الفصل الرابع
الحدث
أحد أغنياء أميركا العظام فيها
وطوى الفارسان بالحديث المسافة بين عين السنديانة والحدث، ولما وصلا إلى هذه القرية دخلا إليها منقبضَيِ الصدر؛ لأنهما كان يُعللان النَّفْس بأن يشاهِدا في أعالي الجبل مناظر أبهى وأجمل، وهذا شأن كل من يتصور شيئًا جميلًا قبل معرفته؛ فإنه قلَّما تكونُ صورته الحقيقية مساوية لصورته الخيالية، خصوصًا إذا كان المتصوِّر شديد الخيال، وأشد الناس خيالًا وأرقاهم تصورًا، وأسلمهم ذوقًا من لا يرى في صور الموجودات — مهما كانت عظيمة نفيسة — صورة تفوقُ أو تساوي صورتها التي ارتسمت في خياله قبل أن يراها.
وفي الحقيقة إنَّ جَمال الحدث لا يظهر للداخل إليها لأول مرة، بل تجب الإقامة فيها يومين أو ثلاثة لإدراك محاسنها؛ فهي قرية صغيرة قائمة على أكمة في جبة بشري، مطلقة للهواء والنور من جهاتها الأربع؛ فيظهر أن الذين بنوها لم يرهبوا الزوابع والرياح والثلوج في تلك الأعالي؛ ولذلك لم يخفوا قريتهم في ظل أكمة مرتفعة كقرية (قنات) القريبة منها إلى الجنوب الغربي، ولا بنوها في سفح جبل كأهدن التي تقابلها في الشمال، ولا في قلب وادٍ كحصرون في الشرق، بل هم قصدوا بها — على ما يظهر — مصادمة تلك العناصر الطبيعية في تلك الأعالي التي يعمِّمها الثلج، ويغطيها الضباب نصف سنة تقريبًا، وهذا ما جعل هواءها أجود الأهوية وأجفها، واجتذب إليها المرضى للاستشفاء فصاروا يفضلونها على سواها.
ولما دخل سليم وكليم إلى القرية كان أهلها في هياج واضطراب، وبعضهم يتراكضون إلى منزل قائم فوق حرش صغير بجانب القرية إلى الجنوب الغربي. فقال كليم: يا جرجس، استخبر لنا الخبر. فسأل جرجس أحد الأهالي، فأخبره أن بعض الأميركان يرُومون استئجار بيت في القرية، ولكن في الأهالي فريقًا لا يُريد تأجيرهم؛ لأنهم بروتستنت يحثُّون الناس على ترك مذهبهم إلى المذهب البروتستنتي.
فضحك سليم لما علم بسب هذا الاضطراب، وقال لرفيقه: إن هذه الاختلافات في المذاهب والأديان تتبعنا حتى أقاصي البلدان، ثم سأل سليم جرجس: ما رأيك يا جرجس في هذا؟ هل يجوز لهم ذلك أم لا يجوز؟ فأجاب جرجس: الحقَّ أقول لك يا معلمي، إن الأهالي لا يُريدون تغيير مذهبهم الذي رُبي عليه آباؤهم وأجدادهم، وهم يفْدُونه بدمائهم، سواء كانوا في الكورة بناحيتنا أو في الجبة بهذه الجهات. فأجاب سليم مازحًا: ولكن لماذا لا تصنعون أنتم في نواحي الكورة ما يصنعه أهالي الجبة من طرد الأميركان؟ فإنكم قبلتموهم وقد فتحوا عندكم بضع مدارس. فاحتار جرجس في الجواب، فضحك سليم وكليم؛ لأنهما أدركا معنى سكوت جرجس، وقال: أنا سليم ماروني يا جرجس، وكن على ثقة أنني أكره الإساءة حتى للمجوس، ولكنك قد جهلت السبب الحقيقي، فاعلم أن لذلك أربعة أسباب: الأول: أن أهل الجبة أحرص من أهل الكورة على استقلالهم، وأرسخ منهم قدمًا في الدفاع عن حريتهم، وما برح أهل الجبال أشد استمساكًا بحريتهم المطلقة من أهل السهول، وهم يعتبرون مذهبهم الديني من جملة عواملهم وحاجاتهم الوطنية. والثاني: أن لرجال الدين عليهم سلطة عظمى، خِلافًا لرجال الدين في الكورة، وذلك لما للهيئة البطريركية الدينية من النفوذ الخصوصي في سياسة الجبل. والثالث: أن فرنسا التي تحمي هذه السلطة الدينية يطيب لها أنْ تُبعِد — ما أمكنها — كل أجنبي يروم مخالطة الأهالي واستمالتهم، وعلى الخصوص البعثات الدينية الغير الفرنسوية. والرابع: أنَّ الكورة تابعة لأسقفية طرابلس دينيًّا، والروم والأميركان في طرابلس على شيء من الاتفاق؛ فكيف يستطيع أهل الكورة أن يعاندوا الأميركان ما دامت هيئتهم الدينية في طرابلس مسالمة لهم؟!
