مقدمة

6 0 00

رواية عــذراء حمــاة

د. محمود الدغيم

كتبت عام (1982) الدكتور : خالد أحمد الشنتوت ملاحظة : (95 % ) من هذه الرواية واقعي ، و(5 % ) من خيال الأديب لتكون رواية أدبية .

بسم الله الرحمن الرحيم

ـ 1 ـ

باتت صفـاء في فراشها قلقة في تلك الليلة الباردة

من شهر آذار (مارس ) سنة (1964م) ، فقد آلمها نقل مدرس التربية الإسلامية بأمـر من حزب البعث العربي الاشتراكي ؛ نقله من ثانوية السيدة عائشة في مدينة حماة إلى إحدى مدارس البوكمال في الشمال الشرقي من سوريا . عينوه على البنات ليعزلوه عن الشباب المسلم ، ولما لاحظوا أن دعوته مستمرة مع البنات ، وأنه وجد حقلاً جديداً للدعوة ، لذلك نقلوه بعيداً إلى البوكمال .كان مدرساً ناجحاً ، يحبه مؤيدوه ومعارضوه ، لاتفارق البشاشة وجهه الوقور ، ولايرفع بصره عن طاولة المدرس ، وجميع الطالبات كبناته أو أخواته ، يشفق عليهن من عذاب الدنيا والآخرة ، ويجهد نفسه من أجل إعداد وتربية الأخوات المسلمات ، نصف المجتمع المسلم المنشود .تقلبت صفـاء في فراشها تبحث عن النوم على أطراف وسادتها ، لكنها لم تجده ، وإنما سمعت صوت الناعورة كأنه نواح أم ثكلى فقدت مهجة قلبها الذي ربتـه زمناً طويلاً ، انتبهت صفاء لهذا الأنين وكأنه نذير شؤم فزاد قلقها ، وتذكرت خطيبها (محمود ) الذي لم تـره سوى مرة واحدة بعد عقد قرانهما ، حيث تزداد مسؤولياته يوماً بعد يوم . مع أنه يستعد هذا العام لامتحان الشهادة الثانوية ، ولما هرب النوم من عينيها ، نهضت فتوضأت لتصلي في جوف الليل ، والناس نيام ، ثم جلست على جلد صوفـه طويل قرب المدفأة تسترجع ذكرياتها القريبـة .دخلت ثانوية السيدة عائشة سنة (1962) وقد فاضت حماة بالدعوة الإسلامية ، من مساجدها ومن مدارسها ، وكأن الدعوة كانت محبوسة في زجاجة ثم نزعت سدتها فانتشرت في المدينة كلها نوراً يبدد الظلام والجهل والتخلف . ودخلت الدعوة مدارس البنات ، مع مدرسي التربية الإسلامية الذين أبعدوهم عن مدارس الشباب ليحولوا بينهم وبين نشر الدعوة بين الشباب ، واشتهر الجلباب الإسلامي في مدارس البنات ، بين الطالبات وبعض المدرسات ، وانتقل إلى ربات البيوت وصار زيـاً شائعاً في شوارع حماة . وازدانت شوارع حماة بمواكب المسلمات تغدو صباح الجمعة إلى المساجد ؛ تنهل من العلم الشرعي ، وأخلاق القرآن ، وتمر الطالبات بجلابيبهن صباح كل يوم كأسراب الحمام ينشرن حولهن الهدى والنور ، ويبعثن الأمل في نفوس اليائسين بعودة الحياة الإسلامية والمجتمع الإسلامي .وازدانت ثانوية ابن رشـد وعثمان الحوراني وأبي الفداء والصناعة وغيرها بلحى الشباب المسلم ، كأنها براعم حضارة ربانية عريقة تتحدى عوامل الضعف والانحدار التي دبـت فيها منذ زمـن بعيـد . وصارت المساجد والثانويات مراكز إشعاع للدعوة الإسلامية ، في المساجد علماء باعوا نفوسهم لله تعالى، وأولهم العالم العامل محمد الحامـد يرحمه الله تعالى ، الذي جعل من مسجد السلطان مدرسة للإخوان خاصة ، وللحمويين عامة ، ينهلون من درسـه اليومي نور العلم يبددون جحافل الظلام التي تهجم عليهم صباح مساء من وسائل الإعلام ومؤسسات التربية والأحزاب وفكرها السياسي الانتهازي والتخريبي . وقد أقبل الشباب على الإسلام لأنه يتجاوب مع فطرته التي فطره الله عليها ، لم تفسدهم بعد سموم الأحزاب السياسية ومتع الحياة الفانية .تلك صور سريعة تداعت في مخيلة صفاء ، وهي تدخل عالم النوم قرب المدفأة ، حيث رقدت ثلاث ساعات ، نهضت بعدها على أصوات المؤذنين يحثون المسلمين (الصلاة خير من النوم ) ، فلبست صفاء ثيابها وغطت شعرها ثم فتحت النافذة لترى طلائع الفجر تنبعث من الشرق فتتلقاها المآذن ، مآذن حماة الجميلة ، وكأنها أيد امتدت إلى السماء ، تبتهل بالدعاء تضرعاً إلى الله عزوجل أن يحمي حماة من كيد الطغاة ، وكانت مئذنة جامع السلطان تشد عيني صفاء ، وهي تعلم أن محمود في طريقه الآن إلى مسجد السلطان ، كما كان صوت مؤذن السلطان متميزاً ،ولـه أثـر خاص في نفوس الشباب المسلم ، صوت معبر عن براعم نهضة تواجه جحافل الطغاة ، الواقفين بينها وبين الحضارة الإسلامية ، ثم عادت صفاء إلى محرابها في غرفتها تؤدي سنة الفجر وفريضة الصبح ، ثم تتلو وردها اليومي من القرآن الكريم ، قبل الاستعداد ليوم مدرسي جديد

.

