-3-

6 0 00

-3-

أيقظها في الصباح الضجيج الذي أحدثته أمها وهي تحرك مفتاح المدفأة باتجاهات مختلفة كي تكتسب نارها وهجاً أكثر زرقة، وكانت المدفأة قديمة من طراز (فوجيكا) المصنوع محلياً تقليداً للأصل الياباني.

قالت الأم:

-الفتيل بحاجة للتبديل، فقد تلف ولم يعد صالحاً للاستعمال.

وبالفعل فقد كان يخرج من المدفأة بعض الدخان نتيجة عدم احتراق الكيروسين الكامل وتحولـه لطاقة حرارية، فيملأ الغرفة برائحة ثاني أكسيد الكربون الكريهة مسبباً فيما بعد الصداع في الرؤوس.

وما إن قامت مريم من فراشها الدافئ حتى لسعها البرد فأسرعت متخذة لنفسها مكاناً بجانب المدفأة لتخزن في جسمها شيئاً من الدفء يساعدها على بدء يومها.

كان صباح خميس في أوائل شهر كانون الأول في إحدى السنين الغابرة. ويوم الخميس عادة كانت تحضر أختها شماء من العاصمة، حيث تكمل هناك تحصيلها الجامعي لتقضي نهاية الأسبوع مع عائلتها.

خرجت مريم من الغرفة بعد أن ارتدت جاكيتاً صوفياً قديماً فوق بيجامة قطنية أوشكت على التثقب في منطقة الركب، أما البلوزة التي ورثتها عن شماء، فقد توبرت كثيراً مما جعل الشعر المتساقط من رأسها بعد عملية تصفيفه يلتصق بالوبر. وبقيت قدماها حافيتين. فراحت تبحث في باحة الدار عن حذاء تحتذيه، وما زالت الرؤية غير واضحة أمامها نتيجة انتقالها المفاجئ من الغرفة المظلمة نسبياً إلى الخارج حيث سطعت الشمس في سماء صافية. وتعجبت كيف لم تقو شمس بهذا السطوع على بعث الدفء في الجو. ثم رأت شبشباً تحت خزان المياه المحمول على جدارين منخفضين من طوب صفط بعضه فوق بعض بلا دقة أو مبالاة، فاتجهت نحوه وهي تمشي على رؤوس أصابعها كي لا يلامس قاعا قدميها المسطبة الباطونية الباردة المرتفعة عن مستوى الأرض بمقدار درجتين، والتي كانت بمثابة عتبة ومدخل للغرفتين الطينيتين في أيام الشتاء أما في الصيف فكانت ملاذاً من الحر في الغرف، فكانوا يفرشونها ويجلسون قاضين سهراتهم تحت السماء المرصعة بنجوم كان يحلو لمريم أن تراقبها طويلاً.

سحبت بيدها الشبشب البلاستيكي المتقلص إلى درجة التيبس وأدخلت قدميها فيه ببطء وهي تقاوم برداً لامسهما، محاولة اعتياده.

انحنت لتحرك مقبض الحنفية المتدلية من أسفل الخزان فتدفق منها ماء بارد لم تستطع أن تبقي يديها تتبللان به طويلاً، فسحبتهما بسرعة وأخفتهما تحت إبطيها فترةً قصيرة، ثم عاودت الكرة: ألصقت أحد كفيها بالآخر وأحنتهما معطية إياهما شكلاً مقعراً، فتجمع فيهما ماء بارد سرعان ما رشقت وجهها به حابسة أنفاسها ثم شهقت من شدة البرودة. أدارت المقبض بالاتجاه الآخر فكف الماء عن السيلان ونهضت لتعود مسرعة إلى الغرفة.

كانت الرياح الشرقية الباردة تهب في هذا الوقت تلسعها وتمتص الرطوبة بعطش مما كان مكشوفاً من جسمها، تاركة وراءها وجهاً ويدين وقدمين قد تقشرت وتسطح جلدها.

