الفصل الرابع
عثرنا على برناديت ذبيحة في منطقة المصانع الواقعة قرب مخيم تل الزعتر. أنكر أبو الدميم كل مسئولية. "إنهم رجال أبي أرز، ادعى. جاؤوا، وأخذوها." منعنا بطرس الأحمر من قتل أبي الدميم، كان الجاني في عينيه على التأكيد.
- إنه أبو مزة، قال عبد السلام بِحُمَّى ليخفي أنه كان يكذب. إنه رجل أبي أرز، أضاف بنفس النبرة الحامية، الذي قتلها. حجة لينهي جداره.
لم تكن العمة مريم تصدق كلمة واحدة. نحن كذلك، إلا أن أبا المشارق أيده:
- وليضع حدًا لإضراب العمال في معمل البسكوت. في رأيي، أولئك العفاريت هم الجناة الحقيقيون. يجب تصفيتهم، وفي الحال.
من ناحيته، بكاها أبو أرز، مع العمة مريم، ومعنا كلنا. لكنه صار يأخذ حذره منا، نحن سكان الحي. لم يكن هذا يسعد العمة مريم إطلاقًا، جففت دموعها، وأمرتنا أن نذهب لنسرق لها في بيروت الشرقية.
- قتل الفلسطينيون ابنتكم الحبيبة، قال أبو أرز لناسه. حطموا قلوبكم، ذبحوا لحم لحمكم، وبدل أن يقف الجنوبيون إلى جانبكم، ألقوا عليكم المسئولية، وأيدوا المضربين والفدائيين.
بالفعل، أيد أهل الجنوب بكافةِ نِحَلِهِم الفلسطينيين وحلفاءهم. نزحت عشرات العائلات لتنضم إليهم بسبب غارات "تساهل". التفوا كلهم في جبهة واحدة حول عبد السلام، كمال الدرزي، بطرس الأحمر، أبي المشارق، تقي الدين، والمضربين. أما نحن، فبعد أن سرقنا الأغنياء المارونيين قليلاً، كما طلبت منا العمة مريم، التحقنا بهم.
- دم برناديت لن يذهب هَدَرًا! كنا نصرخ.
كان عبد السلام الوحيد الذي يعرف أن أبا الدميم بعد أن اغتصب برناديت قَطَّعها إرْبًا. التاث، وَنَفَذَ جسدها الجميل بطعنات سكينه. نادى عبد السلام عندما ذهب أثر الأفيون عنه، وأمره أن يتدبر الأمر، فتدبر الأمر. رمى أشلاءها في المنطقة الصناعية، قرب مخيم تل الزعتر، ولم يكشف من القصة شيئًا لحلفائه. صار أبو الدميم الآن خاتَمًا في إصبعه. عوى ميم وميم كثيرًا، لكنَّ أبا الدميم بقي عند كلامه.
على أَثَر هذه الحادثة، لم يتقاسم أبو أرز شحنة الأسلحة الفرنسية مع عبد السلام، وكان لزامًا على القيادي الفلسطيني أن يحصل على أسلحة بأية طريقة. كان واثقًا من أن أبا أرز سيتعاون مع الإسرائيليين بعد الفرنسيين، وكان من الصعب أن يفعل مثله. ربما في المستقبل، لا الآن. لم تكن الشروط الحالية مناسبة لهذا النوع من الصفقات مع "العدو"، لكن في حربنا لا شيء نهائي، كل شيء يتوقف على الظروف. كان الذهاب لشراء أسلحة من الصين أو من أوروبا المركزية أرخص بكثير من الاتحاد السوفياتي (الذي كان يرسل كلاشينكوفاته إلى الأحمر بدون مقابل) أو من أوروبا الغربية. لم تكن نفس النوعية، لكن لا بأس. كان ما يهم بالنسبة لنا أن نحصل على أسلحة، وبالنسبة لهم أن يقبضوا نقدًا، وبالدولار. وفي ذلك الوقت، دولارات السعودية وبلدان الخليج لم تكن تكفي، يا الله تكفي ملء جيوب هذا القائد أو ذاك، فأخذ عبد السلام معلومات من القادمين من الجنوب، بخصوص حقول الحشيش. كانت هذه الحقول مِلكًا للوزراء وأمراء المال اللبنانيين، وكانت تمتد على عشرات الكيلومترات. تحت حجة الدفاع عن الجنوب من الغارات الإسرائيلية، أرسل رجاله ليستثمروها. أبدى بطرس الأحمر عدم اتفاقه معه، وأبدى أبو المشارق تأييده له. وصف هذا الإجراء "بالثوري"، وأرسل بعضًا من رجاله لمساندته. استنفر كمال الدرزي جماعته ضدنا، تقي الدين ضد كمال الدرزي، وكانت الحرب ستندلع بيننا لولا توصل عبد السلام إلى اتفاق يوافق الجميع: سنزود بأموال الحشيش (أموال كثيرة في الواقع) أسلحة للكل، وهذه الأسلحة سنشتريها من ألمانيا.
