أسرار شهريار
رواية
شريف عابدين حميد ركاطة
الإهداء
إلى من علمني أن الحلم لا يثمر ،
ما لم تغرس بذرته في أرض الواقع.
إلى أبي (رحمه الله) في الذكرى المئوية لميلاده.
"شريف عابدين"
*
إلى جدتي وجدي اللذين علماني سحر الحكي
الماتع وأسرار القول الآسر
إلى كل "سيزيف" يجمل حكايته ويمضي سعيدا في دروب السرد ...
"حميد ركاطة"
رحلة تاليا
رغم البرد القارس، حرصت الملكة على أن تشيع وصيفتها من شرفة القصر! لوحت لها، وبعدما اطمأنت إلى ركوبها العربة؛ دلفت إلى مخدعها، وجلست ترقب من خلف زجاج النافذة، الموكب الملكي.
تأملت قمم الجبال ناصعة البياض في الأفق الممتد.. تذكرت هواجس ظلت تطاردها كندف الثلج؛ حتى صارت كثيفة تجثم على صدرها، وتكاد تخنق أنفاسها.
تنهدت، وارتسمت على شفتيها بسمة كبيرة:
هاهي الآن تذوب إلى الأبد!
أخيرا ينصهر الجليد.
ما أروع دفء الشرق!
*
تتوجس منها، منذ صحبها إلى القصر، بعد وفاة صديقه في الحرب. لم تفلح عيونها في رصد ما يروي ظمأها. ما أن طلب منها ترشيح أربع فتيات، حتى اختارتها في مقدمتهن. يومها سارعت بالمثول باكية بين يديها:
معذرة مولاتي، أرجو إعفائي؛ لا أقوى على فراقك، أشعر أنك أمي.
ابتلعت الملكة غضبها، حين خدش الوصف أنوثتها، وأسرت إلى نفسها: لا بأس!
توجهت إليها:
وماذا عن براينديل؟
لن تفتقدي الأمومة؛ ستصحبك.
توسلت إليها:
رحماك مولاتي، أما يكفي رفيقاتي الثلاث؟
نهرتها الملكة:
كلفني جلالته باختيار الأجمل! كان الأولى بك أن تفرحي؛ فهم قوم أغنياء.. تتباهى: انظري! أهدوا إلي هذا العقد من اللآليء النادرة. ثم إنهم يُطَلِّقُون! إن لم ترق لك الحياة هناك؛ يمكنك العودة.
اكفهر وجهها، نكست رأسها؛ وحين همت بالمغادرة، ذكّرتها الملكة:
لا تنسي هديتي!
*
استغرقت الملكة في الضحك، جلالته يحرص على أن يودعها بنفسه!.. يقفز إلى ذهنها السؤال: "لكنه لم يعترض؟ ألمح فقط إلى أنها طفلة، لم تتجاوز السابعة عشر!.. ربما أدرك أنه لا جدوى؛ بعدما أطبقت عليه الخناق. هه! ويقول لها:
ستكونين شمعتنا هناك؛ فأضيئي لشعبك الطريق للعبور!
لا بأس؛ فليرعاها الرب، ولتشملها عنايته الإلهية!
تستقل تاليا عربة فخمة تجرها خيول مطهمة، محاطة بالعديد من الخيالة والحرس الملكي. بالكاد كانت الخيول تخترق الثلوج الكثيفة التي غطت الطريق. عمال وفلاحون بالجرافات يكنسون ما يعترض منها. تم إعطاء الأمر بتحرك الموكب الملكي نحو الحدود.
الملك في كامل زينته أبى أن يركب العربة؛ حرص على أن يتقدمها ومجموعة من وزرائه والدونات والنبلاء حتى أطراف ضيعته التي تحيط بالقصر. أخذت فرقة من الخيالة تستقصي وتمشط المكان الذي يتجه إليه الموكب.
"الحدود الفاصلة بين الغرب والشرق ستشهد هذا اليوم حدثا تاريخيا"
هكذا أسر قائد الجند، لبعض الضباط وهو يحثهم على اليقظة والحذر؛ لكنه من حين لآخر كان يتعلل بأعذار واهية ليمر منحنيا قرب جلالته وهو على ظهر فرسه، ثم قرب عربة العروس ليلقي عليها إطلالة خاطفة، ذات معنى!
"كأننا نمنح الشرق جزء من كبد الغرب"
سمع الملك حين عبر عن هذا الإحساس الذي انتابه لمرافقيه. أخبرهم أيضا أن هذا العبور كان يجب أن يتم منذ سنوات خلت؛ فمستقبل الغرب يرتبط كثيرا بالشرق، والتصاهر يمنح الثقة والاستقرار، واتقاء شر الجيران بعدما يشعرون بقوة المملكة ووزن حلفائها. بينما انتاب الملك إحساس بالهدوء والطمأنينة من خلال ما هو مقدم عليه، أسر لكاتم اسراره:
لقد كنت أقول إبان صراعي مع تابش افتاب أن التطبيع لا يكفي بتقديم حسن النوايا وإنما بانصهار الدماء أيضا. لقد استنتجت أن صراعنا معه كان استنزافا لطاقات وخيرات مملكتينا معا
صمت الملك وقد اعتراه سهو مفاجئ؛ عقب أمين أسراره:
معكم حق يا صاحب الجلالة، ربما كانت أموال الحملات كفيلة بتحسين بنية مملكتنا التحتية؛ نشيِّد الجسور والطرقات ونخترق هذه الجبال التي ظلت تحاصر زحفنا كاللعنة.. ربما قد نجد وراءها ما يفك ألغاز طمست عقولنا.
هز الملك رأسه موافقا:
لقد ظل تنقلنا عائقا كبيرا سواء أثناء حملاتنا العسكرية وتموينها، أو حتى في السلم فنقل البضائع يستغرق زمنا طويلا، كما يرهق السفر رعيتنا!
سمع صوتا مدويا من الخلف:
وقووووووف!
فزعت الخيل وأجفلت؛ وثبت نافرة! التفت الملك مذعورا جهة العربة والتف حوله الفرسان السبعة، نهر قائدهم:
ماذا هناك؟
سحب لجام جواده بقوة وأجاب مضطربا:
وصلنا يا مولاي حدود إقطاعيتك! سأستأنف رفقة سموك رحلة العودة.
أسرع الملك مذعورا إلى عربتها التي انزلقت عجلاتها وانحرفت لأمتار عديدة؛ أطل نحو تاليا، كانت رجلاها مرفوعتين نحو الأعلى وقد مالت على جانبها متشبثة بـ "براينديل"؛ فتعرت مؤخرتها!.. سارع إلى سحب تنورتها فوقها، ممررا راحة يده في رفق على أردافها دون إرادته!.. أمسك بيدها، ساعدها حتى اعتدلت في جلستها؛ تأملها، وهي صامتة محتقنة غير راضية تماما! سألها:
لعلك بخير صغيرتي؟
أشاحت بوجهها بعيدا! أجابت براينديل:
حانقة يا مولاي! توقيت الرحلة الذي فاجأها كثيرا! كما أزعجها هذا الإذعان الفوري لمطالب زوج مرتقب؛ يصعب عليها حتى نطق اسمه!
كانت عيناه لا تفارقانها، وكأنه اكتشف وجودها لأول مرة، وربما لآخر مرة! حاول مداراة ولهه المفاجئ أو ربما نزوته العابرة؛ أسر إلى نفسه: "ليست كباقي الوصيفات!"..
أمسك بيدها مستغرقا في تأمل سحرها؛ لكنها لم تكترث!.. سألته براينديل في مكر:
هل مولاي بخير؟
أفاق الملك:
لا.. لا شيء، قد تكون حمى الثلج!
سحب يده متحيرا من أمرها، أبصر من بعيد بحيرة تطوقها غربان كثيرة؛ أسر إلى نفسه: "يا له من فأل سيء!".. بادرته:
أتمنى ألا تقلق مولاتي!
تحسست تاليا ما بجوارها على المقعد، قفزت:
مولاتي؟ الملكة؟ هدية الملكة! أين؟
اتجه ناظراها نحو صندوق صغير فارغ، سقط على الأرض حين فتح باب العربة؛ دققت نظرها حوله، لم تعثر سوى على تفاحة حمراء لطخها طين أسود، واستوقفتها كتلة من الثلج!
استغرقت تاليا في الضحك؛ لكزتها براينديل، مر أمامها شريط طويل من الذكريات!.. ثم أخذت ترنو نحوه في وله!.. مدت دون أن تشعر يدها إليه، انحنى يطبع عليها قبلة رقيقة. ودعته شاردة:
سنلتقي أيها الأمير!
فجذبتها المربية من فستانها:
أفيقي إنه الملك!
صاح آمرا:
أعيدوا توازن العربة، ثم استأنفوا المسير!
واستدار ملوحا لها بكلتا يديه.
تقدم فارسان أمامها؛ أخرجت رأسها من النافذة تطالع بقيتهم!.. اكتشفت أن الفرسان السبعة كانوا أقزاما!
*
ظلت طوال الرحلة تسترجع حركة اليد الساحرة التي لمستها. أحست أنها عبّرت عن رغبة عارمة، تذكرت قبلته الدافئة حين ودعها وضغطته الحانية على يدها؛ لابد أنه يعنيها! وحين لوح لها في حرارة بيديه قاومت حلما بأن تصبح يوما ملكة للغرب.."تبا، ملكة للشرق، ملكة للغرب يا للهراء، كم تفتقد الأمور منطقيتها! كل ما أريده الآن هو العودة لغرفتي الصغيرة بالقصر.. (ضحكت) وتفاجأ جلالتها بفشل خطتها!.. حسنا ربما يأتي التوقيت المناسب للعودة؛ من يدري؟.. خاصة وهي لا تعول كثيرا على هذه الرحلة؟"
عاودتها الرغبة الجارفة في العودة، ستكون قرب أميرها؛ تثق في أن أحضانه ستكون في انتظارها. قهقهت:
لابد أنها ستموت كمدا!
أفاقت براينديل من غفوتها،سألتها: من؟
- الملكة الشريرة!
*
حين انفضت مراسم الوداع، كان الظلام قد انتهك تماما غلالة الضوء الشاحبة المختنقة بالغيم. تبدو تاليا مضطربة، تتحرك بعشوائية داخل العربة الخانقة، وقد تكدست بالهدايا وبعض متعلقاتها الشخصية. تصرخ:
أكره هؤلاء الشرقيين! (تستطرد) لم اختارتني جلالتها؟! ألأني عذراء؟ تبا للعفة! أنا عاهرة! أشهر غانية في البلدة! نعم؛ بل أشهر غانية في الكون! اللعنة!
تظهر إيرما لادوس Irma la Douce .. تلهث:
يا لها من رحلة طويلة!
تتساءل:
شخص ما ناداني؟
تتلفت حولها:
يا له من زمن مختلف!
تبادرها تاليا:
أنا لم أتشبه بغانية كغانية، فقط أردت أن أعلن عن كراهية عذريتي!
تجيبها:
إذاً كان عليك أن تحددي رغبتك.. ليس بالضرورة أن تمتلكي العضو الأنثوي لعاهرة؛ فقط أن يكون لك تجربة جنسية؟.. (تلهث).. أريد أن أستريح..
تزيح تاليا من مقعدها؛ فترنو إليها في حنق:
ليس مكانك! أين أجلس أنا؟
تجيبها إيرما متغنجة:
ناصية الشوارع.
*
يرهقها طول الانتظار؛ تنتحي جانبا لا تجد ما تعبث به، تُلَمِّع زجاج القناديل العتيقة في أركان العربة.
لم اختارتني جلالتها؟.. من عائلة عريقة؟
تشخبط في حركة هستيرية على لوحة ورقية، ترسم شجرة عائلتها في تقزز! ها. تتأملها: يا للحقارة! هؤلاء هم أجدادي: "جاردنر Gardner بلاكسميث Blacksmith كاربنتر Carpenter بلمبر Plumber" تمزق الشجرة، تغرقها بصاقا، تدهسها بقدميها.. اللعنة! بستاني.. حداد.. نجار.. سباك.. تلك هي الترجمة اللفظية لألقابهم!
تجلس منهكة، تشعر بزيادة مفاجئة في حرارة الجو! تنادي السائق:
لم لم تختر مكانا أكثر ظلا لنستريح فيه من عناء السفر؟
يجيبها:
لقد اخترت شجرة وارفة الظلال!
اللعنة! تدهس مجددا شجرة عائلتها الممزقة، تفتح النافذة تتفقد تلك البقعة التي استظل بها؛ تطالعها الشجرة الكثيفة في عبوس، وأوراقها الخضراء تسارع في التساقط لتصبح جرداء تماما!.. تصرخ فزعة:
ما شأنك وشجرة عائلتي!
تغلق في عنف النافذة في وجهها!.. تنوي التوجه لمقعدها؛ يفاجئها رجل عجوز أشيب الشعر ينحني نحو الأرض ملتقطا وريقات متناثرة؛ تنكمش في خوف؛ تهتف:
من أنت؟ وماذا تفعل هنا؟
يجيبها في صوت خافت وقور:
- أنا جدك الأكبر، جامع القمامة؛ جئت لألملم شمل العائلة.
*
يوقظها نور الصبح المتسلل تدريجيا بين الحواف غير المحكمة لستائر العربة.
"لم اختارتني جلالتها؟!.. لكون اسمي يشع ضوءا، رمزا لحضارة الغرب، أم؟ متفقا مع اسم ملك الشرق شروق الشمس ها.. نور الجنة (تصرخ) لست نورا، لست جنة؛ أنا ظلمة الجحيم!"
تشعر بالإرهاق، تتمدد على فراشها الصغير، تتصبب عرقا؛ "درجة الحرارة لا تطاق! يا لجهنم!".. تهرع نحو النافذة، تطالعها الشمس وقد زادت اتقادا، اشتعلت غضبا!.. تنظر نحوها:
أنا أتكلم عن نفسي؛ ألعن النور في اسمي ما شأنك أنت!
تسلط الشمس شعاعا نحو عينيها، تشعر بوخزته؛ تدمع بغزارة! تسدل جفنيها، تعتصرهما؛ لا تقوى على النظر في الضوء!.. تغرق في ظلام دامس.
*
بعدما اجتازوا تلا متعرجا، تكسوه خضرة رائعة، تفوح منها بشائر الربيع.
"لم اختارتني جلالتها؟! فاتنة، لست على الإطلاق، أنا بشعة!"
تهرع إلى علبة ماكياجها، تقلبها رأسا على عقب، تلطخ وجهها، تطمس ملامحها، تحدق في المرآة وقد رفعت حاجبيها: "هكذا يكون الجمال!".. ترد عليها المرآة: "لا تحاولي، لن تستمري هكذا كالمسخ! أنت أجملهن!"
يفغر فاه تاليا وهي تسمع صوت المرآة، ترتخي يداها ثم جسدها، تسقط منها المرآة وتخاطبها:
- أراكِ صباحا حين تغسلين وجهك من هذه الأصباغ التي تطمس جمال ملامحك!
*
تنهض فزعة بعدما أحست بلدغة مؤلمة أثناء عبور أحد المستنقعات!.. "لم اختارتني جلالتها؟!.." تستيقظ باكية وقد مزج الدمع ألوان وجهها فبدت كلوحة تشكيلية سيريالية!.. تدخل مربيتها براينديل:
لقد اختارتك لمرافقتي الرحلة، أيتها الحانية الودود!
هل لك أن تخبرينني، متى تنتهي هذه الرحلة إلى المجهول؟
تداعبها:
يا صغيرتي، كفاك! لن يسمعك، لن يراك أحد! لا سبيل للرجوع، وقد اقتربنا كثيرا. أما تسمعين؟ تلك أصداء الأغاريد تلوح من بعيد. لا تنسي آخر كلمات الكاهن، مبعوث الملك إليك؛ بم كان يهمس لك؟
لم أميز سوى بضع كلمات: أنت في مهمة قومية، تمثلين أمة بأكملها!
تفيق تاليا، تنخرط في البكاء؛ تستنشق دمعها!.. تحاول طمأنتها:
اهدئي يا بنيتي، لا فائدة من عصبيتك، أنت امرأة ناضجة! لست طفلة!
تتجمد نظراتها نحو براينديل، تحدق في صدرها!.. تهتف المربية: "أها".. تحتضنها في رفق، تتجه تاليا نحو ثديها، تلتهمه في نهم!.. تربت المرأة على كتفها، وتهدهدها بأغاني الطفولة.
*
كانت الأبواق والمزامير تعزف أهازيج الفرح، وقد اصطفت الحشود على مرمى البصر: فرقة رسمية أحضرت خصيصا لتلك المناسبة.. الحراس بأزيائهم الزاهية انتشروا على طول الطريق لمنع أي متسلل.. مجموعة أخرى اصطفت على جانبي بساط أحمر يتوسط الساحة الكبيرة لأداء تحية الاستقبال. عيون الحضور مشدودة جميعها في اتجاه واحد، نحو عربة أنيقة وجميلة قادمة من بعيد تسحب من ورائها قافلة طويلة من الخيول والمرافقين.
فور تجاوزها الحدود أحست تاليا برعشة تسري في جسدها، وبدقات قلبها تتسارع، من خلف نافذة العربة، وعند منعطف حاد تطلعت خلفها، فأحست بهيبة موكبها الرهيب. سرعان ما لحقت بها عبر الطريق المنحني، بقية عربات القافلة الكبيرة التي كانت تحمل العديد من الهدايا والمشغولات والأطايب. رفعت عينيها قليلا نحو الأعلى، فاجأها سرب من الطيور وهو يطوف حول القافلة. جالت بخاطرها رحلة بلقيس ملكة سبأ إلى الملك سليمان؛ انفرجت شفتاها عن ابتسامة شاردة؛ حين أنصتت لنغماتها المبهجة، تمنت لو أنها تفهم التغريد! لو تعلم لغة الطير؟
رددت في زهو: الملك سليمان كان يعرف لغة جميع الكائنات!
ثم قاطعت هواجسها:
"لا أعتقد أن تاب ايتشيف تاب يعرفها رغم أنه على قدر من الحكمة كما أخبروها!، وأنا لست بلقيس؛ لا ينتمي أحد أبويّ للجان، وقافلتي تفتقد الذهب والأحجار الكريمة!"
علت محياها مسحة كآبة مفاجأة، ثم أردفت في نجواها:
"هو لا يحتاجها فلديه الكثير، أعلم ذلك!"
*
في العربة التالية اجتمعت ثلاث من أجمل الوصيفات؛ ديبوراه وإستير وسارة، ضمن وفد العرس المرافق لتاليا، وأمضين طول الوقت في الغناء والرقص والحديث عن الأحلام. أطلقن العنان لخيالهن؛ تقمصت كل منهن شخصية تتمناها وقامت بمحاكاتها في جو من الهناء والمرح.
كان الشروق رائعا، شعرت تاليا بأنها قطرة ندى تداعبها نسمات الفجر وتدغدغها الأضواء الخافتة لخيوط الشمس المتسللة التي بدأت تغمر الكون تدريجيا؛ حين اكتمل الشروق هتفت في حبور:
يا لشمس الشرق الرائعة، سأكون سيدة هذا العالم البديع! ملكي ضوء الشروق على الأرض، وأنا نور الجنة القادمة من السماء.
استنشقت بقوة نسيما عليلا أغمضت عينيها أحست بهدوء وانتعاش، أسرت في نفسها: "يا لهم من قوم محظوظين، لم يراود أحلامهم قط أن ينعموا بنور الجنة".
أحست ببعض الدفء فشعرت بارتياح وسرى في نفسها الحبور، تمتمت: "يا للسعادة.. شمس الشرق تغمرني بالدفء من السماء وشروق شمس أخر ينتظرني في القصر!"، وكأنها تصحو من غفوة حلم جميل، صاحت مبتسمة: "واو.. أكاد أشتعل!"
إحساس عميق بالذات، إحساس داخلي، لف مشاعرها في تلك اللحظة ببهجة عارمة شعرت معه أنه أيضا شروق مجدها، مجد لم تحلم به يوما قط. "أأتوج ملكة؟!"
بين الفرح والدهشة شيدت بأعماقها يقينا صادقا، سلمت بنوع من الارتياح مؤمنة أنه قدرها، من يعلم؟ تذكرت الأغنية الشهيرة التي كانت أمها ترددها:
Que Sera Sera
What will be will be
When I was just a little girl
I asked my mother what will I be
Will I be pretty will I be rich
Here's what she said to me
ما سيكون سيكون
عندما كنت مجرد طفلة صغيرة
سألت والدتي ما سوف أكون
أأكون جميلة؟ أأكون غنية؟
وهنا ما قالت لي:
Que Sera Sera
Whatever will be will be
The future's not ours to see
Que Sera Sera
What will be will be
كل ما سيكون سيكون
المستقبل ليس ملكنا؛ كي نراه
ما سيكون سيكون!
ظلت ترددها طوال الرحلة.
*
كان الشروق جديدا، ذلك اليوم، ككل شيء حولها تغيرت ملامحه وصارت له نكهته الجديدة، ترى بداخلها الجمال الذي تشكل فجأة ليخلب جميع حواسها. مدت ذراعها كطفلة صغيرة ولوحت للشمس الوليدة التي اختبأت على استحياء خلف إحدى الغيمات، فارتسم على شفتي الشمس ظل ابتسامة خافتة.
*
الأشجار تظلل الطريق الطويل الهادئ، والموكب يرتقي مرتفعات وتلالا صغيرة، في أسفلها ضاية خضراء امتدت في منبسط رحب، تحفه من كل جانب أشجار باسقة، انتصبت فوق مرتفعات صخرية كلسية تثير تشققاتها الكبيرة رهبة في قلب الناظر إليها. من حين لآخر يحلق سرب من الحمام البري، أو تتبدى شلالات ماء تنساب في جلال وبهاء.
