القطط والكلاب السائبة من قبل السكان الجياع.

ظاهرة بيع الأطفال، والفتيات القاصرات.

ظاهرة التشرد والفقر المدقع.

تفشي الأمراض والأوبئة، خصوصا الطاعون.

التصفيات العرقية.

استفحال ظاهرة السلب والنهب والسرقة.

البطالة.

وامتثالا لأوامركم السامية، قمنا نحن عصبة الخبراء في مجال التاريخ، والذين عُينّا بإيعاز من جنابكم الموقر كمستشارين، بالبحث في بطون الكتب، والتقصّي في الأرشيفات العتيقة للإنسانية، وخرجنا بخلاصة نضعها هنا، نصب أعينكم، وبين أيديكم الكريمة لتطلعوا عليها، علّها تعود على سيادتكم بالمنفعة، وبذلك تكون خدمتنا لكم شرفا وتاجا يزين رؤوسنا المطأطئة إجلالا وإكراما لشخصكم الكريم.

ملاحظة :

- بشأن استشارة سيادتكم حول التماثيل في المدينة، فقد رأينا أن من العبث الإبقاء عليها، دون التفكير في استغلال المادة المصنوعة منها، وهي البرونز. لذا نرفع توصياتنا بضرورة أن تُرفع هذه التماثيل، ليتم بيعها، على أن توضع أثمانها خدمة للمصلحة العامة.

راجين التفضل بالاطلاع. مع وافر التقدير.

*** *** ***

استحسن المتكلم ما جاء بشأن مشورة أعضاء مجلس المستشارين في أوراق الفايل الأصفر الموضوع أمامه على الطاولة الخشبية الصقيلة. اتضح ذلك من خلال ابتسامة شفيفة لا تخلو من مكر، ارتسمت على محياه لبرهة، قبل أن تختفي وراء ملامحه المتشنجة، اخرج بعدها من جيب سترته الجانبي مسبحة سوداء براقة، وبدأ يتمتم بكلمات، كأن تكون دعاء أو ربما هي التسبيحات المائة وواحد، حسب عدد حبات المسبحة. كان يتوقف كل ثلاث تسبيحات أو أربع. تزداد خلال ذلك التمتمة، وتبدو شفتاه كما لو أنها تتفل شيئا ما زال عالقا في فمه منذ فطور الصباح. قد يسترخي المتكلم غائرا في كرسيه الوثير، يغمض عينيه أو يرفع رأسه قليلا، في حين لا يكفّ إبهاماه وسبابتاه عن التعاون على نقل حبات المسبحة.

عادة ما يمضي المتكلم الساعة الأولى من الصباح في ممارسة رياضته الروحية تلك، إضافة إلى حفظ اكبر عدد من المعلومات التاريخية حول حوادث أكثر دموية وفوضوية من تلك التي تحدث في المدينة. قبل أن يأذن لمرافقه بالدخول عليه، حاملا معه حفنة من الأوراق، اتفاقيات وبروتوكولات وقرارات يوقع عليها المتكلم بقلم حبر ذهبي يستله من الجيب الداخلي لسترته السوداء. ثم يعدّ نفسه للظهور عبر الشاشة التلفازية الكبيرة في ساحة أم البروم، لإلقاء موعظته الشهرية على الأهالي. يعدل هندامه ويتأكد أن كان شعره ناشزا أو أزراره غير محكمة. قبل أن يجلس أمام الكاميرا وسط القاعة، خلف صورة كبيرة يظهر فيها المسجد الأقصى تحت سماء ملبدة بالغيوم، إشارة إلى يوم القدس العالمي. وهكذا دواليك بالنسبة للأيام التي تشهد مرور مناسبات أخرى كذكرى عاشوراء والأعياد والمناسبات ووفيات الأعلام من رجال دين وقادة ورؤساء. أما في الأيام العادية فيجلس المتكلم خلف صورة يظهر فيها وهو يلوح للجماهير المحتشدة بيده المثقلة بخواتم العقيق والياقوت والفيروزج، من داخل سيارة بيضاء ضد الرصاص من طراز لاندكروزر المصفحة، يحرسها بوديكاردات أمريكان شقر وغلاظ ومدججين بأسلحة فتاكة. وما أن ينتهي المتكلم من إلقاء موعظته، حتى يعيد الحراس صورته إلى مكانها وسط الصور الأخرى التي تملأ جدران القاعة، لحكام تناوبوا على كرسي الحكم منذ الاحتلال الأمريكي في 2003.

عادة ما يدعو المتكلم شلة من الصحافيين إلى مكتبه، بعد كل انفجار ضخم أو مجزرة بشرية أو أزمة تعصف بالمدينة مخلفة وراؤها الآلاف الضحايا والمعاقين والمعتوهين. يتحذلق أمامهم بطريقة متثاقفة حتى ليبدو كأنه في اختبار للبلاغة الكلامية في إحدى الحوزات الفقهية. يفغر إزاء ذلك المتزلفون والقرويون المنبهرون أفواههم عجبا من منطق المتكلم ولباقته في الكلام ومهارته في اختيار المصطلحات الشائكة، دون أن يفهم احد منها شيئا، مثل الديموغرافيا والشفافية والكانتونات والفيسفساء والايركيولوجيا وغيرها الكثير من الحذلقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، قبل أن يبدأ بالسخرية من الصحافة التي تشتغل على التهويل في نقلها الأخبار إلى العالم. مقللا في الوقت نفسه من حجم الخسائر المادية والبشرية التي تتسبب بها تلك الكوارث.

في ذلك اليوم جلس المتكلم في مكانه المعتاد، خلف صورة المسجد الأقصى الذي ما زال يرزح تحت سماء ملبدة بالغيوم، واستهل موعظته بعدة بسملات تلتها صلوات تلتها تسبيحات ثم لعنات طالت الشياطين في جميع أركان القاعة والكفرة والمنافقين في مشارق الأرض ومغاربها. قال بعدها :

" تعلمون أيها الأخوة الكرام، إننا ما زلنا نعيش في ظل هذه الأزمة العاصفة، شاكرين مستغفرين وداعين المولى عز وجل أن يذهب هذه الغمة عن هذه الأمة. لكن ذلك لا يعني أن شيئا مشابها لم يحدث في تاريخ الأمم السالفة والحالية. وإذا كان ثمة من يعتقد غير ذلك فهو على خطأ طبعا.

نعم.. حدثت أمور عظيمة يندى لها جبين حتى الكفرة من جبابرة وسلاطين وقتلة. إلا أن هذه الأحداث لم تكن شيئا إذا ما قيست بأحداث أخرى ليست مشابهة فحسب، إنما متفوقة عليها بكمال الخراب وجودة المأساة وما يحمل من طابع كارثي مؤثر على نواحٍ عدة سايكولوجية وسايسولوجية وديموغرافية بحتة، ذات إسقاطات إدماجية منتحلة وضاغطة فاسيولوجيا على جميع قدرات ومقدرات الفسيفساء العراقية. لذا ومن هذا المنطلق الذي يخضع لاعتبارات استحكامية مجردة من العلائق الميتروانفاقية، نقول : يا أعزائي، ليس من قبيل العجب أن تنُسف عمارة أو عمارتان أكل عليها الدهر وشرب، ثم نقارن ذلك بما حدث في نيويورك قبل حوالي مائة وعشر سنوات، عندما هجم الإرهابيون على برجي التجارة العالمية وأحالتهما الطائرات إلى أطلال. كما ليس من المعقول أن نستغرب تعرض المدينة إلى كل تلك الحوادث التي تسببت بمقتل الآلاف في الوقت الذي ما زال هناك الملايين من الجياع يموتون في أحراش أفريقيا وأوحال الهند. وهذه أمثلة وعينات حية لمجاعات ماحقة أذلّت الإنسانية وألحقت بها الضرر الكبير :

مثلا، يقول ابن خلدون أن الناس في تلمسان المغربية في عام 1304 اضطروا إلى أكل الجيف والقطط والفئران، حتى زعموا أنهم أكلوا فيها أشلاء الموتى. وإذا كان ذلك زعما في نظر ابن خلدون، فأظنه بات حتميا لدى ابن الأحمر الذي أكد على أن السكان التلمسانيين أكلوا بعضهم بعضا، وكان يفرغون نجاستهم ويجففونها في الشمس، ثم يطبخونها من جديد ويطعمونها لصغارهم ! ودعونا لا نصل إلى المدن النائية في مصر القديمة حيث أكل الناس في الصعيد أطفالهم، ومات نصف سكان تمبكتو جوعا، ولنقترب أكثر وتحديدا في العراق ولنأخذ مجاعة 1918 أنموذجا.

يحدثنا عبد العزيز القصاب في مذكراته عما شاهده بينما هو في طريقه من حلب إلى الموصل. فيقول أنه رأى جثثاً بشرية ملقاة على جانبي الطرق بكثرة لا يمكن وصفها. وعند دخوله قرية دمير قبو شاهد طوابير من الجياع وقفوا هناك منتظرين مجيء دورهم في الحصول على قطعة لحم نيئة من حيوانات نافقة، وأظنها كلاباً ! وعدا ذلك هناك من جمّد دم الذبائح ليأكله فيما بعد. ولديّ هنا نسخة قديمة جدا لمجلة تركية تعود إلى ذلك الزمن، نشرت حوارا عجيبا دار بين الحاكم وامرأة مجرمة، دميمة وقصيرة، تملأ وجهها الكالح بقع حمراء كالجدري، كانت هي وزوجها ويُدعى عبود، لا يقل عنها دمامة، كانا يتعاونان على خطف الأطفال، أو شرائهم، ثم ذبحهم وطبخ لحومهم ثم بيعها على الناس. وقد وجدوا في بيتها نحو مائة جمجمة صغيرة وكميات كبيرة من العظام مكومة في حفرة ما في البيت. في النهاية لم تجد المحكمة بدا من الحكم عليهما بالإعدام. ولما جاء موعد التنفيذ في صباح احد الأيام سيقا على حمارين راحا يشقان طريقهما نحو باب الطوب، حيث نصبت لهما مشنقتان. وقد نالا كفايتهما من البصاق وشتائم الناس في الطريق، وكان عبود زوج المرأة، انظروا إلى صلافة عينه، يرد على أولئك الناس بالشتيمة أيضا. وعندما شُنقا رحن النسوة من أمهات الأطفال الضحايا بنهش أقدامهما بأسنانهنَّ، حتى إن إحدى تلك النسوة كانت تصرخ حانقة بينما هي تلثم قطعة من كرشة ساق المرأة : لقد أكلا ثلاثة من أولادي !

ها... ما رأيكم ؟!!

أما إذا تريدونني أن أحدثكم عن القصص المفجعة التي حدثت أثناء المجاعات الكبرى في الصين والاتحاد السوفيتي والبنغال وأوكرانيا وايرلندا وبيافرا وأثيوبيا وكوريا الشمالية وزيمبابوي والصومال، فضلا عن الآلاف المجاعات في أوربا العصور الوسطى وباقي القارات، فذلك حديث يطول. ولعل السؤال الذي يتبادر إلى ذهني الآن هو : هل أكل احد منكم طفله ؟! هل تغوط ثم جفف غائطه ثم طبخه ثم أكله ؟! هل وصل بكم الجوع حدا تحتم عليكم عنده سرقة الأطفال وطبخ لحومهم وما يتبقى يبيعه على الجياع بأثمان بخسة ؟! لذا، أنصحكم أن تنظروا بأعين بصائركم وألّا تتذمروا، لأن التذمر من صفات المنافقين. صلوا شكرا لأنكم لم تصلوا إلى هذه المراحل المروعة من الجوع. أما عن أكل لحوم القطط والحشرات والكلاب السائبة، فأظنّ أنّ هذا هو ديدن الجياع في كل مجاعات الأرض، وليس على أرضنا فقط.

تأملوا مصائب غيركم.. وتدبروا !

وأودّ أن أعرج هنا على مسألة الأوبئة. أعتقد أن شيئا لم يكن أو يحدث في مدينتنا العزيزةـ، إذا ما رجعنا إلى الوراء لنتقصى حقيقة ما جرى في أوربا بسبب الطاعون الأسود. وبحوزتي الآن حكاية غريبة وطريفة أيضا تروي عن هذا الطاعون المدمر، وكيف بدأ، والشرارة الأولى له، وأسباب انتشاره في القارة العجوز. ويروي القصة أحد الحكائيين الشرق آسيويين المهرة عن أسلافه التتار، في أحدى الحروب التي تحولت في ليلة وضحاها إلى حرب بكتريولوجية ساحقة. إذا أحببتم أروي لكم القصة، لكن بلسان السارد التتاري طبعاً.

أنصتوا جيدا، إذن :

" في شبه جزيرة القرم. في زمن احد أجدادي لأبي، حدثت معركة وصفت بالسخيفة بين أسلافي التتار والبنادقة الذين امتدت مستعمراتهم إلى خارج أسوار ايطاليا. وكان أولئك البنادقة متحصنين في قلعة منيعة صار من العسير اقتحامها بتلك السهولة التي تصورها قائد الجيش التتاري.

لم يزل جنود الجيش التتاري الشجعان لا يشعر احد منهم بالضجر أو يتذمر إزاء مناعة حصن البنادقة، حتى تفشى بينهم الطاعون فجأة وراحوا يتساقطون أفرادا وجماعات، وكان لذلك اشد الوقع في نفس قائدهم المغوار الذي عزّ عليه رؤية جنوده البواسل وهم ينفقون من شدة الحمى والألم مثل دجاج المزرعة.

امتلأ المعسكر بغائط الجنود المصابين وانتشرت جثث الموتى في كل مكان، ولما شاهد القائد التتاري ذلك بمزيد من الألم والشعور بالذلّ، خطرت له فكرة. أمر جنوده بتعبئة المنجنيقات بالجثث المتعفنة وقذفها على قلعة البنادقة الحصينة. إلا أنَّ المعيب في هذه الحكاية هو ما سأرويه لكم عن الموقف غير المشرف لجدي الأكبر، الذي عاش حينذاك أسخف حالاته كمقاتل جبان لا يقوى على مواجهة فأر بندقي. كارها الحرب، عادا التضحية وهما ما زال يرسخ في الأذهان من دون طائل. لذا رأى أن من المجدي التفكير في طريقة ناجحة للهرب من ذلك الجحيم، مع معرفته التامة أن ذلك ينطوي على مخاطرة كبيرة، ربما تقف عند الموت في النهاية. وهو ما يحزّ في نفسي ويجعلني أطمر رأسي في حفرة من شدة ما يعتريني الخجل وأنا أروي هذه الحكاية للمرة الأولى منذ أن سمعتها من أبي الذي سمعها من جدي الذي سمعها من أبيه الذي... إلى آخره، من الآباء والأجداد.

ففي ليلة حالكة الظلام، قضى فيها الكثير من زملائه نحبهم بسبب الوباء، حاول جدي الأكبر التسلل خارج المعسكر التتاري. إلّا أنَّ ثمة ما حال بينه وبين تحقيق رغبته تلك بالفرار عندما واجه سورا مكونا من المع الفرسان الذين كلفهم القائد بحراسة المعسكر. فوقف هناك، خلف احد الأشجار، يفكر في ما الذي يمكن فعله تلك الأثناء. وفي النهاية، لم يجد الجد الأكبر أمامه من حلول سوى أن يلقي بنفسه بين جثث الموتى الطاعون، فحُمل من هناك مع أربعة جثث ووضع في إحدى المنجنيقات التي قذفت به عاليا، وحلق في الهواء لحظات لم يمسك خلالها نفسه من الصراخ، وظن أنه سيموت ما أن يرتطم بالأرض، وينتهي بذلك كل أمل له بالنجاة. أحس الجد الأكبر باضطراب في معدته، وكاد أن يذرق مثل طير في الهواء، عندما لمح من هناك المقتلة العظيمة التي خلفها الطاعون في صفوف التتاريين. تمنى لوهلة أن يتحول الى طير حقيقي بجناحين يقاوم بهما جاذبية الأرض.

ربما لن تصدقوا ما حدث بعدها.