ـ 2 ـ

كانت المخابرات العسكرية تراقب وتتعرف على المواظبين على صلاة الفجر عامة ، ومسجد السلطان خاصة ، فلقد اعتقدت السلطة أن المواظبين على صلاة الجماعة عامة والصبح خاصة ؛ هم الخطر الوحيد الذي يعرقل مخططها الهادف إلى إعادة العرب إلى جاهليتهم قبل الإسلام ، وهؤلاء الشباب المتوضئون ، الذين لا يرقصون ولا يشربون الخمر هم الخطر الرئيس على التقدمية والتحرر كما يفهمه الانقلابيون الذين قفزوا إلى السلطة في جنح الظلام ، عندما قامت مجموعة صغيرة من الضباط بانقلاب عسكري استولوا فيه على السلطة ، وأعلنوا أن هدفهم الأول القضاء على الرجعية العربية في الداخل والخارج ، لذلك وصل بهم الخوف من المسلمين وكراهتهم والحقد عليهم إلى رصد الشباب الذين يؤدون صلاة الفجر جماعة في المساجد .لذلك خرج محمود من مسجد السلطان وهو يدعو ( اللهم صل وسلم على سيدنا محمد ، اللهم إني أسألك من فضلك ) ولم يتكلم مع منقذ الذي كان قريباً منه حتى منتصف طريق الدباغة _ السلام عليكم : _ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ، كيف حالك يا أخي ؟ _ الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه ، نسأل الله أن يتمم بخير يا منقذ . _ أين توفيق وعبد الله ؟ _ رأيتهم سبقونا _ ما الذي أغمك يا محمود ؟_ ألم تسمع ماذا فعلوا ؟ _ تقصد نقل مدرسي التربية الإسلامية ؟ _ نعم ، نقلوه إلى حلب ونقلوا زميله إلى البوكمال ، وثالث إلى السويداء ، _ كل هذه الإجراءات خوفاً من مدرس ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍ ‍‍‍؟ _ نعم .. إن الخبراء في علم النفس والاجتماع يخططون لهؤلاء الانقلابيين ، ويعرفون أن التربية أهم سلاح في المجتمع . لذلك أعلنوا أنهم سيصفونها من كل مدرس رجعي كما يقولون .ونزل الأربعة شارع الدباغة إلى ساحة العاصي بين مقهى الروضة وفندق أبي الفداء ،في ذلك الشارع الجميل حيث تبعث النواعير أنغاماً شجية على ضفاف نهر العاصي تناشد النيام أن يستيقظوا فقد ملهم الفراش وسأم منهم الزمن . ثم مروا على دفعتين فوق جسر السرايا ليدخلوا حي الحاضر ، الحاضر الذي يحتوي الماضي العريق الأصيل ، ويحفظه من العدو ، وعند بداية الحاضر انعطفوا يميناً إلى حي البارودية قلب الحاضر النابض ، وفي أول الحي تقريباً دخلوا مسجدا ً صغيراً رسم على بابه سيفان متقاطعان بينهما مصحف ، عرف باسم مسجد مروان حديد .دخل توفيق وعبدالله ، فسلما على الشيخ مروان ، ثم صليا تحية المسجد ، وجلسا في حلقة التلاوة ، وسط مجموعة من طلاب المرحلتين المتوسطة والثانوية ، ثم وصل منقذ ومحمود ، وكان الشيخ مروان يتلو قول الله عزوجل :  وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولاتعتدوا إن الله لايحب المعتدين ، واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم ، والفتنة أشد من القتل  حتى وصل قوله تعالى  وقاتلوهم حتى لاتكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين  ثم يقول مروان بتحسر : هذه أول آيات نزلت تأذن للمسلمين بقتال من قاتلهم ، يقول تعالى : والفتنة أشد من القتل : الفتنة هي الشرك والردة عن الدين ، والشرك أو الردة عن الدين أشد من القتل ، فمن قتل على الإسلام ، بعث مسلماً ، أما من فتن ومات على غير الإسلام فإنه يبعث على ما مات عليه ، وللفتنة أساليب شتى ، وهي كل مايحول بين المسلم ودينـه ، كما يفعل حكام بلدنا اليوم ، يسدون الأبواب أمام الشاب الملتزم بدينـه ، وأمام المسلمة المحجبة طاعة لله ورسوله ، ويحرمونهم من حق التعليم والعمل ، ويفتحون الأبواب على مصراعيها أمام المتحررين من دينهم والمتحررات السافرات المتبرجات ، أما المجاهرون بالكفر والإلحاد فيصلون إلى أعلى المراتب في بلدنا ، إنها دعوة سافرة للردة ، وإن الدولة تشجع بل تجبر الناس على الردة ، وهذه هي الفتنة ، وهي أشد من القتل ، وقد أمرنا ربنا أن نقاتل حتى لاتكون فتنـة ويكون الدين كله لله . أمرنا الله عزجل أن تكون كلمة الله هي العليا ، ألا ترونهم يهزأون بكلمات الله سبحانه وتعالى ، ويسمون الإسلام رجعية ، ويشتمون الرجعية صباح مساء ، ويمجدون الشيوعية والعلمانية ، ثم تنفس الشيخ عميقاً وتابع يقول :  ولاتحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون  والموت في سبيل الله أسمى أمانينا ، فمن لها غير الشباب المسلم ، أنتم ياشباب ، أنتم أحفاد خالد وأسامة وعمر رضي الله عنهم أجمعين .كانت هذه الكلمات تخرج من قلب مروان المخلص لله تعالى ، والذي لم يتعلق بغيره ، وتدخل قي قلوب مريديه النقية الطاهرة ، فامتلأت قلوبهم بها ونقش عليها ( الموت في سبيل الله أسمى أمانينا ) ،  وقاتلوهم حتى لاتكون فتنـة ويكون الدين كله لله ... .ارتفعت الشمس وحان وقت المدرسة ، فصلى الحاضرون سنة الضحى ، ثم انصرفوا ماعدا الأربعة الذين التفوا حول الشيخ مروان :ـ ماذا يا أخي هل نسكت على نقل مدرسي التربية الإسلامية ؟ ـ لقد سكت المسلمون طويلاً ويجب أن يتكلموا ( أجاب مروان ) .ـ لماذا لايقوم المسلمون بثورة شعبية ضدهم ؟ـ أجاب مروان حديد : نعم يجب أن يقوم المسلمون اليوم وليس غداً ، بثورة سلمية ، سياسية ، بالمظاهرات والإضراب ، والعصيان المدني ، يجب أن تغلق المدارس والأسواق ، والدوائر الحكومية ، ويستمر الاضراب في حماة ، ويمتد إلى سائر المحافظات حتى تسقط هذه الحكومة ، كما فعل آباؤنا في إضراب الستين يوماً ضد الفرنسيين ... فعدونا اليوم ضعيف ، مازالوا متناحرين على الكراسي ، ولما يتمكنوا من رقابنا يصعب القيام عندئذ ، لقد بدأوا بتسريح الضباط المسلمين (السنة ) بحجة أنهم غير بعثيين ، وبعد مدة سيطردون الضباط البعثيين بحجة أنهم من اليمين العفن ، حتى ينفرد أعداء المسلمين بالسلطة وحدهم معتمدين على عشائرهم وأقاربهم فقط . إنهم يتقنون بدرجة أكثر من ممتازة لعبة الأسد والثيران الثلاثة ، وهذا ليس من ذكائهم .ـ بل من تخطيط الكرملين والبيت الأبيض لهم . ـ وهذا أعجب مافي الأمر ، أنهم ينالون تأييد الكرملن والبيت الأبيض معاً .ـ سوف ترون ذلك واضحاً في المستقبل القريب . وينكشف للناس كافة أنهم عملاء للروس والأمريكان ، ولكل أعداء الإسلام والمسلمين .ـ ماذا ننتظر إذن ؟ـ حافظوا على الصلة الدائمة بالله عزوجل ، ثم على الصلة اليومية معي ، وندعو الله أن يوفقنا إلى مافيه خير المسلمين .ثم دعا الجميع : سبحانك اللهم وبحمدك ، أشهد أن لاإله إلا أنت ، نستغفرك ونتوب إليك . أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، بسم الله الرحمن الرحيم ،  والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر  . ثم ودعوا شيخهم على أمل اللقاء به في در س الشيخ محمد الحامد في مسجد السلطان قبيل العشاء ، فدعا لهم الشيخ مروان كعادته : ( أسأل الله أن يتقبلكم شهداء ) . ـ 3 ـ خرجت صفاء من بيتها يكسوها جلباب أسود فضفاض ستر جسدها كله ، وغطت شعرها ووجهها بخمار أسود ، ثم التقت بزميلتها أسماء فسلمت عليها . _ لقد غطيت وجهك يا صفاء !_ نعم هذا أحوط لي في ديني _ وهل تبقين هكذا عندما يدخل مدرس التوجيه السياسي ! ؟ _نعم ، وإن شاء الله يخرجني من الفصل فأرتاح من أكاذيبه ودجله . إنني أتحداهم يا أسماء !! يجب أن يعرفوا أن الإسلام خالد ، ولن ينقص بنقل مدرس التربية الإسلامية ، المهم يا أسماء : ما رأيك لو دعونا بعض الطالبات الخيرات إلى بيتنا فنشجعهن على الحجاب ؟ _ فكرة عظيمة يا صفاء ، لكن هل يسمعن منا !؟ _ انظريني يوماً واحداً ، لا بد من إعداد هذا اللقـاء .امتلأ شارع الدباغة بالفراشات يتوافدن على ثانوية السيدة عائشة ، يتطايرن فوق أزهار الربيع ، وبين نسماته العذبة ، فأضاء الشارع نوراً بأمهات المستقبل وصانعات الجيل المسلم .وفي المدرسة طلبت المديرة صفاء فأثارت انتباه الطالبات ، وراحت كل منهن تخمن ما سيجري في المدرسة بعد نقل مدرس التربية الإسلامية منها . _ السلام عليكم ( قالت صفاء ) _وعليكم السلام ، أهلاً بستي الحجة !! أم محمد !! ( وانفجرت المديرة ضاحكة ) ثم تابعت : أنت صفاء ... _ نعم يا آنسة . ثم ساد جو من الصمت كانت صفاء تنظر في وجه المديرة الذي غطته طبقات من المساحيق والألوان ، كما حدقت المديرة في وجه صفاء وفي أصابع يدها اليمنى ، حيث خاتم الخطبة ، ثم تناولت سيجارة ( الكانت ) وراحت تنفث دخانها أمام صفاء ، وقلبها يغلي حقداً على هذا المجتمع الذي لم يتقدم فيه رجل لخطبتها ، بينما يسرعون لخطبة هؤلاء المحجبات وهن طالبات ، وتقطع قلبها غيظاً على هذا المجتمع الحموي الذي ينبذ السافرات المتحررات أمثالها ... وطال الصمت في الغرفة حتى ملت صفاء فقالت : أي جديد يا آنسة ؟_ هناك أمور كثيرة يا صفاء ، أحذرك منها لمصلحتك ، فأنت طالبة في الثالث الثانوي ، أمامك المستقبل كله ، بأحلامه الوردية ، ولكنك تقامرين به . فقاطعتها صفاء :_ أرجوك يا آنسة ، أنا راشدة ولست طفلة ، أعرف مستقبلي في الدنيا والآخرة ، وأشكرك على هذا الاهتمام بي وبمصلحتي . فغضبت المديرة وارتفع صوتها : _ أنت تسممين عقول الطالبات ، لأنك من آثار ذلك المدرس الرجعي الذي تخلصنا منه ، كي لا يسحر الطالبات . _ ماذا تريدين يا آنسة ؟_ لا داعي لهذه القبة التي تلبسينها ( وضحكت المديرة ومدرسة تسمع الحوار ) . هذا جلباب وليس قبة ، سماه الله جلباب ، ورد ذكره في سورة الأحزاب فقال تعالى : يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ، ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين ، وكان الله غفوراً رحيماً  _ من قال لك إن الجلابيب مثل هذه القبة ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍ ؟ _ هل رجعت إلى قواميس العربية يا آنسة ؟ _ لا ، لم أرجع ، وهل رجعت أنت ؟ _نعم ، لأن دراسة القرآن تفرض علي ذلك ، فالجلباب هو الثوب الواسع الذي يخفي ما تحته . غضبت المديرة وقالت : آسفة لو فصلتك من المدرسة ‍‍‍ ؟ لأنك سبب للمتاعب . _ غريب يا آنسة ‍‍ أي مدرسة اشتكتني إليك ؟ ومتى قصرت في دروسي ، أو أسأت إلى إحدى مدرساتي أو زميلاتي ؟ . _ أنت رجعية ، ويكفي أنك رجعية ....تحركت الدماء في وجه صفاء وفي دماغها أيضاً ، فصمتت برهة وهي تقرأ الحقد في وجه المديرة الذي زاده العبوس تجعداً ثم قالت : _ وكفاني فخراً واعتزازاً بذلك ، فأنا لا أنتظر الوظيفة ، ثم أشارت إلى خاتم خطبتها ، وتابعت : خطيبي ينتظرني لأكون مساعدة له ، قالت ذلك وهي تعرف أنها حرقت قلب المديرة فصرخت واقفة : _ أخرجي من مكتبي بسرعة ، اخرجي من أمامي . يا رجعية ... ، رمتها صفاء بسهام التحدي ، ثم قالت بهدوء : _ حاضر يا آنسة ( وشدت لسانها على لفظ آنسة ) قامت إحدى زميلات المديرة من المدرسات ، وقدمت لها سيجارة ( الكانت ) وطلبت لها فنجاناً من القهوة ن بينما أخرجت المديرة من حقيبتها ( حبة الفاليوم ) وأخذتها مع القهوة ، كما راحت زميلتها تهون عليها : _ النضال يحتاج إلى صبر ، كي نحول المجتمع الرجعي المتخلف إلى مجتمع متحرر ._ لكن يزيد في رجعيته ، هذه هي المشكلة ، كل ما يقدمه الحزب من دعم لنا ، وها أنت ترين البنات يلبسن هذا الحجاب ، ويرمين ما نقوله لهن عرض الحائط . ثم غرقت المديرة وزميلتها في أحاديث الماضي أيام الجامعة عن فـلان وعـلان وفـلانة وعـلانة .

