(1)

5 0 00

(1)

لعل من العبث أن يحاول المرء أن يرسم بالقلم صورة لإنسان أو شيء ما ولا سيما إذاكان الكاتب رجلا والموصوف امرأة ؛ فليس أجهل من الرجل بالمرأة ولا من المرأة بالرجل ، وإن كانا يعيشان معا ، ويتحابان — لا آدري كيف ؟ — ويتزاوجان ويعمران الارض بنسلهما ، ويبذران ذريتهما كالحب . ولا تسألني كيف يأتلف هذان المختلفان ، ويتواطن هذان الانسانان — إن صح أن كليهما إنسان — وكل منهما لصاحبه لغز لا حل له ؟ فما كنت خلقتهما أو شهدت خلقهما ، أو عاصرت جديهما الأعليين ، حتى أدري . على أن التصوير بالقلم ، وإن كان لا يفيد أحدا صورة واضحة المعارف بينة السمات متميزة اللمحات ، يتيح لكل قارئ أن يرسم لنفسه صورة ، ويؤلفها خياله مما توحي به الأوصاف وكفي بهذا مغنما ولله أرحم بالكتاب من أن يجعل عناءهم باطلا وتعبهم لا خير فيه . فلنتشجع إذن ، ولنتوكل على الله الحنان المنان .

كانت الليلة ساجية طلقة ، والقمر متسقا مضحيا في سماء تبدو في رأى العينكالمخمل ، والدنيا المسحورة من نوره الواضح اللين ، في صوف منسوج من خيوط سود وأخُر فضية ، وقد أفضلت لها فضول ؛ والأشجار تذهب في الهواء كأنها عمد مدهونة ، وتلقي ظلها مدنرا على الأرض ، وتعطر الجو ؛ والنوافذ والشبابيك كلها مفتوحة يهفو منها ترجيع شجي يمتد به صوت أنثوي ينتقل من نغمة إلى نغمة في غير تكلف أو جهد .

وكان في حديقة البيت جوسق (كشك) سداسي الشكل مصنوع من أعواد الخشب ، وقد تعلق به وارتقى فيه وظلله النبات ؛ وفيه مائدة عليها بقية من لحم ، وجزلات من

رغفان ، وقطع من مخلل الخيار واللفت والجزر والباذنجان ، وقرص متصدع من جبن حالوم ، وزجاجات جعة بعضها نصفان أو دون ذلك ، والبعض لا يزال في الثلج وعليهسداده لم ينزع وقد جلس إلى المائدة ثلاثة أمامهم الأقداح وقد أبطأوا بها بعد أن كادوا يمتلئون من الطعام والشراب . وأول هؤلاء الثلاثة وأولاهم بالتقديم — وإن لم يكن أحقهم بالتعظيم عياد ، وهو شركسي الأصل يؤمن بالشارب المفتول ، والعين الحمراء والبرجمة في الكلام ، والزعقة الشديدة حين ينادي خادما أو غيره ، وإن كان الجرس قريبا ، وزره يتدلي فوق المائدة من سقف الجوسق . ولا نحتاج أن نقول إنه شخيص لحيم ، وإنه شديد الوطء على الأرض ، وإنه لا خير فيه ولا شر ، إلا أن يجيء الخير عفوا ، أو يجيء الشر من قلة العقل أو النفخة الكذابة . وهو مدرس قديم ناهز الخمسين وآثر الراحة ، ،والثاني في هذا المجلس الأستاذ حليم فاعتزل العمل مكتفيا بدخل خاص يسير ، ومعاش يقبضه كل شهر من الحكومة وهو قاعد . وهو ضاوي الجسم خفيف اللحم معروق الوجه ، دقيق عظام اليدين والرجلين ، يأكل كثيرا ولا يُرى أثر ذلك عليه في بدنه ، وحديثه طويل فلنرجئه إلى أوانه . والثالث شاب في العقد الثالث ، بتع شديد المفاصل ، سريع خفيف حسن الصورة ، بياض وجهه تعلوه حمرة وعلى جلده نمش قليل ، وهو خطيب محاسن بنت عياد ، وقد آثره على غيره لبياض وجهه ، زاعما أن هذا يسلكه مع الشراكسه والأتراك ويرفعه عن طبقة الفلاحين الغُبر الوجوه وإن كانت الحقيقة أنه فلاح ابن فلاح جلا عن قريته بعد أن أضاع أرضه فيها ، فشب ابنه حضريا صرفا وقاهريا محضا ، وتعلم الهندسة وفاز بوظيفة « ويدلله أّهله تدليلا سمجا فيقولون ، « محمود » في الحكومة . واسمه في شهادة الميلاد حوده، ومن الانصاف أن نقول إنه يستسخف هذا الاسم ،

