الفصل الأول : رحيل فرومينا

7 0 00

الفصل الأول : رحيل فرومينا

" وبينما كان الشاب يضع إكليلاً من الزهور حول شاهد قبر زوجة أبيه ..إذ كان يظن أن طبيعتها قد تغيرت بتغير حياتها، و انتقالها للدار الأخرى... لكن ما إن أنحنى الشاب حتى هوى الشاهد فوق أم رأسه وقتله... آه يا أبناء الأزواج ..فلتبتعدوا عن قبر زوجة الأب..."

كاليماخوس القوريني/ الإبجراما الثامنة

مع إطلالات الفجر الأولى المؤذنة بمشرق الشمس في السماء، كانت سفينة التاجر الإغريقي تيميسيون تتهادى وسط البحر ساكن الأمواج قاتم اللون، مبتعدة عن شواطئ جزيرة كريت، الجزيرة التي وصفها هوميروس ذات يوم بأنها أرض جميلة غنية يحيط بها الماء، و فيها الكثير من الخلق يخطئهم العد، و بها تسعين مدينة.

كان الجميع منهمكاً بأداء واجباته المناطة به، كل يحاول إنجاز ما كُلف به من مهام قبل أن تتصعد الشمس كبد السماء، مما يجعل في عملهم الكثير من الإجهاد و المعاناة و استنزاف القوى. في مؤخر السفينة كانت تقف فرومينا Phromina ممشوقة القوام سليمة البنية، ترتدي عباءة الهيماتيون التي تغطي ثوب خيتون بسيط تكاد تخفيه إلا جزءٍ يسير منه، و لو تيسر لعين أن تراها عن قرب لتبينت دموعها و قد جاوزت خديها تتناثر من حولها مع أنسام الهواء الباردة. كانت دموع مودع لفتاة لما تتجاوز العشرين بعد، تنظر في حسرة لمدينتها "أوكسس" التي تبتعد عنها متوارية و كأن البحر يبتلعها. أمعنت النظر لعلها تتبين ما توارى من الجزيرة، و هي تشعر بثقل شديد يعتلي صدرها، فما يتوارى خلف اليم ليس مجرد أرض و جزيرة، بل هي ذكريات صبى و طفولة، و هي في لحظة وداع لهذه الذكريات، وداعات تُدرك فرومينا أنها لا يمكن إلا أن تكون أبدية. فعندما أفقدها الموت أمها عرفت أن في الحياة وداعات أبدية ليس للمرء أن يشك في أبديتها. ووداعها لذكرياتها ليس بأقل يقينية و لا هو بأقل ألماً من وداع أمها يوم ماتت. ذلك اليوم لم تُصدق فرومينا أنها لن تلتقي أمها مرة أخرى، لكنها اليوم بحكم سنها و إن صغر، و بحكم تجربتها و إن لم تكن بالطويلة، و ربما بحكم ما عانت من شقاء لم يكن بأي حال بالقليل أو الخفيف، نجدها أكثر تقبلاً لواقعها، لكن وداعنا لمواضع ذكريات الصبي ليس لها إلا أن تجعل الدموع تأتي مدراراً، الأمر الذي لا نمنعه، و إن حاولنا فلن نستطيع له منهاة. و هو ذات ما أتته فرومينا فأطلقت العنان لدموعها لعلها تُزيل غصة تحسها في حلقها منذ ركبت السفينة، و لعل هذه الدموع تُخفف ثِقلاً اعتلى صدرها، لم يخفف من ثقله هواء البحر النقي الرقيق.

حاولت تذكر ما خلفت وراءها من وجوه و أسماء، لكن وجه زوجة أبيها متجهم الملامح كان يغشى باقي الوجوه، ليحولها لمجرد هالات سوداء تحيطها مساحات حمراء شديدة التوهج. فإمَّحت ابتسامة بالكاد ارتسمت على ثغرها لتذكُرِها وجوه طالما رافقتها في صباها. هزت برأسها و عبثت بشعرها لعلها تستطيع تغيير مسار ذكرياتها. نجحت في ذلك و هي تتذكر والدها الملك أتياركوس يجلس على كرسيه ممسكاً بصولجانه المذهب، لكن زوجة الأب كانت حاضرة في هذه الذكرى أيضاً، و هي تهمس لزوجها محرضة إياه ليطرد ابنته متهمة إياها بما تخشى أيما فتاة أن تُتهم به.

