الفصل الرابع: كهنة معبد دلفي
"سيأتي في أحد الأيام إلى معبد دلفي، ليتلقى من الإله أبوللو نبوءة تأمره باصطحاب العديد من الرفاق في مركب يُبحر به نحو معبد أمون في بلاد النيل"
الشاعر بنداروس
على السفوح الجنوبية الشرقية لجبل برناسوسParnassus والذي كان يعد منزلاً لربات الفنون التسع، وعلى بعد عشر كيلومترات تقريباً من خليج كورنثة في الجنوب تقع دلفي في أعالي الجبال في وسط اليونان.
لتصل إلى هذا المعبد عليك أن تصعَّد أكثر من عشرة أميال، و لن تصل القمة سالماً إلا إذا كنت مدركاً أن حياتك في خطر طوال هذه الرحلة، و ما من ضمانة لذلك، فكاهنة دلفي تقدم المشورة للقادمين إليها، لكنها لا تهتم بحمايتهم أثناء رحلتهم إليها.
عند وصولك إلى سفح الجبل تكون قد أدركت دلفي مدينة اليونان المقدسة. وعلى بعد ألف قدم من تحتها سترى سهل كريسيا Crisaea المنبسط تتلألأ فيه أشجار الزيتون بأوراقها ذات اللون الفضي. فإذا ذهبت ببصرك إلى أبعد من هذا، سيترأى لك من بعيد وعلى بعد خمسمائة قدم أخرى تحت هذا السهل جون صغير من خليج كورنثة، تتهادى فيه السفن وهي مقبلة من بعيد، ومن وراء هذا الجون تمتد سلاسل أخرى من الجبال تكسوها عند مغيب الشمس حلة أرجوانية.
وكان العباد من اليونانيين يؤمون هذا المكان منذ قديم الزمن لتعبث بهم الرياح التي تهب بين الأخاديد، و ليشتموا الغازات المنبعثة من باطن الأرض، و ليسمعوا صوت إلههم أبوللو، من كهنة المعبد الذين يستنبطون لهم حكمة أبوللو التي جاءوا ينشدونها.
في عيد أبوللو كان يكتظ المكان بالناس، لترى الطريق نحو المعبد مزدحماً بالآلاف من المتحمسين للقاء إلههم، فهذه خيام يستريحون فيها، و هذه محال تطعمهم على عجل، و تلك حوانيت تبيع ما يعتقد الناس في قدسيته. رجال يحرصون على ألا تبعُد عنهم نسائهم اللائي يتبعنهم في تودة و خشوع يرتدين أرديتهن الطويلة ذات الألوان الزاهية من الخيتون الطويل تتخللها شرائط عريضة أفقية ورأسية، و يعتمرن على رؤوسهن أغطية ملونة بألوان صارخة حمراء وسوداء وصفراء وخضراء.
تواصل مواكب الحجيج مسيرها نحو معبودهم، الذي جاءوه سائلين رضاه طالبين حكمته، يرتلون عنده الأناشيد و يتقربون إليه بالقرابين. يواصلون صعودهم بأجساد هدها التعب و أنفس تعتريها السكينة، ليرقبوا الجبال و البحر من علٍ و يقدموا فروض الطاعة لإله يمدهم بما يسألونه من نبوءات.
الصعود لهذا الجبل يمكنك من إبصار أكثر المناظر الخلابة إثارة للدهشة، ليس بجمالها فقط و لكن بما تخفيه من أسرار دفنت في أعماق الماضي، جعلت قدماء اليونان يعتقدون أن دلفي هي سر العالم، و لا يزال البعض من السكان المحليين يعتقدون بهذا الزعم.
تقول الأسطورة القديمة أن الإله الإغريقي زيوس أراد البحث عن وسط العالم فأطلق نِسرين أحدهما من الشرق والآخر من الغرب فالتقيا فوق دلفي، و عند موضع التقائهما وضع زيوس حجر كبير كعلامة، ستجده موجود في ذات المكان إذا سُخر لك الذهاب إلى هناك، و لكن إياك أن تعتقد به أية قدسية اليوم، لأنه ليس سوى نسخة مزيفة للحجر الذي وضعه زيوس ليحدد به منتصف العالم. و الذي يسمونه هناك بسرة العالم أو الأمفالوس Omphalosوقد كانت المذبح الذي يقدمون عنده القرابين لأمهم الأرض في الماضي، ثم للإله أبوللو الذي تقول عنه الأسطورة أنه قد سبح في البحر ذات يوم على شاكلة دلفين إلى دلفي، و لما كانت دلفي تقع فوق جبل تعجز الدلافين عن تسلقه، عاد أبوللو إلى شاكلة الإله و تابع صعوده حتى وصل إلى حيث تكاد الصخور تلاطم السحاب و يبسط الظلام رداءه الأسود فيخفي بيثون و يخفي كل شيء. لكن أبوللو لم يكن ليظل عن بيثون المغطى جسده بالحراشف، يحرس المكان في الزمن القديم و يصد عنه الرجال، و لم يكن بيثون ليُفلح في الاختباء، فخرج يتموج بين الصخور، و أخذت الصخور تميد من تحته و تضطرب في مستقرها، و أخذ بيثون الغاضب الحانق يمحق كل ما يأتي أمامه، و ينشر فيما حوله الفناء. فراحت ربات البحر و كل الأحياء تطلب لنفسها النجاة، و انتصب بيثون غاضباً و فتح فاهه العظيم ليبتلع أبوللو، و حينذاك تردد رنين وتر القوس الفضي و كما الشرر ومض فى الجو السهم الذهبي الذي لا يخطئ الهدف، تلاه ثان فثالث كانت السهام تتساقط كالمطر على بيثون فوقع على الأرض و قد فارق الحياة و تردد عاليا نشيد النصر المهيب على أنغام الغيثارة الذهبية. ثم أقام أبوللو معبده المهيب الذي ما يزال قائما في دلفي. و بناء على هذه الأسطورة عُرفت المدينة باسم دلفي نسبة للدلفين الذي تصور الإله أبوللو على شاكلته.