لم يصب جدي بأذى. سقط في عربة مليئة بالقشّ، ثم تدحرج حتى استقرّ بين جثث التتاريين الذين قُذفوا بالمنجنيقات، وثمة جثث أخرى لبنادقة انتقلت لهم العدوى وماتوا هناك. وما زال أولئك البنادقة مصعوقين من مشهد الجثث التي لا زالت تنهال عليهم منذ ثلاثة أيام، حتى بدئوا يضرمون بها النار. فأدرك الجد الأكبر انه لم يعد بالإمكان التظاهر على انه إحدى تلك الجثث. وإلّا مات حرقا هذه المرة. فتنكر بثياب احد الموتى البنادقة، وكان من السهل التسلل إلى إحدى السفن الراسية هناك، والمأهولة بالهاربين، والمتوجهة في حينها إلى صقلية، بعد أن تفشت رائحة الموت والجثث المحترقة في أرجاء القلعة، على نحو لم يكن المرء فيه يعرف رأسه من قدميه. وهكذا نجا جدي. ربما أصيب بعاهة جسدية كما يحدث مع الناجين من الطاعون، وحدث ذلك عندما وجد الموت الأسود باسطا ذراعيه على كامل القارة الأوربية "

انتهت الحكاية يا إخوان ! هل رأيتم ؟! يمكنكم التنبؤ بما يخطر في فكري الآن من سؤال هو كالتالي : هل رُمي احد منكم مع الجثث المتعفنة بمنجنيق ؟! على اعتبار أن الحالة المزرية التي وصل إليها ذلك التتاري الهارب هي أقصى ما يمكن ان يصل إليه الإنسان في حال حدوث وباء خطير ومدمر على شاكلة الطاعون الأسود في أوربا. كل ما في الأمر أن أمراضا تفشت هنا وهناك مثل الكوليرا والحصبة والجدري والجذام وربما الايدز. إلا أن أيّاً منها لم ينته بعد إلى تلك النتيجة الكارثية التي وصل إليها الحال في القارة العجوز. ولا يسعني في هذه المناسبة الأليمة إلا أن أعدكم، بهذا الشارب وهذه اللحية التي ترونها، إذا ما وصل الأمر بنا إلى قذف الجثث المتعفنة بالمنجنيقات أو حتى بالمدافع، فأني سأتخذ إجراء حاسما في إنقاذ ما يمكن إنقاذه. مع ضرورة الانتباه إلى أن ما يحدث الآن هي أمور بديهية يمكن أن تحصل في أيّ مكان غير مدينتنا العزيزة، دون أن تتجاوز الحدّ المعقول. هل وصلت لكم الفكرة أيها الأحبة ؟

بالنسبة لظاهرة بيع الأطفال، يحدث دائما أن يبيع الأب أطفاله لا لشيء سوى ان يسد جوعه المقرف، أو لأنه يقف إزاء إطعام ذلك الطفل وتوفير أسباب المعيشة الكريمة، عاجزا مكتوف اليدين. وهي حالة ليست غريبة على المجتمعات الأخرى بمعنى إنها إذا كانت حالة شاذة يشهدها مجتمعنا في الوقت الحالي، فهي حالة متأصلة في أماكن أخرى. ونعلم جيدا أن الاتجار بالأطفال هو أمر خطير لا يجب السكوت عنه. إذا ما انتهت الحالة بنا إلى نشأة أسواق للنخاسة. ولو القينا نظرة فاحصة على سيرة الأمم السابقة لقلَّ لدينا حجم هذه المصيبة مقارنة بالحالات الأخرى. وسيعلم في حينها شعبنا الكريم أنَّ البصرة لم تكن في يوم من الأيام سوى دكان صغير قد يباع فيه طفل أو فتاة قاصرة، قياسا بمدن أخرى تكاد أن تكون عبارة عن بورصات كبيرة للاتجار بالأجساد والقدرات البشرية على اختلاف أحجامها، ومن ثم تسخيرها لغايات عبودية أو جنسية قذرة. كذلك الحال في أمور أخرى مثل البطالة والإرهاب والتصفيات العرقية وظاهرة السلب والنهب والسرقة والفقر والتشرد. كل هذه الظاهر مقيتة طبعا ولا يمكن الترحيب أو الاحتفاء بها على جثث القتلى. إلّا أننا في هذه الأثناء يجب أن نكون واقعيين وألّا نضع أنفسنا في خانة المظلومية دون التحلي بمزيد من المفهومية ونحن نراجع مصائب الأمم ممن لحقت بها تلك اللعنات. فالإرهاب مثلا منتشر في جميع أرجاء المعمورة، كذلك التصفيات العرقية، ولا أريد أن اضرب مثالا مذبحة الأرمن في تركيا ومحرقة اليهود في ألمانيا والمذابح الأخرى في راوندا ويوغسلافيا وفلسطين ولبنان والعراق قبل عشرات السنين. ولا يمكن الشك في إمكانية أن يكون هناك سلب ونهب في أماكن مثل أمريكا أثناء الفيضانات والأعاصير المدمرة، وفي باقي الدول التي تلقي بقيئها على شعوبنا وتدعي التحضر لشعوبها، فما أن يشب حريق أو يثور بركان أو يحدث زلزال حتى يهب السلابون والنهابون من كل حدب وصوب. حتى البطالة، هناك دولا متقدمة كانت بالأمس امبريالية ورأس مالية وها هي اليوم تتبنى الاشتراكية في مفاهيمها، لكن أسألوهم : أين هو الشغل ؟! وبدلا من التظاهر يا أحبتي والزعيق بالهتافات دون جدوى، وفي ذلك خدمة للأجنبي طبعا، تعالوا لنتكاتف سوية، ونؤشر مواطن الضعف وما هو سلبي، ثم نخطط لاقتلاعه من أرضنا الحبيبة. على سبيل المثال، وهو سؤال موجه إليكم : ترى ما الفائدة التي يمكن جنيها من وجود أصنام بلهاء تحدق في العدم، ما زالت تقف هناك في تقاطع الطرقات والساحات العامة ؟! وهل نحن بحاجة إليها بينما نحن نعيش في مكان يكره الأصنام ؟! مع العلم المسبق بأنها مأوى الشياطين وحرفة الدجالة والمنافقين ! لذا، ارتأيت يا إخواني أن أجعل من أشلاء تلك الأصنام حطبا لنار الدنيا قبل الآخرة، وابتداء من الغد.

........... فيا أحبتي،، يا أخواني وأخواتي الأعزاء. انظروا إلى مصائب غيركم، صدقوني يهن عليكم ما جرى في عروقكم مجرى السم في الدم. وأعدكم... سأنظر في... شششش.... وأسعى في خد... شششش ... ول قدر الأمـ... ششش ... الحد من معا ... ششش ... هنا لخدمتكم، منكم و ... ششش ... ششش .... ششششششششششش ! "

انقطع البثّ.

ثمة لغط دار بين المتجمهرين أمام الشاشة الكبيرة. شتائم وبصاق وتمتمة وقرقعة قصعات معدنية. قبل أن ينصرف الجميع كلا في وجهته حتى خلت ساحة أم البروم في العشار، إلا من بعض الجثث المنتشرة هنا وهناك. فضلا عن رجل يحمل مطرقة ويرتدي بدلة عمل، قفز من مكانه على إحدى القواعد الكونكريتية هناك. وضع مطرقته جانبا، وراح ينتشل الجثث من على الأرصفة ويحملها إلى عربة كبيرة.

" أزمة البصل "

" طق،، طق،، طق،، طق،، طـ،،،،، ! "

" من الطارق ؟ "

" أنا يا صديقي... " أجاب الطارق بصوت بدا مألوفا لمستر أولمبيا الذي راح يؤكد على معرفة هويته قبل أن يفتح له الباب. قال :

" ومن أنت ؟ "

" أنا عبد الواحد عزيز ! "

لم يصدق مستر اولمبيا ما قاله الطارق. راح يؤكد فيما إذا كان متأكدا من انه صديقه عبد الواحد عزيز وليس متسولا آخر أو رجلا فقد ماء وجهه. طلب منه إيضاحات بشأن أمور من المفترض انه يعرفها في حال انه عبد الواحد عزيز حقيقي وليس مزيفا. فأجابه الطارق بأنه يعرفه منذ أن كانا يلعبان الكرة في فريق واحد، ثم لعبا كرة السلة مرورا بكرة الطائرة والسباحة، قبل أن يجد هو نفسه رافعا للأثقال في الوقت الذي بدأ فيه نجم اولمبيا يلمع في سماء رياضة بناء الأجسام. وقال أن المرة الأخيرة التي رآه فيها كانت قبل دخوله السجن بعد إدانته بقتل زوجته في عام 1970.

إلى هذا الحدّ اكتفى مستر اولمبيا في استجواب الطارق، للتحقق من هويته، وذلك من خلال المعلومات التي قدمها وأثبتت لاولمبيا في النهاية أن الطارق هو نفسه عبد الواحد عزيز، البطل الاولمبي والشخصية الرياضية الأكثر شهرة في المدينة، إلى جانب نجوم الكرة هادي احمد وعلاء احمد وجليل حنون وعادل خضير. فتح له الباب. عانقه. قبله في رأسه وخديه. أدخله إلى البيت. طلب منه الجلوس ريثما يحضر له شيئا يشربه، قهوة أو قدحا من عصير الليمون أو على الأقل عبوة مياه معدنية. إلا أن عزيز رفض أن يتناول أيّاً من تلك المشروبات. وكان ما يزال في ثيابه التي كانت عليه عندما حصل على المركز الثالث في دورة الألعاب الاولمبية. متقلدا أوسمته التي حصل عليها في بطولات العرب وآسيا والعالم. إلا إن شيئا لم يكن على ما يرام في تلك الأوسمة، وهو ما لاحظه اولمبيا عندما لم يرَ بينها الوسام البرونزي الذي حصل عليه عزيز في دورة روما الاولمبية.

قال مستر اولمبيا متوددا :

" افتقدتك كثيرا يا صديقي. لم أرك منذ أعوام طويلة. لم أسمع أخبارك. يبدو انك بخير. حتى انك لم تهرم مثلي ! ترى ماذا فعلت يا صديقي، هل عثرت على عشبة الخلود أم انك شربت من ماء الحياة، أم أن هذا فعل المنشطات ؟ قل لي ولا تكذب، ماذا فعلت،،،،، ها !! "

" ماذا تقول يا صديقي اولمبيا ؟! " قال عبد الواحد عزيز وقد نهض من مكانه وراح يتفقد صور بناة الأجسام التي ملأ اولمبيا بها الجدران، وقد توقف كثيرا عند صوره المعلقة هناك، قال :

" أنا ميت يا صديقي منذ عام 1982، الم يخبرك احد ؟!!

" حقاً... " قال مستر اولمبيا مستغربا : " أرجو المعذرة يا صاحبي، يبدو أني نسيت انك متّ. لكن ما الذي جاء بك الآن ؟! "

لم يرد عبد الواحد عزيز. كان واقفا هناك وقد اجتذبته صوره التي راح يعلق عليها، بينما اولمبيا الواقف متخصّراً وراءه يستمع إليه بمتعة كبيرة :

" انظر إلى هذه الصورة كم هي قديمة. التقطت لي أثناء تتويجي ثانيا بعد الرباع هارتيون جنويان في بطولة العراق عام 1951 وكنت وقتها احد لاعبي نادي الأمير. وكانت تلك مشاركتي الأولى على ما أظن،،، هل تتذكر يا صديقي ؟ وهذه التي بجنبها، التي أبدو فيها ظاهرا على منصة التتويج أيضا في بيروت، أثناء الدورة العربية. ويبدو فيها وصيفي الرباع السوري محمد عكش محبطا وحزينا، ربما لأني فاجأته بتفوقي عليه في ذلك الحين. أما هذه ففي طهران، في بطولة آسيا تحديدا. هل تعرف يا أولمبيا بأني كنت الرباع الوحيد في آسيا والشرق الأوسط يعصف بحاجز الـ ( 300 ) كغم ضمن فئة الخفيف ؟! لكن، أين أنا من التقدير الذي من المفترض أن أناله يا صديقي ! لقد اعتقلوني في أزمة البصل، تصور ذلك ! وسجنت خمسة أشهر ذقت خلالها العذاب الأليم، لا لشيء سوى أني انتقدت عدم وجود بصل في الأسواق. عموما، أنا الآن مرتاح أكثر. هل ترى تلك الصورة. آه، كم أحبها. التقطت في وارشو ضمن بطولة العالم. هل ترى هذان العملاقان على المرقاة الأولى والثانية في منصة التتويج ؟ أنهما الرباعان السوفيتيان فكتور بوشوييف وأكوب فارادخيان، وقد جئت بعدهما ثالثا على العالم. وكان من الممكن أن أحقق أفضل نتيجة رياضية في رفع الأثقال لولا ثورة 14 تموز التي حالت الظروف أثناء قيامها دون مشاركتي في البطولة التالية التي امتازت بأرقامها التأهيلية الضعيفة. نعم يا صديقي. أنا ممتن لك. لم يفتك طبعا إلصاق صورتي وأنا أتوج ثالثا بنيلي الميدالية الأغلى أثناء منافسات الدورة الاولمبية في روما. وكنت سأنال الميدالية الفضية لولا الأربع مائة غرام من وزني الشخصي التي رجحت كفّة الرباع السنغافوري تان هو ليانغ الذي حلّ ثانيا. "

" يا خسارة...! " صاح مستر أولمبيا صافقا يديه بقوة.

" نعم يا صديقي، ألا أن الخسارة الأفدح برأيي هي عندما لا تجد من يتذكرك " قال عزيز بنبرة حزينة ظنّ أولمبيا أنه سيبكي في إثرها قبل أن يتلافى ذلك بقوله : " صحيح يا أولمبيا، سألتني لماذا جئت ؟ طبعا جئت لأراك يا صديقي الجميل "

" حسناً فعلت. لكن بودي أن أسألك، أين وسامك البرونزي الأغلى الذي حصلت عليه في دورة روما، لماذا لا أراه مع تلك الأوسمة على صدرك ؟! لا تقل أنك بعته، ستكون بذلك قد ارتكبت جريمة لا تغتفر ! "

" أبدا يا صديقي... " أجابه عزيز وثمة غيمة رمادية تقطر حزنا خيمت على وجهه أثناء ذلك،، قال : " لقد استولى عليه عدي صدام حسين ! "

" سحقا... " تعجب اولمبيا : " هذا حرام ! "

حاول بعدها مواساة رفيقه، قال له أن لديه المزيد من الصور في ألبومه، إلا أن عزيز اعتذر منه، وقد كشف عن نيته فالرحيل.

" هل ستغادر ؟ "

" على العودة الآن، إلى اللقاء يا عزيزي اولمبيا "

غادر عبد الواحد عزيز المنزل وهو حزين. بإمكان أولمبيا سماع فرقعة الميداليات على صدره بفعل ريح هوجاء هبت على حين غفلة. وما زال ينظر وراءه حتى تلاشى طيفه في الظلام والغبار مثل حلم.

"

" نكتل "

" انتباه... انتباه...

تمكن ذئب تابع لسيرك مونت كارلو من الفرار أثناء تقديم أحد العروض الشيقة والممتعة أمام حشد غفير من سكان المدينة في حي البراضعية، قرب مستشفى البصرة التعليمي. لذا، نهيب بالمواطنين الكرام أخذ الحيطة والحذر. يمكن أن يكون الحيوان خطرا، وحفاظا على سلامتكم وسلامة أولادنا الأعزاء، نرجو الانتباه لطفا. وفي حال رؤية أحد منكم الذئب، فليبتعد عنه، ويبلغ السلطات المختصة لاتخاذ ما يلزم، راجين التعاون...

أكرر. تمكن ذئب تابع لـ........ "

استفاق مستر أولمبيا من حلمه فَزِعاً، على صوت ذلك المذيع في الراديو، وهو يذيع خبر فرار الذئب كما يذيع أحدهم نبأ هجوم كاسح بالصواريخ على المدينة. لبرهة،، صدّق مستر أولمبيا أن هناك ذئبا هاربا. وكما يفعل الأولاد الصغار عند سماعهم حكاية ليلى والذئب، غطى وجهه بالبطانية، ثم عاد ليزيحها بعد لحظات شعر خلالها بالخجل من تصرفه الطفولي هذا. غادر غرفة النوم إلى المطبخ. أخرج علبة سردين، أكل منها قليلا ثم تركها على المغسلة المعدنية هناك. غسل يديه وخرج إلى الهول، جلس على الكنبة، تساءل عما تفعله الذئاب التائهة في المدن، وماذا سيحصل إذا ما شعر أحدهم بالجوع. تصور نفسه قابعا تحت رحمة أنياب ذئب مفترس في إحدى الغابات النائية. فجأة،، سمع اولمبيا صوتا يأتي من خلل النافذة المكسورة بدّد تلك الصورة التي أوشك فيها الذئب على التهامه.

لم يكن صوت عواء. إنما كان صوتاً أقرب إلى البكاء منه إلى المناغاة، وإذا ما أراد أولمبيا أن يكون دقيقا على نحو يتيح له معرفة ما إذا كان ذلك الصوت بكاء أو مناغاة صادرة من طفل مثلاً، فعليه أن يستطلع المكان في الحديقة الخارجية، علّه يعثر مصدر الصوت الغريب،الذي تحول إلى صراخ مؤخرا.

لكنه سرعان ما اختفى – ذلك الصوت – ما أن فتح أولمبيا الباب، فساد الهدوء في المكان، ولم يعد هناك سوى صوت الريح وحركة غريبة تحدث في مكان ما في الجوار، دون أن تكون مرئية بالنسبة لاولمبيا الذي راوده الخوف والشك في آنٍ معا. وقد عادت إلى مخيلته الصورة القديمة التي يبدو فيها الذئب هذه المرة مستعدا لافتراسه أكثر من أيّ وقت مضى.

" حماقة... "

تكلم أولمبيا بصوت يمكن لمن يقف قريبا من شجرة البمبر على يمينه سماعه بوضوح، وهو يشتم المذيع الذي أذاع خبر فرار الذئب. يشتمه ثم يُلحق أمه بالكلمات النابية التي كانت تخرج من فمه مع بخار الحلق. وكان على وشك أن يدخل البيت، تاركا وساوسه هناك، عندما سمع صوتا ناعما وفيه شكوى ينبعث من مكان ما في الحديقة :

" مرحبا سيد أولمبيا ! "

التفت أولمبيا وراءه بسرعة. أحسّ أن كل شعرة في رأسه وصدره وذراعيه وساقيه مرورا بعانته ووصولا إلى مفرقه تريد أن تستل نفسها من المسامات اثر القشعريرة التي سرت في أوصال جسده بالكامل.

قال وقد أربكت تلك التحية جميع حواسه :

" من هناك ؟! "

" هذا أنا يا سيد اولمبيا "

" ومن أنت... " قال اولمبيا وهو يدور حول نفسه في مسعى لتحديد مصدر الصوت : " ماذا تريد مني أيها الذئب الهارب ؟ إذا لم تغادر حديقتي الآن أبلغ عنك الشرطة، فهمت. هكذا قالوا في المذياع. سأبلغ عنك الشرطة أو ترحل من هنا فورا، فليس عندي ما يؤكل ! "

" ومن قال لك أني ذئب ؟! "

" إذن.. من أنت ؟! " تساءل أولمبيا بغضب ممزوج بالخوف، وكان ما يزال يرتعش هناك ويلفّ حول نفسه : " ومن أين تتكلم يا هذا ؟ لماذا لا تريني وجهك إن لم تكن ذئبا،،، ها ؟! "

" أنا هنا... " جاء الصوت من ناحية شجرة البمبر : " ألا تراني يا سيد أولمبيا. أنا هنا. كان من المفترض أن يدفنني عامل البلدية في مكان ناءٍ. لكنه نسيني معلقا هنا على هذه الشجرة المعمّرة. يمكنك أن تراني. فقط استدر وانظر جيدا إلى شجرة البمبر وستراني هناك "

استدار اولمبيا ببطء، ليرى هناك كيس نفايات اسود ما زال معلقا منذ أن نسيه عامل البلدية ظهرا، وثمة شيء يتحرك في داخله.

قال اولمبيا :

" هذا أنت حقا، ظننتك ذئبا ! "

" لا.. لستُ ذئبا... " قال الشيء الذي في داخل الكيس الأسود المعلق : " لكن.. لماذا لا تبدو منذهلا وأنت تكلم طفلا ميتا ؟! "

" لا أعرف... " أجاب مستر أولمبيا : " ربما لأنني اعتدت على محاورة الموتى. فقبلك ادعى لحاء الشجرة أنه ميت، واتضح لي فيما بعد انه لصّ. ومن ثمّ الحكّاء المجنون. ولا أعرف فيما إذا كان ثمة آخر في الطريق إليّ. لكنني في هذا الوقت بالذات لا أشك في أنك ميّت فعلا ! "

" نعم... " قال الطفل الناطق في الكيس : " أقدر لك ذلك. لكن أود أن أسألك شيئا. سمعتك تسبّ أحدا ما قبل قليل. ولا أعرف فيما إذا كنت أنا المعني بفشارك ! "

" لا... " قال مستر أولمبيا : " ولماذا عليّ أن أسبّك، خصوصا أنك ميّت ؟! "

" لا أعرف يا سيد أولمبيا. خيّل لي أنك تشتمني... " قال الطفل الذي في داخل الكيس، وقد تحرك قليلا : " سمعتك تقول نغل.. وابن قحبة، فظننت أنك تقصدني ! "

" أبداً،، أنا لم أقصدك طبعا.. " قال أولمبيا : " ولم أقل كل الذي قلته إلا نكاية بالمذيع الأخرق الذي أرهب الناس بكذبة فرار الذئب من السيرك. وقبلها قال أن ظربانا أطلقه الأمريكان، فراح ينهش رقاب الناس بمخالبٍ طويلة وباشطة كالمدى، ويملأ بفسائه الكريه باحات المنازل الآمنة. وفي الأخيرة قال أن " قرطة " تسرق الأطفال حديثي الولادة. وقرود مصابة بالايدز في أحراش أبي الخصيب. فضلا عن دعايات الشاي الذي يحتوي على نخالة الحديد والسجائر المسرطن والتماسيح المفترسة في الأنهر الضحلة. لكن هذا لا يعني يا صديقي انك لست نغلا وأمك ليست قحبة. وإلا لماذا برأيك خنقتك وألقت بك في حاوية القمامة ؟! لعلك تستطيع أن تخبري يا هذا. صحيح.. لم تقل لي، هل أنت ذكر أم أنثى ؟ بوسعك أن تختار لك اسما. والأفضل أن تفعل ذلك الآن، حتى يكون بمقدوري مناداتك بسهولة ! "

" ماذا تقول يا مستر اولمبيا ؟! " قال الشيء في داخل الكيس وقد اضطرب وراح يرفس برجليه حتى كاد أن يمزق الكيس. كان غاضبا.