- 3-

دق جرس الانصراف فغطيت الشعور وبعض الوجوه ، وعادت الطالبات إلى بيوتهن ، وصفاء مشغولة بخطة اللقاء الذي اقترحته أسماء ، فقالت لها _ ماذا نفعل ؟ وماذا نقول للبنات ؟ ألا يوجد من يعلمنا ؟ _ نعم يوجد ، محمود خطيبك يا صفاء إنه خبير بهذه الأمور . _ لكن أخجل منه ، ولا ينطلق لساني أمامه يا أسماء . _ لِمَ يا صفاء !؟ ألم يعقد عليك . إنه زوجك الآن . _ سأحاول الاستفادة منه في هذا الأمـر .فتح والد صفاء الباب ، وقلبه يردد مع لسانه ( سبحان الله والحمد لله والله أكبر ) فدخل محمود وجلسا في غرفة الضيوف ، وقد غشاه بعض القلق لمعرفة سبب دعوته إليهم ، ثم هدأ روعه لما رأى لوحة جميلة من القماش طرز عليها بأناقة سيفان متقاطعان بينهما مصحف وكُتب على الجانبين ( لا إله إلا الله ، محمد رسول الله ) ، إنها بلا شك من صنع صفاء ، وإنها اللوحة التي نالت إعجاب الجمهور الحموي في المعرض السنوي لثانوية السيدة عائشة قبل عامين ، عندما عرف اسم صفاء منها ، وتوجه قلبه إليها حباً في الأيدي المتوضئة التي طرزتها . وراح يستعد ليطلب من صفاء أن تطرز مثلها ليزين بها غرفة الضيوف في بيتهم الجديد إن شاء الله ذلك . فما أجمل السيوف عندما تعانق المصحف ، ثم قطع عمه حبل الصمت وقال : _ طلبت مني صفاء أن تشرح لها أموراً في الدعوة التي تحتاجها في مدرستها . ما شاء الله ، أنتم تعلموننا ذلك . _ والله يا بني تختلف أيامنا عن أيامكم ، أيامنا أكثر بركة ، لكن أنتم أقدر منا على مخاطبة الشباب والجماهير ، ثم دخلت صفاء وبيديها صينية القهوة ، تنبعث منها رائحة زكية منعشة ، وقالت وهي تنظر في الصينية : _ السلام عليكم ورحمة الله . _ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته (وسمّر بصره في الأرض كأنه يعد خيوط السجادة) ، وعندما اقتربت منه القهوة أنعشته رائحتها فنشطت دقات قلبه وسمع صوتاً ناعماً يقول : _ تفضل . مد محمود يده إلى الصينية فصارت يده في وسطها ويداها ممسكتان بها ، ثم أخذ فنجاناً وضعه أمام عمه ، ثم تناول فنجانه وبقي الثالث لصفاء .صاغت صفاء الجملة عدة مرات قبل أن تقول : _ في مدرستنا عدد من الطالبات الطيبات ، يزيد عددهن كل أسبوع ، لكن إدارة المدرسة وبعض المدرسات والمدرسين يحاربونهن بكل وسيلة ، ويحاولون إزالة آثار مدرس التربية الإسلامية التي تركها في المدرسة ، وصارت تنمو ولله الحمد كل يوم . _ ألا توجد مدرسة تعوض المدرس المنقول ؟ _ لا ، لا توجد . ولذلك أردت أن أحاول سد بعض الفراغ الكبير الذي تركه ، وقد اقترحت إحدى الأخوات أن ندعو بعض النشيطات إلى لقاء في البيت ، وأردت أن تضع لنا خطة للعمل معهن في مدرستنا . _ سأقدم قليلاً من النصائح ، ثم لا بد من صلة مستمرة بالجماعة المسلمة ، لأن الالتزام بالجماعة واجب شرعي . _ واجب أم مندوب يا محمود ؟ _ واجب ، كما قال الإمام النووي يرحمه الله ، عندما عنون هذا الباب في شرح صحيح مسلم قال : ( وجوب التزام جماعة المسلمين عند ظهور الفتن وفي كال حال ) ، ثم أورد عدة أحاديث منها : (( من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة ولا حجة له ، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية )) ، والميتة الجاهلية كما يفسرها النووي : تعني أن يموت على صفة من صفات أهل الجاهلية ، وهي أنهم فوضى لا إمام لهم ولا جماعة . وأورد كذلك حديث حذيفة بن اليمان الطويل والذي في آخره يقول له الرسول  (( ... تلزم جماعة المسلمين وإمامهم .. )) ، وهذه نصوص قطعية الثبوت والدلالة في وجوب العمل الجماعي ، وهناك أدلة عقلية منطقية خلاصتها أن إقامة الدولة المسلمة واجب على المسلمين ، ويستحيل إقامتها بالجهود الفردية ، لذا فالعمل الجماعي واجب لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب . عندئذ قالت صفاء : _ وما هو منهج الجماعة المسلمة كي تعيد الدولة المسلمة ؟ فأجاب محمود : _ تربية الفرد المسلم ، رجلاً وامرأة ، ثم إعداد الأسرة المسلمة وهي النواة الأساسية للمجتمع المسلم ، ثم إقامة المؤسسات الاجتماعية والمجتمع المسلم ، وأخيراً تقوم الدولة المسلمة .كانت صفاء آذاناً صاغية لمحمود وهي تمعن فكرها في ما قاله محمود ، ثم قالت : وما دور المرأة المسلمة ؟ فقال محمود : _ المرأة المسلمة فرد مسلم يجب إعدادها وتربيتها على الإسلام ، وهي الركن الأول والأساس في الأسرة المسلمة ، وهي نصف المجتمع المسلم وصانعة أجياله وأبطاله ._ ابتعدنا عن موضوع اللقاء يا محمود : ماذا نفعل مع زميلاتنا في المدرسة ؟_ ليكن اللقاء الأول زيارة للتعارف والمجاملة ، لتقوى الروابط بينكن في الله ، واللقاء الثاني يفتتح بالقرآن الكريم ، ثم تقرأ صفحة من السيرة وحديث شريف من رياض الصالحين ، وسوف تصلك مناهج موسعة فيما بعد .في اليوم التالي حضرت مجموعة من الطالبات المحجبات إلى دار صفاء ، وكان لقاء التعارف والتعاهد على الدعوة لله عزوجل ، وأول ذلك الالتزام بكتاب الله عزوجل وسنة نبيه  ، ومن ذلك التمسك بالحجاب الإسلامي لأنه فريضة من الله ... وكانت مخابرات أمن الدولة تراقب المحجبات ، وترصد حركتهن خوفاً منهن ، وقد وضعت عدة خطوط حمراء تحت اسم صفاء

.

