الفصل الثالث

8 0 00

الفصل الثالث

لم يحرك أبو أرز ساكنًا، لأن القتلى كانوا قتلانا، والهولد-أب كان نتيجة لهولد-أب آخر. لستر الفضيحة، شاركنا كلنا في التحضير لإضراب معمل البسكوت المزمع شنه، وأقنعنا العمال أن كرامتهم وأجورهم معرضة للخطر. قرر رب العمل، السني علاوة على ذلك، أن يفصلهم كلهم، ويطلب من أبي أرز نجدته. هرع أبو أرز طالبًا مساعدة أبي مزة، فأشرق وجه أبي مزة عند هذا الطلب. كان يتخيل كيف سيضرب، وفي حالة ما ستتعقد الأمور، بأية مذبحة سيكلف نفسه دون ما عقاب. كانت العمة مريم تجهل كل شيء عن هذه الناحية الدموية في شخصيته. في نهاية الأمر، كانت العمة مريم هي أيضًا من السذاجة بما فيه الكفاية، رغم حِذْقِها. كانت تخطئ في كل شيء في موضوع أبي مزة الذي لم يكن يطلب شيئًا أفضل من تكليفه بالأعمال القذرة. كشف عن ذراعه الموشومة بعظمتين وجمجمة، ورمى في الهواء رشقة من الطلقات. كان أبو أرز يعرف جيدًا ما يجيش في صدره من رغبات، فقال له مهلاً، لكن الآخر فهم بالإشارة كل شيء. أولاً وقبل كل شيء كان يلزم حل مسألة الأمن. كان وجه أبي مزة يعكس فرحًا يزداد شراسة، فالمهمة التي كُلِّفَ بها كانت أهم من قمع العمال، قمع آه ما أسهله! أومأ أبو أرز برأسه في اتجاه عبد السلام.

- إنه بيت داء المسلمين، قال بصوته الأخن. اطرده أولاً، ثم اهجم على المضربين!

نزل أبو مزة إلى الشارع الممتلئ بالمتظاهرين. كنا مُهَيَّجِين كلنا، عبد السلام، كمال الدرزي، أبو المشارق، تقي الدين، بطرس الأحمر الحزين، وأنا. كنا نريد أن ينجح الإضراب لنقنع الناس أن الهولد-أب لم يكن من فعلنا. كنا نريد كذلك أن يقرع دعمنا للمضربين جرس التحدي في آذان أبي أرز وأبي مزة. الشيء الذي ارتعدت له فرائص الأول وعمل على تراجع الثاني.

- سأسمح لكم بالعودة إلى أعمالكم، قال رب العمل للعمال، على أن تعودوا عن مطالبكم. سأمنح كل واحد علبة كبيرة من البسكوت المملح، هذا كل ما أقدر عليه، ويا لكم من محظوظين!

- لا! صرخ العمال التعسون بصوت واحد.

ولم يتوقف الإضراب. تلفن أبو أرز لفرنسا ليخبر أنه يخشى العمال في سعيهم إلى قتله. بعد عدة أيام، ذهب أبو أرز إلى جُونْيِه. كنا نعلم أن شحنة هامة من الأسلحة ستصل، وأن برناديت ستكون في تلك النواحي.

- برناديت في خطر، ابنة عمي، أختي أملي، أملي، قال بطرس الأحمر لعبد السلام بنبرة قلقة وهو يلدغ. هل نسيت برناديت؟

- أعرف أنها في خطر، أجاب عبد السلام، وأنا لم أنسها.

- من واجبك إطلاق سراحها.

- مستحيل.

- ماذا تقول!؟

- في الظروف الراهنة، مستحيل إنقاذها.

غضب بطرس الأحمر. إن لم نفعل شيئًا لتحرير ابنة عمه، تَرَكَنا، وأبلغَ عن القائد الفلسطيني الذي نحبه كلنا. أخذنا نفكر في أحسن طريقة لاختراق الباخرة الفرنسية لنحرر برناديت.

ذهب عبد السلام ليرى قائده "أبو الدميم" الذي كان اسمه على شكله. وجده على البلكون، يهدد الجيران. كان دميمًا بالفعل، وكريهًا بلا نزاع.

- أنا أجمل الثوريين، أنا أجمل الثوريين، كان يصرخ بصوته الأبح. أنا رب بيروت! أنا رب كل لبنان! كلكم على قدميّ! أنتم، نساؤكم، بناتكم! كلكم على قدميّ، يلعن دين! على قفاي! علىىىىىىى، قفااااااااااااااااااااي!