فقال كليم حينئذ — وقد ضجر من هذا الكلام: لله ما أصبرك على البحث في هذه الهنات!
وفي هذا الحين وصل الجوادان إلى المنزل الذي كانا يقصدانه في القرية، وهو أعلى المنازل في الجنوب وآخرها. وكان أهل المنزل في النوافذ ينتظرون الضيفين، ويشاهدون اضطراب الأهالي وصياحهم حول المنزل الذي تقدم ذكره.
وكانت العائلة المصيفة في هذا المنزل عائلة صديق لسليم وكليم يدعى الخواجه أمين، وكان مريضًا بعلَّة الصدر المشهورة التي كثرت في سوريا ولبنان في هذا الزمن، وهو شاب في الخامسة والعشرين من العمر، انقضى عليه ثلاث سنوات بهذه العلة؛ فلم تنجع بها دواء، ولم يبقَ لها علاج عند الأطباء غير الإقامة في الهواء النقي الجاف في أعالي الجبال، وكان أمين وحيد والديه الشيخين وقبلة آمالهما، ولكن المرض لا يعرف رحمة ولا يَرْعَى حرمة، وكان أبواه في يأس شديد من حالته يبكيان الليل والنهار على وحيدهما الشاب الذاهب عنهما تاركًا إياهما في آخر العمر فريدين وحيدين في هذه الحياة.
إلا أنهما مع حُزنهما المتصل في السر كانا يظهران أمام المريض كل سرور وبشاشة، وكذلك كان المريض أمامهما، فإنه كان عالمًا بعلته التي كانت تجره إلى الموت شيئًا فشيئًا؛ ولكنه كان يحتملها بلا ضجر ولا شكوى؛ لئلا يزيد في عذاب الشيخين اللذين كانا يعتنيان به؛ ولم يَرَ أحدٌ قَطُّ صبرًا على مرض كصبر هذا المريض الكريم وممرضَيه الشيخين.
ولما دخل سليم وكليم عليه كان أمين ممددًا في سريره لا يقوى على النهوض، فابتسم لهما مسلِّمًا، أما هما فلم يقنعا بهذا الابتسام بل تقدَّمَا منه ليصافحاه بهز اليد، فلما رآهما يمُدَّان يديهما نحوه سحب يده وأخفاها تحت اللحاف، وقال لهما بدمع في عينيه: لا تتعباني بالسلام عليكما؛ فإنني في غاية الضعف. فنفرت الدموع حالًا إلى عينَيْ سليم وكليم؛ لعلمهما أن ذلك المريض العزيز لم يُخْفِ يده إلا فرارًا من أن يعديهما من دائه.
فيا أيها المرضى الذين يشكُون من فرار الناس منهم خوفًا من العدوى، ويا أيها المصابون بأمراض مزمنة يقضون أوقاتهم بالتضجر والتألم والتحسر، تعلَّموا هذا الشعور اللطيف والصبر الجميل من هذا المريض.