_4_

كانت شمس الأصيل تسكب أشعتها الذهبية على مآذن حماة وأشجارها العالية ، فتصل بعضها إلى صفحة مياه العاصي ، فتنكسر ثم تهتز غضباً كأنها تنذر بعاصفة هوجاء ، تدمر المآذن وقباب المساجد خاصة ، وتمر الأشعة على رشراش الناعورة فترسم عليه قوس قزح بألوانه الأصلية كأنه سيف قديم من سيوف الصحابة ينادي : ( أين أبا بكر !!؟ أين ابن الوليد !!؟ هذه ردة قد تودي بالمسلمين من بلاد الشام ، ردة ولا أبا بكر لها ، ومسيلمة يهذي ولا يسمعه ابن الوليد ) .وسط هذه الايحاءات الكونية خرج الشيخ مروان من مسجده في حي البارودية بالحاضر ، ومعه ثلة من الفتيان يمشون حوله وخلفه ، كلهم في سن البراعم ، ومعظمهم من الأسر العريقة في حماة ، منظر فريد إذا رآه الغريب يعجب من ذلك الشيخ الشاب ذي القامة المديدة واللحية الكثة ، بلباسه الأبيض المتميز وعمامته وعباءته ، هذا الشكل الفريد وكأنه خرج من الماضي ، أما إذا رآه القريب أدرك بعد النظر الذي وهبه الله عزوجل لمروان ، فقد عرف أن هؤلاء الفتية يرتبط بهم مصير الأمة ، فهم يعيدون بناءها ، أو يكملون تخريبها ، لذلك انصرف إليهم بكل جهده يربيهم على كتاب الله وسنة رسوله  .مر موكب الشيخ الشاب من البارودية إلى جسر السرايا فشارع العاصي ثم الدباغة ، فمسجد السلطان ، موكب متميز ينظر له البعض بالدهشة والخوف ، والآخرون بالأمل ، أما مروان فكان يعيش في ( 1964م ) ويرى عام ( 1982م ) ، وكان يرى المستقبل من ثقوب الحاضر الصغيرة ، وهؤلاء هم العباقرة الذين يرون المستقبل وهم في الحاضر ، وعندئذ ينكر عليهم معاصروهم ، ولا يصدقونهم ، والعبقرية هبة من الله تجعل الإنسان حاد الذكاء ، فيستشف المستقبل من خلال مؤشرات الحاضر .ما زال الموكب في الطريق إلى مسجد السلطان عندما تعالت أصوات المؤذنين ( الله أكبر ... حي على الصلاة .. ) فيزيد مروان في نفسه ( حي على الجهاد ) ويقول في نفسه : عجباً للمسلمين كيف يفصلون بين الصلاة والجهاد ، ما الفرق بين قوله تعالى ( كُتب عليكم الصيام ) وقوله عزوجل (كُتب عليكم القتال ) ، لماذا تبحر العلماء في فقه الصيام وحدثوا المسلمين عنه ، وسكتوا عن الجهاد !!؟ .وكان صوت مؤذن السلطان من أواخر المؤذنين ، عندئذ وصل الموكب إلى المسجد ، وتوزع أفراده حول البركة وسط صحن المسجد يتوضأون منها لصلاة المغرب ، جمع من الشباب المسلم توافدوا من أنحاء المدينة كلها لهذا اللقاء اليومي ، حيث صلاة المغرب ثم درس الشيخ ثم صلاة العشاء ، شباب ورع أقبل على الله ، وصد عن الطواغيت وأحزابهم ، تعجبك إشراقة النور في وجوههم ، وقطرات الماء تقطر من لحاهم بعد الوضوء ، وكأنك تسمع تسبيح الملائكة واستغفارها لهم ، ثم تقام الصلاة ، ويتلوها بقليل درس الشيخ اليومي ، ثم صلاة العشاء ، حيث يزيد عدد الحاضرين بين الصلاتين لسماع الدرس وحضور صلاة العشاء . وبعد الصلاة ترى الأخوة يسلمون على بعضهم ، وقد ملأوا أركان المسجد وزواياه ، هذا مروان بقامته ولباسه المتميز يسلم على عبد الستار وهشام ومنقذ ومحمود وعبدالله وتوفيق ، وكلما طلب منه الدعاء قال كعادته : أسأل الله أن يتقبلك شهيداً في سبيله . ثم سلم مروان على الشيخ وحاول أن يقبل يده فشده بقوة كعادته ، فقال مروان : _ أريد أن أراكم يا سيدي لأمر هام . _ متى يا مروان ؟ _ اليوم إن أردتم ؟ _ خيراً ، انتظرني الساعة العاشرة بمكتب المهندس ( رامي علواني ) .افتتح الشيخ الجلسة بالدعاء إلى الله عزوجل أن يفرج على المسلمين ، ثم قال لمروان هات ما عندك ؟ فأجاب مروان :_ يا سيدي ، بدأ البعثيون في تنفيذ مخططهم ، لقد صفوا الجيش من الضباط المسلمين ، ثم بدأوا بتصفية التعليم ، فنقلوا بعض مدرسي التربية الإسلامية من حماة إلى مناطق يبعدونهم فيها عم الدعوة إلى الله ، أو بعيدة عن مراكز دعوتهم وأنشطتهم . كما أنهم يضايقون الطالبات في حجابهن ، ويتحدون الطلاب جهاراً في هجومهم على الدين ._ هذا دينهم ، قاتلهم الله ، وليس هذا جديداً منهم ، فهم أعداء المسلمين ، وعلينا الاستمرار في دعوتنا ؛ لنرمم بعض ما أفسدوه ونحافظ على شبابنا قدر طاقتنا ، والله المستعان . _ يا سيدي ، مهما ضاعفنا جهودنا فإننا نرمم عشر ما يفسدون أو أقل ، لأنهم دولة بيدهم الإعلام والجيش والتربية ، لقد سلبوا الحكم منا ليقضوا علينا بواسطته ، ويقضوا على ديننا ، فماذا ينفع ترميمنا !؟ . _ ما العمل غير ذلك يا مروان !؟ _ لِمَ لا نعلن الجهاد !؟ الجهاد السلمي ياسيدي الشيخ ، كالاضراب ، والمظاهرات ، والاعتصام ، ومقاطعة السلطة ، .....إلخ ، وندعو المسلمين إليه فنقضي على هؤلاء الفسقة في مهدهم ، قبل أن يستفحل أمرهم ويتمكنوا من رقاب المسلمين . _ من معك يا مروان !؟ _ الشعب كله ، الشعب المسلم ؛ هل يرضى بذلك !؟ _ الشعب متفرج يا بني ، ولن يجتمعوا حولك ، بل قد يجتمع بعضهم ضدك . _ أقصد يا سيدي الشيخ أن يقوم الإخوان المسلمون بالجهاد ضد الطغاة ، فيتبعهم المسلمون . _ الجهاد سبيلنا يا بني ، والجهاد ضد الحاكم يكون بالسياسة ، أي الجهاد السياسي ، وليس الجهاد العسكري ، أما الجهاد العسكري فهو ضد العدو الخارجي مع وجود الحاكم المسلم ، الذي يعلن الجهاد ويقوده . ـ طيب نعلن الجهاد السياسي . ـ لا لم يحـن وقته بعد ._ ومتى يحين وقته إذن!؟_ عندما تتكون الجماعة المسلمة في صفوف الشعب ويصبح لها قاعدة شعبية صلبة يتحرك الشعب لنصرتها ، إذا حاولت السلطة ضربها ، ألا تذكر موقف الشعب من الجماعة المسلمة في مصر ، خلال الخمسينات ، عندما سلطت عليهم السلطة الكلاب المدربة تنهش أجسادهم ، والشعب صامت كأنه لا يسمع ولا يرى ، ولا يهمه سوى البحث عن الخبز والطعام وضرورات العيش التي حجبها عنه الطغاة ليشغلوه بالبحث عنها . _ وكيف نتمكن من صفوف الشعب ، ومتى ‍‍‍‍‍‍ ؟ _ الدعوة مستمرة ، والقدوة الحسنة ، ومد الجسور مع فئات الشعب كلها ،والعمل على نصرة المظلومين ، فما زلنا يا مروان نحصر وجودنا بين المثقفين فقط ، وتركنا العمال والفلاحين للاشتراكيين ؛ يغزونهم ويضحكون عليهم بسراب التأميم والإصلاح الزراعي ، هذه واحدة من أخطائنا يامروان ، يجب أن نتلافاها ـ ولكنهم سبقونا إلى العمال والفلاحين ، وقد ساعدتهم الظروف التي هيأها لهم الإقطاعيون والبرجوازيون ، فأحسن الاشتراكيون استغلالها ـ سوف تنكشف دعواهم ، وسيأتي اليوم الذي ينقلب عليهم العمال والفلاحون ، ويعودون إلى دينهم معنا ضدهم . ـ المثقفون طليعة الشعب ، والطلاب وقوده ، وكلاهما معنا الآن . ـ هذا صحيح يابني ، لكنهم الأقل عدداً ، لابد من بناء القواعد في صفوف العمال والفلاحين يامروان . ـ مشكلة الفلاحين ياسيدي أنهم خدعوا بسراب الاشتراكية . ـ وعلينا يامروان أن نعلمهم كيف يميزون بين السراب والمـاء . ـ هذا ضروري ياسيدي ، لكن الزمن في صالح السلطة ، وليس في صالحنا ، فالهدم أسهل وأسرع من البناء ، ومؤسسات الدولة بيدهم ، وعندما يصفون مؤسسات التربية كما صفوا الجيش ستكون كارثة علينا . ـ نظرتك صحيحية يامروان ، لكن نحن ضعفاء ، وقوتهم تتزايد بسرعة ، ولن تحقق المواجهة السياسية هدفها الآن .ـ ماهدف المواجهة ياسيدي . ـ سوف تقول النصر أو السجن أو الشهادة ، اليس كذلك يامروان !؟ ـ بلى ياسيدي ، وسوف نحقق أحد هذه الثلاثة . ـ ( ضحك الشيخ ) وقال : هذه عاطفة الشباب ، وهذا إخلاصهم ، وأسأل الله عزوجل أن يعطيكم على هذه النوايا الطيبة ، لكن الحكمة والتعقل لايريان ماترى ياولدي ، لايصح الخروج على الطغاة إلا إذا توقعنا النصر بدرجة معقولة ، ولايجوز الإقدام على إزالة منكر يؤدي إلى منكر أكبر منـه ، إننا بصطلاح الفقهاء نختار مجبرين أخف الضررين ، ولانريد أن نعطي السلطة ذريعة أمام الشعب كي تذبح العلماء ، وتهدم المساجد ، وتزج الآلاف في السجون . ـ ذاك ياسيدي الذي تقوله ينطبق على الخروج عسكرياً على الحاكم ، ولكني أريـد الخروج السياسي فقط .ـ ينطبق عليه ما ينطبق على العسكري ، فالحاكم لا يريد خروجاً عليه ، لا سياسياً ولا عسكرياً . لا تدع لهم ذريعة أمام الشعب ، يذبحوننا بسببها ، والشعب يتفرج علينا ، كما حصل في مصر . ـ يا سيدي عندما يتمكنون من رقاب الشعب ؛لن يحتاجوا إلى ذريعة أمامه ، وسيفعلون ما يحلو لهم ، وما يخدم مخططهم نحو ضرب الإسلام والمسلمين . ـ اسمع يا مروان لن يوقف الدعوة في حماة نقل بعض الأخوة مدرسي التربية الإسلامية منها ، وتهجم الحزبيين على الإسلام لن يزيد الشباب إلا تمسكاً به ، أما خروجنا ضد الحكومة في هذه الحال سيضرنا كثيراً وليس في صالح المسلمين ._إذن ندعو الشعب إلى الإضراب والمقاومة السلبية . ـ الشعب غير موجود الآن يا مروان ، مزقته الحزبية إلى أجزاء متناحرة ، وعندما ندعو إلى الإضراب ستجد من يصطاد في الماء العكر . _ نحرك الطلاب يا سيدي فيحركون البلد كله . ـ الأفضل بل الواجب أن لا نحرك أحداً ، لأن الحركة ستؤدي إلى فتنـة أكبر منا ونعجز عن مواجهتها . ـ الفتنة موجودة الآن يا سيدي ، ألا تراهم يفتنون الناس عن دينهم صباح مساء ـ وقد أمرنا الله عزوجل أن نقاتل حتى لا تكون فتنة ، ويكون الدين كله لله . فلنخرج سياسياً ، ونقاتلهم بالكلمة ، والمظاهرة ، والإضراب ، حتى نسقطهم . ـ اسمع يا مروان ، القضية خطيرة ، والحكم فيها صعب جداً ، لا يمكن استخلاصه من آية واحدة بهذه البساطة ، ولابد من الرجوع إلى العلماء ، أنت وأنا لا نكفي ، يجب الرجوع إلى مجالس العلماء ، لأن الفهم الجماعي للدين هو المطلوب ، ومادام أي تحرك سيعود أثره على الجميع ، لابد إذن من مشاركة جميع العلماء في اتخاذ مثل هذا القرار . ـ سيدي الشيخ !!! أليس الجهاد مفروضاً علينا !!ـ بلى ، ولكن يفرض علينا الإعداد قبل الجهاد ، إعداد الرجال والعتاد . ـ يا سيدي الزمن في صالحهم ، نعد رجلاً فيعدون جيشاً ، نشتري مسدساً فيشترون طائرة . ـ يبدو أنك لن تقتنع مني يا مروان ، وأخشى أن تفعل ما تقول ، وتخالف رأي جماعتك ، جماعة الإخوان المسلمين ، وأدعو الله عزوجل أن يهديك إلى الالتزام بقرار الجماعة، وخطتها وعملها ، كما أسأل الله سبحانه وتعالى أن يحفظ هذه المدينة وسائر بلاد المسلمين من الفتـن ، والله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين .(( سبحانك اللهم وبحمدك ، أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك وأتوب إليك