وكان يثور على من يدعوه به ، ثم رأى أن هذه حكاية شرحها طويل فاكتفى بأن لا يجيب كأن المنادي غيره .

وكان عياد أكولا شريبا ، ولم يكن هذا يعني أحدا سواه ولكنه كان إذا آكل أحدا أو شاربه ، لا يزال يحضه ويستحثه ، ويزين له الطعام ويغريه به ، ويوالي عليه الكأس دراكا وكان من السهل على محمود أن يسايره ، فإنه شاب قوي لا يتعذر عليه — بل لعله يباهي بأنه يستطيع — أن يكثر مخلطا من صنوف الطعام مستقصيا لها .

أما الأستاذ حليم فكان رجلا قد كبر فهو يؤثر أن يكون زهيدا لا يأكل إلا دون الشبع ، ويأبى له ما عودته مهنة التعليم من المحافظة على وقاره واحتشامه ، أن يشرب

حتى يتطرح — وكان إذا ألحف عليه عياد يرفع الكأس ويميلها على فمه ، فعل الشارب ، ثم يردها وما حسا إلا قطرة أو بلة ريق . على حين يعب عياد العبة الروية ويضع الكأس ممطوطة ممدودة . وكان ذا دأبه حين يشرب — « » كأنما يدق بها المائدة ويقول : اهح . يعكف على الشراب جزافا غير حافل بالكيل كأنما هو في سباق أو رهان ولا يرضيه إلا أن يرى غيره عاكفا مثل عكوفه —

فإذا استأنوا كبر في ظنه أنه قصر في التحفي والإكرام ، وكان واسع الخلق لا يدع عنده شيئا من الجهد في إكرام ضيفه ، ويجد في انبساط نفسه بالكرم راحة ولذة وزهوا . ولكنه كان إذا شرب يثقلِ على ضيفه ويضجره بالالحاح عليه أن يقبل على ما قُدّم له .

وعبثا كان الأستاذ حليم يقول لعياد : يا أخي كن منصفا . إن معدتي حوصلة دجاجة ، فأين تريد أن أدس كل هذا الطعام والشراب ؟

فيقول عياد : أنا والله رأيت شابا أصغر منك جسما يأتي على قصعة فت ويجرفها جرفا وكانت لأربعة فسبقهم إليها ومسحها ولحسها ، وهو لو وضع في كفة ميزان . « ووضعت أنا كلي بما علي من ثياب في كفة أخرى ، لرجح علىي .

وهو يلمس شاربيه المصمغين — أو هكذا يخيل إلى المرء فما كانت شعرة واحدة تنفلت عن محلها في هذين الشاربين المبرمين بل المجدولين ،

فيقول الأستاذ حليم : نعم . . له مَعدة شاب جيدة قوية تحتمل الكظة . ولكن معدتي طاعنة في السن ، فهي أشبه بمخلاة قديمة . هات لي معدة فتية وأنا أريك كيف أقش وأجرف . «…

ولكن عيادا يأبى أن يقتنع ، بل يأبى أن يجعل باله إلى ما يقال أو يسمح للحجة بأن تدخل رأسه وتكلفه عناء التفكير فيها ، لأن معدته هو ، هي المحك ، والمقياس ، والحجة . وما دامت هذه دائبة كالعصرين من دهره في غير كلال أو فتور ، فلا عذر لمعدة أخرى إذا قصرت أو ونت ، ولو كانت أقدم من هرم خوفو أو جبل المقطم .

وكان التطريب الذي قلنا إنه كان يهفو في تلك الليلة الساكنة الضحياء إلى الجلوس في الحديقة ، مصدره محاسن ، وهي فتاة غضة السن صغيرتها تدلف إلى العشرين ؛ ولكنها فيما يرى أبوها عياد قد صارت إحدى المصائب الكبر .