فجأة توقفت العربة، بعدما اجتازت قنطرة انتصبت بين تلين كأنها عقد من الجوهر، موضوع على أنية فضية؛ هكذا تخيلت الأمر، وصورة النهر الهادئ تغمر ذهنها بالصفاء. رأت في اندهاش طابورا من القطط يصطف في انتظارها، اختارها "تابش افتاب" خصيصا عندما أخبره المستشارون أنها ستحبها. قطط من أنواع وأجناس مختلفة انتدب لها مروضا خاصا لتدريبها على مراسيم الاستقبال، أدهشتها بجمالها وأناقتها، وقد لفت حول أعناقها ببيونات تحمل شعار الدولة الشمس المشرقة.
كانت القطط تردد أغنية ترحيب خاصة دربت عليها لاستقبال الملكة الجديدة، من نغمات موائية تثير الدهشة والضحك في نفس الوقت.. همست في أذن مرافقتها بحبور عارم: "كم هو جميل وفاتن"؛ مشيرة إلى قط شيرازي أسود ممتلئ الجسم، ذي شعر كثيف وطويل هذب بعناية فائقة. تقدم نحوها حين داعبته، كانت له أقدام قصيرة وكفوف عريضة، أخذ يتمسح في ثوبها كطفل، بأنفه الصغير. أثارها بعينيه العسليتين الواسعتين اللتين كانتا تلمعان في جبهته العريضة، وهو يركز نظراته نحوها.. دون شعور ضمته بحنو نحو صدرها طويلا، قبلته وأخذت تمرر راحة يدها على رأسه.
ما كادت تعود نحو عربتها حتى توقفت بقربها عربة أخرى أفخم وأجمل وأبهى، بنقوشها المذهبة وفراش كراسيها الأحمر الوثير، وقد كسيت جدران قمرتها الداخلية بلون أزرق ملكي مزركش بتيجان مذهبة، وأقراص شمس كبيرة.
انطلقت العربة بسرعة أكثر هذه المرة، وهي تخترق منبسطا فسيحا، وقد انتشرت على جانبي الطريق أشجار السرو الباسقة التي طليت جذوعها بالجير. تتخلل المساحات الفارغة التي تفصل بين شجرة وأخرى أشجار قصيرة القامة، زرعت خصصا للتزين وقد شذبت بعناية فائقة بينما نصبت الأعلام مرفرفة فوق أعمدة كثيرة متفاوتة الطول ومختلفة الألوان، بينما اصطف الجند بزيهم الرسمي الزاهي الألوان بين الفراغات الكثيرة.
بمجرد ما اقتحمت العربة بوابة القصر الكبير حتى بدأت فرقة الموسيقى النحاسية بعزف نغمات الاستقبال، حتى توقفت العربة لتنزل منها منبهرة بعالمها الجديد!.. الوفد الرسمي الذي أوكلت له مهمة الترحيب بالوافدة الجديدة كان في الانتظار منذ الصباح. بمجرد ما عزف النشيد الوطني حتى حملت الملكة في هودجها تبعا للتقاليد الساري بها العمل، وسار الجميع خلفها في الطريق المؤدي نحو القصر الذي انتصب فوق هضبة قريبة مطلة على النهر الكبير.
قاربت الشمس على الغروب، طول المسافة والركوب في الهودج أشعرها ببعض التوتر والملل، قاومت تعبها كثيرا بمداعبة قطها الشيرازي الجميل، لم تكن تريد أن تفوت لحظتها التاريخية وهي تمسح بعينيها لأول مرة أمكنة جديدة.
تدافع المئات نحو الساحة الكبيرة المواجهة للقصر لاستقبال الملكة الجديدة، وقد انتظموا منذ الساعات الأولى للصباح وراء متاريس خشبية طويلة بحبال متينة. شرطة القصر نشرت حراسها لينظموا حركة تنقل المواطنين القادمين من مناطق أخرى، ضباط فوق صهوات جيادهم يذرعون المكان الفاصل بين الساحة والبوابة، وفوق جدار القصر العالي قرب أبراج المراقبة. بدأ العزف على الأبواق إيذانا بلحظة تاريخية. ترجلت الملكة من فوق هودجها، اتسعت أحداق الفضوليين تتملى في فيض الضوء المنعكس من بشرتها الناصعة البياض، ارتفعت حواجبهم وفغرت أفواههم حين لمحوا فتنتها الطاغية!.. هتف رجل: "يا للجمال الرباني"، صدق آخر على كلامه متمتما: "لابد أنها من حور العين!".. انتبه حين لمح حارسا يجول متباطئا بقربه، فلكز زميله: "هل سبق لك دخول الجنة؟"
عند بوابة القصر وقف السفير بشاربه الطويل وبشرته البيضاء الحليبية ليخطب في الجماهير:
حضرة صاحب الجلالة، السادة رؤساء المصالح الداخلية والخارجية، أيها الشعب المجيد: منذ الحقبة الهيللينية لم يلتق الشرق والغرب ورغم مقولة روديارد كيبلنج Rudyard Kipling الشرق شرق والغرب غرب لم ولن يلتقيا، نحتفي اليوم باقتران ملككم العظيم تابش افتاب بمواطنتنا المبجلة الآنسة تاليا سكافيجر Talia Schavager
يتساءل أحد الجماهير:
ألم يلتقيا في الأندلس؟
تتعالى ضحكات متفرقة يعقبها صمت رهيب! يضطرب القنصل:
لم يلتقيا بالأندلس بل تصارعا، وهناك فرق بين الصراع والالتقاء!
ثم يستطرد:
نضع اليوم حجر الأساس لملتقى الشرق والغرب، الشرق بحضاراته الروحانية والغرب بطفرته المادية؛ نحن لا نلقي بالروحانيات عرض الحائط طالما لا تصطدم مع تطلعاتنا الحضارية. دعونا نضع اليوم حدا للعداوة والبغضاء دعونا نجسد قيم التسامح والتعايش بين الحضارتين؛ ولا يفوتني أن أقتبس من يوهان فولفجانج جوته Johann Wolfgang von Goethe "إن الإسلام يعني الخضوع لله ونحن في طاعة الرب نعيش ونموت.. قل لله المشرق ولله المغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم"، وأقتبس عنه أيضا "إلى ذلك الشرق الطاهر الصافي إلى هنالك، حيث الحق؛ فلتهاجر كي تستروح نسيم الآباء الأولين، هناك حيث الحبُ والشرب والغناء، سيعيدك ينبوع الخضر شاباً من جديد."
تأمل القنصل في الوجوه البائسة، والأفواه المشدوهة تساءل ربما لا تفهم ما يقوله. مسح مرة أخرى المكان حوله. رنت إليه تاليا بابتسامة رضا مفعمة بالحبور؛ غمرته مشجعة فأردف قائلا:
لقد كان سعينا متواصلاً لتسليط الأضواء على كل ما من شأنه البحث عن الجوهر الإنساني المشترك، لنقرب الرؤى، ونثري الثقافة المتبادلة، ونمد جسور التعارف والتعاون، ويلتقي الغرب والشرق، فيعلو الحوار والحب على الصراع والقتل. اليوم وتابش افتاب (شروق الشمس) يلتقي بـ تاليا (نور الجنة) أقول لكل من يعتبر الغرب شيطانا، ويبشره بنار جهنم: ها هو الغرب يرسل ملاكا! وينشر نور الجنة! فليبارك الرب قبس الضوء المنبثق من ارتباطهما المقدس.
التفت أحد الحراس لزميل له كاد أن يسقط من التعب، وسأله:
هل فهمت شيئا مما كان يقول؟
أبدا، أنتظر بفارغ الصبر أن تنزل علينا الموائد من السماء.
لكن نحن ممنوعون من المشاركة فيها؟
من افترى عليك في هذا الأمر!
إنها التعليمات!
لا تعليمات قبل الأكل.
انتشرت الولائم في كل مكان وحفلت بأكداس الأطعمة مما لذ وطاب، تدافع البؤساء، والأغنياء، يلتهمون في نهم واشتهاء، ويتجشأون في مظاهرة صوتية كأنهم يتنافسون.
دعا أحدهم للملك والملكة وهو يمسح على بطنه الممتلئ:
بالوفاق والهناء.
قاطعه آخر:
أتمنى أن يتزوج الملك كل يوم!
فعقب عليهما ثالث:
إذاً فلتدعو لهما بالخلاف والشقاق، حتى تضمن العديد من الزيجات والولائم.
تعالت القهقهات، ضحكوا جميعا، لكن أحدهم تدخل منغصا سرورهم:
لا تبتهجوا كثيرا، لا تنسوا أنها غير مسلمة!
حدقوا فيه جميعا باندهاش، ثم سرعان ما عقبوا على ادعائه غير قانعين، مدافعين عن الملكة الجديدة:
لم نلمحها ترتدي صليبا!
ربما تحترم مشاعرنا وديننا! ربما أسلمت!
أمَّنوا على قولهم دفعة واحدة: أجل!
استطرد الرجل:
لا تنسوا أنه اقترن بأعدائنا!
اندفعوا حوله، كادوا يخنقونه وهم يردون على الفور:
ولم لا تقل ضاجعهم!
انفجروا جميعا ضاحكين مقهقهين، وقد بدت عليهم عربدة رهيبة وسكر علني مقيت. أشار ضابط إلى بعض الجند أن يلحقوا به؛ لما ابتعدا قليلا عن الآخرين، أومأ لهم أنهم في حالة سكر وأنهم سيعاقبون على ذلك إن لم يعودوا لثكناتهم فورا بهدوء؛ فامتثلوا مكرهين.
بين أرجاء القصر تجولت بصحبة جلنهار رئيسة حريم القصر، وحرصت على أن ترافقها براينديل مربيتها التي اعتبرتها وصيفتها الخاصة.
حين رأتها الجدران ترنحت فرحا بمقدمها، وقد صارت أكثر نظافة ولمعانا من أي يوم سبق، أسرت مغتبطة إلى نفسها: "سوف تحرص الملكة على الاهتمام بنا من الآن فلاحقا"
همست المشغولات والإكسسوارات الزاهية التي تكسو الجدران في حبور: "يا لثيابها البديعة؛ لابد أنها من نوع مبتكر من الأقمشة".. أما النقوش الهندسية التي تطرزها، فقد افتتنت بدقة ملامح وجهها، وتناسق جسدها الممشوق.
أمسكت أرضية البهو الكبير بقلبها؛ حين لامستها خطواتها وتمنت أن يرفعوا تلك السجاجيد السميكة بعيدا، حتى تستمتع بمداعبتها مباشرة دون حاجز بينها وبين خطاها الرقيقة. سارت في ممراته بثقة وبهاء، وتنقلت بين ردهاته بنعومة ورشاقة؛ فتأوه البهو المفتوح على الأجنحة المغلقة، تنفس عميقا ملامح الحرية التي تراءت له في حركتها الدائبة، همس في شغف:
يا لها من كائن مختلف!
كانت حركتها تنساب كالفراشة التي تحلق في خيلاء، تتولد النسمات من رفرفة أجنحتها؛ فتلمس في رفق القناديل المثبتة على الحائط، وتتمايل داخلها الشموع منتشية.
حين اقتربت من بعض الأعمدة الرخامية الشاهقة، تذكرت التماثيل والتحف المعمارية، والنقوش الفنية في ميادين بلدتها؛ احتضنتها في تأثر؛ فخفق قلب الجماد بالحنين، وسرت الحياة في أوصال الرخام.
*
احتواها أفخم الأجنحة، جلست على فراشه تتأمل فخامة وروعة الأشياء من حولها، شعر حين ضمتها جدرانه أنه يريد أن يتحرك نحوها، ليكون أقرب إلى احتضانها، ويتنفس عطرها، لكنه خشي أن تختنق، وسرعان ما تنحنحت النوافذ:
احم احم.. نحن هنا!
لم يهنأ أفخم الأجنحة طويلا بالتحليق في خيالات أحلامه، فقد فتح الملك الباب وولج متثاقلا إلى داخل الجناح، مرتديا أفخر الثياب، ومتعطرا بأروع العطور.
نهضت تاليا هتفت:
تاب ايشيف تاب مليكي، وسيدي!
ضحك الملك مصححا:
تابش افتاب، هل يصعب نطقها؟
هزت رأسها متغنجة في دلال:
دعني أناديك تاب تاب.
يقهقه:
تاب تاب.. يا له من اسم، سوف أصدر فرمانا ملكيا، وأمرا رسميا بذلك، لكن ماذا يعني لديكم؟
ردت على الفور:
تاب ببي الكتاب يعني مقبض الباب.
تجهم الملك:
لا، لا أحب هذا الاسم، لا أستريح لما يوحي به من معنى يرتبط بالتحكم في الدخول والخروج، الفتح والإغلاق.
صمت لحظة، وكأنه يبحث عن كلمات مناسبة بعد أن لاحظ فظاظته في لحظة غير مناسبة، ثم أردف قائلا:
لا يليق بي أن أكون أداة تتحكم بها الأيدي!
قالت تاليا:
لا بأس نجعلها بي القلم!
رد الملك حانقا:
وماذا تعني تلك؟
تعني يا مولاي (يتهدج صوتها) أن تربت برفق، صوت الطرق الخافت، همس اللمسة الحانية، أو برعم النبتة حين ينمو.
قفز الملك مقهقها:
أجل.. أجل، هي ذي، أفضل هذه (ثم أردف) يا لبراعة أجهزة المخابرات لديكم، لا تخفى عليها أدق التفاصيل!
ماذا عن شهر العسل؟
ماذا تعنين؟
بالعربية أم بالفارسية؟
في العربية ترتبط كلمة (شهر) بالزمان، وفي الفارسية ترتبط بالمكان.
أعني اللغتين! المكان والزمان.. أن تكون لي وحدي بعيدا عن مشاغل الحكم ومشاكل الشعب، وأن تستمتع وقتا كافيا؛ تنهل من يدي رحيق السعادة. آن لك أن تستريح يا مولاي، لقد تعبت كثيرا وأرهقتك الأعباء! أنظر كيف ضاعت سنين عمرك؛ آن لك أن تستعيد شبابك!
نعم تالي لقد استهلكت حياتي في الحرب مع قومك وها أنت تعيدين لي الحياة.
سأل نفسه: "هل الغرب بهذا الرقي؟.. هل يشغلهم الجانب الإنساني إلى هذه الدرجة؟ يعلمون بمعاناته، وهاهم يرسلون إليه من تخفف عنه وتداوي جراحه يا له من توجه حضاري!" ثم ضحك:
حسنا تالي، أتفهم رؤيتك، لكني أجدني أنفذ كل مقترحاتك!
أليست في صالحك مولاي؟
نعم، لكني أخشى أن أستمر في مجاراتك، حتى تقنعينني بترك الحكم! (ثم يضحك) لقد وافقت على كل ما طلبته من تغيير لديكورات القصر والأنتيكات، تقريبا أعدت بناء الجناح الملكي!
تقاطعه:
يا مولاي، ألا تثق في رؤيتي؟
يهز رأسه موافقا:
لكن نظام الإضاءة الإضافية؟!
ألا تروق لك ملامحي؟
واو.
ألا تستمتع معي؟
ينهض متأثرا، يحتضنها ويقبلها، تهمس له:
إذاً لماذا لا تستمتع بجمالي أيضا أثناء علاقتنا الحميمة؟ متعة فتنتي، ومتعة مضاجعتي في نفس الوقت، المتعة المزدوجة! لا أقبل أن أتساوى مع كل امرأة في الظلام.
حسنا حبيبتي بعد أن أجريت كل تلك التغييرات، لم إصرارك على ممارستنا في البستان؟
هناك حيث الطبيعة تحتفي بروعتنا، وتشاركنا السعادة بتنسم عبق العبير، وروعة ألوان الزهر؛ تتضاعف متعتك!
وماذا عن الطيور في جناحنا؟
الببغاوات تقلدنا، وتذكرنا دوما بتلك اللحظات فتلهمنا التوق إلى استرجاعها.
الحق أنها تضحكني حين تقلدك!
لا بأس.. لكنها تشعرني باللهفة لأرتمي في أحضانك
وماذا عن البلابل؟
تعزف، وتغرد على إيقاع سيمفونية حبنا.
وتلك الوسائد، والمراتب المائية؟
بل دعني أسألك، ألم تلحظ فرقا؟ إنها تضاعف حركاتنا، واهتزازنا، فيتنامى تفاعلنا؛ تجعل الأمر أكثر إثارة!
وتلك الشراشف المنقوشة بالحروف اللاتينية؟
يا مولاي إنها توثق قصة حبنا، سأعلمك قراءتها وفك رموزها.
الحق أنني اعتقدتها سحرا!
أرأيت؟ تلك رسالة أخرى إيجابية!
كأن متعتنا تقترن بالسحر؛ ألا يأسر ذلك روحينا ويخلب مشاعرنا؟
لكن أسئلتك يا تالي تسبب لي حرجا!
مولاي وما الذي يسيء في أن أعرف ما يسعدك، ألست زوجي؟ أليست وظيفتي إمتاعك؟ أنا أيضا لن أدعك تجهل ما يثيرني، أو يوقد جذوتي؛ اسألني يا مولاي!
لكنها أمور فطرية تلقائية؟
تعني بالنسبة للحيوانات، أما نحن فلدينا العقل نستثمره في تطوير كل شيء، ألا تستحق طقوس الحب أن نطورها؟ مثلما ننمي آليات الحرب!
دعك من الحرب والعنف، ماذا عن شهر العسل؟
ما رأيك في منتجع لنا وحدنا على شاطئ البحر نقضي فيه عمرا من العسل
فكرتك رائعة فاتنتي، سآمر ببنائه فورا، وسأوصي بأن يكون ماء البحر شهدا صافيا مقطرا.
*
تدخل جناح الملك، تفزع للمشهد!.. الملك مستلقي على فراشه، بينما تقوم إحدى الجاريات بتدليك جسده، تنهال عليها ركلا وصفعا:
اللعنة! ماذا يحدث بحق السماء!.. هذا زوجي ما شأنك به؟ أخرجي أيتها الحقيرة!
يتطلع نحوها تاب تاب متثاقلا:
مهلا حبيبتي، أشعر ببعض الألم في ظهري، هي تساعدني!
ترد بصرامة:
ليست مهمتها، لقد ألغت وجودي، لم أنا هنا؟ لم قطعت آلاف الأميال؟ تلك واجباتي نحوك كزوجة.
يتململ الملك:
تالي، أعرف لمساتك، وأعتقد أنها ستزيد آلام ظهري!
أهكذا! حسنا مولاي، سأعفيك من لمساتي المنغصة إلى الأبد.
تبادر بالخروج، يحاول النهوض، يعتذر لها، شارحا ماذا يعني!.. تستجيب لتودده؛ تشترط عليه ألا يقاطعها، ثم تستأذنه في إعداد نفسها فيوافق على الفور.
تعود بسرعة مرتدية زيا ساخنا، وفي يدها بعض الأوعية تحتوي زيوتا، وكريمات ذات رائحة منعشة.. ينظر إليها مرددا في استياء:
أعرف لمساتك، ظهري يؤلمني الآن!
تجاهلته، وقامت بفتح نوافذ الجناح على مصراعيها لتجديد الهواء، فتدفق النسيم العليل مضمخا بعبير الزهر. نظر نحوها مبتئسا:
ظهري يؤلمني منذ ليلة الأمس!
لم تهتم، قامت بنزع ملابسه بأكملها، حرصت على تفادي مناطق معينة من جسده، ولم تنس أن تذكره أنه كان شريرا في تفكيره! بدأت بتدليك فروة رأسه، ورقبته، وأكتافه. نظر نحوها مستغربا:
الألم في ظهري!
انتقلت إلى قدميه معتصرة كعبيه، ثم انتقلت إلى ساقيه، صعدت إلى ظهره فأضافت المزيد من الكريم، وأخذت تضغط بأطراف أصابعها تارة، وبباطن يدها تارة أخرى.. شعر بالارتياح، أخذ يطالبها بالتركيز على مناطق محددة، تستجيب للمساتها مرددا عبارات التبجيل. ساعدته في النوم على ظهره، أضافت بعض الزيوت العطرية على صدره، وأخذت تدلك وتهبط تدريجيا، وهو يستحسن أداءها، حتى دوى صهيل الجواد؛ فهرعت طيور البستان صوب النوافذ، تطل منها ثم تتقافز على أسوار الشرفة في حبور.
*
ما رأيك؟
أجابها وهو يغالب النعاس:
مذهل!
أسألك عن آلام الظهر!
اختفت تماما (أخذ يتثاءب) تلك سمات الفكر الغربي، السيطرة والاستعلاء!
تجيبه في انتشاء:
سيروق لي دائما احتلال ممالكك!
كيف جاءتك الفكرة؟
من (كاما سوترا).. (تعقِّب).. أليس أفضل؟
لكنه لا يناسبنا.
قلت أنه مبهر؟
أعتقد أن فرص الإنجاب تقل، وديننا يدعو إلى التكاثر!
معظم الأديان تحبذ التبشيري لنفس السبب؛ لكن آلام الظهر؟
سأتبع نظام حميتك.
وتلك الجزئية!
الجزئية تصبح بين يديك كلية، أثق في مهارتك!
*
على مائدة الغداء قفزت تالي عندما شاهدت الخراف المطهوة المحشوة بالأرز، والمكسرات وقد فاحت نكهتها المميزة، نادت كبير الطهاة:
لابد أنك تنوي قتلنا جميعا!
ارتعد الرجل وتسمر في مكانه:
مولاتي!
ألا تعلم مدى الخطورة، ماذا فعل بك جلالته، لتنتقم منه بهذا الشكل، سمعت عن آخر الأرقام؟ مائتين!
حدق فيها تاب تاب مندهشا:
ماذا تقصدين؟
وزنك يا حبيبي، أما ترى كرشك المتدلي أمامك، وتلك الدهون التي يكتنز بها جسدك، قد تفتك بك يا مولاي.
وماذا تقترحين؟
أسماك البحر.
لا أستسيغها
إذاً شرائح مشوية، من صدر طائر.
أي طائر؟
الرومي يا مولاي لا يعلى عليه.
رد الملك مداعبا:
هذا تحيز واضح لكل ما هو غربي!