" أنا من بيت ورع وتقوى يا سيد اولمبيا. ولا يمكنك أن تنعتني بالنغل، أو حتى تذكر أمي بسوء وعلى أساس أنها قحبة. وأودّ أن أفهمك مسألة مهمة، وهي أن ليس كل من خُنق ولُفّ في خرقة ثم رمي مع القمامة نغلا.. هذا حرام يا شيخ ! أما عن اسمي، فيمكنك مناداتي بنكتل أو هكذا سمتني أمي ظناً منها أن الفعل المضارع " نكتل " اسما عائدا لأحد أبناء يعقوب في سورة يُوسف "

" أهااااا... " صاح أولمبيا، ثم قال : " وأين الورع والتقوى من المكان الذي وجدك فيه عامل البلدية ؟ ! "

لم يجب الطفل الذي يقول ان اسمه نكتل إلا بعد مرور دقيقة. صاح بصوت حنين كسر قلب أولمبيا وأثار الشفقة في نفسه :

" ربما.. ليس من الأنصاف يا سيد أولمبيا، وأنت في هذا العمر، أن تحكم على شخصٍ ما قبل أن تسمع قصته. هذا حرام ! "

" حقا... ؟ " قال مستر أولمبيا : " وما هي قصتك يا من تقول أنك لست نغلا، وأن أمك سمتك نكتلاً ؟! "

" قصتي... ؟ " قال نكتل متأوها، ثم صار يبكي وهو يقول : " قصتي عجيبة يا مستر أولمبيا، هل لديك خلق لسماعها ؟ "

" نعم... ربما... لكن الأفضل لك أن تختصر، وهذا هو رجائي، لأنني اكتفيت بما سمعته اليوم من حكايات، كما أني تعبت من الوقوف ها هنا. وأنا رجل مسنّ كما ترى، ولا يحتمل عظمي المزيد من البرد، وأظنك فهمتني "

" لك ذلك يا مستر أولمبيا. لن أطيل عليك " قال نكتل وراح يسرد على أولمبيا قصته.

قال :

" كنتُ ما أزال في يومي الأول عندما غرزت زوجة أبي الأولى في يافوخي إبرة خياطة طويلة. فعلت ذلك حسدا، مع أنها هي التي أصرت على أبي لكي يتزوج من امرأة ثانية علّها تلد له ذكرا، فوقع الاختيار على أمي. إذ ما زالت الزوجة الأولى تلد الإناث واحدة تلو أخرى حتى صار تعداد أخواتي من أبي وتلك المرأة نحو أحد عشر أختا. وحدث أن دخلت أمهنّ سن اليأس بعد الولادة الأخيرة. وتلاشت أمنية أن تُكلل الولادة الثانية عشرة بطفل ذكر يحمل اسم العائلة ويكون عونا لأبي في المستقبل. وهكذا، تزوج أبي من أمي برضا الزوجة الأولى ومباركتها. حتى أنها اختارت لضرّتها جهاز العرس وخضّبت يداها بالحناء في ليلة الزفاف. وفي النهاية ماذا فعلت ؟ ما أن علمت أن الجنين الذي في بطن تلك الضرة ذكرا حتى كادت أن تجن أو تفعل بنفسها شيئا. كأن تبتلع سمّاً أو تلقي بنفسها من علوٍ. لكنها اكتفت بأن أعدّت العدة لتثكل أمي بي. فراحت تنتظر يوم ولادتي بفارغ الصبر، وعندما جاء ذلك اليوم فعلت فعلتها بغرزها تلك الإبرة في يافوخي في ليلة ظلماء، وعندما تأكدت من موتي اختطفتني من مهدي وألقتني في حاوية القمامة. كانت متأكدة أن كلباً من كلاب الشارع السائبة سيلتهمني ما أن يشم رائحتي، لكن لحسن الحظ أن فضلات وليمة احد الأعراس في تلك الليلة ملأت أماكن القمامة، الأمر الذي ألهى تلك الكلاب عني حتى عثر عليَّ عامل البلدية في ذلك اليوم.

" عجيب أمرك يا صديقي... " قال مستر أولمبيا متألما ومواسيا الطفل في الكيس المعلق على الشجرة : " أرجو أن تعذرني، أسأت الظن بك، لم أكن أعرف أنك ضحية تلك المرأة الحقودة. فليكن الله في عون أمك المسكينة، لا أستطيع أن أتخيل ما هي عليه الآن من جزع "

قال أولمبيا ذلك، وقد تغير صوته بسبب ضغطه على أنفه بسبّابته وإبهامه. قال :

" هل تشمّ ما أشم أنا.. أففففف،، رائحة كريهة ! "

" أنا لا أشم... " أجابه نكتل قائلا : " لكن بوسعي التأكد من أنها رائحتي ! "

" ماذا تقول... " صاح أولمبيا : " هل تعني أنك... "

قاطعه الطفل :

" نعم يا مستر أولمبيا.. أنا أتفسخ ! "

" يا للطفل المسكين... " قال أولمبيا ثم سأل فيما إذا كان بمقدوره أن يخدمه بشيء.

" أنا أقول لك... " أجاب الطفل : " لعلّ أفضل ما يمكن أن يجود به كرمك الآن، هو دفني "

تناول مستر أولمبيا معول سفري صغير وراح يحفر في وسط الحديقة، في ضوء فانوس جاء به من الداخل، وبينما هو منهمك بهذا العمل، سمع الطفل المعلق على الشجرة يقول:

" أرجوك يا سيد أولمبيا، أن تجعل الحفرة عميقة بما فيه الكفاية، فباب حديقتك مخلوع، ولا أستبعد أن تتسلل الكلاب إليها لتنبش قبري. أعطيك مثالاً سيئاً في عملية الدفن وهو عامل البلدية الذي وجدني. لم يكن هذا الرجل يعتني بدفن الأطفال غير الشرعيين. يحفر حفرة فحسب. حفرة بعمق أصبعين أو ثلاثة. حتى أن جميع من دفنهم أكلتهم الكلاب بعد ساعة من دفنهم. فأرجو أن تكون حريصا بهذا الخصوص يا سيد أولمبيا، أرجوك. لأنني لا أريد لتلك الكلاب أن تأكلني "

يبدو أنَّ مستر اولمبيا لم يسمع ما قاله الطفل جيدا. أو أنه سمع بذلك وتظاهر أن شيئا مما قاله لم يتناه إلى سمعه. ربما ليتلافى بذلك المزيد من الجهد المضني الذي سيبذله في تعميق الحفرة. خصوصا أنه شعر بالتعب، وبان الضعف على جسده وهو يحمل الكيس الأسود ويودعه في تلك الحفرة، ثم يهيل التراب عليه. وكاد أن يُغمى عليه في النهاية، لولا أنه دخل إلى البيت واستلقى على سريره في غرفة النوم. أحسَّ بنبض قلبه يتزايد وأنفاسه تضيق شيئا فشيئا. اخرج من تحت وسادته جهازه النقال، اظهر احد الأرقام القليلة جدا المحفوظة فيه. اتصل بأحد أصدقائه القدامى قائلا بصوت شابته شحطة في بلعومه وكحة متقطعة :

" إلحقني يا دكتور، أنا متعب جدا ! "

" المراجع الأخير "

" ترى ماذا حصل لصديقي العجوز اولمبيا ؟ "

تساءل دكتور سركيس، طبيب الأمراض العقلية والنفسية عما إذا كانت صحة مستر اولمبيا متردية إلى الحدّ الذي دلّت عليه نبرة صوته وهو يستنجد به على الهاتف النقال. وتربط دكتور سركيس باولمبيا صداقة قديمة منذ أن كان الأول يعمل معالجا في نادي الاتحاد الرياضي. قبل أن يكمل دراسته في الخارج، ويختار قسم الأمراض العقلية والنفسية كاختصاص ثابت له. وما زال يمارس مهنة الطبّ في هذا المجال منذ أكثر من ثلاثة عقود، وكان قد تفرغ لها تماما بعد إحالته على التقاعد قبل سنوات. وكان مستر أولمبيا يزوره في عيادته أو يرسل في طلبه كما فعل في المرة الأخيرة، كلما توعكت صحته. عندئذ، لا يجد دكتور سركيس بدّا من معالجته، رغم أنه قليل الخبرة في مجال الأمراض الصدرية والباطنية وغيرها. إلا إن اولمبيا في النهاية لم يكن يشكو ألا من حالات مزمنة كاضطرابات المعدة والقولون وحرقة البواسير والمريء أحيانا. ولم تكن تلك سوى حالات شائعة يعرف أغلب الأطباء من ذوي الاختصاصات الأخرى أعراضها وعلاجاتها.

كان لا يزال هناك مراجع أخير ينتظر في الخارج. وبالتالي فإن دكتور سركيس لن يغادر العيادة قبل أن يفحصه. ضغط زرّ التنبيه على يمينه إشارة إلى السماح بدخول المراجع. وكان قد نزع صدريته البيضاء وعلقها على الشماعة في إحدى زوايا الغرفة، ثم غسل يديه في المغسلة البلاستيكية هناك، على أمل المغادرة ما أن ينتهي من فحص المراجع الأخير. والى أن فعل ذلك كان السكرتير قد استأذنه بالدخول، فدخل ليخبره أن باستطاعته صرف المراجع الأخير حتى يتسنى له المغادرة إلى بيته، خصوصا أن الوقت متأخر. ولما سأله الطبيب عن السبب، قال السكرتير أن ذلك المراجع يبدو غريب الأطوار وذا هيئة تثير الريبة في نفس المرء. عندئذ، ضحك دكتور سركيس وقال أنه من قبيل الشذوذ أن يرتاد الأصحّاء عيادة الأمراض العقلية والنفسية. ثم عاب على سكرتيره ثقل تفكيره ٍوناوله أجرته اليومية، فغادر هذا على الفور بعد أن تلقى إيعاز الدكتور سركيس بإدخال المراجع.

طُرق باب الغرفة مرتين. فصاح الطبيب : " تفضل... " ففُتح الباب ببطء ليطلّ منه المراجع الأخير برأسه مطلقا صوتا أشبه بالعواء.

" تفضل رجاء... " قال دكتور سركيس، فدخل المراجع وأغلق وراءه الباب، ثم عاد ليفتحه ثانية ليلقي نظرة على صالة الانتظار، كأنه أراد بذلك التحري عما إذا كان ثمة شخص غيره هناك. ولما تأكد من خلوّ الصالة عاد ليغلق الباب برفق. ثم جلس على كرسي قبالة الطبيب الذي بدأ يلقي عليه أسئلته الشائعة : اسمك، عمرك، عملك. إلا أن أيا من تلك الأسئلة لم يجب عليها المراجع. على الأقل في الدقائق الخمس الأولى. لكنه أدرك فيما بعد أن لا مجال لتفويت هذه الفقرة، خصوصا أن الطبيب صار يلحّ عليه لكي يدلي بتلك المعلومات. عندئذ،، قال :

" يمكنك أن تدعوني بما شئت أيها الطبيب. لكن إذا كان ولا بدّ من وجود اسم، فليكن ذلك على سبيل الاستعارة، لأنني أكره أن أُسمى باسم، ولست معنيا بالأسماء بقدر اعتنائي بالقضاء على الجدات العجائز، وأكل الخراف السمينة، وهذه مشكلتي منذ أن خُلقت. أكره الجدات النتنات وتحدوني رغبة وحشية في قتلهنَّ والانتقام من كل امرأة تُدعى ليلى. هكذا هو الأمر بالنسبة لي، وأتمنى أيها الطبيب ألّا تكون زوجك ممن يروينَ تك الحكاية الساذجة الموسومة بليلى والذئب. لأنها لو كانت كذلك، فستعرض نفسها إلى خطر الافتراس. اعني أنها ستُفترس في حال إنها استمرت برواية تلك الحكاية السخيفة لأحفادها.. هل فهمت أيها الطبيب ؟ "

" نعم فهمت... " قال الطبيب سركيس، وقد بدا حريصا على عدم تفويت جمله مما قاله المراجع دون أن يكتبها في مفكرته. سأله :

" أنا أفهمك جيدا يا سيد. أنت تشبه مراجع جاءني قبل أشهر لديه مشكله مع قصار القامة، ويكره الجدات اللاتي يروين حكاية حكيم الأقزام. وكان اللعاب يهطل من فمه كما يهطل من الغيلان البشعة في تلك الحكاية. تحدث أحيانا مثل تلك الأمور. لذا أنا أفهمك جيدا يا صاحبي!"

" شكرا أيها الطبيب... " قال المراجع وهو يسرح على لحيته الكثة : " قلما يفهم أحدنا الآخر هذه الأيام. لكن لم تقل لي، هل ما زالت زوجك تروي لأحفادها حكاية ليلى والذئب ؟ "

" أبدا... " ردّ الطبيب : " زوجتي توفيت منذ فترة طويلة "

" نعم، فهمت... " قال المراجع، ورفع كم قميصه ليكشف عن جرح في ذراعه اليسرى. قال :

" هلّا ضمّدت جرحي رجاء ؟ "

لم يجفل دكتور سركيس مما رآه في تلك اللحظة. خطر في باله أن أكثر المجانين يعمدون إلى إيذاء أنفسهم على النحو الذي ظهر به ذلك المراجع. قال :

" مع أنني لست مختصا بذلك النوع من الإصابات، لكن لا بأس بإسعافك. لحظة من فضلك "

أخرج الطبيب من إحدى جرارات مكتبه لفافة شاش وعبوة معقم بلون أحمر. نهض من كرسيه، عقم الجرح ووضع عليه لزقه ثم شدّه بشريط شاش مشبك. قال :

" لا بأس، جرحك ليس بليغا. لكن قل لي هل تؤذي نفسك دائما ؟! "

" أنا لا أؤذي نفسي يا دكتور... " قال المراجع بلهجة غاضبة مكشرا عن أسنانه : " يبدو انك بدأت تحيد عن فهمك إياي، وهذا ما لا يمكن أن أطيقه أيها الطبيب ! "

" عفوا... " قال الطبيب، وقد أحسّ بخطورة أن يكون حواره مع ذلك المراجع على النحو الذي يجعله على تلك الشاكلة، غاضبا ومكشرا عن أسنانه كذئب دار في خلده أن يفترسه : " إذن،، ما الذي حدث لذراعك يا صاحبي ؟ "

" وأنا في طريقي... إلى حيث لا أعلم ، إذا ما زالت تائها في هذه المدينة... " قال المراجع، حكّ رأسه في محاولة فاشلة لاستذكار اسم المدينة التي هو فيها، ثم عقّب قائلا :

" مررت عرضاً بسوق القصابة. لم أستطع مقاومة رائحة الخراف المسلوخة والمعلقة من كراعينها في الكلابات الحديدية، خلف زجاج الجزارات. بدت مغرية وهي تدعوني إليها. كنت جائعا وقتها، ولا أزال، ولم يكن أمامي سوى أن ألعق شفتيّ وأنقض على أحد تلك الخراف المسلوخة. إلا أن معشر القصابين الملعونين لم يتركوا لي فرصة أن أستولي على ذلك الخروف. ولم أكن في حينها أطمع بأكثر من فخذ خروف ذُبح للتوّ كي أسد به فراغ معدتي الخاوية. أحاطوني من كل جانب، وهجموا عليَّ بالسواطير والسكاكين والفؤوس القاطعة. كادوا أن يقتلوني ويقطعوني إلى أوصال كما يفعل أحدهم بخروف بائس. لكنني هربت بجلدي. نعم يا دكتور. تركت خروفي وهربت. وبينما كنتُ أحاول الإفلات من قبضتهم طالني فأس أحد القصابين، ليترك على ذراعي هذا الجرح الذي تراه الآن. هل ترى أيها الطبيب ماذا فعلوا بي أولئك القصابون ؟! "

" أفٍّ منهم... " قال الطبيب، ولمّح الى أنه سيغادر العيادة : " سأكتب لك علاجا مهدئا.. اتفقنا؟"

" لا.. لم نتفق... " قال المراجع، ولم يخفِ هذه المرة نيّته في الانقضاض على الطبيب الذي أرجع كرسيه إلى الوراء، وقد اعترته رعشة الخوف : " هل تظنني مجنونا أيها الطبيب ؟ وتقول أنك فهمتني ! ما هذا الهراء الذي تقوله ! سحقا لك ولمهدئاتك اللعينة ! "

..........

..............

.................... " عووووووووووووو !! "

" بـحيرة الحوريات الطائرة "

استفاق مستر أولمبيا من نومه في حدود الساعة الحادية عشرة ليلا. أحس بعظامه ثم سمعها وهي تطقطق أثناء ما كان يحاول النهوض من على السرير. ثمة بقية من صداع المساء ما زال ينشط في رأسه. بالكاد شعر بقدميه وهما تلامسان الأرض، إذ ما زالتا تنمّلان من شدة ما اعتراهما الخدر. لبث أولمبيا جالسا على السرير داعكا عينيه حتى تلاشى الخدر من قدميه، فقام عليهما وخرج من الغرفة، ولم يزل منهكا منذ أن انتهى من حفر الحفرة في الحديقة. أخيرا وصل إلى المطبخ بداعي غريزة الأكل. ما زالت علبة السردين المفتوحة على المغسلة المعدنية هناك. لكنها فارغة. أكلتها القطة. فتح اولمبيا الثلاجة. كان ما يزال ممسكا ظهره حينما وقف هناك ينظر إلى داخل الثلاجة. اخرج منها بطاطا كان قد سلقها بالأمس. وضعها على الطاولة البلاستيكية. قشرها بأظافره. راح يأكل بشراهة غير معهودة. كان جائعا جدا. ولم يكد ينتهي من أكل الحبة الأخيرة حتى سمع صوت قطة تحك بأظافرها لحاء الشجرة في الخارج، ثم الباب الخشبي.