لمح أبوللو بعد ذلك سفينة لبحارة من كريت، فقذف بنفسه في البحر عل هيئة دلفين و سبح حتى طال السفينة، فانبثق من بين الأمواج و تسلق مؤخرة السفينة، و أوصل البحارة إلى مرفأ كريسيا ثم قادهم عبر الوادي الخصيب و هو يترنم على غيثارته الذهبية، فلما بلغ بهم دلفي جعلهم أول الكهنة في معبده.
وبما أن آلهة الإغريق كانت تبصر المستقبل كما يدعون، فقد رأى أبوللو أن دلفي ستنعم بالشهرة ويسكنها كائن غامض هي أوراكل.
لقبت باسم بيثيا، وكان الجميع يسعى إليها لتلقي النصح منها، في جميع المجالات من مشاكل الحب و العائلة و حتى شئون الدولة و الحروب.
كانت بيثيا تجلس على تصدع في الأرض تستنشق البخار المتصاعد من الأعماق، وحين تفقد الوعي تهذي بكلمات لا يفهمها و يفسرها إلا كهنة المعبد، و إن كانت تفسيراتهم غامضة في غالب الأحيان. فعند تعرض أثينا لخطر الغزو الفارسي، بعث حكامها بسفرائهم إلى دلفي يستشيرونها فيما يجب فعله، فقالت لهم: و يحكم لا يوجد أمل. وبقي السفراء عند دلفي لعلهم يحضون برد أفضل. وأخيراً نصحتهم بيثيا بالاختباء وراء الجدران الخشبية. عاد السفراء يحملون حيرتهم التي طالت كل مفكري البلاد و استغرقهم التفكير في إيجاد تفسير لما قال به أبولو، إلى أن توصل أحدهم بتفسير قبله الجميع، فما كان يعنيه أبوللو هو أنه علينا مغادرة المدينة، والبحث عن سلامتنا في أسطولنا البحري، وهذا ما فعله أبناء أثينا حين تسلحوا بالأسطول وقاتلوا الفرس في البحر.
و كان يمكن تفسير نبوءات دلفي على وجهين، فالنبوءة التي قدمت إلى كريز ملك ليديا أثناء حروبه مع الفرس كانت تقول" إنك إذا ما قطعت نهر غاليس دمرت مملكة عظيمة" فلم تُحدد النبوءة أيدمر مملكته أم مملكة عدوه.
تقول الحكايات أن طالبي النصيحة كانوا يصعدون إلى معبد أبوللو ويقدمون طلباتهم إلى الكهنة الذين كانوا يأخذونها إلى الكاهنة بيثيا، التي تستقبل المشورة من أبوللو لتخبر بها الكهنة الذين ينقلونها إلى طالبي النصيحة.
كانت الكاهنة بيثيا تبقى بعيدة عن الأنظار مع أنه لم يتم العثور على غرفة سرية في المعبد. إلا أننا نجد عند أسفل الجبال نبع كاستاليان Castalian الذي تتدفق منه المياه التي يطهر فيها الحجاج أنفسهم. و ستجد سلالم صغيرة حُفرت في الصخر توصلك إلى تصدع خفي يقال أن بيثون كان يحرسه في الزمن الماضي قبل أن يقتله أبوللو. يُعتقد أن هذا الموضع هو المكان المقدس الذي تقرأ فيه بيثيا المستقبل. و يقال أن الكاهنة بيثيا في لحظات تواصلها مع أبوللو تنتابها غيبوبة تجعلها تهذي بكلام مبهم، نتيجة وقوعها تحت سيطرة أبوللو كما يقولون. إلا أن العلماء الذين زاروا المكان فسروا ما يعتري الكاهنة بيثيا بالغازات التي تنبعث من التصدعات التي تعج بها المنطقة، و قد تعطي تفسيراً لما ينتابها من غيبوبة.
و يذهب بعض المشككين إلى أن التسلسل المتبع لإرسال شكوى أو طلب السائل إلى أبوللو و استقبال المشورة منه، تسمح للكهنة بتضمين مشورة أبوللو بما يرغبون في بثه من رسائل. إذ لا يُختصر اعتماد كهنة دلفي على ما يدَّعونه من صلة بالآلهة، بل كانوا يعتمدون على مصادرهم في الأرض، فمن خلال زيارة جميع قادة الدول لدلفي طلباً للنصيحة كان الكهنة يحصلون على معرفة واسعة بالأحداث الجارية والأحوال السائدة في مختلف المدن اليونانية، و معلومات كافية ووافية لاستخلاص جميع العبر. لقد كانت دلفي بمثابة مركز لجمع المعلومات من جميع أنحاء العالم.
وقد ازدادت أهمية دلفي و ارتقى شأنها في مرحلة التوسع اليوناني و بناء المستعمرات، حيث كان الساسة يطلبون المشورة قبل الإقدام على المشروعات الهامة و الأمور الخطيرة، كتأسيس المستعمرات ودخول الحرب ووضع القوانين.
و كانت دلفي تمثل نقطة التقاء للمدن اليونانية التي مزقتها الخلافات، فكانت تسوي خلافاتهم لتجمع صفوفهم عن طريق التحكيم فيما بينهم.