٤

7 0 00

٤

إذا ما أَقبَلَ الخريفُ وضرب في الأرض أطنابه أصاب المرء بقدومه تنعُّمًا وراحةً لم يعهد بهما في غيرِ هذا الفصل، ولا شكَّ أنَّ في ترطُّب الهواء بعد لَهَبِ الصَّيف، وفي هبوب النسيم ومنظر الأشجار يعلو أوراقها لون الكمدة والاصفرار مُتعة وبهجة يحدوان به إلى التفكُّرِ والاعتبارِ، وذلك في ساعات المساء أكثر منه في غيرها من الأوقات لمَّا يكوِّر الله الليل على النهار، فيمدُّ على الطبيعة رداءً تلوح من خلاله كسَيِّدةٍ مهيبةٍ جليلةٍ، فتتَّسع الآفاق بأعيُن البشر وترتفع أنفسهم إلى الأعالي، فلله تلك الساعات اللذيذة! يقضيها المرء في الفكر وهذيذ القلب ويتقرَّب إلى خالقه شاكرًا له على ما أولاه من النِّعَمِ السَّابغة، بيد أنَّ هذه الآونة وشيكة الزوال تمرُّ بسُرعة البرق.

فلمَّا كان مُنتصف تشرين الثاني في مساءِ نهارٍ صفيِّ الأديم بهيِّ الأنوار عند امتداد الظلام على الأرض وطلوع زواهر النجوم في السماء كانت «وردة» جالسةً بقُرب أختها «سوسنة» في رواق الدَّار بإزاء الجنينة وفيها الأزهارُ تعطِّر بعرفها الأرجاء، والأشجارُ موسوقة بأثمارها الشهيَّة، لا يُسمع سوى صوت خرير الماء يتحدَّرُ من فوَّارة على شكل غِلالة في حوضٍ من رُخام بُني وسط الدَّار، وعن بُعد صوت موج البحر المتكسِّر فوق صخور الساحل.

فبقيت الأختان هنيهةً تسرِّحان النظر في هذه المناظر، وكلتاهما صامتة لا تبديان حِراكًا، كأنَّ الاجتماع أضحى لهما عِبئًا ثقيلًا بعد أن كانتا لا تذوقان بغيره لذَّةً، وإذا بمنار رأس بيروت سطع بغتةً فرمى بأشعته الذهبية على دار الأختين وأنار وجهَيهما، فالتفتت «وردة» إلى شقيقتها فرأت عينَيها مغرورقتين بالدموع، فما كان منها إلَّا أن صرخت: «ما هذا يا «سوسنة»؟ تُرى ماذا أصابك؟ إنَّكِ لكاسفة البال، يُؤلِمُ قلبَك البلبال، فما لك تُخفينَ عنِّي سبب حزنك؟ أفتكون سعادتي المأمولة عِلَّةً لشقائك؟»

فأطرقت «سوسنة» واجمةً ثم ألقت بنفسها على صدرِ أُختِها وهي تبكي ثم قالت: «يا أختاه، إنِّي سأفقدُكِ عمَّا قليلٍ، وإذا ما تأهَّلتِ لا يعودُ حبُّك لي كمن ذي قبل، وسوف تبرحين الدار وتصيرين إلى ما شاء الله … «أَوردة» شقيقتي لو أمكنك أن تشعري بما يحسُّه قلبي من الألم! فإنَّه حقيقة يتلظَّى على جمر القتاد، ولا أدري إذا لم يتفطَّر بعد فراقك.»

قالت هذا وأذرفت الدُّموع السخينة وعلا صوتُ بكائها، بينما كانت تحاول أن تخفي عن أختها ما في قلبها من الغَيرة والحسد.

أمَّا «وردة» فما لبثت أن تبيَّنتْ حقيقة الأمر فكان لاكتشافه في قلبها صدًى مُؤلم رنَّق عيشها وذهب ببهجته، فلم يَعُدْ يمكنها أن توجِّه نظرها إلى أختها دُون أن تلوم ذاتها على سعادتها.

فمرَّ على ذلك بضعة أيَّام، وكان كلَّما قرب النهار المعيَّن لحفلة العرس تزيد في قلب «سوسنة» مضض الأوجاع، لم تجد لسترها عن العيون طريقة، فتارةً تُظهِر ما اكتنَّه الفؤاد بحدَّة طبعها، وتارةً باختلائها عن أهلها، وحينًا بتغلُّب السوداء على خُلقها وخَلقها حتَّى شحب لونها وخاف أبواها أن تَضنَى منها القوى وينالها داءٌ عياء.

لكن الفتاة أحسَّت بعد حين أنَّ العيون شاخصة إليها تستشفُّ ما في جنانها، فتجلَّدت وتجمَّلت حتَّى حجبت عن الكلِّ مكنوناتِ ضميرها، فعَادَ التبسُّم إلى وجهها وأبدت لمن قاربها أُنسًا ولُطفًا كما اعتادت الأمر في السَّابق، ثم أخذت تجدُّ وتسعى بنشاطٍ جديد لتهيئة لوازم العيد القريب مع ما ترى في قدومه من زوال سعادتها، ومُجمل القول: أنه لم يَعُد أحدٌ في البيت يقفُ على ما يتنازع قلبها من الخواطر والهواجس، بيدَ أنَّ «وردة» لم تكُ لتنخدع بهذه الظواهر فلبثت مُرتابة في أمر أختها.

ولمَّا حان اليوم المعهود وواقع كلا الخطيبين على الشروط المألوفة في مثل هذه الظروف، احتفل المسيو «ب» بعقد الخطبة بما أمكنه من الأُبَّهَةِ والاحتفال، فنُجز الأمر إذًا وقرَّ ﻟ «وردة» أن تُكنَّى باسم بارونة «دي لَيْنس» باقترانها مع خطيبها الشريف.