- من ألمانيا الشرقية؟ سأل بطرس الأحمر.
- من ألمانيا الغربية، أجاب القيادي الفلسطيني.
- ولِمَ لا من ألمانيا الشرقية؟ عاند بطرس الشيوعي.
- ولِمَ لا من فرنسا؟ ولِمَ لا من فرنسا؟ زايد كمال الدرزي، الاشتراكي.
- ولِمَ لا من أمريكا؟ زايد تقي الدين، الشيعي.
- لآن أسلحة ألمانيا الغربية هي الأحسن.
في تلك الليلة، احتفلنا بالحدث حتى انبلاج الفجر. لم نكن قد بعنا بعد عشب الخراء هذا، لم نكن قد قبضنا بعد النقود القذرة هذه، لم نكن قد اشترينا بعد الأسلحة التي من المفترض أن تكون أحسن الأسلحة هذه، ومع ذلك، كان احتفالنا أشد ما يكون عليه. كان أبو المشارق يعزف على الجيتار، ويغني أغاني ثورية. كنا نطلق في الهواء، نشرب، وندخن. كنا نطلق، كنا نطلق. كنا نفرغ كلاشينكوفاتنا. على مثل هذا الصخب، لن يتأخر أبو أرز عن الاعتقاد أن عبد السلام قد شن الحرب ضده دون أن يخطره، فكلف العمة مريم بالذهاب إلى طمأنته.
بعد أن وضع عبد السلام يده على "محاصيل الذهب"، كما كان يقول عن محاصيل الحشيش، اتصل بأتباعه في ألمانيا، هيبّي مدينة بون. كلفهم بالبيع في السوق السوداء، وبوضْع النقود في بنك سويسري كان مديره من معارفه القدامى. كان هذا المدير هو من سيدفع لمصانع الأسلحة الألمانية.
أتاه بطرس الأحمر لاهثًا:
- يقيم رجالنا بسطات تقريبًا في كل مكان لبيع كلاشينكوفاتهم والأسلحة الأخرى الصينية أو اليوغوسلافية.
- ماذا!؟ صاح عبد السلام منذهلاً.
- للأسلحة الألمانية التي سنشتريها، فالكل على علم بذلك، شرح الأحمر، هم يبيعون ما لديهم من عتادات حربية بأبخس الأثمان.
- لكنهم حمقى! الأسلحة الألمانية لم تصل بعد!
- وأبو أرز هو المستفيد. كلف العمة مريم بنشل كل شيء.
- ماذا سيفعل بها أبو أرز، وهو لديه أسلحة ألف مرة أحسن منها؟
- يخزنها ليعود ويبيعنا إياها، يخزنها ليعود ويبيعنا إياها، قال وهو يلثغ. بواسطة العمة مريم بطبيعة الحال. وبأبهظ الأثمان، صاح.
أخيرًا، ستكون العمة مريم الرابحة الكبرى، بالنظر إلى العمولة التي ستتقاضاها من الطرفين. حتى أن هناك شائعة عملوا على ترويجها مفادها أن العمة مريم ستعقد صفقات أسلحة مع الأنظمة التوتاليتارية العربية، وبما أنها كلها كانت توتاليتارية، ستغدو العمة مريم ثرية جدًا. عمل عبد السلام كل ما في وسعه كيلا يترك رجاله أنفسهم يسقطون في هذه الحلقة المفرغة. وعلى العكس، سرق رجال أبي المشارق صناديق المتفجرات، القنابل، الصواريخ، القاذفات، الشَّدِّيدات، الديناميت، وتكلف أولاد العمة مريم ببيعها في نفس الوقت الذي يبيعون فيه باكيتات السجائر والشوينج-جم.