خرج اولمبيا من المطبخ. اقترب من الباب بخطوات فيها حذر. وضع أذنه عليه. لكنه لم يسمع سوى الريح الشمالية الباردة وهي تصفر في الخارج، في الوقت الذي لم يعد لصوت احتكاك الأظافر القططية من اثر هناك. عاد إلى المطبخ وهو يلعن القطط. كان سيكمل ما تبقى من البطاطا ويشرب قدحا من الماء. لكنه اكتفى بالماء وسحب نفسه إلى البهو. جلس على الكنبة وراح يفكر فيما إذا كان بمقدوره القيام بشيء ما، بدلا من مصارعته الأرق في حال انه عاد إلى الفراش. لكن ماذا عساه أن يفعل في هذه الساعة المتأخرة من الليل، ويبدو أنها متأخرة على الأقل بالنسبة إليه. تذكر انه اتصل بصديقه الطبيب سركيس. لكنه لم يأتِ. مما أثار القلق في نفسه. إذ لم يسبق أن تخلف دكتور سركيس عن الحضور في كل مرة يرسل في طلبه ما إن يشعر أنَّ صحته ليست على ما يرام.

أثناء ذلك، سمع اولمبيا الصوت نفسه، حكّ الأظافر على الباب وخشخشة الأوراق تحت أقدام راحت تقطع المسافة بين باب السور الحديدي المخلوع والباب الخشبي بخطوات بطيئة. نهض من على الكنبة واتجه مسرعا إلى الباب. وقف هناك صائحا :

" من هناك ؟ "

إلا أن أحداً ما وراء الباب لم يرد. تحلى اولمبيا بمزيد من الشجاعة لكي يفتح الباب، علّه يكشف السرّ وراء الخشخشة المزعجة وحكّ الأظافر، مع أنه كان متأكدا أنها قطّة، هي من تسببت بكل تلك الفوضى.

" قطّة لعينة ووقحة ! "

تبادر إلى ذهنه أن يطلب من خليل موتو في المرة القادمة أن يمسك بتلك القطة ويضعها في كيس كبير ويرميها في أحد الأنهر القريبة. ورغم ذلك، وقبل أن يفتح أولمبيا الباب، صاح مجددا :

" من في الباب ؟ "

فجأة، جاء الصوت من هناك، خشنا وضائعا، كما لو أنه آتٍ من مغارة سحيقة :

" أنا.. أنا دكتور سركيس، أفتح الباب يا صديقي ! "

شعر اولمبيا بالطمأنينة، رغم أن ليس ثمة حاجة لمن يخبره بأن هذا الصوت لم يكن هو صوت صديقه دكتور سركيس. لكنه فتح الباب في النهاية. فعل ذلك بمجرد سماعه احدهم ينطق باسم شخص يعرفه. أما النبرة، فيمكن أن يكون هناك سببا وراء تغير صوته على النحو الذي يبدو فيه مصاباً بعاهة في حلقه، أو ربما هو مريض بالأنفلونزا. وما أن فتح نعيم أولمبيا الباب، حتى اقتحمه رجل يرتدي الأسمال وأزاحه جانبا.

أغلق مستر أولمبيا الباب، والتفت إلى الرجل ذي الأسمال، والذي يبدو من هيئته كمن بُعث لتوّه من أحد القبور المندرسة تحت أسفلت ساحة أم البروم. بلحية طويلة تصل إلى عظمة القصّ، ووجه متشقق، كأنما بُضّع بالمواسي.

" من أنت ؟ " قال أولمبيا، وقد ارتعشت قدماه وكاد أن يقع أرضا : " أنت لصّ ؟! "

" لا... " أجاب الرجل ذو الأسمال.

" إذن.. من أنت، وماذا تريد ؟ "

" أنا ؟.. " الرجل ذو الأسمال قائلاً : " أنا ذئب ! "

ظل مستر أولمبيا ينظر إلى الرجل الغريب الذي دهم بيته على حين فجأة، وراح يدور حوله، تفحص وجهه كما يتفحص احدهم أنتيكة قديمة داهمه الشكّ بشأن أصالتها. وقد لفت انتباهه الجرح في ذراعه. كان مضمدا بشكل سيء، ما دام أن الدم لا زال يتدفق منه ويقطر على الأرض.

قال :

" أيها الكاذب. لم تأبه حينما اقتحمت عليَّ منزلي، والآن تدّعي أنك ذئب، ما هذه الدعابة يا هذا.... ! هل أعرفك ؟ "

" عوووووو ! " صاح الرجل الذي يدعي انه ذئب، بوجه مستر اولمبيا الذي نزّ من مكانه، وتقهقر إلى الوراء خطوتين. كانت يده ما تزال على موضوعة قلبه حينما قال :

" أنت بهذا الشكل، يا سيد ذئب لن تكون مخيفاً أبداً. كما أن من قبيل الغباء لو ظننت أن لعبك معي في هذا الوقت المتأخر طرفة. ولأنني رجل محترم، سأطلب منك أن تخرج من بيتي، ملتمساً ذلك منك باحترام ! "

قال مستر اولمبيا ذلك، بينما كان الرجل الذئب يسرح على لحيته، يغور بأنامله فيها، ويشمها. ثم راح يدنو من أولمبيا ويشزره بعينين ذئبيتين، لكنه ابتسم أخيراً، وقال :

" أنا آسف أيها العجوز، وأرجو المعذرة إن ظهرت لك كما لو كنت كاذباً بشأن كوني ذئباً. أعرف أنك لا تصدقني. ولن يكون الأمر بالسوء الذي تتصوره، فيما إذا استمعت إليّ، وأنا أحكي لك قصتي. فعلى ما يبدو أن النوم جافاك منذ أن استيقظت. فهل تريد أن تسمع حكايتي أم ماذا أيها العجوز ! "

أحس اولمبيا أنه ربما سيُفترس في النهاية، إن لم يصغِ للرجل الذي يعدّ نفسه ذئباً. مع أن لا شيء يدعوه لتخيل المزيد من الصور التي يبدو فيها كفريسة تحت رحمة ذئب مفترس. فالرجل يبدو منهكا، ولا يبدو شاعرا بالجوع أيضاً، إذ ما زال يحاول اقتلاع ما علق في أضراسه من لحم آخر فريسة له. فضلا عن ذلك هناك الجرح في يده اليسرى. فكيف يكون في نيته عضّه حتى الموت، بينما هو بتلك الحال المزرية، خائر القوى ويبدو مطارداً. لكنه، وتلافيا لوقوعه في المشاكل، قرر أن يستمع له. عندئذ، جلس الاثنان على الكنبة، أحدهما إلى جانب الآخر.

قال الرجل الذي يدّعي أنه ذئب :

" آه.. أيها العجوز الطيب. عن ماذا تريدني أن أحدثك ؟ ومن أين أبدأ ؟ من اللحظة التي صرت فيها ملكاً على إحدى الممالك البعيدة عن بلدكم هذا ؟ أم من تلك الليلة التي شعرت خلالها أني مريض، قبل أن أكتشف بعد أيام أن ما كنتُ أشعر به كان عشقاً أكثر منه مرضاً، ألمّ بي فجأة، ما إن رأيت معشوقتي الجميلة وهي ترعى عنزاتها في احد السهول المتاخمة لمملكتي السعيدة.

نعم يا صديقي كنت ملكا، وكان لدي ملاكا حارسا، هي إحدى الساحرات التي عُينت من قبل المرحوم أبي، لكي تحرسني من الجنيات المتنكرات الحسناوات، ذوات الأعين المهيبة الجميلة الثاقبة، والنظرات القاتلة، اللاتي زُرعن في أرجاء المملكة، زرعهن أعداؤنا، لكي يغتلنني بنظرة سامة من أعينهنّ الساحرة. وشاءت الأقدار أن تكون حبيبتي إحدى تلك الجنيات الحاسدات، والجاسوسات الفاتنات. وكان بمقدورها ان تفنيني بنظرة حسد واحدة، ترميها علي كالشرر، فتحرقني بلهبها القاتل. إلّا إنَ ما حصل وقتها، أنْ ردّت حبيبتي عني نظرتها الحارقة الخارقة تلك، لتحل بدلا عنها نظرة الحب الأولى، التي انطلقت من عينيها كالفراشات، لتحط على كتفيّ، حتى أحسّ كلينا برغبة جرفتنا إلى أن نذوب في عناق طويل.

ولكي ننأى بأنفسنا عن خطر ملاكي الحارس تزوجنا سرا، وعشنا شهر عسلنا في احد الأكواخ النائية المطلة على بحيرة تسمى بحيرة الحوريات الطائرة. فجأة، بوغتنا من قبل ملاكي الحارس التي اقتحمت علينا عشنا الذهبي في ليلة غاب عنها القمر، وانتشر فيها الضباب على نحو كثيف. أما الذي حدث بعد ذلك يا عزيزي العجوز، فأمر عظيم وخطب جسيم. فبهزة واحدة من عصا ملاكي الحارس، انتثرت عليّ نجوم صغيرة، ونثار يشبه النمنم الملون الذي تزين النسوة به وجوههنَّ في ليلة العرس.

" كنّ ذئبا أيها الملك ! "

فصرت ذئبا. وكانت تلك هي عقوبتي.

" أما أنت يا حلوة.... "

ظلت الساحرة تلبط بشفتها السفلى، وهي تفكر بما يمكن أن تكون عليه صغيرتي الجميلة، زوجتي الحبيبة، حتى قالت :

" عنزة... نعم، كوني عنزة ! "

فصارت زوجتي الحبيبة عنزة.

عنزة بيضاء حلوة وصغيرة. ما زلت أطاردها في البطائح والوديان، حتى وقعت أخيراً بين فكيّ المفترسين. فأكلتها. نعم يا عزيزي العجوز المحترم. لا تستغرب. أكلتها، ولم تجد دموعها نفعا في منعي من التهامها.لا تلمني يا سيدي الفاضل، لم يكن لدي حل سوى أن افترس حلوتي المسكينة. ماذا افعل. لقد كنت جائعا، منذ أن حولتني تلك الساحرة إلى ذئب وأنا لم آكل شيئا. فما ظنك بذئب جائع وقعت في حضنه عنزة.. عنزة حلوة وصغيرة. أيقبّلها، أم ماذا يفعل ؟!

هذه هي قصتي ببساطة، وكما حدثت بالضبط ! "

في تلك الأثناء بدا مستر أولمبيا مبهورا بالحكاية. كاد أن يقر بذئبية الرجل، متسائلا عن كيفية انتهائه إلى حيوان سيرك.

" حسنٌ.. " أجاب الرجل الذئب، وقد أبدى جاهزيته لرواية المزيد من أجزاء تلك الحكاية الغريبة.

قال :

" منذ ذلك اليوم الذي صرت فيه ذئباً مفترسا، وأكلت حبيبتي العنزة، وأنا هائم على وجهي في البراري والصحارى والوديان. حتى جاء اليوم الذي اصطادني فيه أحد الصيادين المهرة في الغابات الكثيفة غير أني لم ألبث عنده وقتا طويلا حتى باعني إلى أحد الأثرياء قبل أن يهبني هذا إلى مالك سيرك مونت كارلو، بعد أن رأى أن ثمة ما يجعلني أبدو ككلب يجيد ركل الكرة، والمشي على رجليه دون الاستعانة بيديه، والتذلل لسيده من أجل شريحة لحم طازجة. الأمر الذي لم يصدقه مدرب الحيوانات في السيرك، لكنه ما أن رآني أفعل تلك الحركات حتى صارت له الرغبة في تدريبي وتعليمي المزيد من المهارات، كالقفز من خلال الحلقات النارية، وتدخين السجائر، وتصويب الكرة من نقطة الجزاء. كل هذه الأمور وغيرها تعلمتها في غضون أيام. ما جعل مالك السيرك يسرف في تدليلي.

لكنني في النهاية ذئب. بغض النظر عن أصولي الإنسانية، أنا ذئب. وبقائي مكبلا على هذا النحو السافر، إنما هو جرمٌ يقترفه بني البشر بحقي. وها أنا الآن أسالك أيها العجوز المحترم، هل رأيت في حياتك ذئبا في سيرك ؟! ورغم أن ثمة ما يجعلنا متوحشين بشكل دائم، إلا أننا في الوقت نفسه، أعني بأننا نحن معشر الذئاب، مظلومون يا سيدي. لا أستطيع أن أحصي لك عدد الجدات العجائز اللاتي افترستهن، لا لشيء سوى أنهنّ ما زلن يرسخن في رؤوس الأطفال فكرة أن الذئب شرير وطبعه الغدر. ولو قدر لي الذهاب إلى هوليود لما توانيت لحظة واحدة عن مهاجمة صُناع سلسلة أفلام الإستذئاب. تلك التي يبدو فيها جنسنا أنسانا في وضح النهار، بينما يتفتق جسده على ضوء البدر التمام، وتنبت له براثن، ويمسي جسمه مشعرا وقبيحا، قبل أن يكشر عن أنيابه الفتاكة بوجه النسوة والأطفال. "

توقف الرجل الذئب برهة من الوقت، نهض من مكانه إلى جانب أولمبيا، عاد بعدها ليقول بأن عليه الرحيل. لم يصدق أولمبيا أنه سيغادر، وكان ما يزال رازحا تحت وطأة الصور البشعة لذئاب مفترسة تنهش أوصاله بأنيابها القاطعة. وعندما تحرك الرجل الذئبي باتجاه الباب، نهض هو ليودعه.

قال :

" لا بدّ أنك ذئب طيب، وإلا لأكلتني ! "

" ربما.. " قال الرجل الذئب، ثم تابع وهو يطبطب على كتف اولمبيا، مودعا :

" ليلة سعيدة أيها العجوز الفاضل "

صفق اولمبيا الباب وراءه، ظل ساكنا لا يتحرك، أو حتى يتخيل أن يكون هناك ذئبا حقيقياً. ظل يدور في البيت. حتى انتهى أخيرا إلى السرير. أراد أن ينام قليلا، لكنه لم يستطع. فتح الراديو. ثمة خبر عاجل راح يبثه المذيع نفسه :

" ...... المستمعون الأفاضل :

ارتأت الإذاعة أن تشارك في رسم البسمة على شفاه مستمعيها، من خلال خبر بثته قبل ساعات من الآن، مفاده أن ذئباً مفترساً فرّ من سيرك مونت كارلو الذي ما زال يقدم عروضه في المدينة. نود أن نعلمكم بأن هذه هي كذبتنا لشهر نيسان/ أبريل هذا العام. فلا يوجد ذئب ولا حتى قطة.....

نستقبل تعليقاتكم وآراءكم بشأن هذه الدعابة على الأرقام التالية....... "

لم يسمع نعيم أولمبيا ما قاله المذيع عن خلو المدينة من أي ذئب هارب. نام فجأة. رأى الكثير من الكوابيس المأهولة بالذئاب والمستذئبين. استيقظ على صوت أم كلثوم الذي ما زال ينبعث من مشبك الراديو منذ ساعة. وقد أججت كلماتها الحنين إلى زوجته. مرقت على ذاكرته بعض المشاهد الحميمة التي تظهر فيها تلك الزوجة وهي ترتدي ثوبا ابيضَ ومهلهلا، ويتوج رأسها أكليل من الغار. لم يستطع اولمبيا أن يمسك نفسه من البكاء، فراح ينشج مثل صبي في الخامسة من عمره. فجأة اقتحم مخيلته مشهد في غاية البشاعة، ذئب يفترس شخصا ما في عيادة الأمراض العقلية والنفسية. مسح دموعه، وتساءل عما إذا كان ذلك الشخص هو صديقه الطبيب سركيس ؟ وإلّا لماذا ينقضّ ذئب حقير على شخص يرتدي صدرية بيضاء في عيادة لا يراجعها سوى المجانين وأصحاب العاهات العقلية والنفسية ؟ اخرج هاتفه النقال من تحت الوسادة. اتصل بالطبيب. إلا أنّ أحدا لم يرد على المكالمة رغم أن الجهاز عاود الاتصال آليا ولأكثر من مرة : " ربما كان نائما " قال اولمبيا في نفسه وأطفأ الراديو. أراد العودة إلى النوم، لولا أنه كان يشعر بالعطش. ولم يكن هناك من حلول لإرواء عطشه سوى الذهاب إلى المطبخ.

وبينما هو يشرب من عبوة مياه معدنية، سمع صوت بكاء يأتي من الخارج. حاول أن يتجاهل الأمر. أعاد عبوة المياه إلى الثلاجة. وبينما هو في طريقه إلى غرفة النوم، تناهى صوت البكاء إلى أذنيه ثانية. دخل إلى الغرفة. تمدد على سريره. حاول أن يلهي نفسه. أخرج إحدى مجلات نجوم الرياضة المكدسة تحت السرير، وراح يتصفحها، دون أن يشغله ذلك عن صوت البكاء الآتي من الخارج. تغطّى بالبطانية. فتح سحاب الوسادة واستل منها قطناً ودسّه في أذنيه. حاول أن ينام. لكنه فشل في النهاية، ما دام أن ثمة من يبكي على مقربة من باب البيت. وقد تحول بكاؤه إلى نحيب، والنحيب إلى عويل، والعويل إلى صراخ.

لم يعد مستر أولمبيا يحتمل سماع المزيد من ذلك الصراخ. فكّر : ربما يحتاج أحدهم إلى مساعدة، وإلا ما الذي يجعل المرء يصدر مثل تلك الأصوات التي إن دلّت على شيء، فإنما تدلّ على أنَّ ثمة من يحتاج إلى معونة، أو على الأقل إلى مواساة. إلا أنه فكّر في إمكانية أن تكون تلك إحدى الطرق التي ابتكرها اللصوص مؤخراً، من أجل السطو على المنازل. لكنه تذكر أنّ لحاء الشجرة لم يبقِ عليه فلساً، ولم يكن في البيت شيئاً يستأهل السرقة.

أخيراً، فتح مستر أولمبيا الباب، ليجد هناك رجلاً في الأربعين من عمره، يجلس جلسة المنكوبين، وقد اتكأ على الجدار ورجلاه ممدودتين، ورأسه مطرق إلى الأرض. وكان قد خفّف من حدّة بكائه ما أن سمع صرير الباب وهو يُفتح.