أكدت على الطهاة الاهتمام بسلطة الخضروات: الكابوتشي، والبروكلي، والجزر الأصفر. همس أحد الطهاة:
تعلمين يا مولاتي، البصل والفجل أيضا، يزيدان النشاط ويحرقان الدهون.
أضاف كبير الطهاة متمما:
لدينا أيضا الجرجير مولاتي، تنصح به الزوجات.
أعلم! الجرجير مثير! اهتموا أيضا بالفواكه: التوت والكرز! ولا تنسوا المشروبات: شراب النعناع والينسون!
يهمس كبير الطهاة:
تعلمين يا مولاتي، لا يعلى على القرفة والجنزبيل.
تقفز:
واو، لديكم جنزبيل؟
يهمس دون صوت:
نعم يا جميل.
تقترح عليهم أيضا الشوفان والذرة المسلوق.. يراجع القوائم، ثم يتطلع إليها:
لدينا أيضا سيدتي، بعض الأعشاب الصينية التي وردت حديثا (جين- سينج وفو- تي).. ستفيد الملك كثيرا.
كانت مفاجأة، حين دلف إلى جناحها، وجده مظلما، اعتقد أنها قد تكون بالخارج، نادته:
تاااااااااااابي
ليست عادتك حبيبتي!
ناشدته بصوت خافت: "فلتشعلها!"
حين أضاءت الأنوار قفزت أمامه، بهت الملك:
ما هذا؟.. زى راقصة شرقية، هل انضممت إلى راقصات القصر؟
هزت رأسها بالموافقة. صاح:
كيف؟ الملكة راقصة؟
اهدأ حبيبي، لقد استعنت بإحداهن لتعلمني.
صرخ الملك:
لماذا؟
فقط أردت أن أمتعك على طريقتي، شعرت أنك مولع به تلك الليلة، كادت عيونك تلتهم الراقصة!
أجننت؟ أوقفي هذا العبث!
وماذا في الرقص الشرقي؟.. إنه تراث حضاري ترفيهي، يحظى بسمعة عالمية، الحق أنني كنت أنوي تكوين جمعية لرعاية هذا الفن الراقي.
أخذت تتمايل حوله في حركات مثيرة؛ غضب الملك، واستدار نحو الباب، جرت خلفه تتشبث به:
مهلا يا مولاي، ما أردت سوى التطوير، إنها غريزة تولد بها الأنثى، أما سمعت عن جينات الرقص؟ ماذا لو تعلمت كل أنثى الرقص؟ تابي لم ينحصر تفكيرك في الرقص في ملهى؟ أليس من حق كل زوجة أن ترقص لزوجها، نعم أم لا؟ أن تمتع زوجها أليس ذلك من واجبها؟ أراهن على أن نسبة الطلاق ستنخفض.
كيف ستكون الزوجة الراقصة نواة لأسرة سعيدة؟
ستكون أكثر إنتاجية، ثم أخبرني، أين يكمن الخطأ في الرقص؟ أليس تثقيفا، رياضة، ترفيها؟.. الحقيقة أن لدي خطط رائعة لتنمية المرأة
يزجرها متهكما، يحدق فيها بنظرة ذات مغزى:
وماذا في جعبتك أيضا لتنمية المرأة!
ترنو إليه:
ولم لا؟
يهم بالخروج حتى لا تكمل ما لا يحب سماعه، تجري نحوه..
تاب حبيبي تبا للرقص، هه!
تخلع بدلتها، وتلقي بها على الأرض، تلحق به عارية تماما.
يسرع بإغلاق الباب حتى لا يلمحها أحد!
يا لرعونتك!
كنت أفكر في إمتاع زوجي حبيبي.
دعك من هذه الأفكار المجنونة.
يحدث نفسه: "بداية لا تبشر بالخير".. تقاطعه:
كنت أحلم بمجتمع أكثر سعادة. تبا، كان علي أن أفهم أن السعادة يجب أن تبدأ من هنا
وتحتضن الملك تحاول تقبيله، يزم شفتيه، ويقطب جبينه! تبتعد قليلا، تميل برأسها إلى الخلف فيبرز صدرها، تنظر إليه معاتبة:
أترفض هبة امرأة!
تلتهم عيناه نهديها النافرين، يفغر فاه، ما أن يهم بالاقتراب منها حتى تدير وجهها وتمضي بعيدا عنه، يتأمل خطواتها المثيرة!.. يخاطب نفسه بصوت مرتفع: "لابد أن أغير رؤيتي لخلفية المرأة الثقافية"!
*
ظهرت آثار الحمل، وسارت الأمور على ما يرام وسط مظاهر الاحتفال بالقصر، حين اقترب الموعد نصحها الأطباء بالمشي.
مولاي أريد أن أتجول في البلاد.
رد الملك:
لماذا؟ لدينا حدائق شاسعة ملحقة بالقصر!
أشعر بالاختناق، أود أن أرى شعبي.
صمت الملك، لحظة وقد تاه في سراديب صمته، ثم وافق على مضض.
زارت القرى، تجولت في الأسواق، داعبت الأطفال ووزعت عليهم الحلوى. استاءت لحالة البؤس التي تبدو على ملامحهم وملابسهم الرثة، تحدثت إلى بعض أمهاتهم، شكون لها حالة الفقر وبطالة أزواجهن، لمحت أحد رجال الشرطة يطارد بائعا متجولا، عرفت أنه يبيع البضائع المهربة من القرى الحدودية المحتلة. شعرت بالتعب، فقررت العودة.
استقبلها الملك قلقا مضطربا، سألها:
لقد أقلقني نبأ عودتك بهذه السرعة كيف هي صحتك؟
اطمئن يا سيدي، أنا بخير.
وكيف كانت الزيارة؟
سيئة يا مولاي، هؤلاء النساء لم لا يتعلمن، ويعملن لمساعدة أزواجهن؟.. حالتهن بائسة وأزواجهن عاطلون عن العمل.. يمكننا تعليمهم حرفا بسيطة، تساعد على كسب قوت اليوم ورعاية أطفالهن، خاصة أن نسبة منهن أرامل.
تالي المرأة لا تعمل لدينا، القوامة في ديننا تلزم الرجل بالإنفاق.
وماذا إذا كان الرجل مريضا، ولا يوجد نظام دعم اجتماعي، ألا نحتاج لبرامج تنموية كمشروع الأسر المنتجة، ما رأيك؟
تحتد لهجة الملك:
غير مقبول دينيا أو اجتماعيا، تلك ثقافتنا الشرقية.
كيف لا نستفيد من هذه النسبة الكبيرة للنساء التي تزايدت بعد الحرب؟
المرأة لخدمة رجلها وأطفالها؛ ذلك دورها!
والقبض على الباعة المتجولين؟
تلك بضائع مهربة.
يا مولاي إنها أرخص مما نستورد من الصين، والهند، تكفي نفقات السفر الطويل!
لا أريد الترويج لهؤلاء التجار الخونة.
لكنهم أبناء شعبك أيضا، وذلك مصدر ربح لهم.
نعم لكنهم يعملون في مصانع أجنبية ويتعاونون مع المحتل، ثم يبيعون المنتجات.. (يكرر) خونة.
ولم لا تقام منطقة حرة تعفى فيها بضائع البلدين من الجمارك؟ سوف تقضي على التهريب!
ينفعل الملك:
يجب أن نشجع الصناعة المحلية.
لكنها رديئة وباهظة الثمن.
لن أفسح مجالا للخونة!
وما ذنبهم وهم يخضعون للاحتلال؟
هم مجبرون على العمل؛ تريدهم أن يقبعوا في بيوتهم كالنساء؛ ليثبتوا لك أنهم وطنيون؟
لم يتعاونوا معي.
فقدوا الانتماء للوطن الأم، يفضلون الأسلوب الغربي في الحياة، لم لم يثوروا على المحتل؟
تريدهم ألا يعملوا؟ سيتضورون جوعا! كيف يثورون؟
قد نرسل لهم المساعدات.
أليس من تحكمهم أولى بها؟
أعرف لم تدافعين عنهم!
يا مولاي، كن واقعيا، ولتسأل نفسك أولا، لم يفضلون العيش تحت إمرة المحتل، لم لا يشعرون بالانتماء للوطن الأم؟
خونة!
يتذكر ذلك المؤتمر الصحفي الذي عقده زعيم كبرى القبائل في الشريط الحدودي وكيف هاجمه بشراسة، واتهمه بعدم الحكمة منددا برعونته الحربية. ادعى يومها أن الشعب في تلك المناطق المحتلة يعاني من خروقات الملك؛ حيث تسيء السلطة المحتلة معاملتهم لمجرد إصابة أحد جندهم، فما بالك بالانعكاس السلبي لأي انتصار مرحلي في إحدى المعارك؟
لن أنسى أبدا زعمه يومها: أنهم ينكسون رؤوسهم؛ كلما رفعنا رايات نصرنا!
عقبت تاليا:
ذلك واقعهم، لابد أنهم يعانون من رد الفعل.
انفجر تاب تاب:
رغم ذلك حرصت على تحقيق أكبر المكاسب لهم؛ الاعتراف بهويتهم المختلفة، اعتماد لغتهم المحلية، تمثيلهم الرمزي في البرلمان. بالإضافة إلى توظيفهم في بعض المناصب غير السيادية في الحكومة المحلية. وفتح الممرات الحدودية للتواصل مع أقاربهم داخل البلاد.
ذلك نبل من مولاي!
*
أصداء الصراخ تدوي في أرجاء القصر، يقف تاب تاب قريبا من جناح الملكة، مستندا إلى أحد الجدران محاولا التماسك؛ تنزلق يده ينظر إليها، يلمح الجدران تبكي تعاطفا مع آلام تاليا!
داخل الغرفة، (شافيرا) القابلة مضطربة:
يا مولاتي ألمح شعره البني أمامي، قريب من لون شعرك، لكن الرأس لا تتحرك!
تنهرها تاليا:
أفسحي له مسارا!
أقوم بالتوسيع حولها، لكنها لا تتحرك!
تسر شيفرا إلى نفسها: "يبدو أنه لا يود الخروج إلى هذا العالم! ربما لا يروق له!".. ثم تخاطب تاليا:
هناك ما يعوق حركته.. (تنادي) أسعفوني بالماء الساخن! اهدئي يا مولاتي يحدث كثيرا في الولادات البكر.
تصيح تاليا:
أليس لديهم أطباء؛ يومان في هذا الجحيم!
الفرج مشدود سيدتي، لكنه لا يتقدم!
أحضروا لي الملك
يجري الملك نحوها، يمسح العرق من جبينها، يقبله في تأثر واضح. تقبل هي يده، تستعطفه:
أتوسل إليك، أغمد سيفك في فرجي، اقطع ذلك العائق، دع وليدك يرى النور! آااااااااه (تصرخ مستنجدة) المساعدة؛ رحمتك يا إلهي!
ينهر تاب القابلة:
افعلي شيئا سأقتلك إن لم تلد!
تلهث تاليا:
أريد طفلي، أيتها الغبية افعلي شيئا!
تضطرب شافيرا:
يا مولاي الطفل كبير الحجم؛ لا يهبط من مجرى الحياة، ومولاتي بكر!
يبكي الملك. تعاود التوسل:
أرجوك، أغمد سيفك، شق ذلك العائق!
تقفز القابلة:
تنفسي بعمق يا مولاتي، ثم ادفعي ما بداخلك إلى أسفل، سأقوم بالمزيد من التوسيع حول الرأس!
آااااااااااااااااااااااااااااااااااااه
يقل بروز بطنها؛ يبتهج الملك، تناشده القابلة أن يساعدها:
اضغط مولاي!
يضع يده على بطنها مترددا.. تدوي صرخة استغاثتها المتصلة؛ تتبعها صرخة خافتة لصوت واهن، لا يتوقف عن البكاء..
*
الجراح غائرة والنزيف لا يتوقف
صاحت شافيرا في توتر! عقب الطبيب الذي استدعي في الحال:
حاولي أن تملئيها بالبن.
دون فائدة!
يتدخل تاب تاب:
أقترح إطعامها بعض التمر!
ترد القابلة:
النزيف خارجي بسبب تمزق العجان!
يفزع الطبيب من نظرة الملك المستهجنة، يطمئنه:
سيتوقف النزيف لا تقلق؛ ينادي: أحضروا بسرعة بعض الرماد لنكدس به الجرح.
كانت تاليا مجهدة في حالة شحوب شديد وشبه إغماء. شعر الملك ببعض الارتياح حين أخبره الطبيب باستقرار حالتها، لكنه أشار عليهم بأهمية الراحة التامة، والتغذية المكثفة، وطلب من القابلة متابعة الجروح وعمل الحمامات بالماء المغلي مضافا إليه شيح البابونج. مرت أيام على الولادة، بدأت حالة الملكة في التحسن تدريجيا، لكن التماثل للشفاء كان بطيئا، واستغرق حوالي ستة أشهر، ظل الملك خلالها مهموما طول الوقت، كان دائم التواجد إلى جانبها، يحث القابلة والطبيب على بذل أقصى جهد للعناية بـ (تاليا)، ولحنكتها الطويلة في المجال؛ كانت شافيرا التي استقدمت خصيصا من الغرب، تهيئ ضمادات خاصة لسيدتها تنقعها في السائل الناتج عن غلي قشر الرمان.
*
التأمت جراح تاليا تماما، وعادت لممارسة حياتها كالمعتاد، لكن التجربة تركت في نفسها آلاما عميقة، لم تخفف من وطأتها الفرحة بقدوم ولي العهد. بدأت أنشطتها بتفقد سير العمل في مرافق القصر، والتزامهم بتنفيذ ملاحظاتها قبل الولادة، وأبدت بعصبية لافتة انتقادها لكل من تقاعس في اتباع تعليماتها، كما أثنت على تميز بعضهم وتفانيهم في رعايتها أثناء فترة تعافيها. لوحظ أنها أكثرت من التجول بعيدا في حدائق القصر الشاسعة؛ تعرفت من خلاله على المزيد من العاملين. أما الملك فلم يكف عن مداعبتها وأغدق عليها هدايا كثيرة من الذهب والألماس، في محاولة لإخراجها من الاكتئاب الذي انتابها بعد الولادة فلم تعد تولي اهتماما كبيرا برضيعها. تولت (إستير) رفيقة تاليا في الرحلة، التي أهداها الملك لوزيره الشاب (ستمكار) إرضاع شهريار تحت رعاية براينديل مربيتها التي تفرغت للقيام بهذه المهمة.
*
كانت بهجة شهريار بوليده لا توصف، لم يتمالك نفسه في غمرة الفرحة أن أعلن عن صرف علاوة استثنائية لجميع العاملين بالدولة، ورفع معظم الجزاءات عن الموظفين كما قام بترقية العديد ممن يدينون له بالولاء، وأصدر على الفور قرارا بالإفراج عن المعتقلين السياسيين ممن خشي أن يثيروا الشعب ضده أو يتآمروا على الإطاحة به، خاصة أنه أجل زواجه حتى تلك السن المتأخرة. صار له الآن وليا للعهد يمنحه الأمل ويلهمه القدرة على التسامح مع الآخر، شعر أنه يحب شعبه أكثر مما مضى، وأن الكل يجب أن يشاركه سعادته. الغرب أيضا يدعمه حسب بنود المعاهدة التي تكفل حماية ممتدة ومزايا مادية وعينية لجميع أفراد عائلته.
زاد وزنك كثيرا يا تابي!
تعلمين أنك متعتي الوحيدة، وخلال نقاهتك، كنت أهرب من هموم قلقي عليك إلى تناول المزيد من الطعام!
ما أن بدأت تمني نفسها بليلة رائعة بعد شهور من البعاد؛ حتى احتضنها، أخذ يقبلها، يلتصق بها، ويعتصر جسدها! حاول طويلا، دون جدوى، حتى أصابه الإجهاد واضطربت أنفاسه؛ فارتمى يائسا. حاولت مداعبته دون فائدة! تمتم مبتئسا:
يبدو أنني لم أعد تاب تاب الذي اعتدته!
طمأنته:
ربما هي مشاغل الحكم.
رقدا متجاورين بعيون مفتوحة وشفاه مغلقة.
في الصبح الباكر وبخت الطهاة بحدة، لعدم التزامهم بالنظام الغذائي الذي أعدته للملك، لكنهم أجمعوا على أن جلالته كان مكتئبا وحالته تثير الشفقة، كما أنهم لا يملكون رفض تلبية أوامره! كان يطلب العديد من الوجبات والعصائر يوميا، ويلتهمها في نهم.
أكدت عليهم إعادة القوائم التي أعدتها والالتزام بتعليماتها وتركتهم منفعلة؛ فانتابتها نوبة من ضيق التنفس. خرجت إلى البستان تنهل من نسمات الصبح الباردة وهوائه العليل فداهمها سعال شديد شعرت على إثره ببلل أسفلها! هرعت إلى (التواليت) تتفقد ثيابها الداخلية، استكشفت الأمر في فزع ثم تنفست عميقا بعدما اطمأنت أنها لم تكن دماءً، عاودتها الحالة كلما كحت أو عطست، فشعرت بالقلق.
في المساء حكت للملك فحاول طمأنتها بأنه أيضا صار يتبول كثيرا، لكن ليس أثناء السعال أو العطس، إنما أثناء الليل، ألح عليها في استدعاء كبير الأطباء، ترددت مبدئيا، ثم وافقت كي يجري فحصا لكليهما.
*
حضر الطبيب على عجل، دقق في فحص الملك واستمع إلى دقات قلبه بقمع معدني، وضعه بصعوبة أسفل ثديه المتدلي، راعه أيضا تدلي كرشه، وبروز بطنه، وترهل الدهون حول خاصرته، فأعطاه قنينة من الخزف وطلب منه إحضار بعض البول.
أما تاليا فقد حكت له عن شكواها، فأجابها أن ذلك متوقع بعد الولادة المتعثرة التي أحدثت ضعفا في العضلات، وأثرت على التحكم في التبول.
طمأنهما كثيرا وأخذ يدعو لهما بالشفاء، ويتمتم بآيات بينما يمسح على رأس الملك في حين وقفت تاليا تتأمله في دهشة.
*
في اليوم التالي، عاد إليهما بملامح جادة، رفع غطاء قنينة الخزف فخرجت طوابير النمل تعدو نحو الخارج، نظر إليه الملك متعجبا:
لم أعلم أنك ساحر أيضا!
كلا يا مولاي.
اقترب من الملك فحاول الابتعاد فزعا، بادره الطبيب قائلا:
إنه بول جلالتك.. وضعته على سور شرفتي بالأمس
رفع الملك حاجبيه:
عجبا هل أبول عسلا!
هناك بعض السكر في البول.
ثم ما فتئ يسأله في مكر:
ربما لم تغسل القدح جيدا!
عقب الطبيب قائلا:
بل مرض السكري، جلالتك تحتاج إلى التقليل من الحلوى، أعرف أنك تشتهي البطاطا والشيكولاطا وتقبل عليهما في نهم. لابد أن تقلل من وزنك قدر الإمكان، لابد من الابتعاد عنها، فمن المعروف أنه يرتبط بالبدانة.
اكفهر وجه الملك سأله:
أما من دواء؟
أجل مولاي، المر هو مضاد الحلو!
استغرب الملك:
ألا يبدو علاجا لغويا؟
أجاب الطبيب:
ألا تعالج الحمى بالثلج، لا تقلق يا مولاي فقد وردتنا بعض الأعشاب من الصين تقوم مقام عمل (الأنسولين).
ظل الملك فاغرا فاه، بينما أوصاه الطبيب بضرورة تناول منقوعها قبل الوجبات. اقترب منه الملك هامسا، بينما ارتفعت حدة صوته لا إراديا وهو يقول له مشيرا إلى ما بين فخذيه:
اختفى تماما!
أنصت إليه ثم مازحه:
مازلت شابا يا مولاي، سوف أحضر لك بعضا من جوزة الطيب أهداها لي شاهبندر التجار بعد عودته من رحلة الهند.
حين هم بالانصراف لحقت به تاليا:
أيها الطبيب إني أشكو أيضا!
لدي آلام متكررة في أسفل الظهر والبطن.
أعدك بأن أحضر لك نوعا من الأعشاب يسمى البيلادونا سيساعدك كثيرا.
حدقت في وجهه، ثم أردفت قائلة:
أيها الطبيب ربما لم تسمعني جيدا، أشكو من ألم في ظهري وليست عيني! أتعرف ماذا تعني البيلادونا؟ العيون السوداء!.. من أخبرك أني لا أفضل لون عيني الأخضر؟
نداوي به يا مولاتي آلام البطن أيضا.
سأجربه فقط لأنني أثق في خبرتك، هذه الآلام تؤرقني كثيرا.
تبدو جوزة الطيب رائعة!
نعم.
لقد آلَمْتَني كثيرا؛ ربما أحدثت تقرحا داخلي!
قد يكون ذلك راجعا لأننا لم نلتق منذ فترة.
أيها الفارس! تخشى أن أحسدك؛ لا تقلق، يا له من ألم! لا أستطيع أن أنهض لإحضار الكُنْدُر.
سأحضره لك بنفسي يا حبيبتي.
تداعبه:
صحتك أيضا تحسنت بعض الشيء
لا تذكريني بذلك الدواء إنه شديد المرارة.
يناولها ملعقة من العسل:
هيا تناولي هذه أولا، قبل مضغ الكُنْدُر، وحاولي النوم قليلا، ربما تسكن هذه الآلام.
أسرت إلى نفسها: "أنا لم أبذل جهدا كعادتي، حاولت فقط إرضاءه، فهو لم يقربني منذ أكثر من ستة أشهر، ربما كان السبب ازدياد وزنه، لكن الآلام داخلتني"
فجأة تأوهت حين أحست بظهرها ينغصها، وقد تنامت إليها نغمات شخيره المتتالية، التي أخذت ترتفع وتيرتها تدريجيا ثم تنخفض إلى أن تحولت إلى إيقاعات رتيبة، جعلتها تتثاءب على مضض..