بعد ظهر أحد الأيام، وصلتنا طلقات من المنزل الباذخ المجاور. ثم، بداية سوناتة غريبة على البيانو، ثم حط الصمت. ذهبنا لنجد مراهقًا جمد على مرآنا. كان قد أفرغ الكلاشينكوف الذي اشتراه في صدور أفراد أسرته. لاحظ أبو المشارق أن البيانو قد أصابته الطلقات، فأخذ يلعن الصبي، يهزه، يعنفه، لأنه أتلف "تحفة نادرة". ثم، بأصابع مرتعشة لمس الثقوب، وقال للقائد الفلسطيني:
- في نهاية الأمر، لم يتلف بالخطورة التي تصورتها.
- ماذا تقول، يلعن دين!؟
- يمكننا إصلاحه، ويا للحظ.
أمر أبو المشارق رجاله أن يحملوا البيانو، وخرجنا دون أن نبالي بالجثث. ونحن نقطع الشارع، سمعنا رشقة كلاشينكوفية لم تكتمل في المنزل الباذخ. ركض أحد رجال أبي المشارق ليرى ما حصل. ألقى نظرة من النافذة، وقال بلامبالاة:
- لا شيء، انتحر الصبي.
حذرنا كمال الدرزي من هجوم مباغت لأبي أرز خلال الليل انتقامًا للمجزرة، فذكره عبد السلام أن هذه العائلة، ثرية حقًا، لكنها مسلمة. مسلمة أم غيره، أكد أن أبا أرز ينتظر أقل انزلاق لتفجير الوضع. لكننا لسنا نحن الذين قتلوا أفرادها. على عكس الدرزي، كان تقي الدين يجدها فرصة لا تعوض لبدء الأعمال الحربية ضد رئيس الكتائب.
- وليس أبو أرز الذي خردق الأسرة المسلمة، صاح القيادي الفلسطيني مقهقهًا.
قهقه القيادي الشيعي بدوره:
- سنقول إنه هو.
- لو كانت لدينا صفقة الأسلحة الألمانية لما ترددت لحظة واحدة عن التفكير مثلك.
بقي كمال الدرزي وتقي الدين في بيروت. ذهب عبد السلام مع بطرس الأحمر إلى مخيم تل الزعتر. عاد أبو المشارق إلى معمل البسكوت في سيارة لوكس. كان أبو الدميم من أعاره إحدى مرسيديساته، إحدى أجمل مرسيديساته.
في تل الزعتر، أدركنا، وهذا للمرة الأولى، أننا نقف إلى جانب الفلسطينيين. لم يعجب هذا العمة مريم في البداية، ثم تعودت على هذه الفكرة، وفي حسابها أنها طريقة ممتازة للضغط على أبي أرز، الذي لن يكون له خيار آخر غير الإبقاء عليها في خدمته. من ناحية أخرى، وقف بعض أبناء أعمامنا إلى جانب القائد الكتائبي. هكذا انقسم حينا إلى قسمين دونما حاجة إلى سور أبي مزة. إذن أظهرنا آية الكرسي في تل الزعتر، وأبناء أعمامنا الصليب في المعسكر الخصم. العمة مريم وحدها التي احتفظت بالرمزين الدينيين. كانت الأكثر مكرًا من كل عباقرة الفهلوة في هذا البلد.
في تل الزعتر، تعرفنا على الأبيض وأم الأبيض. تقابلنا مع أبي فريد وأم فريد وابنتهما فريدة. كانت للأبيض بشرة سوداء بسواد بشرة عنترة، وكان لأبي فريد فريد، ابنه الوحيد، تركه في الجنوب مع أخته الصغرى ثائرة ليصد هجمات "اليهود"، واليهود حسب مفهومه جنود "تساهل". أشار إلى فريدة:
- لم يعد لدينا أي خبر عن أختها الوسطى فاطمة التي تخلت عنا كما تخلت السلطة عنا. يسمونها فاطمة السورية، لأن لها السحر السري للدمشقيات، والقلب القاسي للعلويين.
تنهد ونظر إلى سماء بيروت، سماء تمتد إلى ما لا نهاية، وتسحب عن جسدها ثوب الغيم. لكننا كنا نفكر في العمة مريم. كانت تدَّعي هي أيضًا أن لها جمال نساء دمشق الذي يميزهن عن غيرهن من النساء، بل وأكثر، كانت غالبًا ما تقول إن جدة جدتها كانت سورية من اللاذقية، وإن جد جدها كان تركيًا من اسطنبول.