)) .

ـ 5 ـ

عاد مروان من لقائه مع الشيخ متردداً بين الالتزام برأي الجماعة ، وهو الصبر والاستمرار في الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة ، وتحمل أذى الحكومة والصبر عليه ، وبين ما يراه من ضرورة الجهـاد السـياسـي ، وهو حق طبيعي لكل مواطن ، وبذل الأرواح دفاعاً عن العقيدة المهددة ، ودفعاً للفتن المحيطة بالمسلمين ، تارة يرى الالتزام بالجماعة يفرض عليه الطاعة والانقياد ، ولو خالفت رأيه ، وتارة يرى أن شيوخ الجماعة مبالغون في الحذر والسكينة ، حتى طمع فيهم أعداؤهم فاستنسر البغاث في أرضهم .ولما وصل مسجده جدد وضوئه ، ثم صلى لربه ودعا دعاء الاستخارة وقال : (( اللهم إني أستخيرك بعلمك ، وأستقدرك بقدرتك ، وأسألك من فضلك العظيم ، فإنك تقدر ولا أقدر ، وتعلم ولا أعلم ، وأنت علام الغيوب ، اللهم إن كنت تعلم أن خروجي على هؤلاء الطغاة الآن خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاقدره لي ويسره لي ، ثم بارك لي فيه ، وإن كنت تعلم أنه شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري ، فاصرفه عني واصرفني عنه ، واقدر لي الخير حيث كان ، ثم رضني به . )) .ثم جلس مدة طويلة وقد سيطر عليه التفكير في حال المسلمين ، وما آلوا إليه من الذل والهوان ، ومد بصره إلى الإمام ، ليرى المستقبل من ثقوب الحاضر ، وغشاه النوم ، وطار به الحلم شفافاً ، فرأى عسكراً بثياب مبرقعة يأخذون الرجال من البيوت ، ويجمعونهم في ساحات الحي ؛ ثم يقتلونهم رمياً بالرصاص ، أمام أطفالهم ونسائهم ، ورأى سيارة عسكرية تحمل عدداً آخر من المسلمين إلى خارج المدينة ، ثم يحفرون لهم ويدفنونهم أحياء ، ثم رأى منظراً مروعاً ، جندياً ممتلئ الجسم ( .... ) ؛ يجر فتاة في ريعان صباها من يدها ، وهي تصرخ وتستغيث ، وجندي آخر يرمي ذويها بالرصاص ، ثم ساعده على حملها حتى أدخلوها السيارة ، والفتاة تصرخ وتستغيث بعد أن قُتل أهلها ( واإسلاماه ...واإسلاماه ) . عندئذ نهض الشيخ مروان من نومه مذعوراً ، وهب واقفاً ، حتى أدرك أنه كان في حلم ، فبصق شماله وقال : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم .لم يستطع مروان أن يتخلص من ذلك الحلم المرعب ، فصوت الفتاة يملأ أذنيه صباح مساء وهي تستغيث ( واإسلاماه ) وصار متأكداً أن حال المسلمين ستؤول إلى هذه الحال ، إذا سكتوا حتى يتمكن الطغاة من رقابهم . ووصل إلى نتيجة تقول : إن الجهاد السياسي ؛ للدفاع عن الدين وعرض المسلمين فريضة لا يصح تأجيلها ، عندئذ اتخذ مروان قراره النهائي ، فوقف يدعو ربه : ( اللهم اشرح صدور علمائنا وقادة جماعتنا إلى ما شرحت صدري له ، اللهم إن مخالفة أمرهم أمر خطير ، ولكن الأخطر منه أن نترك ديننا وعرضنا نهباً لهؤلاء الطغاة . اللهم اجمع كلمة المخلصين من عبادك على الجهاد في سبيلك ، واجمع المسلمين حولهم على نصرة شريعتك ، ووفقنا إلى ما ترضاه لنا ، اللهم إني أسألك الشهادة لي ولإخواني المخلصين ، فأكرمنا بها يا كريم .دخل محمود ومنقذ المسجد فصليا ركعتين ، ثم وصل توفيق وعبد الله فسلموا على الشيخ مروان الذي فرغ لتوه من قراره الخطير فقال محمود : _ ما الأخبار يا أبا خالد ؟ _ ما زال قادتنا يخافون من الثورة ، ويسمونها إجهاضاً للدعوة . _ اللهم اشرح صدورهم لما فيه خير المسلمين . _ نحن لا نريد ثورة ، وإنما نريد أن تكف السلطة عن مهاجمتنا . _ هذا بلد مسلم ، ويجب أن يتحرك أهله كلهم إذا أهينت شعيرة من شعائر دينهم . _ لو قمنا بمظاهرة ستخرج معنا ثانوية الحوراني وأهل الحاضر ، نهتف فيها ضد الحكومة ، فتخاف الدولة منا . _ لكن ، هل تخرج معكم الثانوية !!؟ _ ألم تسمع بنقل مدرسي التربية الإسلامية !؟ _ الأفضل أن يكون المحرك سبباً من الثانوية نفسها فيتحرك الطلاب بشكل مباشر . _ إنهم يتحدوننا كل يوم ، ويكتبون على السبورة (تسقط الرجعية)والرجعية عندهم هي الإسلام . _ بل هم الرجعيون ، نحن نرجع إلى الإسلام ، وهم يرجعون على الجاهلية التي سبقت الإسلام ، ويتباهون بها وبأخلاقها . _ إذن ننتظر سبباً مباشراً من ثانويتنا للإضراب . _ نعم هذا أفضل ولا تقطعوا الصلة اليومية معي ، وأخلصوا النية لله ، ومن توكل على الله فهو حسبه . ارتفع منسوب مياه العاصي نتيجة للأمطار الغزيرة في آذار ( مارس ) ، فأسرعت النواعير ، وارتفع أنينها وتغير إيقاعه ، كان هادئاً رتيباً يبث آلامه بوقار على ضفاف العاصي وبساتينه ، بعد أن تعرت الأشجار من ثيابها الخضراء ، واستعدت لتلبس ثوباً جديداً مزركشاً مع إطلالة ربيع جديد من عمرها ، وصار الأنين قوياً كأنه طبول حرب تريد أن توقظ النائمين ، الذين ملهم الفراش ، وهم نيام ، يتقلبون نحو الغرب تارة ونحو الشرق تارة أخرى ، اعتادوا على الأكل الكثير ، والماء البارد المثلج ، فبرزت لهم ( كروشاً ) و( أردافاً ) ثقيلة عجيبة شوهت أجسادهم ، وزادتها كسلاً ورخاوة ، ومع شدة أنين النواعير لكنه لم يصل إلى قلوبهم التي أحاطوها بأكداس الشحم واللحم ، تراهم كباراً وهم صغار العقول والنفوس ، يركضون وراء الدنيا لاهثين ، وقد تعس عبد الدرهم ، تعس وانتكس ، تركوا الجهاد فألقوا بأيديهم إلى التهلكة ، ونسوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، بل أمروا بالمنكر ونهوا عن المعروف ، فحقت عليهم فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منهم خاصة ، وقليلون من سمعوا أنين النواعير القوي ، فأصاخوا السمع وكأنهم يسمعون {انفروا خفافاً وثقالاً ، وجاهدوا في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون }. سمعوا الحداء فهيأوا الزاد ، ولامست وجوههم نسمات الجنة ، فقرروا أن يفوزوا بإحدى الحسنيين النصر أو الشهادة

