(2)
وكان أمر الأستاذ حليم عجيبا ، وهو رجل حاذق فقد كان محيط علم ، وكان إلى علمه فَهْما نجيبا وومع ذلك أبى أن يكون أستاذا في الجامعة وآثر الإخلاد إلى الراحة ؛ ولو شاء مع الراحة وخلو الذرع وانفساح الوقت لجاء الناس بجناة طيبة وثمار يانعة من شجرة علمه المحلال ،
ولكنه ترك الخلفة واللحق من ثمرها يهمد في موضعه ولا يدري أو ينتفع به الناس .
وكان ماله كافيا للسعة والخفض ونعيم البال ولكنه كان يعيش عيشة الشظف والضيق كأنه مخفق مخفّ من المال أو مسكين ، وكان أخوف ما يخاف الفقر والحاجة ، فهو يضيّق على نفسه وأهله خشية الضيق . . وكان معافي في بدنه ولكن طول إكبابه على التحصيل ومواظبته على الدرس والمطالعة مع قلة الطعام وسوئه ، أورثاه ضعفا في جسمه وفسادا في معدته وحشاه وتلفا في أعصابه ، ومع ذلك لا يستشير « » طبيبا ضنا بأجرته وثمن الدواء . واكتفاء بما يصفه له إخوانه من العقاقير البلدية المصطكا والحنتيت وما يجري هذا المجرى ، فلم يصحّ قط مما به .
ووقع له في عنفوان شبابه ما زاد تلف أعصابه ، فقد أحب جارة له معلمة مثله ، وكانت ذات حسن وشورة طيبة النفس ضحوكا ، وأريبة موثوقا بفضلها وعقلها ؛ ولكنها كانت أيضا ذات فلسفة وعناد . وأحبته سميحة كما أحبها ، غير أنها لما عرض عليها الزواج . ترددت ، وسوفت . وكانت تقول لأختها كلما جادلتها ونهتها عن هذه المماطلة التي لا خير فيها ولا حكمة ،
إني أحب الأستاذ حليم — أحب مظهره ومخبره ، فإنه سمح واسع الأفق » رحيب النفس ؛ وأحب مشيته التي لا تكلف فيها ولا جهد وأحب صوته ونبرته المرتعشة ؛
وأحب فوق ذلك لمعة عينيه وذلك الادراك التام الذي لا أخطئه فيهما حين أنظر إليه . ولكن هناك شيئا يخيفني . . لا أدري ماذا … وإن في نفْسي لشكا عجيبا . فأنا أحبه ، ما في هذا شك ، ولكني أشك في قدرتي على مبادلته حبه لي ، فإنه عميق مستغرق ، ويفْزَعني شكي هذا ، فأحس كأني أتحسس في الظلام باحثة عما لا أدري .
وأخيرا تم الزواج ، وقالت لها أختها ليلة الجلوة : . إن في حليم كل ما تشتهي المرأة ؛ ، وكانت أحكم طبعا وأعتقد أنك ستكونين معه سعيدة ؛ ولكني أرجو أن تذكري دائما أن عليك أنت بذل أقصى ما يدخل في طاقتك لاسعاده ؛ فإن على المرأة أن تمنح بعلها فوق ما ترجو وتتوقع أن يمنحها .
وكان هذا أشبه بالانذار ، أو التحذير . وكانت سميحه تريد إسعاد حليم ، وقد أسعدته ؛ ولكنها كانت تبدو شاردة ساهمة كأن بها شيئا . ولم يفت صواحبها هذا ، ولكنهن حسبنه من نشوة السعادة ، فرحن يركبنها بالفكاهة ، وهي لا يسعها إلا أن تتبسم متكلفة . فما كانت تستطيع أن تصارحهن بأنها دهشة فزعة وأنها تخاف شيئا مجهولا خفيا لا تدري ما يهجم عليها منه .