وما جلس سليم وكليم يستريحان بعد تعب الطريق حتى اشتدت الضوضاء في القرية، وعلا الصياح فهرع كلاهما إلى النافذة وأطلا منها، ثم قال كليم لأمين: لم نفهم جيدًا سبب هذا الاضطراب. وإذا بصاحب المنزل داخلٌ، فسأله أمين: كيف انتهت المسألة يا أبا مرعب؟ فقال أبو مرعب: حقًّا إنهم تجاوزوا الحدود، وقد عزمتُ أن أذهب وأدعو أولئك الضيوف إلى منزلي هذا وأدعهم يقيمون في الجانب الآخر، فما قولكم؟ فقال له أمين: أحسنت يا أبا مرعب، وهكذا فلتكن الشهامة. فقال: ولكنني أريد ترجمانًا بيني وبين الخواجات. فهبَّ سليم وكليم وقالا: نحن نرافقك.
وبعد خمس دقائق وصل أبو مرعب مع سليم وكليم إلى المنزل الذي كان النزاع عليه، فوجدوا حوله عشرين رجلًا من أهل القرية وبضع نساء وعدة أولاد، وأمام المنزل ثلاثة بغال عليها حوائج السفر وبجانبها ثلاثة من الأميركان وترجمان وخادم.
وكان أبو مرعب في نحو الخمسين من العمر، وهو رجل كبير الجسم، كثير السمن، قَوي العَزْم، لا يَهاب الموت إذا تمثَّل له في شخص إنسان، وكان مشهورًا عنه أنه حارب مع يوسف بك كرم، وكان من أشد أعوانه، حتى إن يُوسف بك سماه (كرة مدفع) إشارة إلى استدارة جسمه وقوته.
فلما وصل أبو مرعب إلى المتجمهرين دخل بينهم مع رفيقه، واستفهم منهم عن سبب الاضطراب والصياح، فعلم منهم أن ذلك الجمهور كان مقسومًا قسمين: ففريق كان يقول: ليس من آداب الضيافة أن نمنع الأجانب من الإقامة في قريتنا، وإلا سبَّنا الناس حتى أهل القرى المجاورة. وكان في هذا الفريق صاحب المنزل نفسه.
وفريق آخر كان يقول: نحن لا نبعد هؤلاء الضيوف لأنهم بروتستنت فقط، بل لأن فيهم رجلًا مسلولًا؛ إذ نخاف على قريتنا من العدوى.
فرفع حينئذ أبو مرعب صوته وقال مخاطبًا الفريق الذي كان يقاوم: يا شباب، هل هذا المنزل منزلكم؟ فأجابوا: كلا. فقال: وهل لصاحبه الحق في إقفاله أو هدمه أو تلعيب القرود فيه أم لا؟ فأجاب أحدهم وكان أجرأهم: نعم له الحق في ذلك، ولكن ليس له الحق في أن يضع فيه شيئًا يضر بأهل القرية كلهم. فقال أبو مرعب وقد بدا الغضب في وجهه: وما هو هذا الشيء يا ابن طنوس؟ فقال: «المرض!»١ فصاح به الشهم أبو مرعب: هل أنت بدون دِين يا ابن طنوس حتى تضطهد وتطرد المرضى والضعفاء الذين أوصت ديانتنا بمساعدتهم وزيارتهم؟ ولماذا لا تطرد القرية أباك لما مات منذ سنتين بعلة الجذام؟! فسكت ابن طنوس، ولكن شابًّا بجانبه أجاب: هل الغريب كالقريب يا أبا مرعب؟ فقال أبو مرعب: عافاك الله يا ابن سركيس فإنك نطقت بالحق، فأنتم إذن تريدون اضطهاد هؤلاء الضيوف لأنهم أجانب وبروتستنت لا لحفظ صحة القرية، فأنا أخبركم أنني الآن آخذهم إلى بيتي، وكل من تحدثه نفسه بمنعي فليتبعني.
ثم اندفع أبو مرعب إلى البِغال فأخذ بأحدها ومشى في المقدمة يتبعه المسافرون، وبجانبه كليم وسليم يعجبان من كرم أخلاق هذا القروي.