أخذ يطلق الرصاص على غير هدى، والصرخات تصل من البلاكين الأخرى. أمسكنا أبا الدميم من ذراعه، وأدخلناه، وهو يواصل سب الجيران. كان مخدرًا. كانت ثلاث عاهرات من أجمل عاهرات بيروت عنده. اعترف بكونه صار يسأم من مضاجعة عاهرات العمة مريم. يريد عذراوات يزيل بكارتهن بنفسه.

- العاهرات كالعذراوات اللاتي تتمنى إزالة بكارتهن، كل هذه البنات مُلْكٌ للعمة مريم، إذا كنت تريد أن تعلم، رد عليه عبد السلام.

- إذن ماذا تنتظر لتنيك رب العمة مريم، وترضيني؟ صاح قائد المقاومين الفلسطينيين.

- أريد أن تعيرني عاهراتك لهذه الليلة، وأنا، سأحضر لك كل عذراوات بيروت دون اللجوء إلى تلك القذرة التي هي العمة مريم.

كنا نعلم أن عبد السلام لم يكن صادقًا فيما يقول، أنه كان يحترم العمة مريم. كان يطبخ شيئًا ما على نار خفيفة، كانت تلك طريقته فيما يفعل. قَبَّله أبو الدميم من جبينه، وأمر عاهراته أن يرافقنه. عند تلك اللحظة، وصل الأخوان التوأمان مصطفى ومصطفى. كانا ضد كل تدخل في الشئون اللبنانية. لم يكن لبنان لهما سوى قاعدة لتحرير فلسطين والقيام بأفعال ضد المحتل والمستعمر الإسرائيلي. قال لهما عبد السلام إن هذه العاهرات سيساعدنه على تحرير برناديت. مصطفى ومصطفى، أو ميم وميم كما كان من عادتنا أن ندعوهما، رفضا رفضًا قاطعًا. عاهرات لتحرير القدس نعم، لكن برناديت، كانت لهما مشكلاً لبنانيًا خالصًا. على اللبنانيين أن يحلوه. صفقا الباب، وهما يقسمان أنهما سيهدمان على رؤوسنا كل شيء إن علما أن برناديت كانت قد تحررت بفضلنا.

- مصطفى ومصطفى، تبًا لكما! إنها خطيبتي، همهم عبد السلام خلفهما.

- هذا لدينا سواء! ردا بفظاظة. فلسطين! الشيء الوحيد الذي يُحسب حسابه فلسطين! فلسطين، فلسطين، رددا كمن يريد أن يُدخل في رؤوسنا كلمة سر.

كان أبو الدميم يسترخي في أريكة، ذراعاه تتأرجحان، ولسانه يتدلى كالكلب. حاله حال من لا يصدق، وعلى وجهه يُقرأ النفور والاشمئزاز. عندما ذهب ميم وميم، أقسم أنه سيذبحهما يومًا بيديه. جعل عبد السلام يعلم أنه رغم كل "الميمات" في العالم عليه أن يأتيه بعذراء يزيل بكارتها.

- من فضلك سلام سَلِّم! رجا متعثرًا بالاسم الطويل والمتعِب عند النطق بالنسبة له.

وضع مرسيدساته تحت تصرفنا، وجعلنا نذهب مع عاهراته.

- أريد أيضًا ثلاث أو أربع عاهرات جميلات مثلكن، قال لهن عبد السلام. سأدفع لكن بالدولار، وسأكون كريمًا.

العاهرات، وخاصة العاهرات الجميلات، كن شأن العمة مريم. أتينا بهن من حَيِّنا، لنرى عمتنا. بعد عدة دقائق، غادر موكب مرسيدساتنا باتجاه جُونْيِه مع "البضاعة" التي نريد وبركة العمة مريم.

- سنلهي البحارة بالعاهرات، قال القيادي الفلسطيني لبطرس الأحمر، لنقدر على الصعود إلى المركب. أتمنى أن تكون برناديت موجودة فيه دومًا.

- لستَ متأكدًا من أن برناديت موجودة في الباخرة؟ استشاط بطرس.

- أبو أرز خبيث!

لطم الأحمر نفسه. كان خائفًا على حياة المومسات.

- إذا ماتت واحدة أو اثنتان من البنات، همس عبد السلام في أذنه، فلا بأس في ذلك، ما هن سوى قحبات!