وقال لها حليم لما انفض الجمع وخلا بها : إنك مازلت طفلة ، وسيكون عليك أن تعرفي الحياة ، وتفهمي معناها ؛ وإنه ليسرني أني سأكون معلمك
فأحست أن هذا تأنيب ، فكأنه قال لها إنه وجدها دون ما كان يتمثل ؛ ومن أجل هذا يتكلف هذا التعليل لما تبينه من النقص . ولعل الارجح أنه لم يكن يدرك — ولا هي أيضا — أنها كانت غير ناضجة من الوجهة الجنسية ، وكان شعورها بنقص ما فيها ، يرتسم على وجهها حتى لقد قال لها بعد يوم ين من زواجهما : ألا تستطيعين أن تبتسمي لزوجك ؟ أتذكرينني ؟ إنني الرجل الذي شرفته بأن تكوني امرأته .
فأكرهت وجهها على الابتسام لتستر ما يخالجها . ثم استقرت الأمور ، واضطردت الحياة على نحو لا شذوذ فيه عن المألوف . وجاء يوم أحست فيه بدوار واضطربت معدتها ونهضت فاستشارت طبيبا ثم عادت تحمل أشياء مما يعد للولدان .
فلما رآها حليم سألها : ما هذا ؟
قالت : لولدك .
فجمعها في ذراعيه مترفقا وقال بصوت خفيض كالهمس أنت والولد … هذا كل ما ينشد رجل من دنياه .
و كانت تحدث نفسها أنها ينبغي أن تكون سعيدة ، وت حاول أن تعتقد أنها كذلك ؛ ولكنها على فرط ما جاهدت وطوله لم تستطع أن تتخلص من ذلك الخاطر المخامر الذي كان لا ينفك يقول لها: إن الزواج غير ما كانت ترجو وتتخيل .
وطال عليها الانتظار وثقل ؛ وملت استشارة الطبيب كل بضعة أسابيع واجتوت الطعام الموصوف ، وتقززت عنه ، وشقت عليها إدارة أمور البيت وتكلف البشاشة وهي تحس أن أعصابها كالشوك الحديد .
ثم جاءها المخاض في منتصف الليل فذعرت وأيقظت حليما ، وأصرت أن ينقلها إلى المستشفى . وآلت سميحة أن يكون هذا آخر طفل تلده .
وأقبل عليها حليم ذات ليلة يقول : لقد كنت جميلة قبل أن تحملي ولكنك الان … لا أدري كأنما تم حسنك لا أعني أنه كان ناقصا وإنما أعني أن فيه شيئا جديدا يخونني ، التعبير عنه .
فقالت : هذا خيال … لقد طال سقمي حتى نسيت كيف كانت هيئتي قبل ذلك .
قال : كلا . فإن لك لوضاءة . وإن بشرتك لتبدو لي كأنما من الشمع . وأنت الآن زهرة يانعة ، كما كنت قبل ذلك .
وانحنى على الطفل وداعب راحته الصغيرة المطبقة بأصبعه الكبير ثم التفت إليها وقال : هذه بداية طيبة ، وإني لأرجو أن يكون إخوته وأخواته مثله صحة وصباحة » .
فقالت له وهي مقطبة : اسمع ، إني لا أريد أن أجيئه بإخوة أو أخوات ، وهذا حسبي ، وهو الأخير فاعرف ذلك .
فقال : لا أظن أنك جادة … وبعد السعادة التي فزنا بها .
قالت : التي فزت أنت بها .
وأصرت على أن تنقل سريرها ومهد ابنها إلى غرفة أخرى ، كأنما كان هذا لا بد منه ولا غنى عنه ، أو كأنما أرادت أن يكون مظهرا حاسما لعزيمة ماضية وإرادة حذاء .
من ذلك اليوم صار الأستاذ حليم كأنه مقيم في فندق لا يربطه بمن فيه غيره سوى الجوار ، وفقد لفظ الأسرة معناه ، والزواج مدلوله ، وانطوى الرجل على نفسه ، ولاذ بمكتبته ، وانزوى فيها .
ولم يقصر في مناشدة سميحة أن تفيء إلى القصد ، وأن يفهمها أن اتقاء الحمل لا يقتضي هذا الذي هو فراق في حقيقته ، ولا يمنع أن يعيشا زوجين وإن كان لا محيد عن الحذر واتخاذ ما يشير به الطبيب من الحيطة الوافية .