*
تكررت آلام الظهر، تناولت منقوع تلك الأعشاب، تحسنت قليلا، لكن الآلام ما لبثت أن عاودتها. شعرت بالضيق، فخرجت تتجول شاردة في حديقة القصر، شعرت بنبضات قلبها تتسارع ثم بدوار ورغبة في النوم.. حين قررت العودة لجناحها، ترنحت خطاها لتنزلق إلى بركة موحلة، سقطت فاقدة للوعي.
أسرع نحوها بعض العاملين بالقصر، ترددوا في التقدم نحوها، وقد بهرهم جمالها، فاندفع (كوشي) وهو عبد شاب حديث العهد بالخدمة في القصر، نثر على وجهها بعض الماء فأفاقت قليلا، لكنها لم تقو على النهوض، حملها بين ذراعيه، واتجه بها نجو الجناح الملكي.
كانت المسافة طويلة، فأخذ يلهث، بينما اندفع الخدم يشيرون إليه بالمكان، أفاقت على أنفاسه تلفح عنقها، بينما يداه القويتان توسدانها برفق فراشها الوثير، حاولت فتح عينيها بصعوبة لتشكره بنبرة خافتة، تجمدت نظراته حين لمح عيونها السوداء المتسعة، وقد أحاطتها هالة خضراء مذهلة!
اتصل الملك بالسفير، وطلب منه المساعدة في استدعاء أحد الأطباء المهرة، فوعده بالإيجاب معتذرا أن الأمر قد يستغرق بعض الوقت؛ سيرسل فاكسا عاجلا، لكنه السفر الطويل.
حضر كبير أطباء القصر، وفحص الملكة وطمأنها بأنها بخير وطلب منها أن تقلل جرعة البيلادونا لكنها لم تعره اهتماما؛ فانصرف على الفور، بينما ظل الملك ينظر إليه في غضب.
بعد مرور ما يقرب من أسبوعين تمطط زمنها الرهيب بشراسة، حضر الخبير الأجنبي، فابتهجت تاليا آملة في الشفاء على يديه، تحدثت معه باستفاضة، بلغتهما الأم. بعد فحصها بتأن واهتمام ابتسم وهو يتذكر هجومها على طبيب القصر، نظرت إليه في وجوم وهي تحكي له عن مداواته لآلام أسفل ظهرها بأعشاب العيون السوداء!
عقب على ملاحظتها بهدوء قائلا:
لكم ظلمته! لقد تعلمنا الكثير من أطباء الشرق.
ابتهج الملك وشعر بالفخر، واستطرد الطبيب حديثه قائلا:
سوف أثبت لك ذلك عمليا.. (يتناول تذكرة طبية ويخط مكونات العلاج) هذه التركيبة الدوائية تسمى وصفة ابن سينا وهي أفضل ما توصلنا إليه حتى الآن لعلاج حالتك: قشور الصنوبر المدقوق أربعة أجزاء، شب جزءان، ویطبخ بالماء وتبل به خرقة كتان ویتحمل، ستقومين بالتشطيف بها قبل الجماع. المشكلة لديك سببها ترهل العضلات والأربطة الناتج عن الولادة المتعثرة، تبعه انقلاب الرحم إلى الخلف وهذا يفسر آلام أسفل الظهر.
وما العلاج؟
أن تهتمي بالتغذية؛ تبدين نحيلة سيدتي! وأن تكون نومتك المفضلة على بطنك، في نفس السياق يفسر ضعف العضلات أيضا تسرب بعض قطرات البول لا إراديا عند السعال.
يتدخل الملك:
هل هي حالة خطيرة؟
اطمئن سيدي إنها بسيطة، وتحتاج لبعض الوقت، وبعض التغيير كذلك في أسلوب ممارسة الحياة.
كيف؟
يمكنك أن تساعدها، تضاجعها في وضع معين، سأشرحه لك بالتفصيل فيما بعد، ذلك يساعد الرحم على الميل إلى الأمام والعودة لوضعه الطبيعي.
تهلل وجه الملك تم صاح مبتهجا بلغة ركيكة:
مقابل هذه المساعدة سأكافئك كثيرا.
لكن الطبيب استأنف حديثه، وهو يسهب في تفسيره باهتمام:
سوف يضيق مجراها وتشعرك بلذة غامرة، (التفت إليها محدقا في وجهها) حسنا سيدتي تحدثنا في الأخبار السيئة، والآن إلى الأخبار الجيدة: لقد كان للبلادونا التي وصفها لك طبيب القصر تأثيرا إيجابيا، فقد ساعدتك على تثبيت الحمل!
صمت للحظة، ثم أردف قائلا:
مع الحمل سيدتي سيستوي وضع الرحم، سيصبح طبيعيا حين ينمو داخلك.
تصرخ:
لا، لا أريد حملا آخر، يكفيني ما جرى لي في أول ولادة؛ الممر كان ضيقا، كاد أن يكون مسدودا!
يقهقه تاب تاب منتشيا:
لا تقلقي، صار الآن شارعا!
كتمت تاليا غيظها، لكن حالة قصوى من الهياج انتابتها بمجرد انصراف الطبيب، أخذت تلكم بطنها باستمرار، وهي تقفز في جناحها، تضرب الأرض بقوة، وتبكي حتى أصيبت بالإنهاك، ثم ارتمت على فراشها، منتحبة في صمت، وهي تردد في حسرة شديدة:
صرت شارعا أيها القزم، لا بأس، لا عذر الآن لك، لعلك لا تضل طريقك!
*
في الليلة التالية، رقد الملك إلى جوارها، يداعبها بحنو لكنها لم تستجب، همس في أذنها مواسيا:
يا حبيبتي، رب ضارة نافعة، لا تنسي أن الحمل الذي لا تريدين سيبرئ آلام ظهرك.
تحصنت وراء صمتها وهي تفكر، لكنه سرعان ما أسر لها في حبور:
قد تنجبين شقيقة لشهريار، أنسيت أنك كنت تفضلين ابنة؟
كانت تنظر إليه في برود، دون أن تنبس ببنت شفة، لكنها لم تستطع الاستمرار، وقد لاحظت أنه صار يكلم نفسه، خرجت عن صمتها غاضبة:
ها أنذا ملك يديك، فلتطأ خطاك الشارع الواسع.
أجابها مترددا:
لن أجرؤ على المخاطرة حبيبتي، ما لم تأخذي بيدي!
لماذا؟ أتخشى التوهان في رحابي، تعقل قليلا، لم تعد طفلا بعد، لقد صرت أبا لطفلين، والطريق يمتد أمامك نحو المجهول!
يتودد إليها:
تالي حبيبتي!
لكن كلماته لم تحجمها عن البكاء في صمت، يقبلها في حنان بالغ، فتحتد نبرات بكائها وترتفع شيئا فشيئا، لتنفجر في وجهه:
رغم الآلام المبرحة، سأتحمل، هيا، افعل بي ما يحلو لك، ثم تنخرط في بكاء مرير.
اهدئي حبيبتي، أخشى أن يتأثر الحمل!
تصرخ في وجهه:
تبا للحمل! قلت لك امض، حيثما يحلو لك، ماذا تريد مني، أن أضع لك إشارة مرور داخلي! إن لم أعد أرق لك، لديك جواريك.
لكنه أخذ يتوسل إليها من جديد:
تالي حبيبتي، لقد ملكت مفاتيح قدرتي، لقد أدمنتك، لا أستطيع التعامل مع امرأة غيرك، وحدك تفكين شيفرتي، أنت الوحيدة التي تعلم (كلمة سر) ذكورتي!
تنتهز الفرصة:
ومداعبتك لوصيفاتي!
من؟.. لقد أهديت إستير لستمكار.
ولم لا تهدي (سارة) لـ (دانا هوشمند) كبير الحكماء، و(ديبوراه) لـ (كارشناس) وزير العدل.
يجيبها على الفور:
سأفعل.
ثم يستطرد مازحا:
لكن لا تنسي أن ملككم، قد أرسلكن خصيصا لي؛ هو يعلم أن شريعتنا تسمح للرجل بالزواج من أربعة!
تنهره:
هيا انهض، وتزوجهن!
*
أخذ شهريار يلهو في البستان بينما براينديل تغني له:
لتمرح أيها الصغير،
بين أزاهير المروج،
كالنحلة.
وحين تعود متعبا إلي،
متضوعا بالعطر،
سأنعم منك بقبلة،
كالعسل.
يجري نحوها؛ تحتضنه وتلثمه ثم تحمله وتنهض إلى جناحه:
دعني أهتم بنظافتك!
ينفرج ثغره عن ابتسامة مرحة تعبيرا عن تعلقه بها. لقد كانت براينديل تدلله، وتحكي له حكايات طريفة، وتغني له الأناشيد الحماسية، مما جعله يولع بقصص الطبيعة الساحرة، ويألف الإنصات إليها باهتمام كلما حكت له قصصا عن الطيور، والفراشات، والحيوانات، والنباتات.. في الطريق للحمام سألها عن ذلك الكائن الأسود الضخم الذي كان ينصت إليها بتأثر واضح.
*
استلقت تاليا على بطنها، وانهمكت في جلسة الشبق اليدوي؛ بعدما هدأت تماما، رمقته شزرا وسألته محتدة:
إذا كنت أقوم بمهمتك في الفراش، فلم لا أقوم بها في الديوان؟
وماذا ينقصك غاليتي؟
أن أشعر أنك تحبني.
لن يقبل بيت المال أن ترأسه امرأة!
وهل أنا أول الملكات؟ التاريخ حافل بمن تفوقن في إدارة شئون البلاد!
لا أبخل عليك بشيء، فلم التمسك ببيت المال؟
تخشى إسرافي؟ أعدك إذا توليت إدارته أن أرشد المصروفات، وأزهد في الإنفاق.
...
عموما لا تنزعج، أعرف الكثير عن صفقاتك! ما رأيك في تولي جهاز الأمن؟
جهاز الأمن؟
أتستكثر عليّ الشعور بالأمان، وقد أنجبت لك مليكين؟ ماذا إذا غدرت بي يوما، وتجارة المعادن النفيسة تحتكرها وتدر عليك ملايين الدراهم! ربما تفكر في تتويج ملكة جديدة! على الأقل أشعر بالاستقرار والاطمئنان، وأن عطائي لك لن يضيع سدى.
لكنك بالفعل تمتلكين الكثير من الصلاحيات، في بيت المال وجهاز الأمن! أرى الشئون الاجتماعية أنسب لك.
تتهكم:
ولم لا تضف الشئون الصحية، ألا أقم بتمريضك ورعايتك على أكمل وجه؟
أرى شئون المرأة أنسب لك؟
وماذا عن شئون الرجال ألا تحتاج لوزيرة،
ليس لدينا وزارة لشئون الرجال! ويفترض أن يتولاها رجل!
لم؟ أما أقوم بدور الملك في الفراش؟ أليس الملك رجلا؟
غاليتي جهاز الأمن في غاية الدقة! وهناك من الأسرار ما لا أستطيع البوح به!
تحسم المناقشة:
لا عليك؛ لا ترهق نفسك، أعلم كل بنود المعاهدة!
ينكس الملك رأسه، يسرح بذهنه طويلا. تبادره:
سأتولى معالجة الأمر (تصمت ثم تستطرد) لا تقلق.. (ثم تلوح له).. لن أبوح بالأسرار!
*
تدلف برانديل إلى جناحها، تحمل باقة ورد:
هدية كل يوم مولاتي.
تستنشق تاليا العطر؛ تشعر بالخدر يسري في جسدها، تقبل مربيتها. تسألها:
ألأني أحمل لك الورد؟
تجيبها في انتشاء:
لأنك هديتني إلى طريق الجنة!
*
انتقلت ممارسات تاليا إلى حديقة القصر؛ توجه الملك إلى جناحها، وأخذ يسبها بأقذع الشتائم، حاول أن يصفعها فأمسكت بيده:
مهلا يا مولاي، رفقا بصحتك؛ تكاد تنقطع أنفاسك! اهدأ! يكاد صوتك يصل إلى الخارج؛ أتوقع أنك تحرص على عدم إفشاء الأسرار، لا نشرها علانية!
*
يسألها كوشي:
لم لم نستمر في الجناح؟
أريد أن يصل الأمر إلى الحاشية؛ ليفقد سيطرته بعدما انحسرت هيبته تماما، مجرد تهديد!
إنه طريق اللا عودة!
هو الذي وصل بي إلى الطريق المسدود.
وإذا تراجع؟
سيمكننا تدبر الأمر، بعيدا عن عيونه؛ تعلم أننا لا نستطيع..
أما كُسِرَ الزجاج!
ما كسر يمكن إصلاحه؛ ثم أنه لنافذة داخل القصر، لم توصد يوما!
أراه مرآة كبيرة! أخشى أن تدميه الشظايا؟
لا تستهن بقدرتي على مداواة جراحه.
أخشى عليك اللعب بالنار!
لا تقلق أيها الحبيب؛ سوف نلجأ لسفارتي، ونترك لهم القصر بكامله يحترق!
*
يشكو للسفير:
تخونني علنا!
يعده ببحث الأمر يبلغه أنها امرأة شابة! كما أنها مريضة!
تعلم جيدا ما حدث لها أثناء ولادة ولي العهد؛ الطبيب شرح لك حالتها، وأودع لدينا تقريرا كاملا. بيدك علاجها إن شئت! أشجعك على بحث أموركما الشخصية معا؛ لا أود التدخل في تفاصيل شأنكما الخاص. وعدتني في اللحظة التي تلبي فيها احتياجاتها؛ تتوقف فورا عن ممارستها، أنصح جلالتك بالحوار.
*
يجتمع بستمكار:
أنت قريبي والمسئول عن أمني، والمؤتمن على أسراري.
أأمرني جلالتك؛ وسأقتلها على الفور؟
لا.
لكن سمعتك وهيبتك في القصر؛ أخشى يا مولاي..
القصر هو بيتي والعاملون به هم عائلتي؛ يعلمون بمرضي وكهولتي، قد يأولون الأمر على أني آثرت التريث والحكمة، يعلمون أنها امرأة غربية أيضا؛ لست قلقا على ذلك الشأن! ما يعنيني هو شرفي السياسي. فوضتك لاتخاذ إجراءات صارمة؛ لمنع تسرب ما يتعلق بممارستها الآثمة، لا يجب أن يعلم الشعب.
والوزراء يا مولاي؟
أرسلوا لي مذكرة احتجاج! اجتمع بهم.
سأخبرهم أن الملك لا يعلم، وأني أخشى أن يقضى عليه إذا سمع بالخبر!.. ما رأيك؟
تول الأمر.. أثق في حنكتك.
*
في اجتماع الوزراء، أعلن ستمكار أنه يرفض ما يحدث؛ لكنه لا يستطيع أن يفعل شيئا، ويخشى أن يخبر الملك لسوء حالته الصحية!.. اعترضه وزير العدل:
الساكت عن الحق شيطان أخرس!
غادر الاجتماع معلنا استقالته:
أرفض تماما ما يرتكب من آثام تحت أسماعنا وأبصارنا!
بينما اندفع نحو ستمكار باقي الوزراء:
لا لا تخبر جلالته؛ لا تعكر مزاجه، دعه يوقع لنا على هذه التفويضات التي نتولى بها احتكار التوكيلات وإبرام الصفقات!
*
وزير العدل کارشناس يا مولاي خرج عن الصف!
علمت، لكن الباقين لم يعترضوا.
لكنه ينتمي لأكبر القبائل؟ وقد يؤثر ذلك على ولائهم لجلالتك.
أتفهم اعتراضه لثقافته الدينية؛ لكني لم أتوقع رد فعله، لقد أهديته ديبوراه وصيفة تاليا!
سأسعى إلى أن تتحدث إستير زوجتي إلى رفيقتها؛ كي لا يؤلب علينا قبيلته. أعلم أنه متيم بها، ولا يرد لها طلبا.
أبلغ باقي الوزراء أنني أجبت طلباتهم.
هل يحتفظ الوزير المنشق براتبه وامتيازاته؟
أبلغ إستير أننا قد نفعل!
*
ألا ترفقين بولدك؛ أنسيت أمومتك؟
ماذا أفعل؟ لقد أدركت شفائي؛ يا له من علاج سحري، لا لا، لا أستطيع! لم لا تخبره أنك فشلت في علاجي؟ ألستما السبب في كل ما يحدث لي؟ لم لا تطلقني؟
وترحلين؟
أنسيت أن لي طفلين؟ أأصحبهما معي؟ مازالا في سن الحضانة.
أطلقك وتستمر فضائحك؛ أنسيت أنك في مجتمع شرقي؟
وهل يشعر غيري بألمي؟
أيتها الفاجرة؛ (يندفع نحوها) سأقتلك.
تتفادى يديه الممتدتين نحوها؛ تخاطبه:
لن تموت أسرارك معي! هناك ديبورا وغيرها!
وتغادر الجناح.
*
أرسل في استعجال اللقاء بالسفير؛ أفيد بأن طلبه سيدرس!.. حين التقاه في عجالة بعد أسبوعين، بادره:
أيليق هذا الأسلوب في التعامل مع الأصدقاء؟
الأمور تخرج من يدي!
لن يكون في صالح أحد!
رد السفير:
لقد حاولت قتلها!
لم لا تمرر الصفقة؟
لن يقبل أحد! هي تهدم كل شيء؛ كيف أحكم شعبي؟ وأنتم تلوحون بتجميد الأرصدة! كيف أتحكم في رجالي؟
اعطها الفرصة؛ لها أسلوبها، نثق أنها ستشيد جسرا لعبور الأزمة.
أعرف.. شعبي لن يقبل.
سنقنعها بإدارة الشئون الاجتماعية؛ بصلاحيات كاملة، ما رأيك؟.. فكر في الأمر!
عند الباب تصافح السفير مودعة؛ تصحبه عبر الردهة، تهمس:
ستكون نهايته إذا أصر على الرفض.
يقاطعها حاسما الأمر:
ستمكار قريبه يتولى الأمن؛ لا يمكنه التخلي عنه! ربما انقلب عليه أيضا، ولا تنسي أن الملك حليفنا!
لا تنسوا أيضا أنه لا جدوى من إغوائه؛ لم يعد لدي سوى هذه الورقة! لن أقبل بأقل من تولي (جوزيف) أخي وزارة المالية، وسأحاول جس نبض إستير.
*
يداهمه المشهد، بينما كان يلهو في البستان! يندفع نحوهما؛ يركل مرارا مؤخرة العبد العارية: "اتركها أيها المسعور!".. لا يلتفت نحوه! بينما تنهره الملكة الأم: "ما بك أيها الملك الصغير؟"
يهرع نحو الملك الأب:
الملكة مريضة يا أبت؛ إنها ترتجف تتأوه!!
أعلم يا ولدي؛ ثمة شيطان في هيئة كلب يتلبسها، ليس لدي القدرة كما تعلم! ذلك العبد يحاول أن يمنحها القوة للتغلب عليه، لعله يخمده في جوفها!
يبكي شهريار:
إنها تتألم، ألن تشفى يا أبي؟ لم لا تعرضها على الطبيب؟
يا ولدي ذلك المس الشيطاني، لا شأن للطبيب به!
يتسلل شهريار؛ يلمح الملكة في حالة سكون، ترقد في استرخاء تام، تكاد تغفو! يقترب منها بصوت متهدج:
تبدين أفضل الآن؛ حمدا لله.
يفتح كوشى عينيه بصعوبة؛ ثم ينهض فزعا لا يصدق!.. يتوجه شهريار نحوه بصوت خافت: "شكرا!" ثم يخاطبها:
أماه! أأحضر لك بعض الماء، حتى تفيقين؟
تمد يدها نحوه، تضمه إلى صدرها:
أشكرك يا ملكي الصغير، أنا بخير.
تتمتم:
لولاك ما أدركت هذا النعيم؛ يا لها من جنة!
ينفعل شهريار هاتفا: "أماه!" ثم يسارع بتقبيل قدميها!
أخبر كوشي تاليا متخوفا:
يبدو أن خطتك قد تعثرت!
كيف؟
الحاشية لم تتأثر كثيرا؛ سمعتهم يشيدون به إلى درجة التقديس!
أحقا! ما عهدتك متعجلا أيها المحبوب! ربما يمتدحون لغرض ما، لا تنس أنهم يحتمون به، للتنصل من أي مساءلة؛ يتباهون بكونهم رجال الملك! صبرا يا ملاكي!
بدأت أتشكك؛ ربما يرتبون لشيء ما ألا يمكن أن يكون ذلك تمهيدا لانقلاب ضده؟
لا تنس أنني الوصية الشرعية على العرش!
يدافعون عنه باستماتة؛ كاد ستمكار يفتك ببعض الجند، كانوا فقط يتهامسون!
لا تنس أنه قريبه.
بعض الوزراء! لمحتهم ينحنون، يقبلون يديه، ويتسابقون إلى تقديم مراسم الولاء والطاعة!
ربما كانت لهم مصالحهم؛ لا أتخيل أن تعبر سلوكياتهم عن الرجل الشرقي، يتشبثون بأحبال بالية، سيتساقطون الواحد تلو الآخر؛ صار الملك أشلاء متهالكة، لا أعول كثيرا على تصرفاتهم.
ربما يجعله ذلك متماسكا، يمنحه القدرة على أن يصمد طويلا.. إلى متى يستمرون في ترقيع ثوب يتمزق كل يوم! لقد أنفق أحدهم من ماله الخاص تصدقا باسم الملك؛ ونظم أحدهم رحلة إلى الديار المقدسة للفقراء برعاية الملك أيضا! ناهيك عن العشرات من موائد الرحمن في الشهر الفضيل! ويوزعون الحلوى على الأطفال!
تلك حلاوة الروح!
تحت الشجرة جلست تاليا شاردة؛ حاول كوشي مداعبتها بلا فائدة!.. بادر بإشعال شرارة الحب، لكنها لم تتقد، سألها:
أهنالك شيء؟
أمعنت في السكون! استطرد:
جلالته؟
هزت رأسها بالنفي:
بل شهريار!
وماذا فعل؟
ساءت حالته كثيرا؛ لا يأكل، يشرد دائما، ولا يغادر جناحه! براينديل قالت أنه ينبح أحيانا أثناء النوم كما لو كان يعارك كلبا! عندما أحدثه يمعن في الصمت؛ ويرمقني بنظرات مريبة!
