٣
بينما هذه الحوادث تجري في بيت أرمان كانت حادثة أخرى تجري بعد ساعة في شارع آخَر.
وكان الليل حالك الأديم، والضباب كثيفًا، حتى إن المار بذلك الشارع لم يكن يستطيع أن يهتدي لسبيله على كثرة أنوار الغاز؛ لشدة عصف الهواء الذي كان يهب على تلك الأنوار فيقبض ألسنتها من حين إلى آخَر. وكان في عطفة من ذلك الشارع بيت كبير حسن الظاهر، فلما انتصف الليل كثر طَرْق باب هذا البيت ودخل إليه خمسة رجال الواحد بعد الآخَر، فكان الداخل منهم يدخل من الباب العام فيسير عدة خطوات في دهليز طويل حتى يبلغ إلى باب سري في حائط الدهليز، فيطرقه ثلاث مرات متوازنة، فيجيبه صوت من الداخل قائلًا: أين تذهب، ألعلك أتيت لتسرق خمري؟
فيجيبه الطارق من الخارج: كلا، فإن الحب صالح (وهي جملة مصطلح عليها بينهم).
فيفتح الباب عند ذلك، ويدخل الزائر ويجد بصيصًا من النور ينبعث من مصباح ضعيف، ويرى أمامه سلمًا طويلة، ولكنها غير ذاهبة صعدًا كالسلالم المألوفة، بل إنها كانت تخترق جوف الأرض، فينزل منها الزائر حتى يصل إلى غرفة متسعة رصفت بها براميل الخمر بعضها فوق بعض، وفي صدر هذه الغرفة منضدة حولها خمسة كراسي مصفوفة، ويرى جالسًا على المنضدة شابًّا جميل الطلعة، لا يتجاوز عمره الثامنة عشرة، وأشعة الذكاء تتوقد من عينيه، فيحيِّي هذا الغلامَ تحية المرءوس، ثم يجلس في مكانه من القاعة.
وكان عدد الحضور خمسة ما عدا الرئيس، فكان أحدهم حسن الملابس، وفي عروة ثوبه إشارة تدل على أنه من أصحاب الوسامات، والثاني يناهِز الثلاثين، والثالث شيخ عجوز تبدو عليه مظاهر القوة، والرابع غلام يبلغ سن الرئيس، والخامس شاب تدل هيئته على أنه من خدم البيوت الكبيرة.
ولما تكامَلَ عدد المدعوِّين نظر إليهم الرئيس وحدَّثهم قائلًا: إن جمعيتنا أيها السادة يُطلَق عليها عنوان الجمعية السرية، وأعضاؤها أربعة وعشرون عضوًا، ليس بينهم مَن يعرف الآخَر، على أن لكل منهم الحق بالوقوف على نظام هذه الجمعية، وأخص بنوده أن يطيع الأعضاء طاعة عمياء لا حدَّ لها رئيسَنا الذي لا يعرفه أحدٌ سواي؛ لأني الوسيط بينه وبينكم.
فانحنى الأعضاء عند ذكر الرئيس إشارةَ الاحترام.
وأضاف: وقد صدر أمر الرئيس أن تجتمعوا أنتم الذين دعوتكم دون سواكم كي يعرف بعضكم بعضًا؛ لأنكم ستشتركون بعمل واحد، نؤمل أن يعود علينا بالخير العميم، ولا أعلم شيئًا من ذلك؛ فإن مهمتي بينكم أن أنقل إليكم أوامر الرئيس السري، كما أتلقاها منه.
ثم التفت إلى أحد الأعضاء فناداه بلقب ماجور، وقال: إنك تزور كثيرًا من الأسرات النبيلة.
فأجاب المأجور: أجل.
فجعل الرئيس يقلِّب أوراق كتاب كُتِب عليها رموز اصطلاحية، إلى أن عثر بما يبحث عنه فسأله: ألك معرفة بالمركيزة فان هوب؟ وهل أنت مدعوٌّ إلى الحفلة الراقصة التي ستحييها ليلة الأربعاء القادمة؟
– أجل.
– أليست هذه المركيزة إسبانية أميركية تزوَّجَتْ بهولاندي وعمرها الآن ٣٠ عامًا؟
– أجل.
– أهي غنية كما يقولون؟
– إنهم يقدرون دخلها السنوي بمليون فرنك.
– أصحيح ما يُروَى عنها أنها تحب الفنون الجملية، وأنها كانت تتعلم صناعة النقش منذ عهد قريب؟
فنهض أحد الحاضرين وقال: ذلك لا ريب فيه، فإني كنتُ أستاذَها.
وأضاف الرئيس: أصحيح أن زوجها يغار عليها غيرة شديدة، وأنه لا يتجاوز الأربعين من العمر؟
– إنه بات بغيرته مضرب المثل، ولكنها غيرة في غير موضعها؛ لأن المركيزة معروفة بالطهارة والعفاف.