وكانت دقيقة الطول ممشوقة القد ، أو نحيفته إذا اعتبرت خفة اللحم على الذراعين والصدر والبطن ؛ ولكنها كانت عريضة الألواح كالغلام ، وثدياها صغيران وإن كانا راسخين كالكمثري الصغيرة ، وحلمتاهما ناشزتان طويلتان وحولهما من السواد أكثر من المألوف في العذارى ، كأنما كانت قد

ولدت وأرضعت . فأما محياها فأسيل الخدين وإن كانا متهضمين قليلا ؛ وأما شفتاها فرقيقتان جدا ، يفتران حين تبتسم عن ثنايا عِذاب ، إلا أنها ليست بالناصعة البياض لافراطها في التدخين بكُره أبيها ورغمه ؛ وأما عيناها فنجلاوان ظمياوان ، ولكنهما تبدوان حين يعروها فتور أو كمد أو اضطراب ثابتتين ، ويخيل إليك أنهما أظلمتا وكان حاجباها سابغين مهللين كأنهما خطا بقلم ،

وجبينها عريضا واسعا ، وشعرها أسود فينانا في طول واسترسال ونعومة ، تفيئه كيف شاءت بغير احتفال أو عناء . وكانت تؤثر أن ترسله ولا تجمعه .

أما أنها إحدى المصائب الكبر فذاك لأنها عرفت من سيرة أبيها ما كان يكره أن تعرف هي أو أمها . ولكنها كتمت سره واكتفت باذلاله به ، فأرخى لها الحبل على الغارب ، فركبت رأسها ، ولم تعُد تحفل غير أمها .

وكانت هذه ضعيفة بطيئة الجسم والعقل معا ، لا متصرف لها ولا حيلة عندها . على أن الفتاة لم تكن سعيدة بهذه الحرية أو موفقة فيما تعالج أو تدبر أو تطلب من الأمور . وقد ورثت عن أبويها ضعف الرأي ، وقلة الاحكام للمراد ، والاستعداد للرضى بالكلام ، والاستنامة إلى كل أحد وشيئا من الزهو والعترسة والميل إلى التظاهر والتفاخر بالباطل أو بأكثر مما هناك .

وكان جانب الغفلة فيها يكاد يلقيها على المعاطب فلا يقيها إلا بقية حذر مستفاد من الكِبْر الموروث والأنفة أن يقال غوت وضلت بنت عياد ،

ومما أكسبتها الحرية من اعتياد الاعتماد على نفسها في أمورها وإيقاظ ما في رأسها من عقل ليعينها ويمدها بالرأي فيما هي ماضية إليه . على أن الأرجح أن هذا كله ما كان ليجديها ويحميها لولا أن ساعفها حسن حظها . على أن حسن الحظ أمر نسبي ؛ فقد كانت حسنة الحظ إذا اعتبرت ما آلت إليه في كل مرة من السلامة . ولكنها كانت سيئة الحظ إذا اعتبرت أن أملها خاب في كل مرة حتى كادت تصير إلى اليأس في كل ما تطمع فيه وتحرص على إدراكه ؟

فاضطربت أعصابها وأتعبها وأقلقها قلبها بنوبات من الخفقان الشديد لا مثيل لها إلا هذا الاضطراب ، وقلل تطعامها لا زهادة فيه ، ولا عن ضعف اشتهاء له ، بل من الضجر والحيرة وقلة التوفيق وكثرة الاخفاق وخفاء ما ينعش من العثرات ، ويصلح هذا البخت المقلوب .

وزاد الطين بلة لما تعلق أبوها بحسانة يهودية راح يحملها معه إلى المصايف والمشاتي « » ويزعم لأهل بيته أنه مندوب لمهمات تستوجب هذا السفر والغياب ؛ فأنزفت هذه

الأول أكثر ماله ، وقتر على أهله في النفقة ، وأصارهم إلى ضنوكة غير معهودة وإن كانت في ذاتها محتملة ولكن وطأتها ثقلت بالقياس إلى ما كان من السعة .