أما المسافرون الأميركان، فإنهم كانوا في أثناء ذلك يضحكون وقد أفهمهم ترجمانهم كل ما جرى، فأجابوا: يس يس؛ أي إنهم رضوا بالإقامة في منزل أبي مرعب، إلا أنهم لم يشكروه على ذلك شكرًا خصوصيًّا.
ولما استقرَّ بهم المقام في بيت أبي مرعب نادى سليم وكليم ترجمانهم، وكان من تراجمة بيروت قدم معهم لهذا الغرض، وبعد أن تعرفوا به سألوه عن رفاقه وقصتهم، فأخبرهم أن هؤلاء الثلاثة الأميركان هم من حواشي أميركي كبير قادم للسياحة في جهات الأرز، فسأله سليم: وما اسمه؟ فأجاب الترجمان: اسمه (مستر كلدن). فصاح سليم: مستر كلدن أحد أغنياء أميركا العظام؟
فقال الترجمان: نعم فإن زوجته مريضة، وقد حضر معها للسياحة في أعالي لبنان، وقد أشار عليهم أطباء بيروت أن يتخذوا الحدث محطة لهم إذا أعجبتهم؛ لأن هواءها أجف الأهوية، ومنها يزورون الأماكن الجميلة التي بجوارها، وهذا ما جعلنا نتقدمهم وننتظرهم.
فقال كليم: إذن لستم مرسلين أميركيين كما ظن أهل القرية. فضحك الترجمان وقال: كلا. فقال كليم: ومَن مِن رفاقك المصاب بداء الصدر؟ فضحك الترجمان أيضًا وقال: لا أعرف أحدًا مصدورًا بينهم، ولكن لون أحدهم ضارب إلى الاصفرار فحسبوه مصابًا، أو أنهم ادَّعَوْا ذلك تأييدًا لحجتهم. فضحك سليم وقال: لا بأس، نحن نحمد هذه الصدفة التي جعلتهم قريبين مِنَّا؛ لأننا سنتعرف بالمستر (كلدن) ولا شك. فقال الترجمان: وهل تحبون التعرف برجال بطانته؟ فأجاب سليم: ذلك ما نتمناه.
وفي المساء زار سليم وكليم المسافرين الأميركان فأحسنوا استقبالهم، وقد سُرُّوا لمصادفتهم أديبين مطلعين يحادثانهم بلغتهم حديثًا مفيدًا عن المكان والسكان.
وفي أثناء الحديث سأل سليم أحدهم: بلغنا من الترجمان أن مسز (كلدن) مريضة، وهذا سبب سياحتها مع زوجها المكرم، ولكن ما مرضها؟ فضحك المخاطب وأجاب: «مرض الوطن.» فاستغرب سليم وكليم ذلك، فقال صاحبهما: نعم، أنا أخبركم الآن شيئًا جديدًا، وهو يسركما ولا شك، فإن مسز كلدن أصلها من بر الشام، ولم تنفك عن الاشتياق إلى وطنها الأول، فجاء بها المستر كلدن في هذا العام لعل صحتها تعود إليها في هذه السياحة التي هي متعِبة، وإن كانت جميلة.
هوامش
(١) متى قيلَ المرضُ على الإطلاق يعنون به هناك داءَ السُلِّ. الفصل الخامس
قصة مجنون ليلى
هل أخطأت حبيبته أم أصابت في سفرها؟
وفي ذلك الليل نام كليم وسليم نوم الهناء بعد تعب السفر، ونهضا في صباح اليوم التالي نشيطين مسرورين، إلا أنهما شعرا قبل شروق الشمس بشيء من البرودة لم يتعوداه في آب لقياسهما الجبل على السهل. لكن ما طلعت الشمس وامتزجت ذرَّات نورها الحار بِذرَّات الهواء البارد حتى شعرا بارتياح شديد لم يشعرا بمثله في حياتهما كلها، ومنذ هذه الساعة بدأت الحدث تكون جميلة في عيونهما.