غير أنها أبت كل الاباء أن تكون له أكثر من جارة ؛
فقطع الأمل وأضمر اليأس وصار يتشمم ولا يذوق ، ويشتهي ولا ينتهي له اشتهاء ، ويجزع على الحرمان ويضنيه جهد التصبر والتجلد ،
ولا يجد السلوة وطيب النفس عن الزوجة العصبية إلا بالخيال يلجأ إليه والكتاب بين يديه أو على ركبتيه ، فيزوده — ونعني خياله — بصور مما يتلهف عليه من المتع التي فاتته بعد أن ذاقها واستطابها ، واعتاض ذلك مما حرمه على إغراقه في الرغبة فيه والطلب له حتى صار ذلك له عادة وديدنا .
وكان ذلك في البداية أشبه بأحلام اليقظة ؛ فكان يجلس في حجرة كتبه ، ويتناول كتابا يفتحه بين يديه ، كيفما اتفق ، ثم يذهب ي حاول أن يحضر إلى ذهنه صورا مما استحلاه في حياته الزوجية ، ولم يكن يتمثلها على حقيقتها ، وكما كانت أو وقعت ،
بل كان يتلكأ عند بعض مناظر هذا الشريط الوهمي ، ويتريث أو يستوقفه ليطيل متعته به ، أو يؤكده ويبالغ في إبراز الصور ، ويعمق ألوانها أو يخففها على هواه ، ويحسها على العموم ويطمس أو يحذف جملة ، ما لم يكن يرتاح إليه . غير أن هذه الصور المستمدة من حياته مع سميحة كانت لا تخلو من تنغيص لأن سميحة لم تكن تثبت في علاقتها به على خلق واحد ، ولا كانت تعني بأن تبدي له اللطف والرقة والاقبال أو اللين والمراضاة . ولعلها لم تكن تستطيع ذلك لدخل في أنثويتها . وكانت معه في الأكثر والأغلب على حال المستسلم ، على كره ومضض المزدري لما يضطر إليه ، لا على حال الراغب المبتهج ببلوغ سؤل نفسه ، فيبوخ حره وتصيبه من بادي ضجرها وجفوتها قرة تتركه مع ذلك يتفصد عرقا .
من أجل هذا لم يلبث الأستاذ حليم أن زهد في هذه الصور التي يشوبها ويشوهها من كل ناحية ما ينفْر منها ولكن من أين له بصور أخرى ولا عهد له بسواها ؟ وألفى نفسه عاجزا عن خلق شيء من لا شيء أو الابداع من غير توليد .
وأبت صحراء تجاربه إلا أن تظل سباسب ، يثبر طولها ولا يلفي سوى رمضائها متقلبا له فيها ؛ فاشترى مجهرا قوي العدسات ، وكانت الحجرة التي اتخذها مكتبا على الطريق ، فصار يوارب الشباك وينظر ؤبالمجهر من الفرجة التي بين المصراعين .
و كانت أمام البيت محطة للترام ، وعلى كثب منها محطة للأتوبيس ، وقلما يخلو الرصيفان من فتيات أو نسوة ينتظرن ليركبن ويتلفتن يمنة ويسرة ، ويمشين خطوات من القلق أو الملل: فتبدو له صدورهن ، وظهورهن ، وجنوبهن ، وسيقانهن ، كأوضح وأقرب ما تكون بفضل المجهر .
فإذا جاء الليل وخلا بنفسه ، حاول أن يتمثل الصور التي رآها في نهاره ، واعتاد من جراء هذا حين يكون على الطريق أو في الترام ، أن ينظر إلى كل سيدة أو فتاة وهي مقبلة ثم وهي مدبرة . ولكن الفتيات الناهدات كن أحب إليه لأنه وجد أنهن أقدر على ابتعاث نفسه وتحريك شعوره المكبوت .
وعلى الرغم من إقباله على النظر وطول تحديقه في القدود ، كان يجد عناء في إحضار صورهن إلى نفسه في خلواته ، فقد كانت القدود المتخيلة تختلط وتتداخل ويتسرب بعضها في بعض ، فيزوغ بصره ، ولا يستطيع أن يتشبث أو يحتفظ — على فرط التوضيح — بصورة قوام واحد لا يموج أو يضطرب أو يتداخل في غيره فيعود وكأنه ناظر إلى إحدى تلك المرايا التي تشوه الشخص فتجعله كله رأسا أو كرشا ، وتفعل به غير ذلك من المسخ للتسلية .