وشق على محاسن أن تلفي نفسها تروم الشيء فلا يتهيأ لها ، وإنها اضطرت إلى الكف عنِ التعلم ، وكان مرجوها أن تواصله حتى تبلغ به مناها فتصبح شيئا له قيمة وبه استقلال ، فتفيد بذلك مزية تضيفها إلى مزايا الحسن والشباب وكرم الأرومة ؛

فقد كانت تعتز بأرومتها الشركسية وإن كانت رقة الحال قد خففت من غلوائها وطامنت من كبريائها . وكان كل هذا . مضافا إلى ما يهتف به شبابها ، وما تجده من الرغبة فيها والاقبال عليها ، ربما أغراها بالاطماع في نفسها دون التمكين .

فاعتقد الشبان الذين اتصلت بأسبابهم أسبابها نوعا مّا ، أنها مخادعة عابثة تظهر خلاف ما تبطن ، وتعطيهم باللسان ما ليس في القلب ، وتجرّيهم وراءها لتلهو بهم وتسخر منهم .

فانصرفوا عنها ساخطين محنقين ، وبسطوا ألسنتهم فيها فصارت لها سمعة لا تطيب لامرأة وإن لم تكن من الحق في شيء .

ومع ذلك خطبها غير واحد قبل محمود . فأما أول الخُطّاب فعلق خطبته على شرط أن يزوج أخته ، وكانت تصغره ، لأنه كان أبر بها من أن يختص نفسه بنعيم الزواج دونها — ولكن عزوبة الأخت طالت —

فضجر عياد أفندي ومحاسن ، ونقضا الخطبة . وجاء ثان من إخوان عياد أفندي وجلسائه وسماره ، ولم يخطب البنت ، ولكنه تحبب إليها ، وصغت هي إليه بودها ، فقد كان أنيس المحضر لطيف الفكاهة سخي اليد .

وخيل إلى عياد أفندي وامرأته أن المسألة مسألة أيام ، ولكن الايام والشهور تقضت وهو لا يزيد على التودد ولا يجاوز ما يبدو من إقباله ، إلى الخِطبة والطلب ، ولا حتى إلى الوعد . ومازالت نيته مضمرة لا يتحدث بها أو يكشف عنها وإن كان لا يكلف عن إظهار المودة والاعجاب ، والغيرة أحيانا .

ثم كان محمود ، وهو يحبها ، ولا يجهل ما قيل فيها وشاع عنها وكان يعلل هذا بأنه قدح شبان لم ينالوا منها منالا فذهبوا يشنعون وللذي قالوا فيها أدعى إلى فخرها . وبحسبها أنها امتنعت عليهم واستعصت على المغريات —

ولكن أشياء بقيت مع ذلك تحك في نفسه وتدور في صدره ، ولا سيما حين يرى قلة مبالاتها بما يكون منها كأن تذهب إلى السينما مع رجل لم تعرفه إلا في يومها ، بل قبل ساعة من الاقتراح ، أو حين تقبل على الأستاذ حليم إقبال الالفة والثقة وتسارره وتضحك ، ويساررها ويتبسم كأن بينهما ما يكتمان أو ما يتساقيان تذكره .

ولم تكن محاسن تبادل محمودا حبا بحب ، بل لعلها لم تكن تباليه أو تعبأ شيئا بإقباله أو إدباره ، إذا صح ما كانت تفضي به إلى الأستاذ حليم حين يخلو لها وجهه .

ولو كان محمود حصيفا لكان الأرجح أن يسلس في يده قيادها ؛ ولكنه أثقل عليها ونفرها بأنكان عيابة لا يزال يقع فيها ويذكرها بما يشنع به عليها أهل الحي وعارفوها من غيره ، ولا ينفك يسمعها من الكلام كل سوّار يأخذ بالرأس ، كلما رآها طاشت أو نبت في العنان فتثور به وتكايله وتقول له أوجع مما قال لها ؛ فتقع الجفوة وتحل النبوة ، ويفسد الحال ؛ ويعجز عياد أفندي عن إصلاحه ، فيستجير بصاحبه الأستاذ حليمْ فيشكره محمود وهو كاره وفي قلبه غيرة تضطرم ، لما يراه من سلطانه عليها وطاعتها له .