لا تنزعجي مولاتي؛ سأحاول معالجة الأمر.
هل أنت طبيب نفسي؟ تذكرت! لقد شكرك يومها!
وبالأمس، تعمد أن يتجاهل رؤيتي، حين انحنيت لتحيته؛ كان برفقة الفتى دندان.
أرأيت.. وماذا يمكنك أن تفعل؟
سأصلي من أجله!
*
اللقطة تتكرر؛ وشهريار يبكي كلما شاهد والدته، في تلك الحالة!.. ذات يوم اقترب منه تيماني أحد الخدم:
لم تبكي؟ هل هناك ما يؤلمك سيدي!.. أخشى أن يكون الشيطان! دعني أساعدك..
واقترب منه ممسكا بيده!.. اندفع نحوهما دندان، ابن (سخنران) واعظ القصر ومفتي الديار، الذي كان يكبر شهريار بحوالي عشرة أعوام، فأسرع الخادم بالهرب. كان فتى قويا ومتحدثا لبقا، بينما كان شهريار خجولا، نحيلا، ودائم الشرود!
تجرأ دندان مصارحا:
دعني أخبرك بما يتداوله العاملون في القصر!
...
بالطبع ليس في وسعك التدخل؛ لكن على الأقل تحدث إلى والدك.. لا يجرؤ أن يخبره أحد غيرك!
أجابه شهريار:
أبي مهموم دائما؛ ومشغول بمرض والدتي، يقول أنها ممسوسة.
فكتم صديقه ضحكته!
*
ما أن بدأ يشكو للملك مما نما إلى سمعه، وشاهده مرارا بعينيه، حتى بادره قائلا:
يا ولدي تعلم أنني بلغت من العمر أرذله، والأمراض لا تفارقني، مسئوليتي معالجتها؛ لكني لا أستطيع! لا يمكنني تلبية حاجتها، لا أستطيع أن أفعل شيئا، وقد تشبثت بمن يداويها! لا أملك سوى أن أجتر خيبتي وأرضخ لقدري! لا تندفع يا ولدي؛ في التأثر بما تراه أو تسمعه، إنه مرضها!
يقاطعه:
مازلت أتمنى أن نعرضها على طبيب.
الطبيب يا ولدي يعالج الجسد؛ بينما تتقمص والدتك روح شريرة!
لم لا نخبرهم بحقيقة مرضها؟
وماذا سيكون رد فعل الشعب؟ إذا كنا لا نستطيع أن نحكمها! فكيف نحكمه؟
*
استدعى ستمكار على الفور، أمره الملك بالقبض على ذلك العبد والتنكيل به.
رد القائد:
لا أستطيع يا مولاي، لا يفارق جناح الملكة!
صرخ فيه محتدا:
يبدو أنك آخر من يعلم؛ الملكة راشدة أما شهريار فمازال صبيا!
تعجب القائد:
هل امتدت سطوته إلى ولي العهد؟
نهض الملك غاضبا:
دعني أخبرك أنك لا تصلح وزيرا ولا حتى أحد الجند، لقد كاد أن يتحرش أحدهم بولدي لولا رفيقه دندان!
ليمنحني سيدي سويعات قليلة وسأفتك به.
بادره الملك:
ولكن حذار أن يهرب خارج القصر!
سمعا وطاعة يا مولاي.
أمر على الفور بإحكام إغلاق البوابات والتفتيش الدقيق لغرف كل العاملين به دون استثناء، وكذا كافة أرجاء القصر. نظر الملك إلى ولده معقبا وناصحا:
استمع إليَّ يا بني الكل قد يعلم بخيبتنا داخل القصر، لكنهم يؤثرون التمتع بمزايا الخدمة لدينا، فينأون بأنفسهم عن السمع، أو القول أو المشاهدة، لكن أن يقوم أحدهم بمحاولة الاعتداء؛ فتلك هي الطامة الكبرى، وعلينا أن نجهضها فورا!
ماذا إذا تمكن من الهرب؟
لن يكون لديه ما يبكي عليه؛ ستنتشر كل أسرارنا وسيلطخنا الشعب بالعار ويلقي بنا في مزبلة التاريخ. نراقب العاملين عن كثب ونجزل لهم في العطاء من ثروات هذا الشعب الذي يهابنا ويدين لنا بالولاء لذلك فلابد أن نحتفظ بصورتنا السامية وسيرتنا النقية في قلبه مدى الدهر، لابد أن تنتصب دوما قاماتنا وتبقى هاماتنا في السماء؛ لأننا إذا انحنينا صرنا مطية للدهماء، ما أنفقه على حاشيتنا يقارب نصف الدخل.
ما أن فرغ الملك من نصائحه لولي العهد حتى أوتي بـ تيماني العبد مكبلا بالأصفاد. بدا هادئا موقنا أن لا فائدة من المقاومة وأنه مقتاد إلى حتفه، لكنه فاجأ الملك بانتقادات موجعة واتهامات لاذعة غير متوقعة:
أهذا هو عدلك يا مولاي؟ ينكل بالناس احتكاما إلى نواياهم؛ ويبرأ من تمادوا في ارتكاب الفاحشة!.. انظر إليك أيها الديوث واحكم نفسك قبلما تقتص من هفوة عبد نزق!
صاح الملك في قائد الحرس:
خذ جلبك الأسود بعيدا!
يعقب ستمكار:
لا يجب أن تدفن في أرضنا الطاهرة مثل هذه البذرة الدنسة. سوف نطهر قلبه وعقله أولا من تلك الآثام والهواجس الشيطانية التي يتشدق بها.
سرعان ما أحضر القائد قلب الخادم ورأسه للملك، في وعاء ملطخ بالدماء.
بادره الملك:
قلت عقله وليس رأسه!
رد القائد:
أقترح أن أضم لسانه إلى القائمة؟
أمعن الملك في الصمت؛ فبادره ستمكار:
سأسرع قبل تيبس فكيه!
ثم اقترب من الملك بصوت خافت:
سنحرق أيضا عضوه التناسلي؟
مط الملك شفتيه ولم يعلق.
*
نهرته تاليا مرارا برفق ثم عنفته؛ كما وبخت براينديل، رغم ذلك ظل شهريار يتلصص، رغم نصيحة الملك بالابتعاد ذات يوم وهو يعتلي فرع شجرة كثيفة في بقعة قريبة، يتمكن من موقعها رؤية المشهد كاملا.. انتابت الملكة نوبة الرعشة، والتأوه؛ فشهق الفتى واختل توازنه ليتعلق ثوبه بفرع الشجرة.
أخذ يشير مستنجدا، حتى مر به اكسومي أحد عبيد القصر، طلب منه المساعدة لكنه رفض مبررا:
تعلم سيدي ما حدث لـ تيماني، أنا لا أريد أن ألقى مصيره.
اعترت شهريار نوبة من البكاء وطفق يستحلفه بأغلى ما لديه أن ينقذه:
أنا أيضا تألمت كثيرا، أبي طلب معاقبته فقط!
لكن الخادم ظل مترددا وهو يتأمله مشفقا! انهمك في التفكير مرتعدا:"سيسقط.. لن يسقط".. حتى بدأ الثوب في التمزق؛ عندما حاول شهريار جاهدا التخلص من التعلق بفرع الشجرة، ورأسه يتدلى نحو الأسفل، اكتنزت الدماء في وجهه، صار داكنا كالتفاحة، بينما كشف سقوط قلنسوته عن شعره البني الطويل الناعم..
اعترت العبد هواجس غريبة، تخوف من أن يصاب الفتى بسوء، فتتم محاسبته، خاصة إذا مر أحد الحرس صدفة وأبلغ الملك عن تقاعسه. مد يده إلى أعلى، وفك ذيل الثوب من الغصن، بينما أمسكت يده الأخرى بصدر الطفل الذي كان قلبه يخفق سريعا، أمسك به بكلتا يديه، احتضنه وأنزله إلى الأرض، لكن الصبي انخرط في بكاء مرير، مرددا:
كدت أن أموت، أشكرك، لقد أنقذت حياتي وأخذ يقبل جسده الضخم.
انتابت العبد نوبة بكاء هو الآخر، وأخذ يقبل يدي شهريار متوسلا:
أرجوك سيدي، حياتي معلقة بكلمة من شفتيك، أرجوك لا تخبر الملك، إن علم بالأمر سيقتلني مثل تيماني، قيل أنه سيفعل إذا اقترب منك أي منا.
طمأنه شهريار مهدئا إياه:
كيف أتسبب في قتل من أنقذني، أرجوك أنا أيضا، لا تخبر أحدا أنني تسلقت الشجرة، إن علم الملك بذلك سيعاقبني، ويمنعني من الخروج.
لن أنطق مولاي، لا تخف!
احتضنه مطمئنا وأخذ يربت على ظهره فلمس موضع التمزق في الثوب؛ التفت إليه خائفا:
دعني أرتق لك هذا القطع حتى لا يسألك عن السبب (تردد فجأة) لكن إذا رافقتك إلى مسكني سيراك الآخرون.
ابق هنا حتى آتي بالأدوات
مسح العبد جبينه المتعرق، وأردف قائلا:
لكن هذا المكان مشمس ومكشوف دعني أخبئك داخل تلك الخميلة
مشيرا إلى مكان غير بعيد منهما، حمله برفق حتى وجد مكانا ظليلا بين الأشجار، كانت تكسوه أعشابا كثيرة وخاطبه بأدب جم:
استرح سموك هنا؛ لحظات وأعود إليك.
غادر العبد على وجه السرعة لكنه حين عاد وجده مستغرقا في النوم، آثر ألا يزعجه إن أيقظه، رفع الثوب بهدوء عن مؤخرته، فهاله بياض بشرته المشوب بالحمرة، تحسس جسده ظنا أنه أصيب بالحمى، لكنه كان غير ساخن بينما جسده البض يرتعش ويهذي بكلمات غير مفهومة!
خلع اكسومي قطعة من ثيابه وقام بتغطيته، مرجحا أن تكون رعشته شعورا بالبرد. أخذ يرتق الثوب في صمت، وكلما تحرك الطفل، يربت على جسده حتى لا يستيقظ، وعندما أتم رتقه أفاق شهريار مبتهجا وهو يحدق في وجهه متأملا عضلاته المفتولة سأله متعجبا:
من أين أتيت بهذه القوة؟ حلمت بأنك رفعتني بإصبعك هذا، لابد أنك تعمل طاهيا!
رد العبد:
كلا يا سيدي.
لكن من أين لك بهذه العضلات القوية؟ لقد أمسكت بي كالعصفور من فوق الشجرة!
ما دمت وعدتني ألا تخبر جلالته..
لقد وعدتك ألا أخبر أحدا، وأن يظل الأمر سرا بيننا.
همس في أذنه كأنه يذيع سرا حربيا:
سأخبرك بسر قوتي: كل يوم أستيقظ مبكرا، وأمارس بعض التمرينات!
رد شهريار بصوت خافت:
لكني أستيقظ متأخرا!
فاقترب منه مطمئنا:
أبكر بالاستيقاظ قبل موعد العمل، أما أنت فلست مكلفا بشيء (مضيفا) طالما أردت أن تصبح قويا مثلي، يمكنك أن تمارس التمرينات في أي وقت!
وهل ستعلمني؟
سأتولى تدريبك من الآن!
..
رفع حاجبيه شاردا:
هل هو تمرين واحد فقط؟ كم أحتاج لأبلغ قوتك؟ وماذا إذا كنت تعمل؟
لا تقلق، أمر كثيرا بالقرب من هنا، فقط انتظرني في هذا المكان، سأرقب دوما هذه الخميلة.
*
كوشي تبدو متبلدا؟ ما بك؟.. ألم تصرف لك مكافأة العمل الإضافي!
حاولت تاليا أن تخرجه من حالة السكون التي انتابته، داعبته:
يبدو أن عدوى الملك قد أصابتك!
انفجر صارخا:
تقصدين السفاح!
صمتت تاليا ثم خاطبته:
سأوبخ ستمكار على فعلته البشعة!
وسأتعامل أنا مع الملك!
خرج الفتى هائما، يرتدي ثوبا بسيطا. سار طويلا بعيدا عن القصر، اعترضه أحد قطاع الطرق، ثبته في مكانه ثم أمره بإبراز ما يمتلك. رفض أن يمتثل فأشبعه صفعا وركلا، حتى سالت دماؤه، فأخرج له مرتعدا كيسا به عدة دنانير، تلقفه جاذبا فسقط الفتى على وجهه لمحاولته التشبث بالكيس، تطلع نحوه اللص، مشيرا إلى خاتمه الذهبي مهددا إياه بقطع إصبعه! في تلك اللحظة مر بهما شاب، لمحه اللص فلاذ بالفرار؛ لحق به كالصقر، تشابكا بعنف، نزع منه الكيس وأوسعه ضربا. عاد إلى الفتى، وساعده على النهوض وتوجه به إلى منزل قريب.
استقبلتهما امرأة شابة تدعى فطوم ترعي رجلا مريضا كبير السن!.. بعدما رحبت بهما، سألت شقيقها حسون:
هل أعد شيئا للضيف؟
ليتك تفعلين.
على عجل أحضرت بعض العصيدة في قدر من الفخار، بعدما فرشت لهما ثوبا مهلهلا في مدخل البيت. وهما يحتسيان الشاي سأل حسون شهريار:
إلى أين كنت تذهب؟
أوصاني والدي برد هذا الدين إلى أحد التجار في القرية المجاورة.
*
عاد إلى القصر صامتا. مع مرور الأيام كان الفتى يتخبط في هواجس شتى ويستيقظ فزعا، كأنما يستنجد بأحد ممن يطارده، أو يسقط من تل مرتفع. ذات يوم فكر في أن يمر بمنزل من أنقذه ليشكره بعدما التأم جرحه، فتوجه في الصباح الباكر بعدما أفلح في التخلص من مراقبة حراس القصر متخفيا في زي بسيط.
حين وصل إلى ذلك البيت رحبت به المرأة واستأذنته لانشغالها بإعداد الفطور لزوجها، ودعته لانتظار أخيها، بالجلوس في كوة على السطح تقيه حرارة الشمس.
فجأة دق الباب بعنف، فتحت المرأة، داهم أحد الرجال الغرفة التي يرقد فيها الزوج طريح الفراش، سأل المرأة عن الفتى ذي الخاتم الذهبي الذي لمحه قرب البيت، مهددا إياها بخنجر في يده..
انكمش شهريار في جلده مذ لمح الرجل قادما من على بعد، لكنه تردد في أن يخبر المرأة بأنه نفس الرجل الذي هاجمه من قبل. أخبرته السيدة أن الفتى قد مضى بعدما علم أن أخاها قد توجه إلى المظاهرات. أخذ يفتش الغرفة فلم يعثر على شيء، سألها عن الرجل الذي تقوم برعايته؛ أخبرته أنه زوجها المريض. ضحك عاليا، مسح شاربيه الطويلين الكثين ثم تقدم نحوها فتراجعت للخلف معتصمة بزوجها المريض؛ أخذ يردد باستهزاء
امرأة مثلك، لهذا المحتضر! ألست أولى برعايتك؟
تشبث الرجل بزوجته مستاءً:
يرعاك الله يا ولدي، ما لي غيرها في هذه الدنيا.
دوت قهقهته عاليا:
لا تكن أنانيا
ثم اقترب منها جاذبا إياها من ثوبها، لف الزوج ذراعيه حولها وأخذ يسبه بصوت واهن، أفلح في أن يحتجزها بجسده ويطوقها بذراعيه. زجره اللص مهددا، محاولا انتزاع المرأة من طوقه، لكنه ازداد تشبثا بها.
طعنه مرات عديدة في ظهره كي يتركها، لكن دون جدوى، في الوقت الذي كانت فيه المرأة تستجديه أن يرفق بزوجها المريض.. جذبها من يدها؛ حين تهاوت مقاومته، حاول ضمها إلى صدره؛ تراجعت إلى الوراء خطوة وأظهرت له الدماء التي لطخت ثيابها، استأذنته في تغيير ثوبها، فسمح لها متعجلا:
هيا أسرعي وإياك أن تصرخي أو تحاولي الهرب!
دلفت فطوم ركنا نائيا وتوارت خلف ستار، وانشغلت في فتح خزانة أغراضها الخاصة، والبحث عما تحتاج، ثم عادت إليه مرتدية ثوبا قديما داكن اللون.
ما هذه الأسمال التي ترتدين، آمرك بنزعها!
يا سيدي، لا أملك غيرها نحن فقراء، لا أحد يعولنا.
آمرك بنزعها فورا
ثم دفعها نحو ردهة البيت، فاستجابت مرتعدة؛ صعق اللص حين لمح حزاما واقيا يكسو خاصرتها! لكزها مستفسرا:
ما هذا بحق السماء!
أجابت:
عفتي!
سوف أقتلك إن لم تتخلصي منه.
أجابت متلعثمة:
المفتاح؟
أين هو؟ تكلمي بسرعة
فأشارت نحو زوجها الغارق في دمائه ساكنا بلا حراك:
معه!
غادر اللص بعدما كال لها اللكمات وأمطرها باللعنات وأدمى جسدها بالركلات، لكنها نهضت تحتضن زوجها الذي كان قد فارق الحياة. أخذت تبكي وتنتحب وتندب حظها، تسلل شهريار نحوها مرتجفا وقد شل لسانه يترنح فزعا. غطت الجثمان بما لديها من ملابس وشراشف بالية واسترسلت في العويل. أخذت تندب حظها:
يا من لم يمر عليك يوم دون عناء..
حاول أن يهدئ روعها، استمر صراخها:
مات من كان يكد كي نحيا..
لم يستطع شهريار أن يقاوم البكاء، أخذت فطوم تنتحب:
الحياة صعبة يا ولدي، لم يتقاعس يوما رغم مرضه.
سأله:
أين شقيقك؟.. لقد أنقذ حياتي التي كاد يفتك بها هذا اللص، بعدما سرقني، لن يتركه دون عقاب!
أجابت:
ما الفائدة يا ولدي! حسون يطل علينا من وقت لآخر، ولا يتردد في مساعدتنا رغم ضيق ذات اليد. خرج اليوم في المظاهرات ضد الملك.
رغم شعوره بالرعب الشديد، إلا أن ثمة إحساس كان يدفعه للبقاء لمواساة السيدة ومؤازرتها في محنتها، أسر في نفسه: "ما أروع هذه المرأة! كادت تدفع بحياتها ثمنا لشرفها، وما أشجع وزوجها الذي دافع عنها حتى الموت".
أدرك أن تغيبه عن القصر قد يثير القلق والارتباك خاصة بعد الحادثة الأخيرة، فسار مترددا بخطى متثاقلة، صامتا كعادته.
*
استمر الفتى محدقا في الفراغ؛ فقال له الملك:
أعرف ما تفكر فيه، لكن الأفكار يا ولدي لا تجلب سوى الشقاء!
مرت بهما الملكة، توقفت بالباب، لاحظت انشغالهما، لوحت لهما متبسمة:
مرحبا بمليكيّ! Hi kings!
لكن الفتى لم يلتفت، أخذت تقبله وتحتضنه مرددة:
ما أروع الشبل إلى جانب الأسد!
ثم أثنت على حكمة الملك وبراعته في إدارة شئون البلاد:
لابد أنه مستغرق في تمعن نصائحك! وتأمل مواعظك!
ثم غادرتهما بعدما ألمحت إلى الملك ألا يثقل عليه بدرره دفعة واحدة، كررت: ببطء مطرد! Slow and steady
سأله:
لِمَ، لمْ ترد التحية؟
لم أر أحدا!
صاح الملك:
أرأيت؟ لأنك لا تأكل جيدا!
أيها الخادم، أحضر للأمير كوبا من عصير الجزر.
*
يتصل بها السفير:
لابد من التهدئة، الرجل يكاد ينهار، وقد لبى الطلب بتعيين (جوزيف) شقيقك أمينا للخزانة!
لقد خرج الموضوع من يدي الآن؛ لم ألتق بكوشي كما وعدتك منذ أسبوع، أخبرني أنه سيقوم بزيارة أمه المريضة في بلدة قريبة. يمكنك التأكد. ما يزعج الملك هو الاحتجاجات ضده شخصيا. لم يمسني أحد بشيء؛ لا شأن لي بالأمر، تأكد أن مواطنتك صالحة!
تضحك، وتنهي المكالمة!
*
تناثرت الشائعات عن ممارسات مشينة للملك داخل القصر، واكبت الإجراءات الصارمة التي اتخذها لمنع تسرب فضائح الملكة، فطالب الشعب بكشف الحقائق، وانتشرت مظاهرات التنديد في كل مكان، قال له شهريار:
يا أبي، يروجون لاتهامات باطلة! يتندرون بأنك ابتدعت نوعا من السحاق بين الطواشي والجواري، وتقيم الحفلات الصاخبة ذات الطقوس الماجنة، من راقصات عرايا تماما!
وكيف وصلتك هذه الشائعات؟
كنت أقوم بواجب العزاء؛ سمعتهم يفيضون في النيل من سمعتك!
مازحه الملك:
هذا افتراء يا أميري، لابد أن الشعب قد أدمن الأفلام البورنوغرافية
قاطعه شهريار مستأنفا حديثه:
ناهيك عن الخمور والمخدرات، أشاعوا أنك تعزف عن النساء وتشتهي الغلمان! كما أنك تبدد أموال الشعب في جلسات القمار! إلى غير ذلك من الافتراءات الغريبة!
وهل تصدق ذلك؟
لا أصدق أبدا فأنا لا أبارحك. يزعمون أيضا اقتناءك لنوع من الخفافيش لا يتغذى إلا على دم العبيد ضمن طقوس تحضير الجان!