ولم يكن الأستاذ حليم همه التسلية ، وإنما كان همه سد خلة حقيقية وإخماد ضرم يشتد منه حر جوفه من طول الفطام .
وكان لفرط حيائه ، ولما نشأ عليه من الاحتشام والتعفف ولبخله أيضا ، لا يخطر له ، ولا يقدر حتى لو خطر له ، أن يتخذ له خليلة ، أو أن يعرف إحدى هؤلاء الطوافات اللواتي ينْقدْن لمريدهن ويقررن لما يصنع بهن ؛
أما الزواج بأخرى غير سميحة فمسألة ليس فيها مجال للنظر . وعلى الأيام صارت أحلام يقظته ، مقرونة بأحلام منامه ؛
و كانت أحلامه في أول الأمر ممعنة في الغمض ، فإذا استيقظ لم يجد ما يذكر منها . وكان معظمها يدور على ما تشتهي نفسه ولا يجد الوسيلة إليه ؛ ثم برز من بينها حلم صار يتكرر من حين إلى حين ، ويزداد مع التكرار وضوحا وجلاء حتى كأنه خاطر مخامر ، وسرهو به ، فراح يعيده على ناظره في يقظته ؛ ذلك أنه كان يرى نفسه في منامه يلتقي بأنثى على صورته هو ، وكانت تشبهه في كل شيء إلا في الدمامة وفيما يتميز به رجل من امرأة فكأنها العنصر الأنثوي الذي لا يخلو منه كيان رجل قد انتزع وتجسد بشرا .
وكأن الأستاذ حليم قد آضحى بذلك إنسانين:واحدا مكتملا يجتمع فيه ويتسق عنصر ا الذكورة والأنوثة على نسبة ما في اليقظة ؛
وواحدا ينشطر في المنام شطرين منفصلين: ذكرا وأنثى ، متحابين متواصلين متراضيين متوافقين على الاستغناء بنفسيهما عما عز مطلبه في حياة اليقظة وثقلت عليهما وطأة حرمانه ؛ فلا حاجة به بعد ذلك إلى تألف النافرة منه ، أو مراجعة الممسكة عنه .
وكان أطيب ما وجد من هذا الحلم الذي طال ترداده حتى صار عنصر ا ثابتا في حياته الخاصة المحجوبة ، أنه كان يفيد منه شعورا مزدوجا ، أي شعور عنصر يه المتبديين في المنام . فازدهاه ذلك . وخيل إليه أنه بذ الرجال الذين لا يرون ما يرى بوجدانه ما لا يجدون ، بفضل هذا الازدواج في شخصيته ، وإدراك ما لا يستطيعون أن يدركوه ولا تخيلا … على أن هذا كان ربما أقلقه وأزعجه ، فقد كان يخشي أحيانا أن يكون مظهر شذوذ منكر ، أو آية ضعف ، أو عرضا لمرض وكان كثيرا يهم ان يعرض أمره على طبيب ، فيصده الحياء إذا لم يصده البخل: ويعود فيقول لنفسه: إنه ليس من فعله ، وإنه يحدث له عفوا ، وفي منامه حين يضعف سلطان الارادة ،
أو يستقل العقل الباطن عن العقل الواعي ؛ وإنه على كل حال لا حيلة له فيه ولا قدرة على منعه .
ثم إنه لا يرى منه ضيرا فما زال هو هو في حياته العامة ، وعلى العهد به مع الناس ، وما أنكر الناس منه شيئا ، ولا بدا عليهم أنهم يفطنون إلى هذا التحول الباطني الذي اعتراه .
بل ليس هناك ما ينبئ أنهم واقفون على حقيقة ما بينه وبين امرأته ، فقد كانت هي بادية السعادة بما صارت إليه من الرهبانية وبولدها الوحيد الذي لا تبغي من الولد غيره .