ولما تعالت الشمس فوق المشرق، واشتدت حرارتها قليلًا، انتبه أمين من النوم، وأوعز إلى أبويه أن يستعدا للذهاب إلى حرش الصنوبر القريب من القرية؛ ليتناولوا طعام الصباح هناك مع ضيفيهما. فبعد نصف ساعة سار سليم وكليم نحو الحرش وركب أمين حمارًا؛ لأنه كان عاجزًا عن المشي لضعفه، وسار أبواه وراءه، والمسافة بين القرية والحرش نحو ٤ أو ٥ دقائق، وهذا الحرش قائم بين القرية القديمة وبضعة منازل جديدة بنيت وراءه إلى الجنوب، وهو مغروس فوق أودية مختلفة تنفرج من الحدث إلى السهل، فيُرى من ورائه بحر الكورة والبترون وما وراءه من الأفق.
فجلس الرِّفاق هُناك في أجمل مجلس وتناولوا طعام الصباح، وقد جعل أمين مَجلسه بعيدًا عن مجلس صديقيه وفصل طعامه عن طعامهما، فكان هذا الشعور اللطيف منه يزيد صديقيه رغبة في محو ذلك الأثر من نفسه، ولكن — وا أسفاه — ما الفائدة من محو ذلك الأثر من النفس ما دام باديًا في الوجه؟! فإنَّ أمين كان في تلك الجمعية التي كانت تتمتع بالصحة والعافية في ذلك المكان المشرف على مناظر الجبال والمعطر الهواء برائحة الصنوبر الطيبة — عبارةً عن شبح وخيال، فإن العلة الهائلة أكلت وشربت لحمه ودمه، والهزال أفنى قواه وأخمد نار عينيه وصبغ وجهه اللطيف بلون الموت، ولم يبقَ من قوة لتلك الروح الصبورة في ذلك الجسم النحيف الذي صار كأجسام الأولاد سوى قوة الابتسام بشفتيه الرقيقتين تحت شاربيه الأشقرين الدقيقين اللذين صارا لا يظهران كثيرًا لامتزاج لونهما بلون الوجه.
فبالابتسام فقط كانت تَظهر حياة أمين وعواطفه وإرادته، وكان يَجُود بالابتسام دائمًا إظهارًا للقوة وإيناسًا لجلَّاسه، فهنا نقول مرة ثانية أيضًا: ما رأى الممرضون قَطُّ مريضًا شجاعًا مثل الفتى أمين، والعجب من نفس قوية صبورة كهذه النفس، كيف استطاعت العلة أن تقوى عليها؟!
وكان لا ينغص عيش سليم وكليم شيء في ذلك المكان الجميل سوى هذه الأفكار التي تتردد عليهما، ورغبة في طردها وتسلية المريض دخلا في الحديث معه، فقال كليم: ألا تذهب معنا إلى الأرز أيها الصديق؟ فضحك أمين وقال: أنت ترى أنني لا أقدر على الركوب من القرية إلى هنا. فقال سليم: لا تبالغ، فإنك بخير والحمد لله، وإنك تستطيع الذهاب معنا إلى الأرز إذا أردته، ولك علينا إذا سرت معنا نريك (فرجة) لم ترها في حياتك. فقال أمين: وما هي؟ فقال سليم: نريك مجنون ليلى. فقال أمين: ومن هو مجنون ليلى؟ فقال سليم: هو رجل جُنَّ من الحب. فصاح أمين: لعلك تريد بهذا الرجل المسيو مخلوف، فدُهش سليم وكليم وقالا: هل تعرفه؟! فقال أمين: هذا أمر بسيط؛ فإنَّ كل الناس هنا يعرفونه ويعرفون قصته. فقال سليم: وهل تعرفها بالتفصيل؟ فقال: نعم، ولكن أين شاهدتموه؟
فقص عليه سليم كيف شاهدا مخلوف في عين السنديانة وما جرى له، وكيف وعدهما بأن يقابلهما في الأرز، فقال أمين: أظن هذا كل ما تعرفانه عنه، أما أنا فإنني أقص عليكما قصته من أولها إلى آخرها كما سمعتها من عارفيه، وإليكما تفصيلها:
