-4-

6 0 00

-4-

كان قاسم قد عاد للقرية قبل خمس سنوات بعد أن سافر للخارج تاركاً المدرسة في محاولة للحصول على عمل، أمضى هناك عدة سنين منتقلاً بين الدول العربية المجاورة، ليعود أخيراً ومعالم الكبرياء تعلو وجهه برغم أنه كان يجرجر أطراف الفشل.

فرحت الأم كثيراً لعودته. فهو ابنها البكر والوحيد بين أربع فتيات تكبرهن عائشة، وهي على قدر كبير من التعقل، وكانت بدورها قد تركت المدرسة بعد أن سافر قاسم لتتفرغ لعمل الخياطة الذي كان يجني للأسرة دخلاً قليلاً يساعدها على العيش بالإضافة إلى الدخل السنوي الذي يحصلون عليه نتيجة تضمينهم للأرض الزراعية التي يملكونها. أما شماء فقد كانت تقضي وقتها في أحد الصفوف الأخيرة في المدرسة، وفاطمة تصغرها بثلاث سنين لتتلوها مريم وهي الأصغر في الأسرة.

قالت الأم فرحة:

-من الأفضل أنه عاد، فالرجل نفسه في البيت ضروري-متناسية وجود الأب.

ردت عائشة:

-معك حق، ولهذا ما كان يجب عليه أن يسافر في الأصل، لقد كان بإمكانه العمل والبقاء هنا قائماً مقام الأب، لكنه فضل السفر، وها قد عاد فاشلاً فارغ اليدين. لا أدري ماذا كان يفعل هناك طول هذه المدة. وأين كان يضيع النقود التي كان يجنيها.

وقد كانت عائشة تشير إلى أنه كان يجني نقوداً لكنه كان ينفقها في ملذات وترف معيب، كما فهموا من تلميحات عن ذلك من أشخاص في القرية سافروا معه للعمل في الخارج.

ردت الأم:

-لا تقولي ذلك، فهو أخوك الوحيد!

-ما قلته هو الحقيقة، والحقيقة هذه أقولها كي تفهمي من هو ابنك الوحيد هذا، شخص أناني لا يحب إلا ذاته ولا يفكر إلا في ملذاته.

لم يعجب الأم كلام ابنتها وراحت تبرر لابنها:

-لست محقة. إن ما حصل هو قدره. ولا حيلة للإنسان أمام القدر!

وبرغم اختلاف وجهات نظر الأم وعائشة حول شخصية قاسم وسلوكه فإنهما اتفقتا في نهاية الحديث على أن تبقى وجهات النظر هذه في داخل البيت، وأن تبدي الأخوات فرحهن بقدوم قاسم أمام الآخرين من الأقارب والجيران، حيث يجب على الواحدة منهن حتى ولو امتلأ فمها بالدم أن تبلعه بدلاً من أن تبصقه فيعرف الناس ما بها من هم، لأن بيت النساء الخالي من الرجل ذو سقف منخفض يسهل على الآخرين أن يدوسوه.

سمعت مريم الحديث الدائر وتخيلت أن سقف الغرفة ينخفض وينخفض ليلامس رأسها ضاغطاً عليها خانقاً إياها. تنهدت مؤكدة لنفسها أنها ما زالت قادرة أن تملأ رئتيها بالهواء. ثم شعرت بمرارة وقرف حين تذكرت فكرة الفم المليء بالدم فبصقت.

إلا أن المرارة بقيت عالقة بحلقها زمناً طويلاً.

كان قاسم متوسط الطول، بشرته برغم بياضها في الأصل مسمرّة نتيجة تعرضها الطويل لأشعة الشمس، ذا أنف كبير وعينين صغيرتين بلون عسلي شفاف يشعان بريقاً ينم على غرور وأنانية.

ومنذ قدومه راح يعلن عن وجوده في البيت الذي غاب عنه طويلاً، وذلك بمتطلبات وتذمر لا ينتهي من الفقر الذي يحمل الجميع مسؤوليته، فالأب مريض، والأم لم تنجب له أخاً يساعده على تكوين نفسه، والأخوات عددهن كثير ولا فائدة ترجى منهن.

ولم يمض وقت طويل حتى وجد عملاً، فقد وافق أحد الأقارب الذي يعمل متعهداً في البناء على تشغيله معه عاملاً، بعد أن توجهت الأم إليه بطلب المساعدة.

تنفس جميعهم الصعداء حينئذ. فها هو أخيراً سيجني نقوداً، ثم إن وجوده في البيت مؤخراً كان سبباً لتوتر دائم فيه، كونه بالإضافة لما سبق عصبياً حاد المزاج.

وباشر قاسم العمل. داوم الأسبوع الأول بانتظام، فكان يخرج صباحاً ويعود مع حلول المساء، لكنه بعد فترة قصيرة سرعان ما أصبح يعود إلى البيت مبكراً. تساءلت الأم بشك بعد أن تكرر ذلك:

-هل أنهيت العمل؟

-نعم

-لكن نصف النهار لم يمض بعد!؟

-أعود متى ما طاب لي ذلك!

-وعملك يا بني؟

فاحتد وقال وبنبرة متعالية:

-فليذهب إلى الجحيم هو وعمله. أيعتقد أنني غلام صغير خلقت لتلبية أوامره؟!

قالت الأم باضطراب:

-لا بد أنك مخطئ في تقدير الأمور يا بني، فالرجل طيب وافق على تشغيلك مساعدة للعائلة برغم أن لديه من العمال ما يكفيه، ولا أعتقد أنه عاملك بطريقة سيئة، فالمعروف عنه أنه حسن السلوك والتعامل مع الجميع.

ازدادت لهجة قاسم حدة:

-أجل. أجل. أنا المخطئ! قولي ذلك ولا تترددي، فأنا أعرف ما تفكرن به، الكل أسوياء إلا أنا الأعوج الوحيد في العالم، وكي أبقى سوياً بنظركن يجب علي أن أتحمل إهاناته وأوامره التي لا تنتهي: اسكب الماء يا قاسم، احمل السطل يا قاسم.

فقاطعته الأم:

-وهل توقعت أن يشغلك مديراً وراء مكتب؟

فعلا صوته وبعصبية قال:

-لا! ولكني لم أتوقع أن يعاملني بهذه الطريقة، وكأني شخص تافه. لن أتحمل بعد الآن هذا الذل… فأنا..

استفز كلامه عائشة، فلم تستطع الصمت وقاطعته:

-ومن تكون أنت؟ أتظن نفسك..

وقبل أن تكمل كلامها. كان الشرر قد تطاير من عينيه وقفز باتجاهها صافعاً إياها بكف ثقيلة أحدثت رنيناً عندما لامست وجهها بسرعة وقوة. وراح ينهال عليها وعلى شماء التي هرعت لنجدتها بالضرب والشتائم مفرغاً كل حقده على الحياة فيهما، محملاً إياهما من جديد المسؤولية فيما هو عليه من بؤس.

وتدخلت الأم تحاول إبعاده عن أختيه وصرخت حين طالتها بعض اللكمات طالبة النجدة من أي كان. أما فاطمة فوقفت متجمدة في الزاوية بداية ثم تدخلت لنجدة أختيها وأمها وتلتها مريم، ليتحول الجميع إلى كتلة واحدة ترابطت بأيد لا يميز الناظر من فوق لمن تعود هذه اليد أو تلك، تتحرك باتجاهات مختلفة ويصدر منها صراخ وبكاء بقي يطن بأذن مريم زمناً طويلاً!