غير أن هذا لم يطمئنه . وكيف السبيل إلى اطمئنان من لا يدري ومن لا يزال يقول في صفة حاله وفي تعليلها وفيما عسى أن يكون لها من آثار ، بالظن والتخمين ؟ وقد ألح عليه خاطر أفضى به إلى ضعف محسوس ذلك أنه قال لنفسه إن تمثل عنصر الأنوثة في الرجل — ذلك الشطر المكنون أو المغلوب على أمره في اليقظة — في المنام له بشرا ، ليس بالأمر المألوف أو الشائع ، وإن كان العلم لا يعيا بتفسيره . والعنصر ان: الذكورة ، والأنوثة مندمجان لا ينفصلان ،
وتفاعلهما على نسبتيهما في كيان الرجل هو الذي يكسبه شخصيته الخاصة وما تتميز به من خصائص القوة أو الضعف أو غير ذلك .
وهما كموجتين غابت إحداهما في الأخرى فصارتا موجة واحدة وكُلاّ لا يتجزأ ، أو كمصباحين متفاوتين اجتمع ضوءهما ، فالنور المنبعث منهما معا وحدة وجملة يستحيل أن تتبين معظمها من أقلها .
فإذا أمكن انفصال هذين العنصرين فيما يحس الرجل ولو في منامه — أفلا يكون هذا تصدعا في كيانه وإن بقي ثابتا متماسكا فيما يرى ويحس في اليقظة ؟
وإذا أمكن أن نتصور تيارا مغنطيسيا يلم ذرات أحد العنصرين ويجمعها ويعزلها عن ذرات العنصر الثاني ، أفلا يكون مؤدى هذا نقض الشخصية التي كان قد أثمرها اتحاد العنصرين واندماجهما ؟
واقتنع الأستاذ حليم بهذا المنطق ، وراح يقول لنفسه إنه كان كائنا حادثا من امتزاج عنصرين وتزاوجهما ، فصار ينقصه على الأقل متانة الامتزاج ، فهو كالبناء المتصدع المشفي على الانهيار ، ولا مفر من أن تحدث هذه الركاكة الطارئة في بناء الانسان ركاكة في قوته وفتورا في قدرته على العمل والاحتمال ورخاوة وقلة غناء .
ولم يمنعه أن يقتنع بهذا أنه في يقظته يبدو كما خلقه الله ولا نقص أو تهافت فيه ، ولا تغير . فقد قال لنفسه ، كأنما كان مغري بإقناعها ، إن كل ما بين اليقظة والنوم من الفرق أن سلطان العقل الواعي يفتر في أثناء النوم ، وإن الارادة تضعف ، فيسع ما وراء الوعي أن يتبدّى ، والأحلام راجعة إلى هذا ، فدلالتها عظيمة ؛ ومن الضلال والحمق الاستخفاف بها أو إهمال أمرها .
وهكذا ظل يلح على نفسه بهذا وما إليه حتى أيقن أن به ضعفا جنسيا لا مراء فيه ولا حيلة ، ووطن نفسه على ذلك فسكنت أعصابه إلى هذا اليقين ، لطول ما ألج في رياضتها عليه .
و كان في وسعه أن يريح نفسه ويستعيد الثقة بها والاطمئنان إلى سلامته وبرئه من هذا الضعف لو قصد إلى طبيب ؛ فما خلق الله الأطباء عبثا ؛ ولكن حياءه وبخله أبيا عليه إلا أن يغرياه بالتفلسف على نفسه حتى فسد الأمر .
ومن الغريب — مع ذلك — أن حياءه لم يمنعه أن يسر إلى صديق له أنه يجد نفسه في هذه الايام فاترا لا نشاط له ؛ فزعم له صديقه أن هذا طبيعي لأنه يعيش بين الكتب لا في الدنيا ؛ وجره معه مرة إلى مجلس لهو لا كلفة فيه عليه ، فألفى نفسه أميل إلى الصغيرات منه إلى غيرهن ، وآنس بهن ، وأقدر معهن على إرسال نفسه على السجية ، وتناسي ما يعانيه من توهم الضعف .