إن اسم مخلوف الأصلي (يعقوب درمان)، وهو شاب أديب من بلدة صور، وكان منذ عشر سنوات مكبًّا على الدرس استعدادًا لفن المحاماة؛ فبينما كان ذات يوم يُطالع بعض دروسه على شاطئ البحر، وإذا به يسمع صراخًا وعويلًا، فركض فأبصر خادمة تنادي على سيدة لها بين الأمواج تكاد تغرق، فألقى نفسه حالًا بأثوابه في البحر وأنقذ السيدة، وكانت هذه السيدة فتاة في نحو الثامنة عشرة من العمر، وهي كريمة تاجر كبير في صور، وقد رامت الانتحار غرقًا لأسباب مجهولة، فلما أنقذها يعقوب أرسلها إلى بيتها وكانت مغشيًّا عليها، فكاد أبوها يموت من حزنه، ولكن الحياة عادت إليها، ومنذ ذلك اليوم أحبها يعقوب درمان حبًّا شديدًا يقرب من العبادة، ومالت الفتاة إليه؛ لأنه أنقذ حياتها، لكن الأقدار عاكستهما بعد ذلك؛ فإن أباها — على ما يقال — توفي في ذلك العام وقد خسر جميع أمواله، وانحطت كرامته بين قومه بعد أن كان عزيزًا بينهم، وبذلك بقيت ابنته وحدها؛ إذ لم يكن في البيت غيرها لوفاة أمها.
وكان يعقوب درمان فقير الحال أيضًا؛ فرأت الفتاة أنها إذا اقترنت به ازدادت سوءَ حالٍ على سوء حال، وكانت عزيزة النفس شديدة الأنفة؛ لأنها نشأت في الترف والغنى والدلال، فكرهت أن تقيم ذليلة فقيرة في بلدة كانت فيها العزيزة المبجلة؛ فغافلت حبيبها يعقوب وفرت مسافرة مع إحدى البواخر التي تمر على صيدا، وتركت له ورقة تقول له فيها: «انسَنِي واسْلُني بعد الآن.» ويظهر أن دماغ يعقوب ضعيف من فطرته؛ فلم يقوَ على تحمُّل هذه الصدمة فجُنَّ من يومها.
فقال سليم: ولكن كيف سافرت الفتاة وحدها إلى بلاد لا تعرفها؟ فأجاب أمين: لا تَسَلْ عن ذلك؛ فإنها نشأت في مدارس الأميركان، وأنت تعلم أنهم يربون البنات في مدارسهم على الجرأة والإقدام والاستقلال، وهو أمر أحيانًا يكون نافعًا وأحيانًا يكون ضارًّا.
فضحك كليم وقال: لا ريب أننا إذا رأيناه نحن في هذه الحادثة نافعًا؛ فإن الخواجه مخلوف يراه مضرًّا جدًّا؛ لأنه فقد به حبيبته وعقله.
فقال كليم: ولكن عندي أن الفتاة لم تخطئ؛ إذ لا أَصْعَبَ من معيشة الإنسان محتاجًا إلى الناس في بلدة كان فيها من قَبْلُ غنيًّا عنهم؛ فإن دناءة الشامتين ولؤم المنتقمين ووقاحة حديثي النعمة الذين يحلون محل ذلك الإنسان بعد سقوطه أمورٌ لا تحتملها النفوس.
فقال أمين بهدوء ورزانة: ما للإنسان وكلام الناس! إنما عليه أن يعيش بهدوء مستورًا، وإذا كان في الناس قوم (أردياء) يشمتون وينتقمون، ففيهم قوم (طيبون) يُواسون ويُعَزُّون، فقد كان على الفتاة أن تبقى ولا تسافر بهذه الصورة الشنيعة.
فقال كليم ضاحكًا: لو سمعك مخلوف الآن لأعطاك طربوشه من فرحه.
فقال أمين ضاحكًا: وما نفعي منه! فإن طربوشه قذر. فضحك الجميع لهذا الجواب.