دخلت، نشفت وجهها وهي تشعر بألم نتيجة الجفاف والتسطح، ولاحظت أمها ذلك، فقدمت لها دهون "الفازلين" الذي تقتنيه عادة كعلاج سحري ورخيص لحالات مختلفة، من تقشر وجفاف الجلد إلى الجروح والدمامل.

تناولت مريم بإصبعها كمية من الفازلين ودهنت وجهها ويديها وقدميها ليشكل طبقة دهنية سميكة وعازلة يمتصها جلدها ببطء.

وسألت وهي تدلك يديها:

-أين فاطمة؟

-في الغرفة الأخرى تعد الإفطار، انظري إذا كانت تحتاج لمساعدة.

في الغرفة الأخرى جلست فاطمة مقرفصة على الأرض في الزاوية وقد ثنت قدميها كي لا تلامس مؤخرتها الأرض الباردة، وراحت تغسل كاسات الشاي بماء سخنته وبمسحوق غسيل يستعملونه لجميع الأغراض المنزلية بما في ذلك الحمام.

وقد غطت أرض الغرفة طبقة أسمنتية –كانت بمثابة البلاطة- مدت بميلان خفيف ينحدر باتجاه الزاوية لينتهي بماسورة لتصريف المياه تخترق الحائط لتصب في الطرف الآخر في حفرة كانت تفوح منها رائحة كريهة بسبب ركود المياه القذرة فيها وبسبب تبول الأب فيها ليلاً موفراً على نفسه مشقة الذهاب إلى المرحاض الذي يقبع وحيداً بعيداً عن الغرف.

دخلت مريم وألقت تحية الصباح على فاطمة ثم سألتها إذا كانت تحتاج إلى مساعدة فأجابت فاطمة:

-نعم. اسكبي جزءاً من اللبن الرائب وحضري الخبز كي يفطر أبي.

تململ الأب في فراشه، فبدأ واضحاً أنه لم يكن نائماً بل مستيقظاً بانتظار دعوته للأكل. ولأن أمر نومه أو صحوه كانا سيّانِ لجميع أفراد الأسرة، فقد بقى مستلقياً في فراشه.

تقدمت منه مريم ورفعت الغطاء عنه وهي تتذمر من ثقله.

كان غطاء أبيها عبارة عن بطانية قديمة ولحاف من الصوف ثقل وزنه كثيراً بسبب الرطوبة وعدم تنفيش وتشميس صوفه منذ زمن بعيد.

-نعم لقد تكسرت جوانبي منه- أجابها الأب واستطرد: -أنتن في الغرفة الأخرى تـنمعن بدفء المدفأة، أما أنا هنا فأمك تنتظر اللحظة التي أتجمد فيها وأموت من البرد.

قال ذلك وهو يحاول النهوض كي يجلس، فساعدته مريم مبدية حيادية تجاه كلامه، ورفعت المخدة ووضعتها وراء ظهره كي تعزله عن الحائط البارد، ثم انحنت وتناولت ببرود السكين التي ظهرت على الفرشة بعد أن رفعت المخدة، فلم يكن ذلك بالمنظر المفاجئ لها إذ كان أبوها يضع السكين تحت مخدته دائماً قبل أن ينام معتقداً أن أحداً ما سيقتحم الغرفة عليه ليلاً. فسألته:

-ألا تقول لي متى ستكف عن هذه العادة؟

فتمتم الأب في البداية بكلام غير مفهوم، ثم بدأ صوته يميل إلى الوضوح حين ادعى بأنه قبل ليلتين سمع خربشة وضجيجاً عند النافذة، حيث كان أحدهم يحاول دخول البيت من خلالها، ولولا أنه قام من فراشه حاملاً السكين بيده وصارخاً لما اختفى الآخر. فسألته فاطمة:

-وهل استوضحت فيما بعد من كان؟

صمت الأب قليلاً ثم قال بصوت منخفض:

-على ما يبدو كانت قطة!