كانت السماء تتلبد بالغيم كمعطف قاتم ترتديه النجوم، وكانت الرطوبة تزحف كوحش شرس يلتهم الليل. كشف عبد السلام أثداء العاهرات، ثم أفخاذهن، أكفالهن. كن يضحكن في الوقت الذي كانت فيه أسنانهن تصطك من البرد. كان يعيد عليهن أنه سيدفع لهن بالدولار، دولارات كثيرة، شرط أن يتمكنَّ من الصعود إلى سطح الباخرة. تركناهن على الرصيف، وذهبنا إلى أماكننا نرصد من بعيد.

اخترقت العاهرات الباخرة دون صعوبة. لم تتأخر الموسيقا عن الانطلاق، تتخللها الضحكات المخلة بالحياء. كان علينا أن نتصرف. زلقنا في دهاليز المركب بحثًا عن برناديت التي وجدناها عارية تحت الجسد الضخم للكابتن. أراد عبد السلام قتله في الحال، فمنعه بطرس الأحمر. اكتفى بضرب الكابتن بسلاحه على رأسه، وخَلَّصَ برناديت. رمت بنفسها على صدره باكية، وابن عمها كان يبكي معها. ترك القائد الفلسطيني لها الوقت لتلبس، وخرجنا حذرين كما دخلنا.

- أحسن مكان تستطيع برناديت أن تكون فيه بأمان هو عند أبي الدميم، قال عبد السلام لبطرس الأحمر مخفيًا هدفه الحقيقي الذي من المخجل الاعتراف به بمقدار ما كان شنيعًا.

تردد بطرس الأحمر. أخيرًا أقنعه عبد السلام بتركها تمضي الليل في شقة قائده، وغدًا سيكون نهارٌ جديد.

كان يعلم أن أبا الدميم لن يتردد لحظة واحدة عن النوم مع برناديت. كان يتمنى أن يقضي غرضه مع العذراء التي يريد، فتمشي الأمور من حسن إلى أحسن بينهما.

بعد أن "عهد" عبد السلام برناديت إلى أبي الدميم، ذهب عند أبي أرز. وكالعادة عندما يلتقيان وجهًا لوجه، كان الاستقبال حارًا. أخبره عبد السلام أنه كان على علم بشحنة الأسلحة الفرنسية، وأن برناديت لم تعد على المركب.

- أنقذتها من يدي الكابتن، هذا ما يطمئنني، سارع إلى البوح له. كنت مضطرًا للخضوع له لتهدئة شهواته المتوحشة. ما العمل عندما تكون مرغمًا على الاختيار بين واجباتك نحو الوطن...

- نحو الأرض المحصورة التي تتمنى أن تعمل منها وطنًا، قفاي، أي نعم!

- ...والتضحية بواحدة، برناديت. هدد الكابتن بعدم تسليمي الأسلحة إن لم "أسلمه" برناديت. يا له من شخص مرعب! يا له من شخص مرعب! نفث بصوته الأخن.

- تحاول أن تقول لي إنك لم تأت بها معك عن عمد، أيها الماكر الصغير!

- أقسم لك أ...

- لا تقسم.

- صدقني، يا صاحبي. أنت لا تصدقني. أقسم لك أ...

- لا تقسم، قلنا!

- الآن، يجب أن تعيدها إليّ.

- مستحيل. برناديت ستبقى معي. أحبها، سنتزوج.

- افهمني، يا صاحبي. إذا لم تكن تحت حمايتي، فلن يمكنني السيطرة على طائفتي.

قايض معه. بعد مناقشة طويلة، اتفقا على اقتسام شحنة الأسلحة الفرنسية بينهما. كان أبو أرز يريد أن يكون أزلام عبد السلام مسلحين أحسن من غيرهم ليسيطروا أحسن على المعارضة في حالة ما اندلعت الحرب، بما أن عبد السلام المفاوض الوحيد ذو المصداقية حسبما يرى. ثم، هناك كذلك سوق الإسمنت الذي يرمي إلى اقتسامه معه. بالمقابل، سيعيد برناديت إليه. اتفقا أيضًا على ألا يبدأ أحدهما الحرب دون أن يخبر الآخر.

- سنتقاسم حقيقة الحرب القاسية وكل أحلامها، قال أبو أرز بصلافة.

- غالبًا ما تكون أحلام الحرب كوابيس، حذره عبد السلام.

- قل بالأحرى أجمل الأحلام، ختم الأول بوقاحة.