ما وجدت لها من منجاة من هذه الذكريات المؤلمة سوى تذكر وجه أمها، فهي قد اعتادت مداراة آلامها بالهرب إلى أعماقها حيث تستقر صورة أمها، لتحتضنها بطيفها كما كانت تحتضنها بجسدها في حياتها. لكن الحزن عاد يعلو وجهها من جديد و قد عادت إلى واقعها، و هي تبتعد عن أماكن و أشياء لطالما ذكرتها بأمها. حاولت أن تطمئن النفس بأن أمها تعيش معها تعانق روحها، ليس لبعد المكان و اختفاء الأشياء أن يشوش صورتها و إن طال الزمن. شعرت بلحظة من الرضا، فقررت أن تنأ بنفسها عن هذه الذكريات لعلها تنجح في إيقاف دموعها التي باتت تحسها تكوي خديها. أشاحت بوجهها عن البحر لتُشغل نفسها في مراقبة البحارة المنهمكين في العمل. لكن أول ما صادفها كان التاجر الإغريقي تيميسيون صاحب السفينة التي تركبها. رجل لا تعرف عنه شيء سوى أنه تناول الغداء يوم أمس مع والدها، و يبدو أن حضوره صادف غضب و حنق عليها تولد عند والدها من أثر ما تُسر به إليه زوجته. الأمر الذي دفع والدها الملك أن يطلب من التاجر تيميسيون أن يصطحبها معه. و كأن قلب الأب عند الملك قد تحجر، و كأن نار حقد زوجته قد أتت على كل مرابع الحب فيه، و قطعت كل حبال الود والرحمة التي تربطه بفلذة كبده. ما عاد عنده من حب أو ود اتجاه ابنته، بل غابت حتى الرحمة من قلبه، فصار عقله رهينة لما تملي عليه زوجته. مما حداه لأخذ وعد من التاجر بتنفيذ طلبه قبل أن يخبره به، و عندما نال من التاجر العهود و المواثيق التي يرغب، أفصح عما في قلبه، بل أفصح بلسانه عما يعتمل في قلب زوجته، فطلب من التاجر أن يأخذ ابنته فرومينا و يخلصه منها بإغراقها في البحر. صُعق التاجر تيميسيون و هو يسمع الملك يطالبه بمساعدته في التخلص من ابنته، و غضب و هو يراه يخدعه بأخذ المواعيد و المواثيق ليُحمله ما تنوء الجبال بحمله، لكنه لم يستطيع الرفض، فهو في حضرة الملك و أي ملك، إنه أتياركوس ملك أوكسس.

كان التاجر الإغريقي تيميسيون يستحث بحارته لتعجيل سفينتهم نحو جزيرة ثيرا، محاولاً الابتعاد بقدر ما أتته السفينة من قوة عن مكان صار يثير لديه قدر غير قليل من الشعور بالاشمئزاز، و إن كان يُدرك في سريرته أنه صار أسيراً للملك مهما باعدت بينهما المسافات، فعهد الإغريقي قدره ، لقد صار أسير العهد الذي قطعه للملك بتخليصه من ابنته بإغراقها في اليم. لم يكن أمامه من شيء يخفف وطأة ما يعتمل في قلبه سوى صب جام غضبه على بحارته، مستحثاً إياهم الإسراع، و كأن الوصول إلى ثيرا سيخلصه من وعد منحه في غفلة منه لملك هوى قلبه في لحظة هوى فاعترته الغفلة عن حب أقرب الناس إليه و هي ابنته. لكن الحقيقة أنه ما كان أمام تيميسيون من مهرب من وعد أحاط به عنقه في لحظة ضعف منه، أمام ملك جبار لا يُجيد قبول الأعذار.

بعد ساعات و عندما تكبدت الشمس السماء، كانت فرومينا تغط في نوم عميق، لا يُعرف إن كان نتيجة دوار البحر أم هو بفعل شيء سقاه لها أحد بحارة السفينة، ما كان يهتم له تيميسيون في تلك اللحظة أنها قد صارت في حال يتمنى أن يجدها فيه ليفي بما وعد به والدها الملك. فعمد إليها يشدها بحبال قوية شداً محكماُ ليس منه فكاك، و بعد أن تم له ذلك قام بمساعدة بحارين مقربين إليه بإنزالها لمياه البحر، لكنه و لما أدرك أن مياه البحر قد غطت كل جسدها حتى وارتها عن الأنظار، طلب من بحارته سحبها في عجل، و ما أن استقر جسد الفتاة على سطح السفينة حتى شرع البحارة في فك وثاقها، بينما كان تيميسيون ممسكاً بها بين ذراعيه منادياً إياها في محاولة لإيقاظها. وهو مطمئن إلى أن فعله هذا قد أزاح عن كاهله الوعد الذي كان يكبله.

مضت السفينة قاطعة البحر، تدفعها الريح المواتية، حتى طالت مقصدها، فرمى بحارتها المراسي على شواطئ مدينة ثيرا، و مع أول خطواته على الأرض أحس تيميسيون بقيد آخر، لن يكون بأي حال بأهون من قيد وعده للملك، الذي تخلص منه بحيلة عنت له بغمر الفتاة في مياه البحر دون إغراقها. القيد الجديد و إن كان لا يحيط برقبته، إلا أنه قد يُعيق خطواته في قادم الأيام، فها هي فتاة تتبعه ليس لها من تأوي إليه في ثيرا، و شهامته لن تسمح بتركها وحيدة في مدينة لا تعرف فيها أحداً.

ها هي ثيرا تفتح جناحيها لتضم إلى ما تحوي من رجال و نساء، فتاة ضاقت بها أرض جزيرتها، بل ضاق بها صدر والدها الملك، بعدما أوغرته عليها كلمات لسان زوجته، التي عجز قلبها أن يحتويها...