.

_ 6 _

كان محافظ حماة السيد عبد الحليم خدام ، يقطع الصالة ذهاباً وإياباً ، يصطنع التفكير لعله يصل إلى أكثر الطرق يحفظ فيها كرسيه في دمشق ، وهو ينتظر الرفيقين أمين الفرع ، وقائد الحرس القومي . كان المحافظ قلقاً جداً على كرسيه الذي ضحى من أجله بكل ما يملك من قيم ، أما حماة بالنسبة له فوحش فاغر فاه ، يحاول أن يبتلع كرسيه الذي شارف ( البنّاء ) على إتمام صنعه في دمشق ، وقد بات واضحاً أن المسمار الأخير في هذا الكرسي هو ( إخماد ثورة ) حماة ، يستلم لقاءها كرسياً ثابتاً في حكومة الطغاة ._ تأخر الأشقياء ، عليهم اللعنة ( قال المحافظ ) ونظر في ساعته الذهبية .وصل أمين الفرع وقائد الحرس بصحبة رفيقين آخرين ، فأسرع المحافظ نحو باب الصالة وقال : أهلاً بالرفاق ، أنعمتم مساء أيها الرفاق ، تأخرتم عشرين دقيقة فقط ، لا عليكم ، أعرف أن وقتكم مملوء جداً . _ أفسدت علينا ليلة ( ... ) يا سيادة المحافظ . ( قالها أمين الفرع ورائحة الخمر تتسرب من أسنانه المسوسة ) . _ سيادة المحافظ قلق أكثر من اللازم . ( قال قائد الحرس ) . فأجاب المحافظ : _ أين كانت ليلتكم يا رفاق !؟ _ أين تكون ، طبعاً عند الرفيقات ، هناك بشر يا رفيق ، هناك الرفيقات كالبراعم والأزهار . _ في هذه المدينة نعيش بين أشباح ، لا نرى الحسناوات . فأجاب المحافظ : _ متى تصلون إلى سن الرشد يا رفاق !؟ الحزب بحاجة لجهودكم ، ويريد أن تفكروا لمصلحته ، أما زلتم مراهقين !!؟ قهقه أمين الفرع وقال : نعم ، ما زلنا مراهقين ، ولا تنس أننا لا ننتظر مثلك كرسياً في دمشق . ثم قال قائد الحرس : هذه أيامنا ، وبعدها سنسقط من الغربال ، وتقولون عنا ( سقطوا على الدرب ) . _ الثورة والحزب يا رفاق في خطر ، وأنتم مشغولون بشهواتكم !؟ ولعبكم !؟ _ الرفيق المحافظ أثرت فيه الرجعية في حماة ، إنه يسمي النضال لعباً ، نحن نناضل لتغيير القيم والعادات البالية الرجعية ، فنكون قدوة لغيرنا في سلوكنا وأخلاقنا الثورية .عندئذ دخلت رفيقتان رشيقتان كأنهما من ( ألمانيا ) ارتدت كل منهما بنطالاً وقميصاً ، تحمل الأولى صينية الفواكه التي أحضرت من أطراف الدنيا لقادة الحزب ، وكانت أنوار الثريا تنعكس على الفواكه فترسمها على خدي الفاتنة الحسناء ، أما الثانية فتحمل عدداً من الزجاجات والكؤوس وقطع الثلج وضعتها على الطاولة ، بينما كان أمين الفرع فاغراً فاه وقد غاصت رقبته بين كتفيه ، وامتلأ أنفه برذاذ العطر المنبعث من شعرها الأشقر ، وقد وزعت الثلج على الكؤوس وهي تصب الخمر فيها . فهمس أمين الفرع لقائد الحرس : _ الرفيق المحافظ ليس لديه وقت ليلعب مثلنا !!؟ _ لا ، لا تسيء الظن ، لا تنس أنه عزب . _ فضحك أمين الفرع وقال : نعم ما زال عزباً . وفهم الرفيق المحافظ على همسهما فقال : _ عيونكم ضيقة يا رفاق . ألست مناضلاً مثلكم !!؟ _ بل أنت أستاذنا في النضال والتحرر ( ويقهقهان في الضحك ) .أومأ المحافظ للفتاتين بالانصراف ، فقال أمين الفرع حالاً : _ أنا رهن إشارتك سيدي المحافظ ،على شرط ... _ لك ما تشترط إن لم تقصر في النضال ضد الرجعية ، عندئذ قام أمين الفرع ونفخ عضلات صدره وقال : _ سأسحق الرجعية كلها ، سأذبح العلماء ، وأهدم المساجد ، وأدوس المصاحف ، وسأبني مكانها مراقص الرفيقات ، يا قائد الحرس نفذ أوامري غداً واقتل الرجعيين غداً . ثم يقول أمين الفرع : _ الآن قل لِمَ دعوتنا يا رفيق ؟ فقال المحافظ : مشيراً إلى رفيق في الصالة (مخبر) وقال تكلم يا رفيق : فقال المخبر : _ لقد أثار نقل المدرسين من حماة أهالي المدينة ، وخاصة الرجعيين ، وأولهم الإخوان المسلمون ، الذين زادت حركتهم كثيراً ، وسمعنا من أفواه طلابهم عبارات التهديد والوعيد . فقال أمين الفرع : _ يهددون من !؟ الثورة !؟ أم الحزب !؟ ويقهقه ثم يفرغ كأس الخمر في جوفه ، ويضربها على الطاولة ويقول : _ من هم !؟ كم شيخ !!؟ ألا يعرفون أن جيشنا العقائدي بالمرصاد ، والله ثلاثة عساكر فقط يقضون عليهم من بكرة أبيهم . فأجاب المحافظ : من قال لك أن الجيش يتدخل !؟ _ طبعاً وبالتأكيد ، لماذا إذن الجيش العقائدي !؟ إذا لم يقض على المشايخ والعلماء والإخوان المسلمين وأعوانهم ، ما الفائدة إذن منه !؟ _ هل يضرب الجيش الشعب !؟ _ نعم لماذا إذن الجيش العقائدي إذا لم يضرب الشعب ( ويقهقه الثلاثة قهقهة عالية ) . _ لكن ما زالت الرجعية معشعشة في كثير من عساكرنا ، أليس كذلك ؟ فيجيب قائد الحرس : _ ليس كلهم ، والله عندنا عساكر يكرهون الحمويين أكثر من اليهود ، ولا تنس الأحقاد التاريخية في قلوبهم ضد الحمويين . _ والقيادة هل توافق على نزول الجيش ليضرب الشعب يا ترى !؟ _ نعم توافق ، والله الرفيق القائد يغلي من الحقد على حماة خاصة وعلى الرجعية عامة . وأخيراً قال المحافظ : _ المهم أيها الرفاق إن لم يسارع الجيش إلى دخول حماة واحتلالها فسوف نغادر المدينة أو نموت فيها قريباً . _ فأجاب أمين الفرع : _ أنا مسافر صباحاً إلى دمشق ، سأقابل الرفاق في القيادة ولن أعود إلا وقد سبقني الجيش إلى حماة . _ لا تنس غربلة الوحدات العسكرية التي ستكلف بذلك.ثم يهجم الثلاثة على الطعام والشراب ، ويصفق المحافظ فتدخل الفتاتان تقدمان الكؤوس والابتسامات ، فيرفع المحافظ كأسه قائلاً : كأس الحزب الثوري . فيقهقه أمين الفرع ويرفع الكأس ويقول : _ كأس الرفيقة الشقراء ، ثم يتابع موجهاً كلامه لها : سنقتل كل الرجعيين من أجلك ، هل يرضيك هذا يا سيدتي !!؟ فتجيب الرفيقة بلغة ماجنة: _ اسمح لي ببندقية لأقتلهم معكم يا رفيق . * * *دق أمين الفرع باب العمارة التي يسكن فيها الرفيق الأمين المساعد لحزب البعث العربي الاشتراكي اللواء صلاح جديد ، الساعة التاسعة صباحاً ، ثم أدخل إلى غرفة الضيوف وراح يطالع صحف الصباح التي تمجد الحزب الثوري والجيش العقائدي ، ثم قال لأحد الحراس : أين الرفيق ؟ _ نام بعد الفجر ، بعد سهرة طويلة كالعادة مع بعض الرفاق والرفيقات ، وكان هذا الحوار سبباً في إيقاظ الرفيق الأمين المساعد ، فنهض يفرك عينيه ، ثم أشعل سيجارة يطرد بها رائحة فمه المنتن ثم قال : _ أهلاً بالرفيق ، أنعمت صباحاً . _ أنعمت ظهراً يا رفيق ، الساعة الآن تقارب العاشرة ._ والله كان عندنا أمس سهرة حلوة لطيفة ، وطبقنا حكمة عمر الخيام . _ طبعاً أنتم تلعبون وتمرحون ، ورميتمونا في حماة الرجعية . _ ما زلتم تخافون من الرجعية !؟ _ الرفيق المحافظ خائف جداً ، كان يود أن أسافر إليكم ليلاً . _ طبعاً الرفيق المحافظ قلق وخائف على مستقبل الثورة والحزب ، وعلى الكرسي المهيأ له في دمشق . ماذا يريد بالضبط !؟ _ يريد إعداد الجيش لدخول حماة حالاً . _ ومن قال له أن القيادة غافلة عن ذلك . _ يريد عساكر منتقين من نوعية خاصة . _ يا عمي العبوا وامرحوا ، ولا تفوتوا لحظة طرب ، الرفاق في القيادة سبقوكم كثيراً ،إنهم يسهرون من أجلكم يا رفاق ، والذين تفكرون فيه انتهوا من مناقشته واتخذوا فيه قراراً ، لقد كلف العقيد ( قائد اللواء 45 ) أن يستعد لذلك . _ ولماذا اللواء ( 45 ) !؟ _ هذا ذكاء الرفيقين الكبيرين ، ربما لأن قائده يكره الحمويين كثيراً ، وله معهم ثارات منذ أديب الشيشكلي ، وكذلك لأن اللواء ( 45 ) يوشك أن يصبح عقائدياً كاملاً . _ المهم لا بد من مقابلة الرفيق القائد ، وإلا لم أنفذ المهمة التي كلفني بها المحافظ . _ غريب !؟ المحافظ يكلفك من هو !؟ ومن أنت !؟ ألست أمين فرع الحزب !!؟ _ بلى ، لكن هذه المرة كلفني ، وصرت تلميذاً له ، إنه أستاذنا في النضال ، أمس كان عنده (زوج) رفيقات أخذن عقلي ........ _ عجيب ، محافظكم صار عنده رفيقات ! ؟ .بعد دقائق كانت ( المرسيدس ) الفاخرة تنقل الرفيقين عبر شوارع دمشق الجميلة الواسعة ، والتي صارت واسعة جداً ، تكفي لتحرك الوحدات العسكرية بآلياتها داخل العاصمة الأموية بحرية كبيرة . ووصلت السيارة مبنى القيادة حيث دهاقنة الحزب يخططون لسوريا ، فالحزب صار حزبين أحدهما عام شكلي ، والآخر خاص فعلي ، وهذا الخاص هو الذي يحكم سوريا ، ومما سلكه الحزب الخاص لعبة الأسد والثيران الثلاثة ، فبعد أن قام العقيد المستقل ( زياد الحريري) بالانقلاب العسكري بمساعدة ثلاثة من الضباط الناصريين ، استدعى الحزب مئات الضباط الاحتياط من طائفة معينة ، وسرح العقيد المغفل ومجموعة كبيرة من الضباط الناصريين . ثم أعدت دفعة في الكلية العسكرية على عجل خلال سنة واحدة ، وبعد تخرجها سرحت أعداد من الضباط العاديين ، ومعظمهم من الفنيين المحترفين في الجيش ، وهم عصب القوات المسلحة ، ثم وصل التسريح إلى الحزبيين أنفسهم ، فسرح الحزبيون الذين ينتمون للحزب العام ( القيادة القومية ) ، وملأت أماكنهم بضباط من الحزب الخاص من طائفة معينة ( القيادة القطرية ) ، حتى صار الجيش عقائدياً كما قالوا ، وصار جاهزاً لضرب الشعب وتدمير المساجد وذبح الأطفال والنساء والشيوخ . خرج العقيد قائد اللواء ( 45 ) من مبنى الأركان العامة مرفوع الرأس ، يمد رقبته كأنه يحاول أن يكلم عشيرته على بعد مائة كيلومتر جنوب دمشق أو تزيد ، ثم جلس في سيارة ( المرسيدس ) متجهاً إلى درعا حيث يعسكر اللواء ( 45 ) ، وفي الطريق كان يتلذذ بالأحلام الوردية حول الثأر الذي انتظره طويلاً ، فقد ضرب العقيد فؤاد الأسود ( الحموي ) بلدة السويداء بأمر من الشيشكلي ، في بداية الخمسينات ، على أثر اكتشاف الحكومة كميات من الأسلحة تهرب وتخزن في السويداء ، استعداداً لإعلان انفصال جبل الدروز ليكون عاصمة للدولة الدرزية ، ولم يرض يومئذ مسلم ولا عربي ولا حموي بضرب مدينة السويداء ، خاصة وأن الإسلام لا يبرر ضرب الأبرياء من النساء والأطفال بما يفعله بعض المجرمين ، ولم يكن الشيشكلي ملتزماً بالإسلام ، ولا ممثلاً له ، بل اضطهد الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله وهو أمير الحركة الإسلامية يومئذ ، ونفاه إلى لبنان طيلة فترة حكمه . كما لم يكن سياسياً ولا زعيماً ، لذلك سيطر الاشتراكيون على البلاد بانقلاب عسكري ، وانهزم أديب الشيشكلي إلى الأرجنتين حيث لحقه أحد الدروز وقتله هناك عام ( 1966م ) .لذلك انتقت قيادة الحزب العقيد حمد عبيد ( الدرزي ) ( قائد اللواء 45 ) لينتقم من أهالي حماة ، فيضربون الشعب بالشعب ، ويشجعون الثارات والنزعات العشائرية والمحلية والطائفية .وصل العقيد حمد عبيد إلى نادي ضباط درعا ، واستدعى قادة الكتائب لاجتماع هام وبعد دقائق بدأ العقيد الاجتماع فقال :_ أعلموني عن استعداد كتائبكم ؟ وما أن سمعها قادة الكتائب حتى اصفرت وجوههم ورجفت أطراف بعضهم ، والعقيد يوزع بصره على رجاله ، وطال الصمت حتى قطعه قائد كتيبة الدبابات قائلاً : _ لو اجتهدنا أسبوعاً نجهز نصف الكتيبة ، والباقي يستحيل تجهيزه لأنها قديمة ، ومحركاتها معطلة ، ثم قال قائد كتيبة المشاة الأولى : _ والله الحقيقة ما عندنا رجال يواجهون اليهود ، قالها وهو ينظر في وجوه رفاقه الآخرين ، فأسرع قائد الكتيبة الثانية وقال : القيادة تعرف هذا ، ومن المجازفة والحمق أن ندفع هذا اللواء العقائدي في فم إسرائيل .كان قلب العقيد يقفز هلعاً كلما سمع ( إسرائيل ) ، لذا لم يطق مزيداً من الصبر حتى قال : _ من قال لكم سنواجه إسرائيل !؟ عندئذ تهللت وجوه الرفاق القادة وعاد الدم إليها ولمعت عيونهم وعاد الوعي إلى أذهانهم فتحسس بعضهم كتفيه وتأكد أن نجومه ما زالت موجودة ._ من سنواجه إذن ؟ حلفاء إسرائيل مثلاً ؟ _ نعم _ الرجعية العربية ؟ _ لا ، وإنما الرجعية الداخلية ، لا بد من تصفية الرجعية المحلية أولاً ، ثم العربية ثانياً ، ثم يأتي دور الإمبريالية الدولية ، وبعد ذلك سنواجه إسرائيل بعد أن نستند إلى أرض ثابتة آمنة . _ قال أحد الرفاق : مخطط سليم ، وعظيم ، متى نهجم على قصور الرجعية وننهب ما فيها من ذهب وجواهر . فأجاب قائد اللواء : _ لا بد من ذلك ، لكن بعد أن نهادن الرجعية العربية ريثما نقضي على الرجعية المحلية . عندئذ تلمظ أحد قادة الكتائب ووقف باستعداد وقال : كتيبتي جاهزة سيدي العقيد ، ونستطيع الاشتباك غداً .فأجاب العقيد : _ سوف ننفذ أول مهمة للجيش العقائدي ، وهي البدء بتطهير القطر من الرجعية الداخلية ، لكن لا بد من عملية فرز ، نغربل فيها العساكر ، ونترك المشكوك في ولائهم لنا ، حتى لو كانوا حزبيين ، هل فهمتم ؟ فلنبدأ الفرز منذ صباح الغد ، قولوا لهم سيذهب اللواء إلى المشروع السنوي ، وسوف تبقون هنا للحراسة . _ كيف سنشتبك مع الرجعية بدون دبابات ؟ _ سيدعمنا اللواء الخامس بدبابات حديثة من طراز ( ت54 ) .بعد يومين تحرك اللواء العقائدي ( 45 ) لينفذ أول مهمة له ، وعسكر في حمص على بعد ( 48 ) كم من حماة ، وعسكر يشحذ أسلحته وأنيابه للانقضاض على الشعب الأعزل في حماة ، فينفذ أول مهمة لجيش عربي يشنها على الشعب في تاريخ العرب الحديث ، وعندها سيعرف العرب معنى الجيش العقائدي الذي ملأ الصحافة ووسائل الإعلام ، فالجيش الحقيقي يدافع عن البلاد ضد العدو الخارجي ، كما يفعل أي جيش في العالم ، أما الجيش العقائدي فمهمته ذبح المواطنين العزل فيمهد البلد لأعدائه فيدخلونه بدون قتال ، وبعد انتهاء مهمة الجيش العقائدي يتحول إلى عصابات تهرب المخدرات ، وتتعاون مع اليهود على احتلال البلاد وإذلال العباد