" من أنت... " سأله مستر أولمبيا، وقد انحنى مسنداً نفسه على ركبتيه : " ما الذي يبكيك في هذا الوقت ؟! "

" حتى أنتَ يا مستر أولمبيا ؟ "

" ماذا قلت... ؟ " قال أولمبيا مستغربا : " هل تعرفني ؟ "

" طبعا... " ردّ الرجل : " أنا جارك نوري. بيني وبينك بيتان على اليمين. هل تذكّرتني ؟ "

" نعم... " قال أولمبيا متأسفا : " إذا كان ثمة من يُوجّه إليه اللوم في صعوبة التعرّف على الناس فهو البصر. نعم، تذكّرتك. أنت نوري بن المرحوم حمزة اللبّاخ. صحيح ؟ لكن ما الذي جاء بك إلى هنا، ولماذا تبكي هكذا. لقد كسرت قلبي. الوقت متأخر، حيث يجب أن تكون الآن في أحضان امرأتك، على سرير الزوجية. قل لي، هل تعاركت معها ؟ أصدقني القول، وأعدك بالنصيحة. ها... ماذا قلت ؟ "

" أبداً يا مستر أولمبيا... " قال الرجل الباكي : " لم أتعارك مع أحد. أنا فقط أحاول أن أستعيد سعادتي "

" سعادتك... ؟ " تساءل أولمبيا وهو يفرك يداه من البردّ : " هل تريد أن تقول لي أنك فقدت سعادتك ؟ "

" نعيم يا سيد أولمبيا... " قال الرجل الباكي، وقد استجاب لدعوة أولمبيا بالدخول إلى البيت، بدلاً من إتمام حوارهما في الخارج "

أجلس مستر أولمبيا جاره على كرسيّ في المطبخ. قدّم له مياهاً معدنية واعتذر عن الإتيان بشيء ساخن، ثم جلس قبالته، وكان بينهما الطاولة البلاستيكية الحمراء.

قال أولمبيا :

" رغم أنه نيسان، إلا أن البرد في الليل ما زال قارصا "

لم يتفوه الرجل بكلمة، كان وجهه شاحبا، وقد ازرقّ ما تحت عينيه بشكل أوحى أن ثمة مشكلة أو عاهة أو مرضا عضالاً يعاني منه هذا الرجل. عاد أولمبيا ليسأله :

" هل تودّ أن تحكي لي شيئاً ؟ ربما أستطيع مساعدتك "

" لا أعرف يا سيد أولمبيا... " أجاب الرجل الباكي : " لكن، إذا كنتَ راغباً في معرفة مشكلتي، فسأحكي لك "

" نعم.. " قال أولمبيا : هات ما عندك "

" النعاس "

لم اعتد شرب القهوة.

نادرا ما احمل فنجان فيه قهوة. فقط عندما أكون ضيفا، أو برفقة صديق قديم يصرّ دائما على أن أرشف من فنجان القهوة المرة التي يجلبها الندل في المقاهي. لكنني في تلك الليلة شربت الكثير منها. نفذت علبة البن التي جلبتها ظهرا، وما زلت بحاجة إلى المزيد منه. لكنها الثانية عشرة ليلا، ولا أظن أن مجنونا من الباعة ما زال باب دكانه مشرعا حتى هذه الساعة المتأخرة من الليل.

الأمر المزعج حقا هو أن شيئا من تأثير القهوة، كونها منبها ذا تأثير عالٍ إذا ما أسرف المرء في شربها، لم يظهر عليَّ في تلك الأثناء. كأن جميع الأشياء في تلك الليلة العصيبة تواطأت ضدي، فقط لتجعل مني أضحوكة للآخرين وأنا أبول في الثلاجة أو أحاول الطيران من البالكون المشرفة على الشارع. حتى الكتب، لم أكن لأشعر بالبهجة وهي بين يديّ، كما يحدث دائما وأنا اقرأها في سائر الأيام. وعندما جربت التلفاز رأيت أنه يدوّخ أكثر مما يجعلني أظل يقظاً. فكومة القنوات الفضائية فيه، تجعل الواحد منا كالإخطبوط الأبله، يمدّ أطرافه في جميع الاتجاهات، وفي النهاية لا يحصل على شيء سوى النكد. تركته.

حاولت جاهدا أن أخطط بعض مربعات الكلمات المتقاطعة، لكنني أحسست بعدم حيازتي الحسَّ المناسب لأفعل ذلك. أعدت الكرة، فكانت النتيجة في غاية البؤس. وكنت أرى المربعات تتمايل أمامي، والحروف تتراقص قبل أن تتلاشى في الضباب الذي غشي عينيّ في تلك الساعة بالذات. وفي كل مرة أحاول فيها طرد النعاس برشفة ماء باردة أفشل، وأعود مجددا بهيئة من يكاد أن يطبق النعاس على جفنيه وينام. ثمة طرق مضحكة استعملتها مؤخرا. مثلا، رحت أصقع خديَّ كلما ترنح رأسي وهوّمت عيناي بالنعاس. أفعل ذلك كما يفعل مستر بن في هزلياته المضحكة. وأظن أنني بدوت أكثر حماقة منه وهو يحاول أن يمنع نفسه من النوم بوضعه أعواد ثقاب لكي لا يهدل جفناه مثل ستارة تريد أن تسدل نفسها قبل انتهاء المسرحية. وكم هي سخيفة مسرحيتي التي سأقدمها اليوم في بيت مستر أولمبيا. يبدو أنني سأفعل ذلك ما دام النعاس بدأ يتغلغل فيَّ على نحو ظننت أن وراءه مؤامرة، إذ يبدو مثل المطرقة الثقيلة وهي تدق مسمارا غليظا في رأسي.

قلت مسرحية سخيفة، وأعني بذلك قصتي التي ألفتها في النهار الفائت، عندما أخذت بنظر الاعتبار مسألة أنني سأنام في النهاية. إلا أن مجالا للتراجع أو استبدالها بقصة أخرى لم يلح بعد، خصوصا أني لم أعد مؤهلا بواجهة وحش اسمه النعاس.

كنت سأخرج من البيت لأذرع المسافة التي سأقطعها نحو بيت مستر اولمبيا. لكنني تراجعت عندما تذكرت أنني نلت كفايتي من المران على ذلك أثناء النهار. فاتني أن اخبر اولمبيا باحتمال زيارتي له الليلة وأنا نائم. ولن افعل ذلك الآن طبعا، إذ لا يراودني شكّ في أنّ الرجل نائم في هذه الساعة، وربما يحلم بدزدمونته الجميلة.هذا مؤكد. فالمتقاعدون المسنون أمثاله لا يستهويهم في هذه الحياة شيء عدا النوم متى ما كنّ الدجاج في الأقفاص العطنة. والنهوض مع الديكة مبكرا. وملاعبة الأحفاد. أو التسوق ورمي النفايات في ساعات مبكرة من الصباح. قد يعود احدهم – اغلبهم يفعلون ذلك – إلى قمامته لنبشها بقصبة علّه يعثر على ملعقة أو سكين أو رضاعة أطفال رميت سهوا مع القمامة. وطالما رأيت مستر أولمبيا يفعل ذلك. إلا أنه لا يعثر على شيء ذا قيمة في كل مرة يعود فيها إلى القمامة وفي يده قصبة.

لي ذكريات جميلة مع جاري العجوز اولمبيا. فدائما ما كنت اصحبه عندما يتظاهر بدفع كرسي متحرك تجلس عليه امرأة عاجزة، وأظنها دزدمونة. في حين ما زلت مديناً له بمبلغ من المال كنت قد اقترضته قبل فترة. وما زلت بسببه أتحاشى الالتقاء به وجها لوجه. مع انه لم يكن ليطالبني بالتسديد ما لم يرَ جيوبي ممتلئة. ولا أظنه يتوقع أنها ستمتلئ يوما. لكن هذا لا يعني أنني لن أسدد له القرض.

أما بشأن كونه نجما رياضيا وليس هاوٍ مهووس بجمع صور بناة الأجسام، فأعتقد أنَّ تلك معلومة صحيحة. بوسعي التأكيد على أن مستر اولمبيا هو نفسه البطل العالمي في رياضة بناء الأجسام، والذي كنت اقرأ عنه في الصحف وأشاهد صوره مع المشاهير من بناة الأجسام في البطولات العالمية. وأتذكر جيدا عروضه الخارقة في نادي الاتحاد وعلى خشبات المسارح والساحات العامة. أيام كنا ندخر مصروفنا المدرسي لكي يتسنى لنا مشاهدة سوبر مان البصرة، كما كان يسمى وقتها، وهو يطوي الحديد ويحمل الصخور الثقيلة على صدره.

في كل الاحوال. لا أظن أن مستر اولمبيا سيتفاجئ ما أن يراني بثياب النوم، مغمضاً عينيّ وأمدّ يديّ إلى الأمام كالأعمى الذي يريد أن يعبر الشارع وسط منبهات السيارات وشتائم السواق المبتذلين. لن تنفع محاولاته في إيقاظي. وسيدرك في النهاية أنني لن ابرح مكاني على تلك الكنبة، وربما البث هناك حتى الصباح وأنغّص عليه راحته، ما لم يسمع حكايتي، ويطري عليها ثم يقودني إلى بيتي، ويسلمني إلى زوجتي، كما هي العادة في كل مرة أكون فيها ضيفه السائر في نومه.

سأنام.

سأطفئ النور وأغادر مشغلي الصغير إلى غرفة النوم في الأعلى. وأظنّ أن الأمور ستكون مثالية وجيدة، إذا ما اقتصر الأمر على رواية حكاية لجاري العجوز مستر أولمبيا. حكاية صغيرة وسخيفة في آنٍ معا.

" دولاب السعادة "

قال مصمم الأفكار :

" هناك عشرة أمور تحدث يوميا، فتشعرني بالتعاسة، والمشكلة أنني لا أستطيع تجنبها يا سيد أولمبيا "

" حقا.. ؟ " تساءل أولمبيا، وقد أخذ شربة من عبوة الماء التي أمامه : " وما هي تلك الأشياء الباعثة على التعاسة يا ترى ؟ "

" سأقول لك... " قال مصمم الأفكار وراح يعدّ بأصابعه : " الاختناقات المرورية. صداع الشقيقة. دخان السجائر في الباص. جهامة عاملة الخدمات في شركة الدعاية والإعلان التي اعمل فيها، وهي تجلب لي قهوة الصباح. أخبار السيارات المفخخة والأحزمة والعبوات الناسفة والاغتيالات، التي تُذاع، أو تنقلها نشرات الأخبار في التلفاز. زعيق الأولاد والجلبة التي يحدثونها في المنزل. الحموضة التي دائما ما تطفح إلى حلقي، فأضطر إلى قرط المزيد من أقراص ريني"

" حتما إنها أشياء مزعجة " قال أولمبيا، واستأذن من زائره. فتح الثلاجة واخرج من علبة حمراء قرص ريني ألقاه في فمه قائلا : " أنا أيضا أعاني من الحموضة "

" ليس هذا فحسب... " قال الزائر ذو الوجه الشاحب : " خذ مثلا نهايات القصص المفجعة قبل النوم. والكوابيس المرعبة أثناء النوم. والشخير المزعج لزوجتي التي ما زالت تعاني من التهابات الجيوب الأنفية. فضلاً عن مانشيتات المحال والمقاهي والفنادق والمطاعم : أزياء الوحش، هدايا النمر الوردي، فلافل أبو ستار المفخخة، سوبر ماركت الإعصار، مقهى وادي الذئاب، مكتب الديناصور للبرمجيات، صالة ألعاب زئير الأسد، وغيرها من الأسماء والعناوين التي تبعث على الرعب وتوحي للمار أنه على وشك أن يُفترس، عندما يقرأ ما يدبجه الخطاطون على واجهات المحال، بلغة ركيكة مليئة بالأخطاء الإملائية "

" يا ساتر... " قال أولمبيا، بعد أن أخذ شربة ثانية من مياه العبوة، ليذيب القرص ضد الحموضة في حلقه قبل أن يبتلعه : " حقا أنها أسماء تبعث على الشؤم ! "

" طبعا يا سيد أولمبيا... " مصمم الأفكار : " تصور أنني اعتدت التنزه على الكورنيش في ساعة مبكرة من صباح كل يوم، حيث اشبع رئتي هناك بالهواء النقي، ويحدث أن أجالس الصيادين فترة من الزمن، أو اشرب قدحا من الشاي الساخن على مقربة من تمثال السياب، قبل أن اذهب إلى العمل في الساعة التاسعة. أسلك الطريق راجلاً إلى أحد الكراجات في ساحة أم البروم، ماراً بأحد المتنزهات الصغيرة، على ضفة الشط، أتحاشى النظر إلى دولاب الهواء القائم هناك. لكنني في المرة الأخيرة، وبحركة لا إرادية، كأن أحدهم أدار فكي عنوة، التفتت ورائي، لأرى هناك دولاباً خرافياً شاهقاً، ما زالت الأضواء تتلألأ على قضبانه منذ الليلة الفائتة، على شكل نجمة كبيرة. ورغم خوفي من الأماكن العالية، وشعوري بالدوار لمجرد التفكير في ارتقائها، إلا أن رغبة غامضة بدأت تلح عليَّ، وما زالت تحثني على ركوب الدولاب، حتى وجدت نفسي فجأة في المتنزه، أقطع تذكرة، وأثب إلى أحد مقاعده المتدلية.

لم يكن هناك سوى بعض الركاب، من الأطفال وذويهم، وقد بدأوا بالصراخ فور تحرك الدولاب، ودورانه ببطء، قبل أن يزيد المشغل من سرعته. خفت كثيراً، وكاد قلبي أن يتوقف بينما كنت أنظر إلى المخلوقات والأبنية في الأسفل، وهي تتضاءل شيئاً فشيئاً. حجبت عينيّ بذراعي وتشبثت بحزام الأمان الذي التفّ حول بطني. دخت، وسيطرت عليّ رغبة في تقيؤ فطور ذلك الصباح، لكني لم أفعلها، إنما وضعت رأسي بين ركبتيّ، وفكرت في الصراخ. أيضا لم أصرخ، فقط رحتُ أتمتم ببعض الأدعية والآيات، وكما الحلم، شعرت أن أحداً ما يجذبني إلى الأعلى، بينما كانت الحياة في الأسفل تجرني من قدمي إلى قاعها السحيق. ازددت تشبثا بحديد المقعد، الذي خفت كثيرا أن يميل بي أكثر، وربما أقع منه، وتتهشم عظامي على الأرض المعشبة تحتي.

لم يدر الدولاب سوى مرة واحدة، ثم توقف. لا أعرف لماذا، ربما لأنني كنت محظوظاً، كوني لم أكن راغباً في أكثر من تلك الدورة. والى أن حان دوري في النزول، كادت روحي أن تُزهق من كثر الخوف. فقفزت إلى الأرض، وكنتُ فرحاً جداً، كما لو أنني قفزت من ظلمات المجهول إلى نور الدنيا، بعد أن كنتُ معلقاً هناك، بين الموت والحياة.

مسرعاً، خرجت من المتنزه، لائماً نفسي على تهورها. كنتُ ما أزال دائخاً، وأشعر بالإعياء، حتى وصلت إلى الجسر الذي يربط بين شارع الوطن، عند ساحة أسد بابل، ومنطقة الداكير في الجهة المقابلة. عبرت الجسر، توقفت على مقربة من جامع المقام، غسلت وجهي من ماء براد سبيل في باب خطوة الأمير. ثم رحت أمشي بمحاذاة المخازن ومحال الكرزات والمواد الغذائية والألبسة والأجهزة المنزلية، حتى انعطفت يمينا نحو شارع الكويت، ثم انسللت منه، في منتصفه تقريبا، مع المارة والمتسوقين إلى شارع المطاعم، وصولاً إلى ساحة أم البروم. حيث انتبهت هناك، إلى التغير المفاجئ الحاصل في المانشيتات، فقد جاءت على نحو فيه من الجمال ما جعلني متفائلاً، وأنا أقرأ، مثلاً : فندق السعادة الأبدية، صالة ألعاب الجنائن المعلقة، مطعم الأمل، حسن الجوار للعقارات، بوتيك فرح، مقهى الترف، إلخ.... من الأسماء والعناوين التي تبعث على الارتياح.

وصلت إلى الكَراج، ركبت أحد الباصات الذاهبة إلى ساحة سعد ، نزلت في منتصف الطريق، حيث مقر عملي، في أحدى شركات الدعاية. الغريب أن أحداً في الباص لم يدخن سيجارة، أو ربما أنني لم أشعر بالاختناق طوال المسافة التي قطعها الباص من العشار إلى دائرتي، رغم حساسية قصباتي المفرطة من دخان السجائر وعوادم السيارات. لم يقتصر الأمر على ذلك، إنما فوجئت بعاملة الخدمات، وهي تحمل لي فنجان القهوة، وثمة ابتسامة شفافة وعريضة ارتسمت على شفتيها، لتغمر كامل وجهها البلوري الناصع البياض.

شعرت وقتها أن ثمة حدثا خفيا وغامضا وقع مؤخراً، فجعل حظوظي في ذلك اليوم سعيدة بما فيه الكفاية، لكي تخلو شوارع المدينة من الاختناقات المرورية، إلى درجة أن أحداً لم يتعرض لشتائم سائق الباص العجوز، التي اعتاد فمه المزبد على قذفها عبر النافذة المكسورة، بوجه من يضايقه من سائقي السيارات الأخرى. حتى أنني اشتغلت كثيراً في ذلك النهار، رغم تكالب المعاملات على مكتبي من كل ناحية وصوب، ويحدث ذلك عادة بمصاحبة ألم الشقيقة لرأسي طوال النهار، لكنه في ذلك اليوم أبى مؤاخاتي، ولم أشعر به أبداً. وما زلت منهمكاً في العمل، حتى حان موعد الغداء، وانصرفت الى احد المقاهي القريبة، أكلت ساندويتش همبرغر كبير مع علبة ميراندا. جلست بعدها أمام التلفاز، لم أسمع خبرا مزعجاً في ذلك اليوم، حتى عندما عدت إلى المنزل، كان المذياع يبث أخباراً حلوة عن قرب الانتهاء من انجاز العمل في المدينة الرياضية، ثم تحدث المذيع بشكل مفصل عن نية الحكومة في بناء مجمعات سكنية للأهالي، وقد أضاف لذلك خبراً عن مهرجان للورود تستعد له المدينة. هناك أخبار متفرقة عن حفلات زفاف جماعي، وتحسن التيار الكهربائي، وانتظام مواعيد توزيع الحصة التموينية، أنباء عن سلم جديد للموظفين والمتقاعدين، وسلفة كبيرة أطلقتها وزارة المالية مؤخراً.