ولم يتجاوز الأمر حد المؤانسة والمجالسة والمفاكهة ؛ ولكن الأستاذ حليم انصرف من هذا المجلس وهو يعتقد أن علاجه أن يلتمس مجالسة الفتيات الصغيرات في خلقهنوأسنانهن ؛ فإن الدقة في خلقهن توحي إليه معني القوة ، وصغر سنهن يشجعه ويرد إليهالثقة بنفسه لغرارتهن وقلة تجربتهن — على الأقل نسبيا . وسره أن فتح الله له هذا الباب وهيأ له مخرجا يعفيه من ثقل وطأة الشعور بالضعف ؛ وما من أحد إلا وهو ينشد القوة والبأس والسطوة . . أو يدّعيها على صورة من الصور إذا لم تكن مما وهبه الله وآتاه . وقد كان حسْب الأستاذ حليم ما آتاه الله من العقل والعلم ؛ ولكن ذلك الضعف الحقيقي أو المتوهم كان يثقل عليه وينغص عيشه ، ويأخذ على عقله كل متوّجه ؛ بل هو الذي كان يوحي إليه ما يصدر عنه من قول أو فعل .
فهمّه في حياته أن يداريه ، أو يعوضه إذا أعياه أن يتغلب عليه ، أو يقويه . وقد انتهى به المطاف إلى محاسن ؛ لأنه شام منها عقلا وفطنة تعرف بهما قدره ، وغرارة تجعلها تتطلع إليه —
وقد طمست شهرته العلمية ضعفه الخ في — وتخيل القليل منه كثيرا عظيما ، في نظرها ، وآنس منها ثقة به ، اغرتها بالبث والقول بشجوها ، ومصارحته بأخفى الاسرار وكانت تجد من بساطته وحسن فهمه وسرعة فطنته وإقباله عليها مع سنه وأدبه ما يسهل عليها ذلك ،
فاتخذت منه قسيسا تعترف له ، واتخذ هو منها تلميذة وارتضت هي هذا المحل ، فأقبل عليها يعلمها ويعرفها بالحياة وهو جاهل بها ، أو لعل الصحيح أنه كان يمتحن فيها نظرياته وآراءه ؛
وقد يكون الاصح أن نقول إن نوع استجاباتها له كانت دروسا يتلقاها عنها ويستفيدها منها . ولم يكن أعجب من منظر هذا الأستاذ الضاوي المعروق الذي جلله الشيب أو كاد وهو يتأبط ذراع الفتاة الصغيرة ويرتاد بها منازه المدينة ولم يكن في منظرهما أو حالهما ما يدل على علاقتهما .
فكان الذي يرى وقار الشيب واحتشام الرجل ويؤثر حسن الظن يحسبها بنته . والذي يرى رقته لها وتحفيه بها وضحكه إليها ولطفه في مخاطبتها يستريب وينكر ، او يتردد على الأقل بين طرفي الاعتقاد غير قادر على الترجيح أو الجزم .
و كان إذا لقي — وهي معه — بعض زملائه القدامى ، لا يضطرب ولا يتكلف بل ويبتسم فينصرف الرجل وأكبر ظنه أنها بنت أخ أو أخت ، يقول لصاحبه في بساطة : بنتنا محاسن » . على أنه كان يؤثر الم كان البعيد الذي لا يطرأ فيه عليهما من يعرف ومن لا يعرف ،
وكان في ضاحية نائية ، فيقصد إليه بها في آخر النهار ومعه زجاجة صغيرة مبططة كانت لدواء ، فيها شراب ، حتى إذا بلغه وجد عبد الفتاح بائع القازوزة ، فألقى عصاه عنده . ويجيئهما عبد الفتاح بكرسيين ، وبالثلج والماء لشرابهما ، وبخبزات مستديرة يابسة مخلوطة بالسمسم ، وقطع رقاق من الجبن لطعامهما .
وكان هو يشرب قدحه ويستطيبهويتمطق أيضا ، أما هي فكانت تذوقه وتزوي وجهها وتقبضه فيضحك ، وكان يحرص على أن يدعها تتحدث ، مكتفيا بحسن الاصغاء والابتسام المشجع ، وهز الرأس من حين إلى حين علامة الموافقة أو الفهم ،
فتفتح له قلبها و(تدلق) كل ما فيه . وقلما كان يثقل عليها برأيه وكلامه ، ولكنه كان لا يسعه أحيانا إلا أن ينصح لها متلطفا معها ويوجهها إلى ما هو أرشد وأحجى وأولى بأن ينيلها مبتغاها ، أو راحة القلب من وجع الدماغ ، ويسّره منها ، ويغرّه ، أنها كانت تصدر عن رأيه في كل حال .
