٢
لله بيروت! ما أجمل موقعها، وأبهج مرآها لمَّا ترسو السفينة بالغريب إزاءها لأوَّل مرة! فلا جرم أنَّ محاسنها تخلب قلبه وتسبي مشاهدُها لُبَّه.
وكان البارون «دي لَيْنس» مع كثرةِ ما رآه من البلاد لا يتمالك من العجب لدى نظره هذه المدينة الفائقة ذات المناظر الشائقة، تدخل في البحر كأنها تقتحم أهوال الدأماء، وتتوسَّدُ جِبالًا تأتزر قممها بالسحاب وتعتمُّ بالثلوج الغرَّاء، دُورُها مُحكَمة البُنيان، وأشجارها باسقة الأفنان، وهي تجمع بين مرافق البرِّ والبحر والجبل والسهل.
غير أنَّ أفكار البارون لم تَرُق بعدُ كي يلتهي بمحاسن بيروت، ولما كانت خواطره كلُّها مُتَّجهة إلى مصيف سعادة القنصل «ب» ما لبث أن ركب العربة في غد ذلك اليوم ونزل عند الضحى أمام الدار الموصوفة آنفًا، فأسرَعَ لاستقباله أهلُ البيت وتحفَّوا به وبالغوا في إكرامه حتَّى نسي بعد هنيهةٍ كلَّ عناء السفر.
والحقُّ يُقال إنَّ منزل المسيو «ب» كان يجمع كل أسباب الهناء والرَّاحة، وأصحابه ممَّن يُراعون حقوق الضيف، وهم علاوة على ذلك مُتَّصفون بكلِّ ما يجمِّل الناس من الفضائل الأهلية والآداب الإنسانية.
فما رسخت قدم البارون في هذه الدار حتى انتعشت روحه وشعر بعودة قواه بين أصحاب لم تشُب أخلاقَهم شائبةٌ، ولم يُعكِّر صفاء مودَّتهم كدَرٌ، فشتَّان بين ما وجده عندهم من الأُنس ورغد العيش وبين أيَّامه السَّابقة في عاصمة اليونان؛ إذ كانت تُحدِق به هموم رتبته فلا يرى مناصًا من مُخالطة قومٍ أعماهم الجَخْفُ واستفزَّهم حبُّ الذَّات، فكان يتنسَّم في وسط الجبال الريح الطيبة وهو يتهنَّأ بنسيم الحرية.
ثم أخذ يتجوَّل بصحبة القنصل في الأنحاء المُجاورة لمنزله، وربَّما كانا يتسنَّمان صهوات الخيل فتارة يطويان البيد وأُخرى يهبطان إلى الوديان أو يسعيان في الجبال للصيد والقنص.
ومجمل القول: أنَّ البارون كان يصرف حياته في الهناء بعيدًا عن ضوضاء العالم وعن مجالس المسامرات الباطلة التي لا تجدي القلب راحةً.
إلَّا أنَّ ما زاد البارون بسطًا وانشراحًا إنما كان اجتماعه مع لفيف عائلة القنصل «ب» في طرفي النهار، فينبذ عندئذٍ كل تكلُّف، ويطلق لعواطفه العنان، ويقضي بحديث أهل الدار ساعات يعدُّها من أهنأ زمن حياته.
وكان منذ أوَّل يوم وصوله شعر قلبه مائلًا إلى ابنتَي القنصل؛ لِما وجد فيهما من السجايا الفريدة، وهما شُعبَتا أصلٍ واحدٍ نتقَتْهما أمومةٌ في اليوم ذاته.
واسم الأختين «سوسنة» و«وردة»، لم يكد عمرهما يُربي على الثماني عشرة سنة، وهُما مع ذلك تتشابهان قَدًّا وحُسنًا.
أمَّا مولد الفتاتين فكان في أرض المغرب لكنهما نمتا وترعرعتا في الشرق، فجمعتا بين خصال الخافقيْن، فكنتَ ترى فيهما سذاجة البلاد الشمالية مُدمَجةً بشيءٍ من ترف أهل الشرق ورزانة طباعهم، فتمتزجُ بشخصيهما أوصاف كلا الصقعين امتزاجًا رائقًا.
وكانت أمهما من السيدات العاقلات المجمَّلات بأحسن الصفات قد أرضعتهما بلبانها وأشربتهما منذ الصغر روح التُّقى والحشمة، فنشأتا في حِجْرها ومُهِّدتا في كنفها وسترها ودرجتا من وَكْرها، وهما تألفان الدار الوالدية لا ترضيان لها بديلًا، وكادتا لا تعرفان من العالم إلَّا اسمه، فكان من يراهما يستدلُّ بصفاءِ عيونهما على طهارة قلبهما.