الشيء المفرح في ذلك اليوم أن الموظف المناوب في محطة الكهرباء، كان سعيدا للغاية، وإلا ما الذي جعله يبقي على التيار الكهربائي طوال النهار وفي الليل، دون أن يفكر في ثكل أمنيات الآخرين بنوم هانئ وأحلام سعيدة. أطفالي الوقحون، لم أرَ منهم ما كان يجعلني أفكر في الفرار من المنزل، دون رجعة. لم ينبس احدهم ببنت شفة، أو يزعق، أو يتعارك، أو يطلب مني ورقة من فئة المائتين والخمسين ديناراً، كل نصف ساعة. كذلك لم يجرؤ أحدهم على قذفي بالصواريخ الورقية. كانوا كالملائكة، وهم يجلسون أمام التلفاز، ويشاهدون أفلام كارتون توم آند جيري وشين ذا شيب.

تناولت العشاء مع أفراد عائلتي. التهمت ما يكفي لإشباع أربعة جياع، دون أن أشكو ألماً في معدتي، أو انتفاخاً في أمعائي، ولم تفكر الحموضة في مضايقتي في تلك الليلة. انسحبت إلى سريري في وقت مبكر، مع أني لم أكن أشعر بالتعب. وكما هي العادة، تناولت كتاباً ورحت أقرأ بهمة. قرأت قصصا جميلة ذات نهايات سعيدة، لم تعكر صفو ما كنت أعيشه من أجواء رائقة لم أشهدها في حياتي قطّ. والى أن انتهيت من قراءة تلك القصص، شعرت بالنعاس. أغمضتّ عينيّ وغططت في نوم هانئ وعميق. لم أرَ كوابيس، إنما كان هناك باقة متنوعة من الأحلام الجميلة التي لم أَرَ مثلها على امتداد سنواتي الأربعين. ولعل أروع شيء لمسته، واغتبطت لأجله، هو أنني لم أسمع زوجتي تشخر في تلك الليلة، فقد كانت بمنتهى الوداعة وهي تنام إلى جواري.

سبعة أيام بلياليها، لم أشعر خلالها بالنكد، ولم يخطر لأحدٍ ما أن ينغصّ عليَّ عيشي الرغيد. عاملة الخدمات كادت أن تقبلني، عندما جلبت لي قهوتي في المرة الأخيرة. المانشيتات ازدادت تألقاً. وأصبحت الشوارع خالية، إلا من بعض الحافلات والسيارات الصغيرة. منذ ذلك اليوم لم أرَ أحداً يدخن سيجارة، أو يُختطف ثم يُقاد إلى مكان مجهول، قبل أن يُعثر على جثته، في حاوية للقمامة، أو تحت أحد الجسور في المدينة. غادرت الكوابيس مناماتي، ولم يعد الصداع يجتاح رأسي. لا أحماض، ولا حتى غازات منتنة. وقد أحببت نهايات القصص السعيدة.

الحياة على هذا المنوال تبدو أجمل، لكنني في الفترة الأخيرة، بدأت أضجر. واشتقت إلى تلك الأشياء والأمور المؤذية، خصوصاً شخير زوجتي، ووقاحة أطفالي الصغار. صرت أحنّ إلى أن يعضني هذا، ويشج رأسي ذاك بكوب الشاي، ويجرني الآخر من أذني بينما أنا أقرأ، أو يبول الصغير في حضني. أصبحت الحياة مملة، وأكثر روتينية. أن تسير الأمور على ما يرام، ويكون كل شيء جميلاً، فتلك هي المشكلة. ربما أحسست بالسعادة في الأيام السبعة الأولى، لكن هذا لا يعني أني سأعتاد على هكذا نمط من الحياة، إذ لن ينفع هذا معي أبداً.

والآن.. قل يا سيد اولمبيا، ماذا عليّ أن افعل لكي استعيد سعادتي ؟ "

" لا أعرف... " قال أولمبيا : " ربما كان حريّا بك أن تعود لتركب دولاب الهواء. ربما هو الذي ألقى عليك سحره دون أن يراعي انك لا تحتمل العيش في حياة مفرطة في السعادة. عد إليه يا صاحبي. علك تستعيد وضعك السابق وتكون أكثر سعادة "

" جربت ذلك... " قال مصمم الأفكار.

" حقا...؟ " قال اولمبيا : " وماذا حدث ؟ هل ركبت الدولاب ؟ "

" أبدا... " أجاب مصمم الأفكار : " فوجئت بقاطع التذاكر وهو يخبرني أن إدارة المتنزه عطلت عمل الدولاب، بعد أن عزف الأهالي عنه، ولم يعد احد يعجبه الركوب فيه. قيل أنَّ احد الركاب سقط من احد مقاعده في الأعلى ومات في الحال ! "

" أووووه،، كلا... ! " صاح اولمبيا مستاء : " لا تقل أنك ميّت ! "

" لا أعرف يا سيد أولمبيا، لم يخبرني أحد أنني ميت... " قال مصمم الأفكار، وقد عاد إلى البكاء : " حتى زوجتي، ما زالت تتظاهر بعدم وجودي في البيت. أراها وهي تحمل صورتي. تضمها إلى صدرها قبل أن تحتضن الصغار وتنفجر معهم بالبكاء. ومؤخرا صرت أرى شخصا غريبا يدخل إلى البيت خلسة، وعندما سألتها لم تجبني. أو الأحرى أنها تظاهرت بعدم سماعي وأنا أعاتبها على إدخال رجل غريب إلى بيتي، لم أعد أحتمل هذا الوضع يا سيد أولمبيا، أنا تائه، تائه يا سيد أولمبيا، ألا تفهم ذلك ؟ تائه،، تائه،، تائه ! "

أشفق مستر أولمبيا على مصمم الأفكار الذي أغلق أذنيه بيديه وراح يبكي، مرددا تلك الكلمة. حاول مواساته، إلا أن شيئا من الكلمات التي تفوه بها لم تنفع في تخفيف وطأة الأثر البليغ الناتج عن عدم إدراكه حقيقة ما صار يعيشه منذ ركوبه ذلك الدولاب. وبالتالي، لم يجد مصمم الأفكار أمامه سوى أن يترك اولمبيا وشأنه ويحلّ مشاكله بنفسه، فربما يفكر في قتل زوجته، أو يؤمن بأنه ميت فعلا حتى يتسنى له البحث عن قبر مناسب يأوي جثته. فغادر البيت دون أن يجيب عن تساؤل صاحبه عما إذا كان ضحية إحدى أفكاره المصممة مؤخرا. خرج اولمبيا في إثره، ألا أن شيئا منه لم يعد يُرى في ظلام الشارع. فقط، كان هناك صوته يتردد ممزوجا مع نباح الكلاب السائبة.

كان مستر اولمبيا على وشك الانصراف، عندما لمح شبحا من بعيد وهو يخرج من بيت جاره على اليمين، وقد اقبل نحوه، مادا يديه وسائرا لصق السور الحديدي، حتى كاد أن يمرق من أمامه، فأمسك ذراعه قائلا :

" إلى أين يا سيد كافور، ألا تريد أن تروي لمستر اولمبيا حكاية ! "

ثم قاده إلى الداخل.

" حكمة أمِرسون "

في كل الاحوال، لم أكن آمل أن يكون زوج شقيقتي شرها إلى الحد الذي وصل إليه ونحن نتناول العشاء. وهذه صفة مذمومة أخرى تضاف إلى قائمة الصفات السيئة التي يحوزها زوج الأخت هذا. حتى انه لم يراعِ أن تكون هناك فترة نقاهة أو على الأقل إمضاء ساعة بعد العشاء يكون فيها الطعام قد اخذ استقراره في المعدة بشكل جيد. إذ سرعان ما تمدد على الكنبة وبدأ يشخر. أيقظته شقيقتي. كان ما يزال مغمضا عينيه ويتثاءب عندما استأذن مني وانصرف إلى غرفته، تسنده شقيقتي كما يسند أحدهم شخصا سكرانا. ولم تمض سوى دقائق حتى سمعتهما يتشاجران.

كانت شقيقتي قد أعدت لنا القهوة بعد العشاء. وما زالت بقاياها في الفناجين الموضوعة على المنضدة الخشبية الصقيلة وسط الصالة. حملت إحداها إلى المطبخ. غليت ماء وسكبته في الفنجان ثم أضفت له بنّاً. عدت إلى الصالة. لم يكن ثمة احد غيري هناك، تناولت الريمونت كنترول ورحت اقلب في القنوات. استمعت إلى الأخبار. شاهدت فيلما وثائقيا شيقا على قناة BBC عن المقاتلين العرب المشاركين في الحرب الأهلية الاسبانية. شاهدت بعدها مباراة كرة قدم من الدوري الاسباني. ثم فيلما أجنبيا على قناة MBC2 لكلينت استوود. رغم أني لا أحب هذه الأفلام واكره كرة القدم منذ أن خرج العراق من مسابقة كأس العالم عام 1986، ولا أحبذ مشاهدة الأفلام الوثائقية. ولعل الاستماع إلى الأخبار هو أكثر ما لا ارغب به على الدوام. لكن ماذا افعل لكي اشغل وقتي حتى تأتي ساعة الصفر. طبعا،،، لم يكن هناك سوى التلفاز.

حقاً... أنا لم أفكر بالعواقب الوخيمة التي ستترتب عليَّ كوني سأكون قاتلا في غضون ساعات. ربما لأنني أدرك أن مثل هذه الأمور لا تتعلق بالتفكير بقدر تعلقها بالموقف. ونظرا لما أنا بصدده الآن، وبعد كل هذه السنوات الطويلة لم يعد الموقف الذي أنا فيه يحتمل المزيد من التأجيل. لم يعد ثمة مزيد من الوقت لكي أفكر. لكني لأتساءل : ماذا لو ظهر لي أبي في هذه اللحظة بشكل حقيقي وكرر ما طلبه مني في الحلم، وهو الكفّ عن ملاحقة مستر اولمبيا بغية قتله ؟ اللعنة،،، ها أنا ذا أعود إلى الفرضيات. وإذا كنت قد بخست حقّ شقيقتي في افتراضها للرضيع البكّاء كجيكتي، فكيف يتفق الحال مع شخص ميت ؟!

لقد جعل مستر اولمبيا من نفسه دودة صغيرة تزحف على الأرض، ولا أظن أن لديه الحق في إلقاء اللائمة على من يدوسه بقدمه. كذلك سأفعل أنا. سأدوسه بقدمي، وسأسعى إلى أن يكون حذائي ثقيلا بما يكفي لجعص فيل. ولن يجرؤ على أن يوجه اللوم، لأنه ببساطة سيكون وقتها في القبر.

لا شك أن مستر اولمبيا هذا رجل غبي، بل أغبى الأغبياء عندما قتل أبي، كما لو انه اقترض مالا مني، مبلغا كبيرا من المال، ثم اختفى فجأة. في هذه الحال، هل سأعتكف في بيتي أجهش بالبكاء على نقودي الضائعة، أم ابحث عنه حتى أجده. عندئذ،، إما يعيد لي ما اقترضه أو اقتله ! وهو بذلك إنما استخدم أفضل طريقة تجعل الآخرين يتذكرونه ويتعقبون أثره اينما كان. وعلى الرغم من انه من بناة الأجسام الأشداء، ويتمتع بمظهره المخيف، لكنه وكما أسلفت رجل غبي، والأغبياء أقوياء بعضلاتهم ربما، لكنهم أيضا أغبياء في تصرفاتهم. ولا أظنني املك من القوة ما يتيح لي مصارعته مثلا، لكنني – وهذا ما اعتقده أنا على الأقل – رجل ذكي، وسأهزمه على هذا الأساس. ورغم ما هو عليه من الغباء، إلا انه يظن دائما انه عبقري.

كان أبي من اشد المعجبين بمستر اولمبيا، وربما يصل إعجابه في بعض الأحيان إلى درجة الهوس. يحرص على متابعته، ويسعى للتواجد حيث يكون هو في البطولات والمسابقات المحلية. حتى أمي كانت تشعر بالغيرة إزاء هذا الإعجاب الجنوني بمستر اولمبيا. أتذكر انه كان يروي لنا حكايات دائما ما يكون مستر اولمبيا بطلها. فهو الشاطر في حكاية الشاطر حسن. والمغامر في حكايات السندباد البحري. والعاشق في حكايات الغرام. والبطل المغوار في حكايات الفروسية. والولد السبع في أفلام السوبر والسبايدر مان. والساحر المحترف الذي تخرج من قبعته الحمامات البيض والأرانب البرية. إلا إن مستر اولمبيا هذا في الآونة الأخيرة بدأ يعرب لأبي عن انزعاجه من الطريقة اللا محببة في متابعته وتشجيعه، وعدّ تدخله الأخير في برنامجه الغذائي وتدريباته وأمور أخرى تخصّ حياته تطفلا وتعديا سافرا لن يسكت عنه أبدا. في وقت كان هوس أبي به وصل حدا صار يعتبر نفسه ملاكه الحارس وظله الذي يسير معه. الأمر الذي لم يعد مستر أولمبيا يحتمله، فقدم دعوة قضائية بداعي الإزعاج، فاعتقل أبي في إثرها ولم يخرج من الحبس إلا بعد أن قدم تعهدات تفيد بعدم التعرض ثانية لمستر أولمبيا. ابتعد أبي بعدها فترة قصيرة قبل أن يعود إلى هوسه، وما زال يقتفي اثر اولمبيا في قاعات التدريب والمحافل الرياضية ويجمع أخباره وصوره ويروي عنه تلك القصص السوبرمانية والبطولات الأسطورية حتى جاء اليوم الذي شاع فيه بين الناس انه هو السبب الحقيقي في شهرة مستر اولمبيا، ومن ثم رقيه إلى قمة المجد في رياضة بناء الجسام.

" لو أن لهذين الكتفين حلوقا لحكت، ونطقت، وأخبرتكم عن المرات التي ارتقى فيها مستر اولمبيا، ولاح من عليها عناقيد العنب، وكؤوس الخمرة السماوية والتيجان الذهبية ! "

عندما سمع اولمبيا بذلك ضحك واعتبرها نكتة. لكنه وبمرور الوقت، صدّق أن ثمة من راح يدعي بأنه عرّابه الذي أوصله إلى ما كان عليه في تلك الفترة. ولم يبق في النهاية سوى ادعائه بأنه مستر اولمبيا نفسه. في حين لم تبرز لأبي عضلة قط. ولم يرفع في حياته ثقلا. كان هزيلا جدا، ويعاني من اضطرابات في المعدة والقلب وقصور في وظائف البنكرياس. وعلى الرغم من ذلك، لم يكف يوما عن تقليد بطله، كان يتمثله. يتماهى معه إلى درجة لم تعد أمي قادرة على تحمل جنونه.

سأقتلك يا مستر أولمبيا. لن تنفعك عضلاتك. والى ذلك الحين، سأريح عينيّ فترة من الزمن.

" الصُناع المهرة لمربعات التسلية "

" أنا رجل ذكي، اسمي كافور.

ورثتُ ذكائي من أسلافي العتيدين. أولئك الصناع المهرة، أعظم من صمم وأعدّ الكلمات المتقاطعة في العالم. عندما جاء أبي إلى الدنيا، تقول جدتي، جاء بشكل عمودي يُصعب عليها معه أن تلفظه من رحمها بسهولة. على العكس من عمي الأكبر، الذي كان وضعه أقل وطأة على جدتي من أبي، وهي تحاول أن تضعه، وتبلغ بطلقها، تلك التخوم الوعرة، حيث يُمكن رؤية مربعات التسلية تلك، متخمة ومأهولة بأحرف الموت المتقطعة، التي على الرغم من اختلاف أشكالها، لكنها تبدو زاخرة، وهي تحاول أن توحد معناها، لتأخذ روح جدتي إلى الماورائيات النائية والمبهمة دائماً.

لم تبق صحيفة أو مجلة أو كتباً للتسلية، إلا وترك أجدادنا على صفحاتها بصماتهم الخالدة. كان القياصرة والسلاطين، الفراعنة والملوك في بلاد الرافدين ومصر وبلاد العجم وأرض الروم، يختبرون ذكاء أولادهم بواسطة المربعات التي كان يعملها أجدادنا العظام خصيصاً لذلك. ليتسلموا بدلاً عنها العطايا والهبات الثمينة : درراً من الماس، تماثيل للآلهة من فضة وزمرد، وصولجانات الذهب. ما زالت أمي تحتفظ بحجلٍ ذهبيّ نفيس، كانت قد ورثته من جدتي التي تسلمته بدورها من أمها التي........ !

حسنٌ، لكي لا أكون مرائياً أو أتباهى على نحوٍ فيه من المغالاة الفظة، ما يجعلكم تشعرون بأني أكذب، سأختصر، وأقول لكم، يعود هذا الحجل إلى إحدى زوجات أردشير بن بابك، عظيم الفرس الساسانيين، أهدته لجدتي لقاء ما تفنن به زوجها، جدنا الأكبر، من مربعات التسلية لأولادها.

يُحكى أن جدنا الأكبر كان له وحمة ما بين السرة وحجابه الحاجز، على هيئة مربع كلمات متقاطعة، تحتوي على ألغاز وشفرات وأسرار لم يستطع حتى أعظم المحترفين حلها. من ليس له وحمة مشابهة، عليه أن يكابد لكي يحصل على شرف الانتماء إلى القبيلة من الدرجة الأولى.

وقد جرى العرف القبلي السائد في تلك الأيام، مجرى السيف الرهيف في اللحم الطري، للذين ولدوا من دون تلك الوحمة التي تميزهم عن غيرهم من سليلي القبائل الأخرى. ذلك لأنهنّ – الأمهات – كرهن أن يلدن، وعلى أجساد أولادهنَّ تلك البقع اللحمية التي تحاكي في أشكالها وأنواعها مربعات الكلمات المتقاطعة. وخطيئة أولاء النسوة أنهنّ كنَّ يأكلن الجرائد والمجلات، ورقم الطين وجلود الحيوانات التي تحتوي على مربعات التسلية. وإن تطلب الأمر، يرسمن المربعات على بيض النعام والسلاحف، وإليات الخراف السمينة، والبطيخ وسيّاح الرز المطحون، قبل أن يلتهمنه، كي لا يخرج المولود، وعلى وجهه مربع تسلية. وقد خالفنَ بذلك، أوامر الكبار، وتقاليد وأعراف القبيلة الراسخة منذ مئات السنين. الأمر الذي لم يكن عمّي الأكبر، الذي ولدته جدتي دون وحمة، يعترف به أو يخضع له، وما زال يتحين الفرص، لكي ينتقم لنفسه من القبيلة التي يحتقره أفرادها، كونه من دون وحمة.

وجرت العادة على أن يعمل أحد أبناء القبيلة مربعاً للكلمات المتقاطعة، في كل سنة مربعاً، يُعطى إلى كبير القبيلة، لكي يقوم بوضع الكلمات المناسبة في فراغات المربعات الصغيرة، وعلى ضوء تلك الكلمات، يتقرر ما الذي يمكن أن يأكله أبناء القبيلة من طعام، أو يلبسه من الثياب. فما زال أبناء قبيلتي يتكالبون على عمل مربعات التسلية تلك، منذ قديم الزمان، حتى آل الأمر إلى عمي الأكبر في السنة الأخيرة.