يسر الملك في نجواه: "لابد أنه أحد العاملين بالقصر، علينا اكتشاف أمره؛ لكن من يكون ذلك اللعين؟"
استشاط شهريار غضبا:
هلاوس وافتراءات، عليهم اللعنة أولئك الشياطين! (استطرد) لم لا تدعهم يدخلون القصر لدحض هذه المزاعم؟
رد الملك:
نحن شرقيون يا ولدي؛ سينزعون إلى التأويل الخاطيء! سيتأكدون من براءتي من شائعاتهم، لكنهم سيدينون تقاعسي عن كبح جماح الملكة. الإدانة بالشائعات يا ولدي، أخف وطأة من الإدانة بالحقائق!
احتضنه شهريار، واستغرق في البكاء!
*
جلس الملك وحيدا يتأمل ما يحدث، أخذت الأفكار تحاصره من كل اتجاه، بينما يحاول جاهدا أن يتملص من قبضتها، صوت ما داخله ظل يحادثه:
مجرد التعبير العلني للشعب عن مشكلة، يعني تقاعس الملك عن حلها!
ولماذا يعبر الشعب؟
عندما يفيض به الكيل.
ربما يختلف المكيال من شخص لآخر؟
لكنه المكيال الجماعي للمحتجين؛ لابد أن يكون قياسيا.
هل يمثل هؤلاء كل الشعب؟
ربما العدوى! الاحتجاج كالتثاؤب.
لا يحتج إلا من فاض به الكيل؛ ربما شعروا باليأس.
كيف؟.. ألست رمزا للأمل!
ربما كانت لديهم أجندتهم!.. أو أنهم يعملون لحساب أحد؟
شعر الملك أنه يجدف في بحر بلا شطآن؛ لم يستطع أن يجد مخرجا، فأقنع نفسه بأن يكلف مستشاريه بمعالجة الأمر والتوصية بتكوين خلية لإدارة الأزمة.
*
اجتمع الملك بمستشاريه، سألهم:
بم يطالبون؟
أجابوا دفعة واحدة كأنهم يريدون تحقيق سبق عند الإجابة:
حرية التعبير!
وهل منعهم أحد من الضحك أو البكاء؟
يركنون إلى الصمت، لكن أحدهم يصارحه:
التعبير عن الرأي يا مولاي!
أي رأي؟
يتدخل أحد الحكماء:
يا مولاي.. المطالبة بهذا الشكل الفوضوي، لابد أن تعني التعبير السلبي، يريدون أن تسمح لهم بالهجوم على جلالتك.
يعلق الملك:
إذا كانت الحرية تعني أن تعبر عن العداء، دون مساءلة، فإن ذلك يعني الانفلات.
نهض من على كرسيه، وأخذ يحدق في وجوههم الواحد تلو الآخر:
سأقبل فقط حرية التعبير الإيجابي عن مشاعر الولاء، أما التعبير عن الشكوى أو الحاجة، فمن خلال طقوس الالتماس المعتادة، عبر شيخ القبيلة.
سمع اصطكاكا لأسنان بعضهم، فالتفت خلفه مؤنبا!
تطوع أحدهم:
لابد أن المعبر مشروع خيانة (خائن ضمني) مشاعره، وأفكاره، خانت ولاءه للملك.
ثم توجه نحو زملاءه مؤكدا أنه لا بديل عن ولاء الشعب للحاكم.
رددوا خلفه:
نعم، الانقياد لفكر قائده، الذي بايعه على الطاعة. إن عدم الولاء يعني العصيان. من لم يعتنق فكر الملك، يعتنق بالضرورة فكرا آخر.
أيدهم ستمكار:
من ينقاد لفكر آخر فليتبعه بعيدا عن هذا الوطن! خيانة المعبر تعني الخروج عن النظام. (يضيف) من ليس معنا فهو ضدنا.
يخاطب الملك ستمكار:
ألا يوجد من يعبر إيجابيا؟ أين مظاهرات التأييد والولاء؟
يجيبه أحد الوزراء مقترحا:
لم لا نخرجهم من أشغالهم؛ لينظموا مظاهرة تأييد للقصر؟
*
يفكر الملك: "حقا! لا يشعر أحد بما أعاني! ما بين المطرقة والسندان: آثام الملكة وافتراءات الشعب. والمطلوب أن أبدو متماسكا! لأنهم لو شعروا بأي تخاذل؛ ستكون نقطة الضعف التي ينفذ منها المحتجون لتدمير كل شيء!"
تذكر مقولة دانا هوشمند كبير الحكماء: "حين ينهار السد، يقضي الفيضان على الأخضر واليابس!".. لا يستطيع الملك أن يكون إنسانا مثلهم! ليس من حق الملك أن يعبر! على الملك أن يبدو دائما كالقبضة الحديدية؟ الشكل أهم من المضمون!
يردد بصوت مرتفع:
الشعب لا يرى ذاتي! لا يشعر بما يخدش كينونتي، بقدر ما يهتم بتشوه صورتي. نعم، دانا هوشمند يقول أيضا: الدونية الجماعية أكثر أهمية الدونية الفردية؟!
يتساءل شهريار:
لكن يا أبي يردد أبو دندان دائما مقولة: ماذا ينفع الإنسان؛ إذا كسب العالم وخسر نفسه! كيف تعتبر كسب العالم، أكثر أهمية من كسب النفس؟
دعك من أبو قردان هذا! إذا كنت قد خسرت نفسي بالفعل! هل من الضروري أن أخسر العالم أيضا؟ لكم حرصت على ألا يتلقي الشعب الصدمة في ملكه! أي جدوى لأن أخسر كل شيء!
تأمل شهريار كلماته:
جرح الملكة لا يعني؛ بقدر أهمية أن يعلم الشعب بالأمر!
هل يتساوى الشعور بالإهانة إثر فعل الخيانة مع تعبير الشعب عن مشاعره الدونية نحونا؟.. أليس واردا أن يتعاطف معك؟
يعترضه محتدا:
قلت لك أنها مريضة!
ثم يخاطبه برفق:
يا ولدي سبق أن قلت لك نحن قوم شرقيون؛ غالبا ما نسيء الفهم، لن يهتم أحد بحالتها المرضية، سيعتبر الأمر مثلما رددت خيانة! ولا يمكن قبول امتهان الرجل في سياق خيانة زوجته.
يسأله مجددا:
ألا يهم الفعل بقدر ما يهم رد فعل الآخر لمعرفة حدوثه؟ إذن ما أتعسنا!
يجيب الملك:
لسنا ملك أنفسنا يا ولدي، نحن ملك الشعب. علينا أن نتجمل دائما أمامه، نحن نمثله، يرى فينا صورته التي يحبها!
وأضاف الملك:
صورتي المشوهة أمام نفسي تعنيني وحدي؛ لكنها قد تسيء إلى عيون كل الشعب إن شاهدها!
*
في اجتماع خلية إدارة الأزمة، يبدأ الوزير ستمكار باستعراض الموقف؛ يندفع قائلا:
التعبير مساس بهيبة الملك، لأن عدم السيطرة على المشاعر تعني انتفاء المخاوف من رد الفعل المقابل، وبالتالي تحرض الآخرين وتشجعهم على التظاهر!
يعقب الملك:
أُفَضِّلْ أن تخاطبوا الشعب؛ بألا ينزلقوا إلى التعبير عن التقييم السلبي لأدائنا، دعوهم لطرح ملاحظاتهم ومناقشتها، لا يجب أن يتعجلوا إصدار الأحكام جزافا.
رد الوزير:
سيعتبر ذلك نقطة ضعف!
ثم يعقب ستمكار:
تلك إهانة للملك، واعتداء على هيبته، لأنها تعني تقصيره في إدارة شئون البلاد! كما أن الصوت المرتفع يفترض أن الملك لا يسمع، واللافتات المعلقة تفترض أن الملك لا يرى، يفترضون أن الملك لا يعرف ما يحتاجه الشعب؟
يضيف كبير الحكماء:
هذا ما يخص التعبير عن المطالبات؛ أما بالنسبة للتعبير عن الاختلافات، فإنهم يفترضون عدم تجانس الملك مع الشعب، أو غربته عنهم وعدم تفهمه لمطالبهم!
كأنه من كوكب آخر يكمل ستمكار:
هناك الأهم عدم اتخاذ الملك للقرار المناسب! عدم قيام الملك بالفعل المناسب! وفي كل الأحوال استهانة بقدرات الملك!
يعقب كبير الحكماء:
هو أيضا فقد الاعتبار للذات الملكية، حين تعبر لا تعمل حسابا لأحد! لا تتحكم تفقد السيطرة، تلغي وجود القادر على ردعك!
*
اجتمعت اللجنة بالملك لعرض مقترحاتها بعدما أوصت بمحاكمة كل من يتظاهر بالتهم الآتية في بيانها الأول:
1- عدم السيطرة على وسوسة الشيطان.
2- الاستهانة بقدرة السلطات على الردع.
3- انتحال شخصية القاضي والحكم جزافا بإدانة السلطات.
4- انتحال صفة السلطة التنفيذية لتفعيل تنفيذ العقوبة.
*
بدأ كبير الحكماء دانا هوشمند خطابه قائلا:
في هذه المرحلة العصيبة التي تمر بها أمتنا، أناشد كل مواطن لأن يصغي لصوت العقل! ليس لك أن تعتقد سوءا إلا إذا انكشف لك بعيان. لا يمكن أن يكون النمام صادقا. لا يجب التسرع في قبول الأخبار دون دليل أو تثبت أو يقين. إن الأخذ بالظن اقتراف للإثم؛ وسيجعلنا نفكر في تشكيل محكمة خاصة للآثمين! إن السلطة هي الراعي الرسمي للشعب؛ وعندما تتهم السلطة تشوه صورتها، إذاً يسيء للسلطات كل من قام بالتعبير! إنكم تهتفون: الشعب يريد أن يعرف المزيد! والرغبة في معرفة المزيد ترتبط بغريزة الفضول؛ والغرائز تمثل وسوسة الشيطان. على الرعية طاعة ولي الأمر! إن الخروج على النظام يعني الفوضي وتلك أيضا غريزة شيطانية، تدعو إلى عصيان أولي الأمر. لم لا تسيطر على هذه الغريزة، لم تستجيب لوسوسة الشيطان وتندفع؟ التعبير يدعو إلى عدم الطاعة والعصيان، وذلك غير مقبول شرعا. هي أيضا خيانة؛ فقد بايعتم الملك ولطالما أقسمتم على الولاء؛ كلما أغدق عليكم الملك بالمنح والهدايا، وأقربها صفقة سيارات (الكامري) التي وزعها تقريبا دون مقابل!
يهتفون: "على المقربين!"
يستطرد الوزير:
لا ننسى أيضا أن التعبير هو فتح بوابة أسرار النفس، للكشف عن المشاعر أو الأفكار السلبية تجاه الآخر. تلك الصور الذهنية تقفز من العقل الباطن حيث تقبع الغرائز بطريقة لا إرادية؛ أو بعد تأويلها تبعا لرؤيتك أو توجهاتك الخاصة أو لأهوائك الشخصية! وهذا يعد ابتلاءً؛ يستوجب التحكم، لأنك إن لم تسيطر عليها وأعلنتها، تؤذي مشاعر الآخر، تصطدم به وبالتالي ينقطع بينكما أي ارتباط! التعبير هو سوءتك؛ احتفظ بها داخلك، لم الاندفاع والعداء؟
يتدخل ستمكار مؤيدا:
أخي المواطن: نعلم أن الإنسان ضعيف؛ إذا فقد أحدكم السيطرة على الغريزة الشيطانية، التي تعترض النظام وتدعوك للخروج عن طاعته فإننا لن نقف مكتوفي الأيدي؛ سنقف إلى جانبه نساعده في استعادة السيطرة، أو كبح غريزة الفوضى؛ سوف ننشأ مراكز إغاثة، لنكون دائما بالقرب! إذا وسوس الشيطان لأحدكم يتجه فورا للمركز الأقرب. بالإضافة إلى مركز رئيسي للطوارئ يستقبل نداءات الاستغاثة إذا لاحظ مواطن أن الآخر تنتابه الأعراض.
يكمل دانا هوشمند:
أيها الشعب: أكثروا من الدعاء، فإن الشكوى لغير الله مذلة؛ وعلى ذلك يكون الإذلال جائز شرعا، لمن يعبر عن شكواه! أو يشكو لغير الله!
*
ثارت الجماهير واعتصمت في الميادين، أعلنت رفضها للخطبة واعتبرتها تصعيدا لسياسة القمع والاعتقالات، واجه ستمكار الموقف بالمزيد من الصرامة واجتمع مرارا بمعاونيه لبحث آخر التطورات.
أومأ ستمكار إلى الملك أن اجتثاث المشاعر العدائية من جذورها هو الحل الأمثل ملوحا بالقتل.
تردد الملك في قبول فكرته معقبا:
طالما تحكم المرء في هواجس النفس يستحق منا التشجيع؛ سأصدر عفوا ملكيا عن كل التهم التي ترتبط بالتفكير والشعور والنوايا بشرط السيطرة عليها وعدم الإعلان صراحة عن العداء ضد النظام.
*
صار يقينا لدى شهريار أن التعبير إساءة لابد من قمعها لدرجة أنه نفسه بدأ يتفادى التعبير عن رد فعله تجاه فضائح الملكة، واعتبر سلوك العبيد الذين يمتثلون للأمر في صمت بالطاعة العمياء ولا يجرؤون على العصيان هم المخلصون الإيجابيون وهم من يمثل النموذج المثالي للمواطن!
*
لكم كانت غزيرة، زخات المطر ذلك الصباح! لم يتوقعها أحد! خرج الملك مع حاشيته يتفقد تلفيات القصر.. فور توقف الهطول علق أحدهم:
يا الله، لقد كانت السماء غائمة تماما، ما أبدع صفاءها الآن!
كيف اختفت السحب بهذه السرعة؟
يتأمل الملك كيف يلمع الممشى، وتتألق نضارة الخضرة، يردد:
ليتها تغسل الأرواح والنفوس
ثم ينهمك في الدعاء هامسا فتضع الحاشية كفيها على وجهها، ثم ما تلبث حين ينتهي أن تردد: "آميييين"
يسأله شهريار:
لكن النشرة الجوية لم تنبه إلى هذا السقوط!
يا بني تلك نوبة بكاء!
يتعجب:
كيف؟
تلك دعوات المهمومين! حين يرفعون شكواهم إلى السماء؛ تسترق السحب السمع، فيهالها ما تنصت إليه، من أحوال البؤس وتبكي طويلا من فرط تأثرها.
تتبادل الحاشية النظرات. يبادر أحدهم:
يا مولاي أما طلبت منهم أن يكثروا من الدعاء، بدلا من مظاهرات الاحتجاج؟ لأن الشكوى لغير الله مذلة!
ثم يقفز الآخر مرددا:
صدقت يا مولاي، فقد تصادف الهطول عقب صلاة الفجر.
يعترضه وزير الأوقاف:
خيرا إن شاء الله! الأمطار نعمة في كل الأحوال!
يحتد عليه:
وهل أوحيت لك بإغلاق المساجد تلافيا لما تعرضت له أكشاك الفقراء من أضرار!
حتى إذا قصدت ما تعنيه، فلن تستطيع أن تحجب قلب المظلوم عن السماء، سيصلي في بيته، وسيرفع دعاءه نحو السماء.
يتدخل أحد الوزراء:
صدقت شيخنا، ربما يعني أن الدعاء في صلاة الجماعة أكثر استجابة، تفتح أبواب السماء على مصراعيها.
اقترح أحدهم استخدام تقنية الاستشعار عن بعد، لرصد الدعوات وتوجيهها بعيدا عن المناطق الغائمة! بينما أمر الملك بفض ذلك الجدال العبثي، مؤكدا عليهم أن الأولى والأهم هو مناقشة حل مظالم الشعب.
*
بينما يتوجه موكب الملك غربا، يتخلف الأمير شاه زمان؛ يبحث عنه الأمير شهريار، يرقبه يحدق مشدوها تجاه خميلة من الأشجار الوارفة، يخشى أن يكون قد تعثر في شيء، يجري نحوه يرفعه إلى أعلى محتضنا، ثم يعود به إلى الموكب، يسأله الملك:
لم تخلفت عنا أيها الصغير؟
كأني لمحت الملكة هناك، ترى ما الذي أيقظها في الصبح الباكر؟
يعلق أحدهم:
جلالتها نشطة جدا!
بينما يصمت الملك. يرجو شاه زمان شقيقة أن يتركه يلهو، يتأمل مبتهجا الطيور تغرد وتحلق، يردد:
يا لروعتها، أريد أن أقفز كالعصافير فوق تلك الأشجار كي أفاجئ الملكة الأم، ستفرح كثيرا.
لكن شهريار يتشبث باحتضانه.
يداعبه كبير الحكماء:
سأصحبك لتلعب في حديقتنا؛ لدينا نخبة فريدة من الطيور، تشتاقك كثيرا ماما سارة، تذكرها؟ مرضعتك!
يقفز شاه زمان فرحا؛ يلح عليه في التوجه فورا:
لنذهب حالا؛ كم أتوق لأحضانها!
ينهمك اثنان من أفراد الحاشية في مناقشة حادة، يستغرب شهريار هذا السلوك الشائن في حضرة الملك؛ لطالما تشدقوا بهيبته ورهبته!.. "ما الذي يحدث؟ وكيف يسمح لهما والده!"
سار الملك مهموما وقد أمسك بعباءته شاه الزمان، خاطبه أحدهما:
أتوافق يا مولاي على أن يحتكر صفقة اللؤلؤ وحده؟
تدخل الآخر:
تريدني أكشف عن عمولاتك في استيراد المجانيق! لست وحدي من يتقاضى عمولات!
يرد الآخر:
ولست وحدي من يحتكر الصفقات!
بينما يتجه وزير الإعلام إليه هامسا:
لديّ اقتراح بمناسبة الأمطار سيدي؛ لقد وصلتنا باقة رائعة من البرامج الترفيهية، ما رأي مولاي في أن يمتد الإرسال حتى الصباح؟
لم يلتفت الملك ومضى يجر خطى متثاقلة، ويحمل ما يكاد يقصم ظهره.
*
استشرى الفساد في البلاد؛ وحرصت الحاشية على الاحتماء بعباءة الملك، والتباهي بصلتهم الوثيقة وقربهم منه، لينأوا بأنفسهم عن أي مساءلة. أيقنوا أن جدران القصر درع يحتمون به، وأن هيبة الملك قيد يكبل من يفكر في مطاردتهم. أدركوا أن انهيار القصر يلقي بهم في العراء، وأن ضياع هيبة الملك يحرر الشعب من خوف ملاحقتهم.
اعتاد المسئولون أن يبدأوا خطبهم بالإفراط في تقديم عبارات المدح والثناء ومشاعر التقدير والإجلال، ولم ينسوا التنويه بالعرفان والإشادة بمآثر الملك ورعايته السامية لرفاهية المواطن! وتعجبوا كثيرا من الاحتجاجات التي تجرأت على المساس بسمعة الملك واتهامه بالفساد!.. كثر في تلك الآونة؛ ترديدهم الحديث الشريف: "إذا لم تستح فافعل ما شئت!"، ووصموا الشعب بأنه افتقد الحياء؛ ولا يستجيب إلا للخوف!
شعروا بأن الخطر الداهم يستهدفهم وأن عليهم ألا يتوانوا في مواجهته. تنافسوا في عرض اقتراحاتهم القمعية واستمر ضغطهم وحثهم على التعامل بالمزيد من العنف!
حرص ستمكار على الحسم بكافة الوسائل، للإسراع في إنهاء الأزمة، ونصب نفسه حاكما عسكريا على البلاد! لكن مشاعر الغضب والتعبير عن رفض ممارسات القمع عصفت بالبلاد، وملأت الميادين اعتصامات المتظاهرين، ودوت هتافاتهم تنادي بسقوط الملك وتحرق صوره كما علقت اللافتات التي تندد به!
كثرت التلميحات إبانها وانتشرت النكات التي تسخر من حماقته، وربما لأول مرة في تاريخ المملكة ظهرت كاريكاتيرات تتهكم على الملك وسياسته! وتنتقد بعض وزرائه البارزين، وبعض الناشطين الذي تخاذلوا في النهاية بإذعانهم إما تحت الضغط أو ربما بتقريبهم من محيط الملك.
*
في اجتماع لجنة إدارة الأزمة؛ طلب دانا هوشمند من وزير الإعلام إذاعة خطب دينية تدعو الشعب إلى الالتفاف حول قائده؛ فأجابه بأنه كلف بالفعل سخنران واعظ القصر ومفتي الديار لإعداد المادة الخطابية لبثها بين الفقرات.
نهره كبير الحكماء:
دعه يلقي الخطب بنفسه! السفينة تغرق؛ لا وقت للمونتاج والإخراج!
أجابه الوزير:
نحن نتبع خطة متكاملة. نتفاعل حسب الموقف في الإذاعة الوطنية، عندما يسقط القتلى في المظاهرات نذيع موسيقى جنائزية وأغاني حزينة! وعندما يشتعل الشارع بالاحتجاجات نتحول إلى أغاني ذات إيقاعات تشبه الطبول الإفريقية الصاخبة، وحلقات الزار لاستهلاك طاقة البدن وتغييب حالة الذهن. كما نشرنا في الميادين صورا تذكر الشعب بأمجاد الملك الحربية؛ الصورة الشهيرة لجلالته بالمنظار الكبير، وهو يمشط الشريط الحدودي والأخرى حين كان يستعرض متباهيا خطته الهجومية على الخريطة بداخل قاعة الاجتماعات وحوله قادة القوات!
يعلق ستمكار:
ذلك جهد طيب.. لا تنس صورتي بجوار من أسرتهم من قادة العدو!
تدخل دانا هوشمند:
أقترح أيضا بعض الفقرات للفئات المقربة من الشعب، نجوم الأدب والفن مثلا؛ ادفعوا لهم! نريد شراء الأصوات التي تدعو لالتقاط الأنفاس، وتحكيم العقل تفاديا للمزيد من الضحايا، بالإضافة إلى دعوات علنية بالتفرغ لمداواة الجرح، والوقف الفوري للاعتصامات والمظاهرات؛ هناك الكثير من العقلاء من الشخصيات العامة!