وبمُجمل القول: إنَّ «سوسنة» و«وردة» كانتا تحقِّقان بشخصيهما ما افتتحنا به كلامنا عن ائتلاف الأخوات الشقيقات، والحق يُقال إن الأخُوَّة كانت تأنَّست منهما بملاكين أرضيَّيْن فأخرجتا إلى حيِّز الوجود ما تخيَّله القصَّاصون في رواياتهم المختلفة ذات الغلوِّ البيِّن عن أمر التوأم وما يوجد بينهم من العلائق الوثيقة.
ومن خواصِّ الابنتين المذكورتين تشابههما بالخِلقة والقَدِّ والصوت كتشابُه الذرَّة بالذرَّة، لم تفرز بينهما العين اللهم إلَّا عين والدتهما، أمَّا باقي أهلهما فاضطروا إلى أن يفرقوا بين النجلتين زمنًا طويلًا بعلاماتٍ خاصَّةٍ؛ لئلَّا يقع التباس بينهما.
وبقيتا على هذه الحال إلى السنة الثانية من عمرهما، حيث بدا في وجههما بعض تبايُن، وذلك بأنَّ لون «سوسنة» جعل يضربُ إلى البياض وشعرها إلى الشقرة، بينما أضحت «وردة» مُزدهرة اللون قانئة الشَّعر كأنَّ الطبيعة نَوَتْ فيهما تطبيق المسمَّى على الاسم، وجارت الأمُّ الطبيعةَ بأن كستهما ثيابًا تُشعِر باسميهما وخلقتيهما.
ولا غرو أنَّ ما سبق لنا من الوصفِ لخَلق الشقيقتين وخُلقهما وقع في قلب البارون «دي لَيْنس» موقعًا أثيرًا، وما زَادَ على ميله نحوهما ما طُبع هو نفسُه عليه من لين العريكة والهِمَم العالية، ونما اعتباره للأختين لمَّا رآهما تتباريان فضلًا وصلاحًا لا تعكِّر بينهما صفاء الوداد شائبةٌ فكان يشبِّههما بزنبقتين نمتا من فرعٍ واحدٍ تزدهيان حُسنًا وتتكاتفان ولاءً.
وفي واقع الحال كانت «سوسنة» و«وردة» مُرتبطتين ارتباطًا غير مُنفصم، تتشاطران الأفراح والأتراح وتتباثَّان الأفكار والعواطف فتخالهما نفسًا واحدة في جسدين.
وكان مع ذلك في طبعهما بعضُ اختلاف، فإنَّ «سوسنة» كانت كثيرة التصوُّن بينما كانت «وردة» فكهةً طيِّبَة النفس، فكانت من ثمَّ تميلُ «سوسنة» إلى التخلِّي والانفراد، وربَّما فكَّرت أن تلبس الثوب الرهباني في جمعية الرَّاهبات اللواتي ربَّيْنها صغيرة وهذَّبْنها فتاةً، وأفشتْ بسرِّها لأختها «وردة». بيد أنَّ هذه استولى عليها الكأْب وصرَّحت لأختها ألَّا سبيل للفراق مُطلقًا، فلم تَعُدْ «سوسنة» إلى الكلامِ بهذا الصدد.
أمَّا البارون «دي لَيْنس» فمع ما وجده في نفسه من الانعطاف إلى الأختين كان يشعر قلبه مائلًا إلى وردة أكثر منه إلى «سوسنة» يسرُّه منها طلاقة لسانها وتوقُّد ذهنها ودعابة طباعها، فضلًا عن سذاجة أخلاقها واستقامة قلبها.
فمذ ذاك الحين لم يَعُد يرى مانعًا لأنْ يتأهَّل؛ لأنه كان وجد المرأة الفاضلة التي يصفها السِّفر الكريم ويؤثرها على قيمة اللآلئ، ولم يلبث اعتباره لخصائل «وردة» أن يتحوَّل إلى مودَّة صادقة وحبٍّ متينٍ، ولمَّا انتهى بعد شهرين زمنُ رُخصته فآن وقت رجوعه إلى أثينة صرَّح إلى القنصل بنيَّته وخطب منه ابنته «وردة»، فبعد فحص الأمر وعرضه على الفتاة لم يرَ المسيو «ب» بُدًّا من الإجابة إلى طلبته.