ربما يُسخر من مبدعي مربعات الكلمات المتقاطعة، حتى أن البعض يعدها هرطقة، دون أن يلتفت إلى ما فعلته هذه المربعات في الماضي، وما يمكن أن تفعله في المستقبل. فلولاها لنفق ديموزي ونيلسون مانديلا من السأم بينما هما يقضيان عطلتهما الطويلة، الأول في العالم السفلي، والثاني في السجن. وكان كَلكَامش سيموت جزعاً على رفيقه أنكيدو لولا أنه كان يحتفظ بأحد الرقم الطينية، وفيها نموذج مما كان يعمله الأجداد من مربعات الكلمات المتقاطعة في ذلك الزمان الغابر. سأتجرأ وأذكر حقيقة ما كان بمقدور أحدٍ أن يتفوه بها من قبل. لم يكن شهريار يستمع لشهرزاد وهي تروي له حكاياتها البائتة، إنما كان يقضي وقته في حلّ المئات من مربعات الكلمات المتقاطعة، التي وضعها أجدادي الأفذاذ على الرقع المصنوعة من جلود الحيوانات، ولولاها، لقتلت تلك الغانية منذ الحكاية الأولى. كذلك هي بينلوبي، لم يكن لديها الوقت لكي تنسج كفناً للايرتس والد زوجها الغائب أوديسيوس، بل كانت منهمكة بحل الكلمات المتقاطعة في النهار، وفي الليل تمسحها، لتبدأ من جديد.

أما ما نقله الرواة بشأن أميتي زوجة نبوخذ نصر وقصة الجنائن المعلقة، فهو كذب في كذب. إذ لم يكن منظر تلك الجنائن يستهوي الزوجة المتذمرة، وما زالت كئيبة وتشعر بالوحشة من صحارى بابل، حتى استجاب نبوخذ نصر الى نصيحة أحد مستشاريه، ودفع لها إحدى مربعات الكلمات المتقاطعة، وهي من إبداع أحد أجدادنا البابلين الموغلين في القدم. ويتفق الحال مع كولونيل غارسيا ماركيز المتقاعد، فليس من المعقول أن يقضي شخص ما كل تلك الأعوام الطويلة المليئة بالرتابة والواقعية القذرة، بانتظار رسالة تحمل له بشرى صرف راتبه التقاعدي، من دون أن يجرب نوعاً من التسلية، كأن يشغل فراغه بحلّ الكلمات المتقاطعة. أوباما هو الآخر، لم يكن بوسعه التحلي بالصبر، بينما كان ينتظر أحدهم ليخبره بمقتل أسامة بن لادن، وبدلاً من أن يفرقع بأصابعه السوداء النحيفة، أو يقرض أظافر يديه، أو حتى يذرع غرفة مكتبه جيئة وذهاباً، فكر الرجل أن يترك العالم وشانه لبضع ساعات، ليبدد قلقه بحلّ الكلمات المتقاطعة. يمكن لأحدكم أن يختلس النظر، ليراه هناك، يجلس على كرسي مدوشم بقماش ماروني ناعم، يفكر طويلاً، يسحق مؤخرة قلم الحبر، يطعجه بأسنانه، قبل أن يبتسم، فتظهر تلك الأسنان الكبيرة البيضاء، دلالة على إيجاده حلاً لعقدة إحدى الكلمات.

في تلك السنة، التي حان فيها دور عمي الأكبر لعمل مربع الكلمات المتقاطعة السنويّ، الذي سيُدفع في النهاية إلى كبير القبيلة، ليتأمل فيه، قبل أن يبدأ بحل كلماته المتقاطعة، ثم يعلن للأهالي عن صنف الطعام والفواكه والخضر التي سيأكلونها، ونوع الثياب والأغطية والأمتعة التي سيستخدمونها في تلك السنة. فضلاً عن أشياء أخرى لا مفرّ من الالتزام بها، طبقاً لقوانين القبيلة، وما أباحه لهم مربع الكلمات المتقاطعة السنوي.

في تلك الأثناء، استغل العم الأكبر الفرصة التي كان ينتظرها بفارغ الصبر، وها هي الآن بمتناول يديه بعد طول عناء وانتظار. إذ ما زال عاكفاً على عمل مربع كلمات متقاطعة مناسب، فيه من الرفاهية ما يجعل كل فرد من أفراد القبيلة في رغد من العيش، حتى خرج بقائمة حافلة بما تشتهي الأنفس، كذلك بالنسبة للألبسة، وأمور معيشية أخرى. إلا أن ثمة شيئاً لم يكن مألوفاً، فيما يخص عجينة المخابز وأفران الصمون. إذ لم يعتد الناس أنواعاً من العجينة المخلوطة مع الكافور. في حين ما زال عمي الأكبر يؤكد على ما يمكن أن يصنعه الكافور من أفاعيل مفيدة في جسم الإنسان، وهي معلومة لم تكن متوفرة من قبل. حتى كبير القبيلة، ذلك الرجل المخضرم ذو الحنكة والبصيرة النافذة، لم يسمع بتلك الفوائد الجمة للكافور. في النهاية، تلك هي قوانين القبيلة، وعلى الكل تطبيقها بالحرف الواحد، حتى وإن أحالت إرادة السماء الملح إلى سمٍّ زؤام.

لكن.. أنظر إلى الدنيا ماذا فعلت بنا !

على امتداد تلك السنة، لم يبقَ جنين إلا وطُرح أرضاً. في الوقت الذي كنَّ فيه الأمهات يندبن أسقاطهُنَّ، ويخمشنّ خدودهنَّ، على ثرى القبر الجماعي الذي دُفنوا فيه، كانت منابع الإخصاب في رجال القبيلة الأشداء تجفّ وتنضب. حتى جاء يوم لم يعد فيه الرجل قادر على الإخصاب، بعد أن فعل الكافور فعلته، وأمضى في أصلابهم قدرته العجيبة، على التجفيف والتقتير، حتى أصبح الواحد منهم كجذعٍ متيبس، لا ينفع معه التطعيم. في حين كنتُ أنا أتشبث بأحشاء أمي، وما زالت متعلقاً بحبلي السريّ، حتى ولدتُ وسميتُ كافوراً، باسم السنة التي وضعتني فيها أمي على فراش من القش الرطب.

لم تشعث مربعات الكلمات المتقاطعة في السنين اللاحقة، الصدع الذي أحدثه العم الأكبر، عندما أحال الجميع إلى صحارٍ قفار، لا يزورها الغيث، ولا تُفلق فيها حبّة. وكنت أنا هناك، رأيت رأي العين كيف راح يتساقط أبطال حضارة مربعات التسلية، ويغور بعضهم كالزنابق في الوحل، دون أن يكون ثمة من ينتشلهم من القاع المظلم، اللزج، والموبوء كتفاحة متعفنة.

لم يبق أحد من القبيلة سواي. أعمل مربعات الكلمات المتقاطعة، لحساب إحدى الصحف المحلية البائسة. أنا الخلف الوحيد لسلالة أفناهم كافور العم الأكبر وحقده الدفين. ملأ بهم الأرض قبوراً مخسوفة وشواهد محطمة. لم يترك لهم الفرصة في إنجاب عظماء آخرين، بوسعهم جعل الحياة مسلية أكثر مما هي عليه الآن، إذ تبدو كسمك الصبور، يؤكل ثم يُذمّ بعد ساعة "

انتهت حكاية كافور، مبتكر مربعات الكلمات المتقاطعة.

كان مستر اولمبيا يتثاءب شاعرا بالنعاس وهو يأكل جفنيه. لم يثنِ على تلك الحكاية. فكّر : إن لم أزح الكتلة النائمة المسماة كافورا لن أنعم بالنوم أبدا. وكما هي العادة، أنهضَ اولمبيا جاره من على الكنبة في الهول، اخذ بيده وجعلها تحت إبطه وراح يقوده نحو الباب. خرجا من البيت. ولم يكن على مستر اولمبيا معطف يقي أضلاعه برد تلك الساعة. إلا انه احتمى بكافور النائم حتى وصولهما إلى منزل الأخير. دق الجرس المثبت إلى جانب الباب في الأعلى. إلا إن أحدا لم يفتح . فعل ذلك أمرارا عديدة، وفي كل مرة يحاول جاره الإفلات من قبضته يمسكه ويجذبه إليه، إلى أن فتح الباب وأطلّت من وراءه زوجة كافور بعينين شبه مغمضتين. سلمها إياه، وقفل راجعا وهو يحث الخطى مسرعا نحو البيت. كان ما يزال مأخوذا بالنعاس منذ أن بدأ كافور بسرد حكايته عن مبتكري الكلمات المتقاطعة العظام. لكنه لم يشأ تركه وحيدا هناك، إذ لا يمكن توقع ما الذي يمكن أن يقوم به من أعمال خارجة عن إرادته، بحكم انه يسير وهو نائم، أو في اقل التقديرات هو نصف ميّت !

عندما وصل مستر اولمبيا إلى بيته، وجد الباب مفتوحا وثمة حركة في الداخل. توجس خيفة وظنّ أن لصا ربما دخل خلسة بينما هو يوصل السائر في نومه إلى بيته. ظلّ واقفا هناك وقد طار النعاس من عينيه. فكر فيما إذا كان عليه الدخول إلى البيت، أو طلب المساعدة من جيرانه. إلا أن الوقت كان متأخرا، ولم يعتد أن يزعج أحدا في مثل هذه الأوقات، حيث الناس نيام. ربما هي تلك القطة اللعينة ! قال مستر أولمبيا في نفسه، لكنه سرعان ما عاد ليشكّ أنَّ ثمة أحد في الداخل، لصّ أو ميّت، أو ربما ذئبا آخر.

حاول أن يجمع شتاته، تحلّى بشيء من الشجاعة، حمل المعول السفاري الذي حفر به قبر الطفل الذي كان معلقا في الكيس على شجرة البمبر في الحديقة، ودخل إلى البيت. كان حذرا وهو يخطو بقدمين مرتجفتين، بينما كان يرفع المعول متأهبا للدفاع عن نفسه في حال تعرضه لهجوم من قبل اللصّ، أو الميّت، أو الذئب لآخر. إلا أن أيّا من أولئك الثلاثة لم يكن في البيت.

" من أنت إذن، وماذا تفعل في بيتي أيها الغريب ؟! " صلح مستر أولمبيا ناهرا كتلة البرونز المتحركة أمامه : " قل لي،، وإلا شججت رأسك بهذا ! " كان أولمبيا يلوح بالمعول الصغير عندما التفت إليه كتلة البرونز قائلا :

" أنا تمثال... ! "

" ماذا يعني انك تمثال... " مستر أولمبيا صائحا : " وأيّ التماثيل أنت يا ترى ؟! "

" تمثال العامل ! "

" حقا... هذا أنت، ألا يجدر بك التواجد على قاعدتك الكونكريتية في ساحة ام البروم ؟! وأظن أن لديك مطرقة،،، أين هي ؟ "

" تركتها "

" حقا، وأين تركتها ؟ "

" في المستقبل "

" في المستقبل ؟! "

" نعم، في المستقبل "

" ما الذي تقوله يا كتلة البرونز ؟! " قال مستر اولمبيا حانقا : " ألا يكفي أنك في بيتي في مثل هذا الوقت المتأخر، لكي تدعي انك عامل نسي مطرقته في مكان ما من المستقبل. هل تظن أنني سأصدق هذه الترهات، وأنك تسللت من المستقبل، في حين ما زلت تقف وقفتك البلهاء في تلك الساحة الموبوءة ! "

" أولا، أنا لست كتلة من البرونز كما تظن يا مستر أولمبيا... " قال التمثال بشيء من الغضب : " وثانيا، أنت تتحدث مثل المتكلم ! "

" حسنا،،، وأي نوع من التماثيل أنت ؟ ومن هو هذا المتكلم ؟! " قال أولمبيا ملوحا ببطء، فقال التمثال :

" أنا من الكونكريت المسلح بالحديد، وإذا ألقيت معولك البائس هذا، سأحكي لك قصة المتكلم لكي تصدقني. أما إذا أردت أن تضربني به فسترى إلى أي حدٍّ ستتأذى عندما يرتد عليك، وربما سيُكسر أنفك أو تنشق إحدى شفتيك، لأنني كما قلت لك : كتلة صلبة من الكونكريت. كونكريت يا أخي،، ألا تفهم ذلك ؟! "

" لك ذلك... " أنزل مستر أولمبيا معوله : " إذا لم يكن هناك احد سواك يقف على بابي منتظرا أن يروي لي حكاية، فهات ما عندك يا كتلة الكونكريت الصلبة ! "

كان تمثال العامل ثقيلا بما يكفي لكسر الكنبة التي جلس عليها. الأمر الذي أثار غضب اولمبيا، إلا أنه لم يتفوه بكلمة. اقترب منه، مد يده عليه. تحسس يده ليعرف ما إذا كان كتلة كونكريت حقيقية، ثم دعاه إلى الجلوس ثانية، فجلس هذا على الأرض، بينما جلس اولمبيا على الكنبة المكسورة، وراح يصغي لحكاية التمثال الآتي من المستقبل.

" المتكلم "

جميع العمال في المدينة سُرحوا، إلا أنا، ما زلت أشتغل.

في مقهى صغير وقذر، منزوٍ، في أحد الممرات الضيقة التي تفضي إلى خرائب محلة البجاري العتيدة، وهو مقهى لا يختلف كثيرا عن بقية المقاهي المأهولة بالعاطلين عن العمل، بعد خراب البصرة الأخير، صباح كل يوم، وقبل ان أباشر عملي في تنظيف ساحة أم البروم من جثث الموتى، أجلس في مكاني المعتاد، على تخت خشبي ركيك، قبالة الباب، أطالع ذوي الوجوه الكالحة الممتصة، يقايضون ساعاتهم وأزرار ستراتهم، أضراسهم الفضية وخواتمهم المرصعة بالفيروز والعقيق اليماني والحديد الصيني، بكسرة شعير يابسة، وقدح صغير من الشاي المرّ، يحلونه بشق تمرة ديرية صلبة.

منذ اثنتي عشرة سنة، مضت على كارثة جفاف نفط البصرة، وانطفاء ينابيعه في باطن أرضها الغليظة، والأهالي يتوافدون على هذه الساحة العريقة، طمعاً في الحصول على إنائي الرزّ والفاصوليا، وهي الوجبة الوحيدة التي تُقدم إلى الجياع، مرة واحدة كل ثلاثة أيام، ويتبرع بها الميسورون، وتوزع عليهم بإشراف الحكومة.

أجوب أرجاء الساحة، في الوقت الذي يُقرع فيه جرس كبير جيء به من إحدى الكنائس المهجورة، إيذاناً باقتراب موعد تقديم الأرزاق المطبوخة. يهرع الأهالي الجياع من كل زاوية وخربة، ينسلون دفعة واحدة عبر الأزقة المدمرة، باتجاه الساحة، ما أن تتسلل إلى خياشيمهم رائحة الطبيخ المُعد على قدور كبيرة، تحت نار هادئة. يستلون أجسادهم النحيلة، من إسفلت الأرصفة الرطبة، حاملين قصعاتهم المعدنية، فاغري الأفواه، محدودبي الظهر، بأعين غائرة وأسمال بالية، وقد التصقت جلودهم على العظام من شدة الجوع. دون أن يفكر احدهم في إحداث جلبة، أو حتى التفكير باجتياز دوره، خوفا من هراوات رجال الشرطة ومؤخرات بنادقهم الجي سي. عندئذ، يتسنى لي فرصة تنظيف الساحة مما علق في الإسفلت من الجثث المتعفنة.

عادة ما يظهر " المتكلم " في مثل تلك الأوقات، على شاشة كبيرة معلقة عند مدخل شارع المطاعم، بلحيته البيضاء المحددة بعناية، وشعره الأشيب الذي يبدو كما لو كان مستنفرا، حول صلعة تلمع في شمس شباطية دافئة. فيبدأ بإلقاء موعظته المعتادة، قائلاً أن البصرة ليست المدينة الوحيدة التي تعاني من الجوع، إنما هناك موجات عنيفة، ما زالت تجتاح الهند وبلدان عديدة في أفريقيا.

كل ثلاثة أيام، يقف الأهالي في طابور طويل، يبدأ من أول قدر بين خرائب مقهى الميناء، في الساحة، ولا ينتهي عند الجسر الموصل إلى الجهة المقابلة، إنما يتفرع إلى ثلاثة أقسام، احدها ينعطف بمحاذاة نهر الخندق، وصولا إلى ابعد نقطة في منطقة الداكير. والآخر يعبر الجسر، ثم يتغلغل على امتداد شارع مالك بن دينار. والثالث ينعطف في الاستدارة عند الجسر، مارقا بأنقاض مديرية الجوازات، وينتهي بالجسر الأحمر، خلف خرائب مبنى المحافظة الجديدة.

دائما ما أعمل في الليل، وأحيانا استغل تكالب الناس على قدور الرز والفاصوليا، وأبدأ شغلي المتعب، انتشل جثث الموتى من على الأرصفة والشوارع، أضعها في حاويات كبيرة بعجلات مدولبة، تجرها بغال هزيلة إلى مستشفى البصرة التعليمي، ليتم فرز الطري منها عن المتعفن، ثم تُلفّ بالسيلفون، ثم تودع في ثلاجات عملاقة تحمل ليلا إلى بواخر أجنبية ترسو دائما على رصيف شط العرب. ومن هناك يتم تصديرها الى دول العالم، لغرض الاستفادة منها في مادة التشريح لطلبة الكليات الطبية.

قبل ذلك، كانت الحكومة قد قايضت الأخشاب والحديد والأسلاك وأعمدة الكهرباء بالغذاء والدواء، ثم تذكرت أن عددا مروعا من الكلاب السائبة تجوب الشوارع، وتتغذى على جثث موتى الجوع. وهذه بيعت إلى دول في شرق آسيا. التربة هي الأخرى، ما زالت الحكومة تصدر ملايين الأطنان منها الى دول الجوار، حتى أصبحت المدينة حفرة هائلة بهيئة قبر كبير. كذلك أشجار السدر والبمبر وعددا كبيرا من النخل. ولا أحد يعلم بماذا تفكر السلطات في غداً، ربما تفكر في تصدير قطع البرونز، فقد سمعت " المتكلم " في آخر ظهور له على الشاشة الكبيرة، يسبُّ التماثيل، قائلا أنها تقف هناك على القواعد الكونكريتية، في الأماكن العامة والساحات، دون فائدة تذكر، سوى التحديق في العدم.