فأومأ الرئيس بيده إلى أحد أعضاء الجمعية، وأضاف: إنك ستصحب معك ليلة الرقص المسيو شاروبيم وتعرِّفه بالمركيز.
وكان شاروبيم هذا في مقتبل الشباب، وله جمال عجيب لُقِّبَ من أجله بأسماء الملائكة، ثم عرف به الماجور، وبعد ذلك قال له: أليس للمركيزة علاقة مودة مع امرأة تبلغ الخامسة والثلاثين؟
– أجل، وهي أرملة تُدعَى مدام ملاسيس، لقيتها مرارًا كثيرة عند المركيزة.
– ألم تكن متهمة بواجباتها الزوجية في حياة زوجها؟
– هي تهمة يدري بها الأكثرون.
– ولكن المركيزة لا تعلم شيئًا من حياتها السابقة، وتحسبها من أفضل النساء، وكذلك الدوق مايلي الشيخ فإنه يهواها ويحاول أن يتزوَّجَها فيحرم حفيده الكونت مايلي من إرثه العظيم، وقد أوشك أن يسقط هذا الكونت في مهاوي الإفلاس.
– بل سقط ولم يَبْقَ له من ماله غير الندم على ما فات.
فالتفت الرئيس إلى أحد أعضاء الشركة وقال له: إن هذه الأرملة التي نذكرها محتاجة إلى رجل يدير منزلها ويكون لها وكيلًا في أعمالها، فاذهب إليها واعرض عليها خدمتك.
فأحنى الرجل رأسه إشارة الامتثال، فقال له الرئيس: إنك كنتَ بالأمس مستخدَمًا في قصر الدوق مايلي الشيخ وطُرِدْتَ منه؟
– بل إني دعوته إلى طردي امتثالًا لأوامركم.
– هو ذاك ولكنك نسيت أن تردَّ الدوق مفتاحًا كان ائتمنَكَ عليه، وهو مفتاح حديقة بيت الأرملة، ولا بد أن تكون قد عرفت عوائد الدوق، وكيف ينفق وقته في مدة خدمتك له.
– أجل، لقد خبرته خبرة تامة، شأني في معرفة جميع مَن أخدمهم.
فأبدى الرئيس علامة الرضى وقال له: إنك تذهب في الغد إلى صانع أقفال فتصنع مفتاحًا آخَر مثل المفتاح القديم وترده إلى الدوق، وتُبقِي المفتاح الآخَر معك فتدفعه إلى هذا.
وأشار بيده إلى أحد أعضاء الجمعية.
ولما فرغ من ذلك قال للحضور: إنكم الآن قد عرفتم بعضكم بعضًا، فانصرفوا إلى شئونكم وستردكم التعليمات إلى منازلكم.
ثم فضَّ الجلسة وتفرَّق الحاضرون، فلم يَبْقَ في الغرفة إلا الرئيس الصغير، وعند ذلك سمع طرقًا على باب سري؛ فدنا من الباب وأجاب: ادخل أيها السيد فقد انصرف الجميع.
ففُتِح الباب وظهر منه أندريا وهو يقول بلهجة الساخر: لقد أعجبني منك يا روكامبول أنك ترأس الجلسات كما يرأسها القضاة.
أما روكامبول الذي يظهر الآن بمظاهر السيادة فما هو إلا روكامبول الذي عرفه القراء في آخِر رواية الإرث الخفي، أي ابن الأرملة فيبار الذي أَطْلَع أرمان على دسيسة أندريا حينما كان يريد اغتصاب عروسه، وقد سافر بعد هذه الحوادث مع أندريا إلى نيويورك، فتبنَّاه أندريا وأحسن إليه لما توسَّمَ فيه من الذكاء، ثم جعل يدرِّبه ويعلِّمه أسرار مهنته إلى أن نبغ فيها، ولما رجع من نيويورك إلى باريس صحبه معه وجعل يشاركه في كل إثم وزور، حتى ألَّفَ أخيرًا هذه العصابة التي تقدَّمَ ذكرها، فعيَّنَه رئيسًا بالظاهر عليها وبقي هو الرئيس الحقيقي.
فلما دخل أندريا عليه حاول أن يخبره بما كان من أمر العصابة، فقاطعه: لا حاجة لي بذلك فقد سمعت كل شيء، بل إني في حاجة إلى الطعام فأعِدَّ لي أفخره؛ لأني لم أبتلع شيئًا منذ الصباح.
– إذن، لندخل إلى البيت حيث تجد فيه جميع ما نشتهيه.
ثم دخل الاثنان يتأبَّط كلٌّ منهم ذراعَ الآخَر، وأندريا يقول: سترى أيها الأخ العزيز كيف يكون الانتقام.