وكانت محاسن مزّاحة طيبة الحديث تقبل الملاعبة ولا تضن بالقبل ، ولكنها لا تطاوع على ما سوى ذلك . وكان هو قانعا بهذا القدر ، لا ينشد ما جاوزه — وإن كان يشتهيه —ولا يخطر له أن يغافلها . أو يغالطها أو يستدرجها أو يشجعها على ترك التحصن ، لأنه كان يجد الكفاية من الاستمتاع في هذا القدر من التقارب للغزل ، ويرى أن إخلادها إليه بالثقة والاطمئنان قد حمله أمانة ، وقد اعتاد الكبح والحرمان ، فأيسر الامرين أن ي مضى على ما ألف ، وأعسرهما أن يتعرج . ثم أنه كان يخشى عاقبة الطمع ، ويتقي أن يهجم —لو أن في طبعه أن يهجم —
فيقعد به ما يتوهم أنه صار إليه ؛ فقد كانت ثقته بنفسه مضعضعة . غير أنه كان من العسير أن يلتقيا مرة بعد مرة ، وأن تكون بينهما هذه الصحبة المتينة الطويلة ، وأن يكون كل منهما للآخر ناموسه وصاحب سره ، لا ينشرح للكلام أو يتبسط فيه إلا معه ، دون أن يقع شيء مّا وقد أعان على ذلك ويسّره اطمئنان محاسن إليه وثقتها بعقله وما تتوهمه من خبرته ومعرفته ، وليّنها له طول تقاربهما للغزل ، وغلبته هو على عقله لهفته على امتحان نفسه ، وخيلت إليه اللهفة أن في وسعه أن يغالطها ويستر ضعفه بحيلة ما ، إذا أخفق ؛ فإنها غريرة ، خليقة أن تحسب كل شيء منه هو الغاية التي ليس وراءها غاية . وشجعه اطمئنانه إلى سلامة العاقبة ، وظل أياما مترددا مترجحا ، ولكن ما يدفعه كان أقوى مما يصده .
وجاءته يوما تقول إنها لم تقر في شهرها وأنه لو لم يمسسها لما أوجست خيفة ، فذعر المسكين ولم يعد يدري ماذا يقول أو يصنع ، وأنْحى على حظه ولعن نحس طالعه .
على أن خوفه كان عليها وجزعه من أجلها ، ومن العجيب أنها ، على قلقها ، كانت هي التي تطمئنه وتحاول أن تذهب عنه الروع . وذهبت إلى طبيب تعرفه . ولم تزد على أن قالت إنها لم تقر فوصف لها حقنا وعقاقير ؛ منها ما يفيد القوة ، ومنها ما هو للتنظيم ، فلم يفد ذلك . وكان هو لا يستقر ، ولا يدري بمن يعوذ ، ومن يشاور ؛ فإن المشاورة تقتضي البث والمصارحة ، وذلك ما لا يقوى عليه .