خلال تجوالي بين خرائب المدينة، بعد انتهاء عملي، بعد كل وليمة، أرى الكثير من الفتيات والشبان يُباعون في سوق النخاسة، إلى مشترين أجانب، يدفعون مقابلها أشياء لا قيمة لها، تسد الرمق، أو تُسكت قرقرة البطون الخاوية. أسمع كثيرا عن أكلة لحوم البشر، الذين يقتنصون الأطفال والنساء، في الأزقة المظلمة، أو يستدرجونهم إلى الترع المخربة. أتذكر أنني تعرضت للخطف في يوم ما، كنت فيه عائدا من أحد تلك المشاوير، إلا أن أحدا من الخاطفين لم يستطع قتلي، حتى عندما أرادوا التهامي نيئاً، فوجئوا بقوة عظمي وسمك جلدي، وصلابة لحمي، فتكسرت أسنانهم، وراحوا يلعنون الجوع الذي قادهم إليّ.

لم يمض الكثير على موجة السباب والشتائم التي راح يكيلها " المتكلم " لمعشر التماثيل، حتى فوجئت في صباح احد الأيام بأحدهم يلفّ رقبتي بسلك معدني غليظ، وكانت تلك إحدى رافعات السلطة العملاقة، رفعتني من مكاني، على القاعدة الكونكريتية، في ساحة أمّ البروم، ووضعتني في حوض عربة كبيرة، اتجهت بي إلى أحد المخازن الكبيرة الواقعة في أطراف المدينة. وجدت تماثيل أخرى محبوسة هناك : الفراهيدي، عتبة بن غزوان، السياب، عبد الكريم قاسم والفرس الأشهب الذي كان يمتطي صهوته، أسد بابل الذي راح يكذب القصص المحاكة حول هوية الشخص الذي يرقد تحته، وأقاويل الناس حول إمكانية أن يكون هذا الشخص شقيقته أو عمته !

وكنتُ سأُقطع وأُباع إربا لولا أنهم اكتشفوا أنني لا أنفع لذلك ما دمتُ من الكونكريت، أو أُعبئ في صندوق خشبي مليء بالقشّ، وأُحمل على متن باخرة، تطوف بي البحار السبع، حتى أنتهي إلى متحف كبير على شكل حاوية للأزبال، ويضعونني هناك على قاعدة من حجر الغرانيت، إلى جانب تماثيل لشخصيات وقواد ورؤساء من أمثال صدام وستالين وهتلر وموسوليني وفرانكو. وربما كنت سأجاور تمثال تشاوشيسكو دكتاتور رومانيا، فيحدق بي أطفال فرقة سفاري. قد يلمسني أحدهم سائلاً مرشدته السوداء عن هويتي، فتمط تلك شفتيها الغليظتين، وتحك أنفها. أو يُلهي آخر نفسه بأن يلصق علكته في حذائي المثقوب.

ألا أنني هربت، نعم أيها العجوز الطيب. أفلت من قبضة جواسيس المتكلم الذين كادوا أن يقبضوا عليَّ بعد أن حاصروني في أحد الأفرع المغلقة هناك. لولا أن ثمة بابٍ حلمي فُتح أخيرا في أحد الجدران السميكة، تماما كما يحدث في أفلام الصغار ذات الطابع العجائبي. فنفذت من ذلك الباب إلى هنا. وعلى الرغم من ذلك ما زلتُ مطاردا من قبل باعة العتيق وأفراد من الإطلاعات الإيرانية الذين رسخت في أذهانهم فكرة أني أحد الجنود الهاربين من قواعدهم الكونكريتية على كورنيش المدينة. أولئك الذي كانوا يشيرون بأصابعهم نحو إيران.

والآن،، هل صدقت أيها العجوز أولمبيا ؟

" لا أعلم أيها التمثال الهارب... " قال اولمبيا متأسفا، وتصور أن أفرادا من أصحاب اللحى يقتحمون بيته، بحثا عن التمثال، ثم يقتادونه إلى جهة مجهولة بتهمة إيواء عنصر مطارد. قال :

" منذ الصباح وأنا أسمع حكايات غريبة، وألتقي بأشخاص غريبي الأطوار. والمشكلة أن جميعهم يطلبون مني أن أصدقهم. تصوّر أني صدقت أحدهم قال أنه أضاع ماء وجهه، وما زلت أصدقه وأبحث له عن ماء الوجه المفقود حتى سرقني الملعون. وطلب مني آخر أن أصدق بأنه ذئب. وثمة آخر لم يكن يعرف وقتها فيما إذا كان ميتا ! وها أنت الآن تطلب مني تصديق حكاية هروبك من المستقبل؛ حيث يتواجد هناك شخص يُدعى المتكلم يكره التماثيل ويريد إزالتها. وأنا كما ترى بعينك رجل عجوز، قدم في البرّ وأخرى في القبر. وليس لديَّ القدرة الكافية على تصديق كل تلك الأمور الغريبة. ربما كان من الأمثل أن يحدث ذلك على شكل دفعات، وكنتُ سأرضى بذلك وأصدق الكثير من الناس، مهما كانت قصصهم غريبة وعصية على أن تكون مثارا للاهتمام، قبل أن تُصدق في النهاية. وعلى العموم يا صديقي التمثال. يبدو أنك صادق في كل ما قلته. يبدو ذلك من خوفك وتوجسك. لكن أريد أن أسألك : إلى أين ستذهب عندما ستخرج من هنا ؟ إذ ليس من المنصف بحقي أيها التمثال الطيب أن تلبث معي في بيتي، لأنك بذلك إنما تعرضني للمساءلة، كوني آويتك. ولا أحد يعلم، ربما سأنتهي بسببك إلى نهاية سيئة. ولا أعتقد أنك ترغب في أذيتي. هل فهمتني أيها التمثال الطيب ؟! "

" أنا أفهمك يا سيد أولمبيا... " أجاب تمثال العامل بنبرة حزينة ونظرة تبدّى فيها اليأس على نحوٍ يثير الشفقة. قال :

" سأغادر أيها العجوز أولمبيا. يبدو أنك تعرضت خلال الساعات الماضية إلى الكثير من المتاعب والمضايقات. ولا أريد أن أتسبب لك بالمزيد "

" حقا ما تقول أيها التمثال. آه،،، كم أنا مغفل، أعطني قبلة أرجوك... " قال مستر أولمبي، وقبل التمثال، ثم بصق وراءه : " أرجو المعذرة منك أيها التمثال الطيب. ربما يمكنك البقاء حتى تشرق الشمس. ماذا قلت ؟ "

" شكرا... " قال تمثال العامل وقد نهض من مكانه على الأرض، هامّا بالمغادرة : " لا ينفع بقائي هنا. سأغادر. حتما سأجد حلا. لا تكترث. ونم مطمئنا،، أرجوك "

وغادر تمثال العامل مسرعا.

لم يتفقد أولمبيا الباب الذي تركه تمثال العامل مواربا، إنما عاد إلى غرفته. أطفأ النور ودسّ جسده الرخو في الفراش.

تمغّط، تثاءب، تجشأ كثيرا، ثم.... نام.

" لن تصدقوا ما سأرويه لكم.......... ! "

دقت الساعة الجدارية في الغرفة الرابعة فجراً.

ثمة صوت جلبة عند الباب. وأقدام تشق طريقها عبر البهو إلى غرفة النوم. حيث مستر أولمبيا هناك راقد في فراشه متأرجحا بين اليقظة والمنام. وبينما هو يصارع النعاس بجفنين هدهما التعب، أُضيئت الغرفة من أحد الأزرار بجانب الباب، الذي سمع صريره وهو يُفتح، ويدخل منه شخص أخفى ملامحه بيشماغ، ولم تظهر منه سوى عينان راحتا تشزرانه على نحو مخيف. وزاد على ذلك أنه كان يحمل سكين مطبخ ذات مقبض برتقالي.

" هل أنت بنّاء الأجسام الشهير المسمى بمستر أولمبيا ؟ " سأله الرجل الملثم بلهجة فيها زجر. ثم أعاد السؤال نفسه حينما تأخر أولمبيا بالإجابة. فأجاب الأخير، وقد غطى وجهه بالبطانية.

" نعم.. أنا هو ! "

طلب الرجل الملثم من أولمبيا أن يزيح البطانية عن جسده، وينهض من على السرير. ولمّا فعل أولمبيا ذلك، قال الرجل الملثم باللهجة الزاجرة نفسها :

" هل أنت حقا مستر أولمبيا ؟! "

" نعم... " قال اولمبيا ولا يُعلم مما كان يرتجف حينذاك، من الخوف أم من البرد : " هل أنت متأكد من انك مستر اولمبيا ؟! "

" طبعا... " أجابه اولمبيا بسرعة هذه المرة، حتى كاد أن يبكي : " أيعقل ألّا يعرف احد نفسه ؟!"

" إذن أين هي عضلاتك. ماذا حدث لك بالضبط حتى تبدو لي مثل ضفدع مجذوم ؟! لكن هذا لا يهم الآن، أريد أن أسألك،، هل أنت قتلت أبي ؟ " أعاد الرجل الملثم سؤاله مرتين قبل أن يتلقى الجواب من اولمبيا الذي راح يؤكد على انه لم يقتل أحداً سوى زوجته، وقد حدث ذلك سهوا، وعوقب على جنايته بقسوة.

" أما أبوك... " قال أولمبيا بنبرة فيها توسل : " فلم أقتله. صدقني. لقد مات فجأة عندما وخزته بأصبعي هذا. ويقال أنه كان مريضا بالقلب. ربما ساهمت وخزتي في موته، لكنني لم أقتله. أقسم لك. ولعلك لا تعلم أنه سامحني. نعم. وها أنا ذا أحيطك علما : " لقد سامحتك يا أولمبيا " قالها بالحرف الواحد "

" أنت تكذب.. " نهر الرجل الملثم أولمبيا : " لا تقل أنك رأيت طيفه في الحلم، كما لا يمكن أن يُبُعث من قبره ليقول لك بأنه غفر لك خطيئتك بقتله. هذا لن ينفع معي أيها العجوز الماكر. لن ينفع أبدا !"

" أنا لا أقول ذلك... " قال اولمبيا نافيا : " لم أحلم به أبدا، ولا أظن أنه خرج من قبره. لكن بوسعي أن أؤكد أنه راسلني. نعم.. أرسل لي رسالة يقول فيها أنه سامحني. وإذا لم تصدق أريك الرسالة. أنتظر لحظة،، أرجوك "

دس أولمبيا يده في جيبه الأعلى وأخرج تلك الرسالة التي من المفترض أنها مرسلة من رشيد المعقلي الميّت. إلا أن شيئا مما قاله لم يظهر في الرسالة التي ناولها للرجل الملثم، والملوح بسكينه بوجه أولمبيا.

" هل تسخر مني أيها العجوز... " الرسالة فارغة : " يبدو أنك خرفت إلى درجة أنك صرت تظنّ أن الموتى يكتبون لك الرسائل ! "

اقترب الرجل الملثم من مستر أولمبيا حتى صار على مسافة قريبة جدا، بحيث يمكن طعنه بالسكين إذا أراد ذلك.

قال أولمبيا :

" ماذا ستفعل بي ؟ "

فأجاب الرجل الملثم :

" سترى بعينك ! "

لأول مرة. سمع الجيران أولمبيا وهو يصرخ، كما لو أن أحدا راح يكتم على أنفاسه بوسادة. وشيئا فشيئا، لم يعد بالإمكان سماعه وهو يزعق طالبا النجدة. وكان الرجل الملثم قد استطاع الهرب في الوقت المناسب، حاملا معه سكينه التي تقطر دما، دون أن يراه أحد من الجيران الذين كانوا في الطريق إلى نجدة أولمبيا بالعصي والمعاول.

هرول الرجل الملثم مسافة طويلة، بين أشجار الكابرس والصفصاف في الجزرات الوسطية حتى وصل على مقربة من الشقة التي تسكن فيها شقيقته وزوجها. أزاح اللثام عن وجهه، وتقيأ خلف نخلة هناك. كاد أن يُغمى عليه وهو يحفر حفرة صغيرة أسفل تلك النخلة. انصرف بعدها إلى الشقة. دخل بهدوء. اتجه رأسا إلى الحمام. بكى كثيرا بينما كان ماء الدوش الساخن يهطل على جسده المرتعش. لبث هناك قرابة الساعة. كاد أن ينام. وعندما أحسّ أن ثمة من استفاق من النوم في تلك الساعة، لفّ وسطه بمنشفة كبيرة وخرج من الحمام إلى الغرفة. ارتدى ثيابه. أنزل حقيبة كبيرة من على الخزانة وراح يكدس فيها أشياءه حتى امتلأت. غادر بعدها الشقة. وما زال واقفا هناك على الرصيف حتى توقفت إحدى السيارات التي كان يشير لها بيده.

" إلى المطار من فضلك "

ترجل من سيارة الأجرة، قريبا من البوابة الرئيسية للمطار والتي يحرسها فصيل من الجنود البريطانيين. كانت الإجراءات معقدة، ربما سيستغرق الأمر وقتا أطول من المعتاد حتى يتمكن من الدخول، حيث بإمكانه الجلوس في صالة الانتظار ريثما يركب إحدى الطائرات المتجهة إلى عمّان.

في تلك الأثناء، كانت شقيقته قد استفاقت من نومها إثر قبلة تركها الزوج على جبينها، ثم راح يوقظ في الغرفة المجاورة أولاده الثلاثة الذي نهضوا من أسرّتهم متخبطين يرتطم احدهم بالآخر، إذ لا زال الخمول يعتري أجسادهم الصغيرة. وكما هي العادة، تلقى كل واحد منهم قبلة هوائية أبويّة حارة، قبل أن يقودهم هذا الأب إلى المرحاض. أدخلهم إلى هناك واحدا تلو آخر. وكان ما يزال يراقبهم بمرح وهم يغسلون وجوههم بالصابون ويتراشقون فيما بينهم بالماء. في حين كانت الأم تناغي وتداعب رضيعها بينما هي تغير له الحفاظ.

بعد أقل من ساعة جلس الجميع حول سفرة الطعام. الأولاد بكامل قيافتهم المدرسية، بينما كانت الأم تتغنج بصمت وهي ترد بإيحاءات جنسية على ما يفتعله الزوج من حركات مرة بلسانه وأخرى يغمز لها بطرفه، ثم يشير برأسه إلى غرفة النوم، في إشارة إلى الليلة الممتعة التي قضياها وهما يتقلبان بمتعة أحدهما في حضن الآخر. وكانت الزوجة قد ارتدت فستانا أسود ومشطت شعرها الطويل بعناية، وبدا وجهها صافيا وخاليا من أيّ ندبة أو خال، رغم أنها لم تتزين، على اعتبار أن فترة قصيرة مضت منذ أن توفيت أمها. وبينما هما على مائدة الطعام، يتغازلان ويتبادلان القبل الهوائية، تذكرت الزوجة شقيقها. نهضت فورا واتجهت إلى حيث يقيم في تلك الغرفة. سمع الزوج شهقتها من هناك، ولما هرع ليرى ما الذي حدث وجدها ذاهلة وهي تحدق ملء عينيها إلى الفوضى الهادئة التي عادة ما يخلقها المغادرون بعد رحيلهم. حوطها الزوج بذراعه. قبّل رأسها. شمّ شعرها. عضّ أذنها ثم همس فيها كلمات أعادت شيئا من بهاء وجهها في ذلك الصباح. ثم قال :

" كنت قد حجزت له دورا في إحدى عيادات الطب النفسي، ودفعت ثمن العيادة مقدما،، لكن هذا لا يهم الآن ! "

في تلك الساعة، كان ساعي بريد البلدة يقف قريبا من بسطة ناصر بائع الجرائد، وقد كدر سعادته بظهور صورة جديدة له في الصفحة الأخيرة لإحدى الصحف خبر مفاده أن عددا كبيرا من النساء العجائز قُتلن في أحد البلدان النائية دفعة واحدة وفي ليلة كان فيها القمر بدرا. وقد هاله أن القاتل ترك على رقابهنَّ آثار أنيابه المفترسة ! في حين كان عامل البلدية يقاسي الأمرين، بعد أن رأته حبيبته من خلل زجاج السيارة وهو ينظف أحد الأرصفة من القمامة، دون لثام. فضلا عن ازدياد المهاترات بينه وبين زملائه عمال البلدية إلى حدّ لم يعد يحتمل عنده تلقى المزيد من القاذورات التي يقذفونها بها. وقد تلاشت رغبته في أن يعقد صفقة ليستبدل عنوان وظيفته مع تمثال العامل الذي حمموه وطليت بدلته جيدا، وطوقوا رقبته بورد أحمر مزيف، مع اقتراب ذكرى عيد العمال.

أما نعمان العشاري، فكان حظه سيئا في صباح ذلك اليوم، إذ اتضح أن الرجل العجوز الذي أراد سرقته كان عميدا عسكريا متقاعدا، ويملك من السلطة ما جعل لحاء الشجرة في ذلك اليوم يتوسله راجيا إخراجه من الحبس. في وقت لم يكن من العسير على سعدون الخصيبي أن يجد شخصا يروي له تلك الحكاية عن المدينة الفاضلة. كذلك هو مالك الخمسميلي ما زالت نشوة الانجاز الذي تحقق بنشر قصته الأولى في الجريدة تغمر روحه. وقد جلس على إحدى المصاطب الكونكريتية المطلة على الشطّ، يكتب نهاية لقصته الجديدة :

(( في صباح اليوم التالي. وجد بنّاء الأجسام العتيد نفسه في المستشفى، محاطا بجيرانه وبعض معارفه الذين تكالبوا على الردهة الجراحية، حيث يرقد هناك منذ ساعات مضت على تعرض منزله للاعتداء من قبل أحد المرضى النفسيين الهاربين من " الشماعية " وقد اكتفى هذا المريض بقطع سبابة يد العجوز اليسرى قبل أن يُلقى القبض عليه قريبا من بوابة مطار المدينة. وكان من بين أولئك الزائرين لبنّاء الأجسام في المستشفى جاره مبتكر الكلمات المتقاطعة، وصديقه طبيب الأمراض العقلية والنفسية الذي لفّ رقبته بضماد، وحين سأله بنّاء الأجسام عما حدث له، أجاب الطبيب أن أحد مرضاه المخبولين خال نفسه ذئبا، فخمش رقبته بأظافره الطويلة القذرة :

" إيه... يا صاحبي، عدّت بسلامات "

دقائق، وأقبل البائع الجوّال، ملوحا بيده التي حملت هدية هي عبارة عن حصالة نقود بهيئة ذئب. ما أن رآها بّناء الأجسام العجوز حتى صاح من مكانه على السرير مازحا :

" عووووووووو... ! "

فضحك كل من في الردهة. وراح بناء الأجسام العجوز يروي لهم قصة الذئب الهارب من السيرك. مبتدءا حديثه بـ :

" لن تصدقوا ما سأرويه لكم.....

...............

.....................

...........................