انفجر ضحك الأختين عالياً. فنظر إليهما الأب في البداية وبعينيه تساؤل، ثم راح هو الآخر يضحك وكأنه اكتشف فجأة بأن ما رواه عبارة عن طرفة! اهتزت كتفا الأب اللتان برزت عظامهما نتيجة النحول وهو يضحك فبدا كطفل بائس نادراً ما يداعبه أحد. أثار منظره شفقة عارمة في قلب مريم فتوقفت عن الضحك، وتوقفت فاطمة أيضاً وسألت:

-حتى لو كان ما تعتقده صحيحاً، أتظن بأن هذه السكين المثلومة التي لا تقوى حتى على قطع الماء ستحميك!؟

-على الأقل سأخيفهم بها.

-ومن هم؟ القطط؟

-اللصوص.

-وماذا سيسرق اللصوص؟

-سيجدون ما يسرقون!

لم تستطع فاطمة ولا أحد من قبلها أن يقنع أباها بعبثية مخاوفه، واستمر هو في الزمن القليل الباقي من عمره يضع السكين تحت مخدته قبل نومه. استسلم الجميع لهذا السلوك واعتبروه أحد مظاهر الشيخوخة والمرض، ولم يدر بخلد أحد أنه قد يكون أحد مظاهر الوحدة!

وهذا ما اكتشفته مريم بعد زمن طويل حينما كانت تتذكر أباها.

أعدت فاطمة ومريم الفطور. وكانت الرياح الشرقية ما تزال تهب في الخارج مثيرة للغبار ومنذرة بفصل شتاء جاف.

راحت مريم تساعد أباها على الأكل، فقد كان جسده الأيمن يرتجف بشدة نتيجة خلل في الأعصاب، أصابه في الماضي البعيد الذي لا تعيه. ونقلت فاطمة الصحون إلى الغرفة الأخرى ثم لحقتها مريم بعد إنهاء مهمتها. تحلق الجميع على الأرض تتوسطهم صحون الطعام القليلة، وشرعوا يأكلون. ومن جديد تكررت المصادفة التي تحدث دائماً. كان أخوها قاسم يأتي بصحبة بعض أطفاله لزيارتهم في أوقات تتصادف مع وقت الطعام عادة. اكفهرت مريم وحاولت فاطمة أن تتعامل مع الأمر ببرودة، أما الأم فراحت توسع لهم مكاناً وتدعوهم للمشاركة في الأكل.

كان الطفلان يأكلان بنهم شديد فبدا لمريم أنهما يعانيان من جوع تاريخي لا يشبع. وكانت طريقتهما في الأكل مقرفة، فكانا يحاولان بأيد قذرة أن يجمعا أكبر قدر ممكن من البيض المقلي في لقمة واحدة وكأنها فرصتهما الوحيدة للأكل، فيتناثر البيض الذي يزيد حجمه عن حجم الخبز المحمول عليه ليتساقط وهو في طريقه إلى الفم في الصحون الأخرى. وكانت أعراض الزكام الذي لا يشفون منه أبداً في الشتاء وفي الصيف أحياناً ظاهرة عليهما جيداً، فكانا يستنشقان أنفاسهما بين اللقمة والأخرى ساحبين معها إلى الداخل كمية من المخاط الأصفر الذي ما يفتأ ينحدر من جديد باتجاه الفم.

فقدت مريم الرغبة في إكمال طعامها وقامت فقالت الأم:

-أكملي طعامك.

-لقد شبعت!

ظهرت على وجه قاسم ابتسامة خبيثة، فعدل من جلسته مستغلاً مكانها ومفسحاً مساحة أكبر لطفليه. أما هي فجلست في الخارج على طوبة مسندة ظهرها إلى جدار غرفتهم الطيني، شادة بيديها ملابسها على بعضها تفادياً لتسرب الهواء البارد إلى جسمها، ملقية برأسها إلى الخلف، فبدا وجهها لامعاً نتيجة ما وضع عليه من الفازلين عندما واجه الشمس، وظهر بريق في عينيها حينما ركزت نظرها على قرص الشمس المشتعل محاولة استيضاح معالمه، لكنها سرعان ما أسبلت جفونها خوفاً من زوبعة الغبار التي أثارتها الرياح الشرقية.