ومن سخر القضاء أن عيادا كان هو الذي أنقذه: ذلك أنه لاحظ عليه الاضطراب والوجوم والكمد . فسأله عن خطْبه ، فتلجلج . وماذا تراه يستطيع أن يقول لأبي محاسن ؟
ولم يفته ما في الموقف من تهكم الأقدار ، فضحك — وشر البلية ما يضحك — وألهمه الله أن يلفق قصة طويلة عريضة اخترع كل ما فيها إلا ما يقيمه ويقعده ، فطيب عياد خاطره ! ودله على طبيبة نظارة مدققة ، وعرض أن يرافقه إليها . ولم يكن عياد خالص النية فيما عرض ، فقد نازعته نفسه أن يرى هذه الفتاة ويعرفها ، وطمع أن تتصل أسبابه بأسبابها ، غير أن الأستاذ حليم أبى المرافقة ؟
وهل كان يسعه غير ذلك ؟ وقصد إلى الطبيبة وحده أول الأمر ليستوثق من أنها لا تعرف محاسن ، فلما اطمأن مضى بها إليها ؟ فعالجتها علاجا حكيما فيه بعد نظر واحتياط لكل ما هو محتمل ، حتى لا تسيء إلى الفتاة من حيث تريد أن تحسن ، وكانت تطلب حقنا وتصف وصفات بلدية تعرف من خبرتها أنها نافعة شافية ، وكان الأستاذ حليم يدور على الصيادلة والعطارين ينشد عندهم ما يؤمر أن يجيء به ؛
وقد أنساه الجزع بخله وكزازته فانبسطت يده بعد طول الانقباض ، وقضى أسابيع ثلاثة لا يذوق النوم إلا غرارا وإن كان ثقيل النوم كأنما يشرب مرقدا . وكان يصحب محاسن كل يوم إلى الطبيبة ، وينتظر في مقهى قريب ، وفي ظنه أن كل جالس أو عابر ، ينظر إليه ويتعجب . وربما كبر في وهمه أنهم يتهامسون أو يتغامزون عليه بلحظ العين وايماءة الاصبع ،
ويتساءلون فيما بينهم عمن يكون ؟ وماذا عليه أن يتوب ويعفيه من قذف به على هذا الحي ؟ فكان يلهج في سره بالابتهال إلى الله أن الحاجة إلى غشيان هذا المقهى .
ودعته الطبيبة إليها يوما وأنبأته أنه لم تبق لها حيلة ، وأن عليه أن يقصد إلى طبيب أخصائي ، فما يسعها هي فوق ما صنعت ، وأنها تخشى على نفسها ، وعلى محاسن أيضا ، إذا هي حاولت شيئا آخر .
فتوسل إليها أن يهديها الله ، فتسدي إليه هذه اليد ، ، والدمع يجول في عينيه ، أن ترشده إلى هذا الأخصائي ؛ فهزت رأسها وقالت بلهجة الأسف والإشفاق ، إنها لو كانت تعرف أحدا لما اجترأت له أن تتوسط له في مثل هذا الأمر .
ولكنها دلته على طبيبة أجنبية فمضى بمحاسن إليها ودفعه الياس وخوف الاخفاق إلى مصارحتها — بالامر كله ، فما بقي من هذا بد ، عسى أن ينفعه عندها الصدق ويعطفها على الفتاة في محنتها . وكانت تصغي إليه وهي مطرقة ، تزوم ، وهو يتفرس في وجهها لعله يلمح فيه ما يستبشر به ؛ فقال : هذه هي الحكاية . فقالت له :
ولما انتهى فقالت :اسمع يا بك أنا طبيبة ، نعم ؛ ولكني لا أستطيع أن أتكلف مثل هذا الأمر لا جهلا ولاكن خوفا . غير أن الفتاة جديرة بالرحمة فإذا شئت استشرت في أمرها طبيبا ، وسنرى ما يكون ، فعودا غدا في مثل هذه الساعة .
وخرج لا يدري أيطمئن أم يقلق ، وثقلت وطأة هذه الجرة عليه ، حتى لتمنى أنيقنط فإنه أرحم . وكانت محاسن تضحك منه ، فيزجرها ويروح يهول عليها بما يقدر أنه سيكون ويسهب في الوصف ويتوسع في البيان كأنما يجد لذة في تعذيب نفسه ،
حتى يكاد يخلع قلب المسكينة . ولكن الله لطف بعبده ، والله يضع رحمته حيث يشاء . وتشهد أستاذنا حليم ، ولكن ما عانى من الكرب جاوز طاقته ، فآلى لا يعود .
وصارت محاسن بعد ذلك أهدأ ، وأكثر اتزانا ، وأقل خفة . فلو رآها الذين كانوا يقولون إنها طامحة الطرف لا تبالي أن تدنو من الرجال لتعجبوا ؛ وأنى لهم أن يعلموا أنها امتحنت أقسى امتحان ، وأن عزمها كان مستقرا على الانتحار ، وأن تكلفها أن تظل ضاحكة السن قد كلف أعصابها شططا ؟
وأنى لمحمود أن يعرف السر فيما صارت تتعمد أن تبديه من التبرم به والاعراض عنه ؟
الفصل الثاني