.

_ 7 _

اكتبوا شعارات الحزب في كل مكان ، على السبورة والجدران وفي الشوارع ، قالها المسؤول الحزبي في ثانوية الحوراني ، فتململ الطلاب المسلمون عندما رأوا الأكاذيب تكتب شعارات للأمة . وقرروا أن يواجهوا الشعارات الكاذبة بشعارات صادقة ، وكتب أحدهم على السبورة قوله تعالى }ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون {._ محمود ، هيا نذهب إلى الشيخ مروان ، لقد اعتقلوا الأخ سمير الذي كتب الآية على السبورة أمس . _ الآن سوف تخرج الثانوية للإضراب . _ وسنهتف لا إله إلا الله ، محمد رسول الله ، والحزب عدو الله . _ لا المهم لا إله إلا الله ، محمد رسول الله . هذا هو المهم .وصل محمود وإخوانه إلى المدرسة باكراً يوم السبت ، وقد تمنطق كل منهم بسلسة من الحديد ( الجنزير ) وفور وصولهم اتصلوا بزملائهم الذين يثقون بهم يحرضونهم على الإضراب احتجاجاً على اعتقال سمير . وعندما دق الجرس في الساعة الثامنة انطلق صفير ثم ضجيج من أفواه بعض الطلاب ، ما لبث أن عم وشمل الطلاب كلهم ، وبعد ثلاث دقائق فقط كان محمود على الأكتاف يحمله منقذ ويحيط بهما عبد الله وتوفيق وغيرهم يرددون مع محمود : ( لا إله إلا الله ، محمد رسول الله ) ، فاجتمع الطلاب يرددون هذا الهتاف الخالد والحقيقة الكبرى ، ثم فتح الباب وخرجت المظاهرة سيلاً عرماً من الطلاب تتدفق في عروقهم دماء الشباب الجياشة وتملأ قلوبهم عاطفة إسلامية صادقة ، وخرج أهالي الحاضر من حوانيتهم ، ووقفت بعض النسوة على الشرفات ملثمة تشهد ابنها أو أخاها يهتف بحماس ( لا إله إلا الله ، محمد رسول الله ) فترفع يديها إلى السماء وتدعو ( الله يحميكم ،وأغلق بعض الباعة حوانيتهم وانضموا إلى المظاهرة ، كما أسرع البعض إلى مسدسه يلقمه الطلقات احتياطاً لاستعمالها ، ثم تعب محمود ، فهبط ليحمل منقذ الذي هتف بقوة : ( إسلامية إسلامية ، لا شرقية ولا غربية ) فزاد حماس المتظاهرين وزاد عددهم ، وزاد الهتافون ، وخرجت المظاهرة من قيادة محمود وإخوانه _ كعادة المظاهرات _ لتصبح سيلا جارفاً يصعب قياده وتوجيهه ، ووسط هذا الحماس لوح أحدهم بالسيف ، وهو على الأكتاف وهتف : ( لا إله إلا الله ، والحزب عدو الله ) ، فالتف حوله عدد كبير من المتظاهرين ورددوا بحماس وقوة وبصوت تجاوبت أصداؤه في دار الحكومة وساحة العاصي كلها .وأمام مسجد الأربعين وضعت الحكومة رجال الشرطة لتبديد المظاهرة ، ومنعها من الوصول إلى دار الحكومة ، وكم تألم محمود عندما رأى رجال الشرطة ينفذون أوامر الحاكم وكلهم بسطاء وقفوا بين نارين ، نار الرفض والتمرد ، ونار التنفيذ وضرب الشعب ، لذا لم يتمكنوا من فعل شيء سوى الانهزام أمام الطلاب الذين قذفوهم بالحجارة ، فاندفع سيل المظاهرة إلى جسر السرايا ، وهناك التقت المظاهرة بأول سرية من اللواء العقائدي ( 45 ) .قال قائد السرية : افتحوا النار بسرعة في الهواء وارعبوا الناس مجرد وصولكم إلى الجسر ، وبعد ثوان جلجلت الرشاشات فطمست أصوات النواعير وأصوات الهتافين ، وهرب بعض المتظاهرين عندما سمعوا ورأوا لأول مرة الجيش العربي السوري يفتح النار على الشعب ، وفعل ما لم يفعله المستعمر الفرنسي الذي لم يستعمل الرصاص لتفريق المظاهرات .ابتسم محمود وهو ينظر في وجه منقذ وقال : اقتربت الشهادة يا أخي ، بعد قليل سأقفز على إحدى السيارات المصفحة واستلم رشاشها . _ لا ، لا يا محمود ، لم نخرج لهذا ، إياك ، لم نخطط لمثل هذا . _ الشهادة يا منقذ لا تحتاج إلى تخطيط . _ من قال لك ذلك !!؟ دع هذا ليوم آخر ، إنهم يضربون في الهواء ، لا تخف . _ سينفض الطلاب من حولنا . _ لا ، لا تخف ، كثير منهم لا يخاف من الرصاص .وفجأة صعد طالب شجاع ( من آل جواد ) على الأكتاف ، وقد فتح صدر قميصه ، واحمرت عيناه ، وهتف بقوة وحماس ( لا إله إلا الله ، والحزب عدو الله ) ، فردد معه الطلاب بقوة وحماس ، ظناً منهم أن من حقهم التعبير عن رأيهم في المظاهرات ، كما يفعل الكفار المتحضرون . والتهبت عاطفة الجماهير ، والتهب الحماس والشـجاعة ، واندفع المتظاهرون غير مبالين بأزيز الرصاص فوق رؤوسهم .عندئذ انتفخت أوداج قائد السرية فقال : _ يا رقيب ، اقتل ذلك الرجعي الذي يشتم الحزب ، ألا تسمع ما يقول ؟ اقتله حالاً . _ صحيح يا سيدي أنت جاد !؟ _ هذا أمر عسكري ، هيا نفذ (وارتفع صوته غضباً) ولما سمع الرقيب ذلك سدد بندقيته من أعلى السيارة إلى صدر الطالب البطل ورشقه عدة رصاصات سقط شهيداً على الفور ، وانهزم الطلاب وتفرقت المظاهرة ، وتجولت السرية العقائدية في شوارع الحاضر ، تنثر الرصاص في سمائه ، فطارت أسراب الحمام الآمنة وارتفعت في الجو ، وراح بعض الجنود يتسلون برميها وإرهاب المواطنين العزل ، ثم عادت السرية إلى أرض الملعب البلدي على مشارف المدينة بعد أن نفذت أول مهمة للجيش العقائدي ، ريثما يصل بقية اللواء لإكمال مهمته العقائدية .عاد الطلاب إلى بيوتهم مذعورين خائفين ، فلم يسمعوا من قبل أن الجيش يتدخل في مظاهرات الطلاب ، ولم يسمع أحد من آبائهم أن الهتاف بالكلمة جزاؤه القتل رمياً بالرصاص ، في الشارع بدون محاكمة ، إنها تغيرات وتطورات ومفاجآت لم تدخل في حساباتهم من قبل

.