*
في المقاهي وفي الجلسات الخاصة كثر الحديث في موضوع الساعة؛ ما تمر به البلاد!.. قال أحدهم:
النظام لا يحتمل أية ردود فعل مناهضة لقراراته وتصرفاته غير المحسوبة، كيف؟.. كأنها أوامر مقدسة!
عقب خطيب المسجد:
عجبت للخطاب الحماسي ضد المحتجين كأنهم كفرة! أتوقع أن يدعو الشعب إلى محاربتهم؛ أو أن يعتبره جهادا يستوجب الاستشهاد.
تطوع شيخ هرم بالقول:
لا أعتقد أن للملك أي دور في هذه القرارات، الحاشية هي الفئة الوحيدة صاحبة المصلحة، لقد استنزفت بمضارباتها ميزانيات إضافية في شراء الدروع والعصي الكهربية والغازات المسيلة للدموع، كما صارت تتحكم في اقتصاد البلاد، واستبدت أيما استبداد!
اعترضه أحدهم:
يؤخذ عليه أنه تغاضى كثيرا عما اقترفوه من مظاهر الفساد؛ صفقات مشبوهة واحتكار توكيلات تجارية وغير ذلك من موبقات مارسها أعوانه.
*
مع استمرار الاحتجاجات وتصاعد القمع، التقى السفير بـ تابش افتاب، أبلغه برسالة عاجلة تدعوه للتنحي والتنازل عن العرش للأمير شهريار، لتهدئة الشعب فثار محتجا:
كيف؟. مازلت قادرا على إخمادها، أعرف شعبي جيدا، وشهريار لم يكمل العشرين بعد، وليست له خبرة كافية بالحكم، تقصدون أن تحكم تاليا من وراء الستار؟.. أبلغ سيدك أنني أرفض هذا الإنذار..
غادره المبعوث دون تعليق. أخذ الملك يدور حول نفسه ويلعن أولئك القوم الكافرين، صرخ مناديا حاشيته، ثم سقط على كرسي العرش. التفوا حوله، استدعوا الطبيب، لما جاء ساعده على استعادة وعيه ثم خاطبه محذرا:
أنصحك يا مولاي أن تهدأ، تهمنا صحتك قبل أي شيء، فأنتم تحتاجون للراحة التامة، قد يؤدي بك هذا التوتر الشديد لمضاعفات خطيرة.
دهن جبينه بنوع من الزيوت الطيّارة، حتى يزول الصداع، أحس بتحسن طفيف، ثم توجه إلى جناحه الخاص.
*
في طريقها إلى البستان، تناهى إليها صوت الملك، تباطأت خطوتها، تسحبت بهدوء، أنصتت إليه يحدث نفسه، كان يسب السفير، ويرفض قبول لهجته التحذيرية، بينما يتأوه من الصداع الذي يكاد يفجر رأسه.
خطرت لها فكرة، ترددت في قبولها! أسرت إلى نفسها: "الأمور تسير وفق أهوائي وهو لا يعترض رعونتي، كفاه ما يواجه من احتجاجات شعبه، وإنغاصات السفارة!".. أردفت: "لكنه مازال يمثل عائقا يعترض حلمي!".. تذكرت أنها لطالما حاولت قمع ما بداخلها بالاستغراق في متعتها وملاقاة عشيقها. دندنت محتفية:
لأمضي إلى نشوتي، ليس هناك ما يدعوني لمشاركة الصداع؛ لكن لم لا أشف غليلي وأملي عيني بمعاناته، كلا. صار الأمر مملا حقا، لا أريد ضجرا، فالأنباء التي تصلني عن تدهور صحته، تبشرني بقرب رحيله.
حين قررت أن تلبي موعدها؛ لمحت عيون الخدم ترقبها، ترددت في الدخول لكنها حسمت الأمر أخيرا.
تابي حبيبي، ما أن علمت حتى هرعت إليك، ستكون بخير تلك سحابة عابرة، ستمر حتما وتصبح الأمور على ما يرام.
تدنو منه وتحتضنه:
الصداع يا تالي!
جلست إلى جواره، تحاول تهدئته، أخذت تمسح على شعره وتتمتم ببعض الصلوات:
لن أتركك حتى تشفى، لا تقلق يا مولاي، أمتك تحتاجك من يستطيع غيرك أن يدير شئون الحكم؟
يرد بصوت خافت:
لكم ظلمتك يا تالي، لقد وصلتني بعض الإشارات أنهم قد ينصبونك ملكة!
اهدأ يا مولاي أنا لم أطلب سوى بعض الصلاحيات، لم أبلغ أحدا سواك، وقد كلفتني بإدارة الشئون الاجتماعية وعينت أخي جوزيف للمالية. وجدت وظيفتي تشغلني تماما، لا أستطيع أن أحكم مثل هذه البلاد الشاسعة مترامية الأطراف التي تصل حدودها إلى الصين والهند! حقا حبيبتي لقد ظلمتك، الصداع ياتالي، تكاد رأسي تنفجر!
دعني أساعدك سأحضر لك عقارا سحريا يخفف الألم.
تلتفت نحوه متبسمة قبلما تغادر:
ألم أقترح عليك تعييني وزيرة للصحة!
تفتش خزانتها ثم تعود مسرعة:
عقارين من أجل عيونك!.. هذه خلاصة عشبة صينية تدعى (ين - يانج)yin yang تبرئ الصداع، وهذه أعدها حكيم القصر من خلاصة شتلات الترمس لعلاج ارتفاع الضغط. lupin seedling extractإنها تلفظ أيضا كل الهموم والأرواح الشريرة خارج النفس.
يتناول بعض الدواء من كليهما، يشعر بالتحسن، تعلق تاليا:
ينتابني مثل هذا الصداع عندما يرتفع ضغط الدم، لابد أنه مرتفع لديك؟
يقبلها ممتنا:
يبدو أنه مرتفع جدا
يعانقها، يدب في جسده بعض نشاط، يجذبها إلى جواره تتغنج:
مولاي!
يشعر بالحياة تتدفق داخله بشكل لم يعتده من قبل، وأن شبابه قد عاد مجددا، وهي تشيد بقدرته الاستثنائية.. يردد
مازلت قادرا!
نعم!
تشاكسه:
نعم ممارسة الحكم، تشبه تماما ممارسة الحب..
أرأيت، يظنون أني لم أعد قادرا! تااااااااااليا أحبك!..
...
يطلب منها المزيد! تسأله بدلال:
أما برأ الصداع يا تابي؟
يجيبها:
بل برأ صداعان!
تناوله جرعة أخرى، يطلب منها أن تبقى بجانبه
سأحضر لك بعض العصير كي ينعشك.
لا أحتاج إلى العصير، أريدك أنت حبيبتي.
ترد:
ماذا حدث لك، ليست عادتك!
أشعر فقط أني أحبك أكثر، لم حرمتني من هذا السحر؟
يا مولاي؛ مجرد دواء للصداع!
سأحب هذا الصداع الذي يقربني إليك.
تعلم يا تابي كم تؤلمني، لكني سأحتمل من أجلك!
تالي أيتها الرائعة، لكم افتقدتك طوال تلك السنوات.
حمدا لله أن استعدت عافيتك.
أجل تالي لقد استعدت شبابي!
هنيئا لك أيها الملك!
هلمي أيتها الملكة!
...
آه..
تتأوه تاليا:
ظهري يؤلمني أيها الخارق!
ليست قطرات دواء حبيبتي بل قطرات الشهد!
يقبلها:
أين أخفيت علاجك السحري؟
مولاي اهدأ قليلا، أنا بجانبك، لن أتركك.
لا أصدق حبيبتي أن الحياة قد عادت لي؟
حسنا دعنا نتحدث عن الخطوة القادمة.
اعطني الدواء وسأطلعك على خطتي!
لا أستطيع أن أنهض، لكني سأحاول..
معذرة حبيبتي فقد استرخت تماما مفاصلي، يا لها من نشوة تخدر جسدي تماما!
تحاول الوصول بصعوبة إلى المنضدة القريبة:
تفضل!
يفرغ في جوفه ما تبقى!
أيها المارد، لن أستطيع تلبية مثل هذا العنفوان؛ لست سوى امرأة واحدة، أمهل نفسك قليلا، حتى ألتقط أنفاسي. حدثني ماذا سنفعل أولا لمواجهة قرار تنحيتك؟ أعتقد أنه يمكنك إقناع شهريار برفض العرض! هه، تابي.. ما رأيك؟ تابي فيم تفكر؟
تلتفت إليه؛ تفزع من نظرته المحدقة في السقف، تلمس جسده..
تابي.. تابي..
تحاول أن توقظه. تصرخ:
المساعدة! أحضروا الطبيب!
يندفع الخدم إلى داخل الجناح، تدوي أصداء ندائها في القصر..
تااااااااااابيييييييي
*
شهريار ملكا
مات الملك ـ ـ توقفت التظاهرات التي طالما نعتته بالظالم الفاسد. اعتبر الكثير منهم أنه مات سياسيا منذ فترة طويلة ولا تجوز عليه سوى الرحمة!
عاش الملك ـ ـ خرجت وفود الموالاة، تعلن بيعتها لولي العهد الأمير.
تأمل شهريار المقولة التي تجمع بين الأمر ونقيضه!.. تساءل:
أهكذا كل الأمجاد تتلاشى في لحظة! يا له من شعب! أولئك القتلة؛ حاصروك يا أبي بأكاذيبهم، مكبلا بحكمتك، التي حالت دون مواجهتهم بالحقائق حتى تمكنوا منك وأجهزوا عليك! كم كنت رفيقا، لطالما كبحت جماح رجالك عن الفتك بهم! ليتك أطلقت أيديهم!.. يهتفون: عاش الملك! أي ملك؟ أي مقارنة تلك؛ أين أنا منك؟ لا أتجاوز شبرا من طول قامتك!
كان شهريار في غاية الحزن، فهو أكثر من يعلم مدى الظلم الذي وقع على أبيه. أوصى الفنانين برسم صور كبيرة للملك، وأمرهم بالتركيز على الملامح ورسمها بنمط يوحي ببطل أسطوري؛ فرُسمت اللوحات بعناية فائقة، وذُهبّت باستخدام رقائق الذهب الناعمة، كما نُفذت بأسلوب غير واقعي لتعكس الهيبة في نفس المشاهد.
*
انتقلت الملكة الأم إلى مقر الإقامة الجبرية؛ وفتحت أبواب القصر على مصراعيها، فاندفعت الحشود بدعوى المبايعة؛ لكن عيونها كانت تتفحص كل مكان، وتدقق في التفاصيل بحثا عن أي دليل يؤيد الادعاءات التي طالما روجت، والشائعات التي نالت من سمعته!.. هالهم ما لحق ببقعة نائية من حديقة القصر تم إحراقها تماما.. هتف أحدهم:
الخميلة!
بينما انخرط الآخر في القهقهة بصوت مرتفع:
ها ها ها .. مؤاخذة الأشجار بثرثرة الحفيف!
التف حوله الجميع محدقين في ذهول.
*
اجتمعت الأسرة المالكة وأعلنت تأييدها ودعمها لتنصيب شهريار ملكا للبلاد، وشاه زمان حاكما لسمرقند العجم. واستمر مجلس الحكم كما كان؛ إضافة إلى تعيين دندان وزيرا أول بحكم علاقته الوثيقة بالملك منذ الطفولة.
حرصت الوزارة على احتواء الشعب؛ فأقيمت الولائم، ونحرت الذبائح، وملأ الشعب بطونه حتى يستطيع الهتاف جيدا، عندما يخرج للاشتراك في المسيرات التي نظمت تعبيرا عن الولاء للملك الجديد. كما حرصوا على نهج سياسة رشيدة، تتفادى سلبيات حكم الملك ألراحل؛ تلك التجربة المريرة جعلت شهريار يتردد كثيرا قبل الزواج، كما تنامت الأصوات داخل مجلس العائلة، تدعو إلى ضرورة أن تنتمي زوجته لإحدى القبائل العريقة ذات الكثافة العددية من السكان عندما ينوي إكمال نصف دينه.
*
استقرت أحوال البلاد، عم الهدوء والسلام فتحسن قليلا اقتصادها رغم حجب القروض، والمساعدات التي تعهد الغرب بتقديمها منذ توقيع المعاهدة على خلفية تحديد إقامة تاليا!.. بالتوازي مع حرص شهريار على أن يفوض الوزراء والحكماء بصلاحيات كاملة في إدارة شئون البلاد، لأنه كان غير ميال بطبيعته إلى التدخل في كل صغيرة، وكبيرة، معتمدا على تقارير دورية كان يعدها الوزير دندان.
اعترضت الحكومة أولى المشاكل باختفاء كوشي مع براينديل. صرح استمكار بأنه أقام الدنيا ولم يقعدها بحثا عنهما دون جدوى. تعجب الكثيرون من الواقعة، صارت حديث العامة والخاصة. تساءلوا في دهشة:
الوصيفة مع العبد! يا له من سعيد الحظ؟ لابد أنها جميلة كملكتها!
لكن أحد العارفين أفتى لهم بأن براينديل في اللغة القاديشية تعني سوداء اللون؛ فتعالت ضحكاتهم مرددين:
الطيور على أشكالها تقع!
زعم البعض مصرع كوشي، لكنهم تساءلوا إذا كانت براينديل قد لاقت نفس المصير؛ خاصة بعد الإعلان عن اختفاء بعض حلي ومجوهرات الملكة الأم! اختلفت الروايات التي نسجت؛ لكن الجميع اتفقوا على أن هناك ثمة علاقة بين تولي الملك الجديد واختفائهما.
اصطدمت السفارة بالوزارة؛ خاصة وأن براينديل من رعاياها وأعلنت عن قلقها بشأن مصير المقتنيات الفريدة للملكة!
بعدما فشلت الجهود في حل هذا اللغز؛ اقترحت السفارة تعيين (سمعان) الذي يوصف بأنه يسمع دبيب النمل، وكنيته شمعون شقيق تاليا مديرا للأمن، منتدبا من الـ سي آي إيه ولم يعلق المتحدث الرسمي للحكومة على هذا الإملاء أثناء إلقاء بيانه للشعب عن الطفرة الهائلة في تطور أحوال البلاد في عهد شهريار ولم يفته أن يزف إليهم بشرى اقتراب موعد زفاف الملك.
*
حين اختار بهرمة ملكة جمال إقليم الشمال؛ ابتهج الشعب كثيرا، وشاركه الفرح والاحتفالات على مدى أربعين يوما. شاركت الملكة الأم في الاحتفال بشكل رمزي باهت لم يجذب اهتمام أحد. واستمرت حياتها في استراحة ملكية، تقع في ضاحية بعيدة نسبيا عن القصر الكبير، لكن أحدا لم يعلق أو يهتم وقد تطوع البعض بتفسير ذلك بحالة الاكتئاب التي أصابتها بعد وفاة الملك، ورغبتها في أن تعيش في تلك البقعة التي تحتفظ فيها بذكريات حميمة مع جلالته رحمه الله؛ فاحترم الجميع مشاعرها، وخصوصيتها.
ذات يوم اتصلت بشهريار، وخاطبته بنبرة حزينة، تحمل في طياتها لوما مبرحا، قالت له:
لقد آثرت الصمت وقبلت الإقامة الجبرية حتى لا أسبب لك المشاكل منذ بداية عهدك ريثما يلتف الشعب حولك ويجتمع الشمل مجددا، لكن هذا لا يعني أن تتناسى أن لك أما، وقد حان الوقت لتعلم بالسر وراء كل ما حدث! وما لم يخبرك به الملك!
لم يعلق شهريار؛ ظل صامتا فأنهت المكالمة، لكنها عاودت الاتصال مرارا.
ذات يوم وجد نفسه قبالتها بعدما تناثرت الأخبار عن مرضها، انتابته حالة من الشرود، مر أمامه شريط طويل لا يتوقف، حاول أن يغطي عينيه منكسا رأسه؛ ثم أخذ ينحي رأسه جانبا، رافضا دون إرادته، فاندفعت نحوه، ضمته طويلا إلى صدرها؛ بينما دفن رأسه منتحبا بين أحضانها وهو يردد:
لا.. لا.
في زيارة تالية عرضت عليه تقرير الطبيب الذي انتدبته السفارة حول مضاعفات الولادة وأسلوب التعامل معها. بادرته قائلة:
لن أحكي لك عن تقاعس أبيك فأنا أحمل له كل مشاعر التقدير والحب ويكفي أن لحظاته الأخيرة كانت بين ذراعي!
اعترضها شهريار:
بعدما ناولته السم القاتل!
نهضت من فراشها وأحضرت الكتاب المقدس؛ أردفت قائلة:
تعلم بالطبع كل الأسرار، ولا أود الدفاع عن موقفي؛ لكني أقسم لك أنني كنت أتناول هذا الدواء!
وأضافت:
كوشي أيضا كان يتناوله لعلاج الصداع!
قاطعها:
لا أود أن أسمع هذا الاسم المقترن بالإثم، كفاك!
أجهشت بالبكاء:
كنت مريضة يا ولدي وقد أسرني بعلاجه، لم أكن أستطيع! لقد ساقته إليّ براينديل بعدما تدهورت حالتي.. لا أعفي أباك، نعم! فقد كان يثيرني ثم يتركني أحترق! لن أغفر أيضا لتلك المرأة، لقد مهدت الطريق لذلك العبد ورسمت له الخطة. اختارت له التوقيت الذي كنت أكتوي فيه بنار الألم؛ أدفن وجهي في الوسادة وأنا أبكي منهارة. في البداية كان يحمل لي الورود ويدخل على استحياء، ثم اقترح عليّ تجربة علاجه؛ كان يشفي الصداع؛ لكنه كان يزيدني اشتعالا! علمت فيما بعد أنه أعشاب صينية تسمى العنز الرومانسية. كان يتناوله معي دون أية آثار جانبية؛ أقسم لك! بعدما اعتاد التردد، كان يقترب مني يربت على ظهري؛ يسألني: كيف حال سيدتي؟ أرجو أن تكوني بخير الآن! وكلما حاولت أن أعتدل في رقدتي، أو أهم بشكره، كان يمسك بجسدي ويلح ألا أرهق نفسي بالحركة؛ وعندما أطلب من برايندل أن تمنحه شيئا، كان يسارع بتقبيل قدمي تعبيرا عن الشكر!.. ساعدت براينديل كثيرا على إزالة الكلفة بيننا! نعم كان دواء سحريا، كنت أدفع له الكثير عن طريقها؛ كي يشتريه من أجلي! لقد كدت أذبل، لولا هذا العلاج الذي أعاد لي الروح!
عقب شهريار:
إذن كانت خطتهما المحكمة. غررا بك وأغواك ذلك اللعين بدنسه وحقارته! لذلك فقد هربا! رحماك يا أبتي. ولتغفر لي أنني لست قادرا على القصاص من ذلك الوغد وتلك العاهرة!
بعدما انصرف؛ استقبل هاتفها مكالمة دولية.
مرحبا عنزتي العجوز! كيف حال التيس؟
بدانته متوقعة؛ مع انعدام النشاط كما أنك طاهية رائعة!
هل تلقت مولاتي هديتها؟
تلك فداءً لنجاتي من تفاحتها المسمومة!
أخبريها أن بياض الثلج مازال ناصعا!
سمعان؟ لقد عين مديرا للأمن؛ سوف أبلغه تحياتك.
*
أخذ شهريار يتذكر:
كان أبي حالما وحيدا، يحن إلى امرأة شاردة، لم يفقد رغم عجزه الأمل!
تذكر كم كان يهيم بها؛ لطالما سمعه خلسة يدندن:
أشهد أن لا امرأة أتقنت اللعبة إلا أنت.
واحتملت تقاعسي عشرة أعوام كما احتملت.
برمجته تاليا على عشقها؛ أدمنها كمخدر! جعله منجذبا إليها مسلوب الإرادة! ثم انسحبت من حياته! كان مثيرا للشفقة! يقبع ساكنا كطائر يحلق في فضائه بلا جناح، يجتر الألم في صمت؛ وفي أعماقه يدوي السقوط! لطالما كان يردد:
"تاليا ليست إنسانة عادية؛ هي ظاهرة كونية!"..
كان يتساءل مدافعا:
"إذا لم تكن قادرا على تسلق الشجرة؛ ماذا يضيرك إذا افتقدت غصنا؟"..
يقاطعه واعظ القصر، کاخ سخنران:
"لكنها امرأتك!"..
"الشجرة ملك خالقها! لا أكترث بأن تفتقد أحد أغصانها؛ أما كان قيس مجنونا بليلى رغم ارتباطها بورد؟"..
وعندما يعترضه: "لكنه لم يكن زوجها!"، يسأله عن معنى الزواج والعشق لدى المجنون؟.. كان واعظ القصر يلح عليه:
لابد من عقابها؟ تقترف ما يخالف شريعتنا الزرادشتية!
فينبري مدافعا:
وما الغرض من ذلك؟ أليس رد الاعتبار للمتضرر، وإشباع غريزة الانتقام لديه، لعل جرحه يلتئم! جرح تاليا فراغ كبير داخل النفس؛ لا يملؤه سواها! وإن قتلت؛ ما مصير الجرح؟ يتبدد الحلم بالتئامه؛ ويزداد عمقا!
كان کاخ سخنران يسأله:
وشرفك!
ما يبدو في عيون الآخرين شرفا؛ قد يكون على خلفية إخلاص أو خيانة! إذن فالمسألة نسبية! والعكس صحيح! لا أعول على مصداقيتهم بشكل مطلق!
يقاطعه:
لكن خيانتها مؤكدة!
قد يكون تعبيرا غير دقيق، فالموضوع أكثر تعقيدا!
يحتد الواعظ:
لكنه دورك كملك! يفترض أن تكون امرأتك قدوة لنساء شعبك!
لكنها ليست على ديننا، لا تعتنق ملتنا!
يوقن الواعظ أنه لا فائدة؛ ينصرف هامسا:
يبدو أن مولاي صار "مجنون تاليا"!
*
ما أعجب هذه الحياة! تَسَبُّبِ الشعب في موت أبيه، كان بادعاءات ظالمة نالته شخصيا بعيدا عن سياق تاليا! هكذا ظل شهريار يفكر بعد هذا اللقاء؛ لعن مرارا ذلك الحقير الذي انتهك شرف أمه، بعد إغوائها بمعاونة رفيقته السوداء. حاول كثيرا أن ينسى مرارة الماضي؛ حتى هرع إليه ذات مساء وزيره الأول حاملا بعض الأوراق:
يا مولاي دعونا حسب تعليماتك السامية إلى ضرورة تعليم الفتيات!
يرد الملك:
نعم كانت تلك رغبة الملكة الأم.
يعقب دندان:
أنظر يا مولاي ما حدث بعد أن أصدرنا التوصيات بتغريم من يمتنع عن تنفيذ الأمر!
نظر شهريار لاحظ أن العرائض تضم قوائم طويلة من الأسماء، سجلت بعد الاعتراض على القرار، توقيعها ببصمة غريبة أمام كل اسم! سأله مستفسرا، فأشار إلى ملامح متشابهة الشكل! ثم أضاف مترددا:
بصموا يا مولاي بحشفات قضبانهم!
ابتلع شهريار صدمته، ثم علق قائلا:
يجب أن يتلاشى هذا الشيء حالا! سأبحث أمر هذا الشعب مع ستمكار، لا فائدة! قالها سعد باشا زغلول!
أصدر المستشار الأمني قرارا بإخصاء كل من وقعوا في قائمة الأسماء!
*
حين تزوج بهرمة كان يتمنى ألا تتكرر تجربة أو مأساة والده الملك. في البداية سارت العلاقة بشكل روتيني حسب الطقوس الملكية للحياة الزوجية، لكن بهرمة كانت تعبر له دوما عن ضيقها بالرسميات، وعدم قبولها أن يكون لكل منهما جناحه الخاص. حاول شهريار كثيرا أن يتعامل معها على طبيعته، لكن ظلالا كثيفة كانت تضع حاجزا طول الوقت بينهما. فاستمرت حياتهما على وتيرة واحدة اتسمت بالسخط والإحباط.
*
بهرمة تلك الرائعة؛ مثلما يعني اسمها (برعم الوردة) كانت تحلم دائما بالتفتح، وتتوق إلى أن تتناثر بتلاتها الناضجة حتى يتضوع منها عطر أنوثتها! خارج غرفتها الموصدة، ينتصب الجرس؛ حلمة ثدي وردي، مع لافتة تذكر بطرق الباب قبل الدخول!
على الفراش يستلقي شهريار، مستغرقا في النوم، بينما الجميلة تتلوى بآهات مكلومة! تتشبث بثوبه، تدفعه بحركات يائسة متتالية، تحثه على الاستيقاظ دون فائدة! يقطع الشخير أصداء أغنية أدمنتها:
فإن من فتح الأبواب يغلقها
وإن من أشعل النيران يطفيها
يستيقظ متململا، يتثاءب، يفتح جفنيه بصعوبة، ثم يحملق فيها وقد تدلت شفته. ظلت تزوم وتستجديه؛ فضغط زرا بجواره، اندفع على إثره مسعود، العبد الخادم بقوامه الرشيق، وعضلاته المفتولة، بيده مروحة ضخمة، تزركشها ألوان بديعة، ترسم طاووسا رائعا، يحرك المروحة بسرعة وقوة، تصدر تيارات هواء باردة، ورغم أنه حاول أن يركزها على جسد بهرمة، إلا أنها كانت تتلوى في الفراش تجاه شهريار الذي نهض مرتعشا يكيل له اللعنات.
حضر على إثر الصياح، مجموعة من الخدم يحملون محفة أعدت خصيصا لمثل هذه المواقف التي اعتادوها، وحملوا الملك إلى جناحه الخاص. ما أن غادروا الغرفة، حتى استوقفهم طالبا العودة، فاضطربوا! وتوقفت أنفاسهم!
عند الباب، صاح في مسعود الذي كانت حركته اليدوية قد بدأت تتثاقل، لكنه سرعان ما استدرك الأمر:
لا تتركها حتى تهدأ.
*
ينقل على المحفة إلى جناحه الخاص، توجههم كهرمان، جاريته المفضلة نحو البستان، يلقون به في بركة الماء ذات الجدار المبطن بالذهب.
تتفنن في تدليك جسده، ثم تأخذ بيده للوصول إلى بقعة كثيفة العشب، تكسوها أكواما من بتلات الزهر ذات الرائحة الزكية والألوان المبهجة.. تقوم بتجفيفه بالمنشفة القطنية السميكة المطرزة بالحرير، ثم تقوم بدهانه ببعض الزيوت المتبخرة، تكسوه سحابة من العطر، يتنفسها بعمق وانتشاء. يهمس حالما:
يا لها من جنة؛ رفقة حواء رائعة!
تداعبه:
تزداد روعتها بـ آدمي البارع!
يتهته في عته:
أحبك كهرمانا. نادني شهرورا.
تنتقي له تفاحة ناضجة تتدلى من الشجرة التي تظلل الخميلة، يقضمها في نهم مدندنا:
هذه جنتي وحلم حياتي
مع من أشتهي من الجارياتِ
الهوى أنتِ كله والأماني
فاملأي الكأس بالغرام وهاتِ
يصطحبها إلى الأرجوحة الملكية الممتدة بين الأشجار، والتي فرشت بريش النعام واكتست بالساتان؛ يحلقان في فضاء الاستمتاع ويعبان نشوة الملذات، بينما تغرد الطيور.
يلمح إحدى الفراشات ترفرف على ضوء الشموع؛ فتتعالى ضحكاته!
تسأله وتلح في معرفة السبب؛ يخبرها بعدما استحلفته:
أشعر أني كذكر النحل الهارب من أحضان الملكة إلى مخدع إحدى الشغالات!
تلسعه بأناملها الرقيقة:
هيا! انهض إليها؛ كي تلقى حتفك!
ويقهقه.
*
قبع شاه زمان وحيدا في ضيافة أخيه، يتعافى من خيانة زوجته.. شعر بالملل، فتوجه إلى نافذة تطل على البستان. لمح زوجة أخيه مع بعض الجواري والعبيد يمارسون الجنس في مجون فاضح! حين أكد لشهريار الواقعة، أظلمت الدنيا في عينيه، وشعر بالذهول!..
أمسك شاه زمان بشقيقه وهو يكاد يسقط على الأرض مرددا:
تلك العاهرة! يا إلهي أيكون ذلك جزائي؟ تحملت عقمها وحرماني من ولي للعهد، طفت بها العالم سعيا وراء الحلم، وفي النهاية يطلبون مني الاستمناء باليد، تبا لهم جميعا! أولئك الهنود الوقحين، الآن يتحدثون عن طفل في قارورة! تلك الخائنة! ربع الرصيد الاحتياطي في البنك المركزي ينفق لتسديد فواتير ثيابها، اكسسواراتها وعطورها الباريسية!
يحاول شاه زمان تهدئته:
لا تلوث يديك الطاهرتين بدمها الدنس، مثلما فعلت مع خائنتي وعشيقها! دعني أكلف قائد الحرس الملكي بأن ينهي الأمر؟
يتركه شهريار:
أشعر بالاختناق! دعنا نتجه نحو البحر؛ ربما ألتقط أنفاسي
يتبعه شقيقه:
دعني أحضر لك أولا قرصا مهدئا من خزانتي.
*
ما أن وصلا إلى الشاطئ حتى خرج من البحر مارد يحمل صندوقا زجاجيا بداخله امرأة رائعة الجمال. فتح الصندوق، أطلق سراحها وجلس إلى جوارها يستنشقان الهواء؛ غفا الجني على ركبتها ثم غط في النعاس، لمحت الملكين يختبئان فوق الشجرة، أشارت إليهما بالنزول وأجبرتهما على مضاجعتها بعدما هددت بإيقاظ المارد.
*
في طريق العودة، استغرقا في التندر بما حدث!
تلك المرأة! كيف تعيش تحت الماء؟ لابد أنها جنية مثل ماردها!
عقب شاه زمان:
أرأيت؟ المرأة هي المرأة! سواء كانت إنسية أم جنية! تسري في دمائهن الخيانة.
علق شهريار:
يعشقن الذهب أيضا! أما رأيت حرصها على الاستيلاء على خاتمينا؟
ثم سأله:
لكن لم لم تهرب عندما نزلت البحر كي تستحم بعدما ضاجعتها؟
أجاب شاه زمان:
كيف أمضي وأتركك وحدك؟ لقد كنت منتشيا تماما ولا تقوى على السير، لحظتها؛ قلت لنفسي لابد أنها امرأة رائعة! تلك التي أنستك صدمتك!
يهز شهريار رأسه:
لذلك لم تهرب؟ لا بأس! لديك صدمتك أيضا!
*
في الطريق إلى القصر، كان الغروب قد أوشك والظلمة بدأت تتسلل، بينما عم السكون الأرجاء، قال شهريار لأخيه:
نشرت الأمن في البلاد وافتقدته داخلي، عشرون عاما أحارب الفساد، وها هو يعشش في قصري، أفلحت في التخلص من الخونة، وها هي الخيانة تنهش في كرامتي، هؤلاء الأوغاد! لابد أنهم أغووها مثلما حدث مع الملكة الأم! لكنها كانت مريضة والمؤامرة كانت متقنة! يا إلهي! كدت أنسى ذلك الكابوس!
استدركه شاه زمان:
كنت طفلا لا أعي! لكن دندان حكى لي كل شيء؛ واتخذنا الإجراء المناسب!
على أعتاب القصر شعر بأنه يترنح، فاستند إلى أحد الأعمدة الضخمة؛ تنامت إلى سمعه ضحكات وقهقهات، فقال لأخيه:
ها هم يستهزؤون بي، ضاعت هيبتي! وا أسفاه! لابد أن أبانا سيفزع في قبره وهو يشعر بهيبتي تمرغ في الوحل!
بادره:
أنسيت أننا رحلنا دون علم أحد، لن يشعر أحد بقدومنا مترجلين!
أخذ شهريار يردد: اللعنة!
علق شاه زمان:
إنهم العبيد! أغووا نساءنا بفحولتهم، سربوا لهم تلك الفيديوهات.
سأله شهريار:
والعفة! الفضيلة؟
التزمتا بالجنس الفموي!
عقب في مرارة:
لم لم يحفظن فروجهن؟
ربما نحتاج إلى شحنات إضافية من أحزمة العفة، لابد أنها مشاغل الحكم؛ لم نصطحبهن إلى الأوبرا منذ فترة، وأجلنا مرارا رحلة الصيف إلى جزر البهاما!
*
ما أن شعر دندان بقدوم الملك حتى هرع إليه مضطربا:
أثار اختفاؤك المفاجئ مولاي الأقاويل، حول مقتلك أو اختطافك؛ القبائل المتمردة أعلنت مسئوليتها.
وماذا فعلتم؟
لم نكن ندري ماذا نفعل؟ لكم أقيمت الصلوات من أجلك في البداية حين أبدى الشعب تعاطفه، حتى تسربت بعض الأنباء خارج القصر عن الفضيحة؛ ضاعت هيبتنا يا مولاي! خرجت المظاهرات الشائنة ضد القصر. (يستطرد) أساءوا لجلالتك ولم تسلم الملكة الأم من إساءتهم! كما سبوا حرمكم وانتهكوا حرمتكم بأقذع الشتائم!
شرد الملك طويلا، ثم انتفض صارخا:
لن أسمح بتكرار سيناريو موت أبي! لن أقبل ظلما آخر للملكة الأم! أين حاشيتي؟
صمت دندان، آثر ألا يبدي رأيا، أو ربما قرر الاحتفاظ به لنفسه، لا جدوى من البكاء على اللبن المسكوب! خسارة إضافية ستحدث! يتكبد الباكي فداحتها وحده، هكذا سقطت البقرة أرضا، وسرعان ما سيتداعى عليها القصابون بالسكاكين.
شعر الملك بوخزة تجتاح قلبه. أخذ يهذي:" سمعتي مرغت في الوحل، وهيبتي في مهب الريح! ماذا سيعتقدون أكثر مما اعتقدوه؟ أما كفاهم قتل أبي! يريدون قتلي أيضا!" يضع يده على صدره:
استدع طبيبي!
*
اجتمع دندان بالوزراء:
الملك في قمة الإحباط، سمعته يردد: كنت أفضل نهاية حكمي وموتي على ضياع هيبتي والبقاء عرضة لصفعات موجعة من شعبي.
قاطعه ستمكار:
لن يموت الملك؛ سنعيد إليه هيبته؛ دعه يستريح الآن وسنتولى الأمر ويفضل أن تتوجه إليه وتبكي إلى جواره!
*
جلس دندان يتناقش مع الملك حول الأزمة. لم يكن ما يصدر عنه من كلمات يلقى صداه! أحس أن الملك في غيبوبة، يبدو منتصبا كسارية من سواري القصر، صامتا تثقله أعباء تكاد تطيح به! كان تفكيره منشغلا فيما آلت إليه صورته في عيون الشعب؟
التفت الملك إلى مخاطبه حدق فيه طويلا، ثم آثر الصمت للحظات. انتقلت عدوى الصمت إلى دندان، لم تكن سوى أصابعه هي التي تتحرك نشطة تعقد حبات مسبحة طويلة من الأحجار الكريمة، كان جبينه ينز عرقا، وكأنه مصاب بالحمى، مسح جبهته بكمه مخالفا التقاليد وبعدما انتبه إلى المنديل المثبت فوق حزامه الحريري وبنوع من مداراة سلوكه قال:
لقد اعتقد البعض أن انقلابا داخليا تم بالقصر، وأنهم قاموا بتصفيتك، ثم احتفلوا على طريقتهم!
ثم أضاف:
إذا أعلننا أنها خانت جلالتك انتقصنا لا سمح الله من قدرك، كأي امرأة خانت رجلا! (واستطرد) الانتماء العقائدي يا مولاي؛ هو القوة الوحيدة التي يمكنها تحدي قدرتك على السيطرة!
وبنوع من الثبات أردف قائلا:
نخبرهم أنها تعتنق عبادة الشيطان أو المزدكية، التي تسمح بتلك الممارسات وعندما اكتشفت جلالتك؛ قمت بتنحيتها.
خرج الملك عن صمته:
تعني أنها لم تعد زوجة شرعية؟
نعم ، خانت دينها وليس ملكها، وبالتالي تفتقد زيجتها الشرعية المطلوبة.
فكرة صائبة؛ لكن عليك توجيه خطاب للشعب!
السمع والطاعة يا مولاي!
*
يخطب الوزير دندان فيلتف حوله الشعب:
لقد تأخرنا في الإعلان عن هذا الخبر تحريا للدقة وإمعانا في إظهار كل الحقائق على الشعب، في البداية رجحنا أن تكون الملكة قد أصيبت بلوثة عقلية مثلا، وبحثنا عن جذور وراثية لإصابتها، لم نستدل! ثم كانت المفاجأة؛ اكتشفنا أنها تعتنق فكر مزدك الداعية الفارسي.
يغالب تلعثمه:
ربما كان زواج مولاي من باه راما غلطة كبرى؛ فقد كان عليه أن يطلقها، بعدما اكتشف أنها ليست عذراء.
تعالت صيحات التساؤل، والتعجب! رفع دندان يده عاليا
لحظة من فضلكم!
صمت الجميع، ثم أردف قائلا:
أتعرفون ماذا فعل أعزه الله؟ أخفى الأمر، حفاظا على كرامتها، ومشاعر قبيلتها، أرأيتم نبل أخلاقه!
تتصاعد الهتافات، يعرض الأهالي فتياتهم للزواج بنوع من السخاء والتنافس على إرضاء الملك وجبر خاطره المنكسر، ومكافأة لحسن تدبيره ومروءته.
لحظات كان خلالها دندان يتمنى لو أن الملك كان بجواره؛ يتملى من سيل الإطراء والسخاء والمشاعر الصادقة من شعب أبي تشرب بمبادئ الدين السمحة، وتعلق بأهداب سدة عرشه؛ فيغير رؤيته للشعب. تنحنح قليلا، لوح بيده شاكرا ثم أردف قائلا:
نقدر مشاعركم لكنكم تعلمون أنها مهمة صعبة، أن يخرج الملك من هذه الحالة، لقد دمرت نفسيته، وتصدع كيانه، لابد أن يستعيد أولا ثقته في النساء وشهيته تجاههن، سنستجيب لعرضكم الكريم بالطبع؛ فالنبي قبل الهدية. أيها الشعب الأبي، كدت أن أنسى أمرا مهما..
صمت الجمهور وتوقفت أنفاسه مع صمت دندان الذي بدا كأنه يستخرج الفكرة من قمقم في أعلى جبل النار. مسح شاربه وبدأ بفتله وهو يحدق يمنة ويسرة، وعيون الناس تتعقب حركته المثيرة، ثم خفض صوته قليلا، كـأنه يسر له بالأمر:
لقد تأكد لنا أيضا قدرتها على السحر؛ فقد استطاعت أن تفسد علاقته بالجواري، وأفقدت جلالته متعته الشرعية، ردا على تجنبها منذ تزوجا؛ وها أنتم تعلمون الآن فقط سر عدم إنجابه، لقد كان حريصا على الحفاظ على علاقتنا المتميزة مع إخوتنا من قبائل الشمال.
علت الهتافات المناهضة لسلوك الملكة، أعقبتها مظاهرات مؤيدة للملك ومطالبة بإعدام الملكة.. اندس بين مشاركيها بعض متظاهرين، يرفعون اللافتات: (فتياتنا قرابين للعفة)، (مازالت الفضيلة بخير يا مولانا)، انضم لهم باقي المتظاهرين. أمام تأجج الوضع، شعر دندان بارتياح كبير وهو يوجه أشرعة مراكبه نحو ريح صرصر عاتية؛ فعرض عليهم أن تهب كل قبيلة عددا متساويا من الفتيات، حتى يقتسم الجميع شرف مواساة الملك في محنته!
اجتمع ستمكار ودانا هوشمند للتشاور.
لِمَ تهوي امرأة من القمة إلى القاع؟
ناقصات عقل ودين!
تلك الخائنة، أي عقاب تستحق؟
لابد من قتلها!
هل يكفي القتل؟
لا نريد شيئا يذكر جلالته بها، حتى الهواء الذي كانت تتنفسه!
إذاً نشعل النار في جناحها الخاص وفي البستان!
نعم لأسابيع ثلاثة، بعدد الجواري الخائنات وكبيرتهن!
قررا الاجتماع بالملك لعرض الأمر؛ فعرفا أن الدنيا قد أظلمت في عينيه؛ وأنه يغط في نوم عميق!
عاد الوزيران لاستكمال المناقشة.
لكن جلالته سيتذكرها كلما لمح امرأة؟
لا يمكننا قتل جميع النسوة! سيثور الشعب
وماذا سنفعل؟
يفكر دانا هوشمند:
إذا أخذنا من كل رجل امرأة في عصمته ..
يقاطعه ستمكار:
بل دع رجالنا يكتوون بخيانة زوجاتهن كنوع من المشاركة الشعبية للقائد في مأساته؛ استبعد مبدئيا المتزوجات، ولنقتصر على الفتيات! فلنجمع كل الأبكار!
أخشى ألا يكون لدينا العدد الكافي من القابلات لإجراء كشف العذرية؛ أقترح فتاة واحدة كل ليلة.
ذلك أفضل أيضا حتى نتخلص منهن تدريجيا فلا يثور الشعب.
أقترح أن نبلغ أهلها باختيارها لتنضم إلى نساء القصر؛ سيفرحون!
نعم، ستكون امرأة من نساء القصر ربما الملكة! ربما جارية! هذا هو المراد.
وهل تحرق أيضا مثل من سبقنها من خائنات؟
يرد كبير الحكماء في هدوء شديد:
هن إلى فناء؛ لا داعي للحرق! دع دودة الشبق التي كانت تعشش في أعضاء أنوثتهن، وتداعب دبابيرهن، والتي لطالما استاءت من المطاردة بحكة أناملهن أو مضاجعة عشاقهن؛ دعها تستمتع بالالتهام والانتقام!
ويستطرد قائلا:
ربما كان هناك قصور من رجالك يا ستمكار! كيف يسمح رئيس الحرس بهذا المهرجان الجماعي لممارسة الجنس، عشرون عبدا يضاجعون الجواري، لابد من إقالته!
يقاطعه:
مهلا أيها الوزير، كانوا يلبون نداء النسوة.. أيخفى عليك كيدهن وإغواؤهن؟ وفي حماية الملكة!.. نسيت أن أخبرك، حكى لي الملك عن تلك المرأة التي كانت داخل سبعة صناديق، مغلقة بسبعة أقفال، في عمق البحار السبعة؛ ونجحت في التملص من ماردها!.. المرأة هي المرأة! مرادف للخيانة! هه. لم أخبرك أيضا؛ يتعجب جلالته كيف كانت تتباهى بعدد من نكحها، تخيل خمسمائة وسبعون رجلا! تخيل: أصرت على أن يضاجعها الملكين، الواحد تلو الآخر!
ماذا لو كنا بصحبتهما؟ ربما لم تعتقنا!
ما أغرب أمرها!
يعتقد شاه زمان أيضا أنه لو كان برفقتهما كل الحرس والخدم؛ لأجبرتهم على مضاجعتها!
يبرر دانا هوشمند:
من المؤكد أنها إحدى الجنيات، فالجنية كائن أثيري؛ لا يضيرها المواقعة المادية، لأي عدد من الرجال!.. لا أعتقد أن الإنسية تتحمل جماع أكثر من رجل!
شرد ستمكار بعيدا؛ متأملا كلمات كبير الحكماء: "الجنية كائن أثيري. قادر على تحمل أي عدد من الرجال! والإنسية كائن مادي".. أخذ يتمتم ببعض الأسماء
لدينا حوالي ..
من؟
الباقون على قيد الحياة!
*
الضحية الأولى
أيتها الجميلة: تعلمين لم أحبك؟
مولاي!
تعلمين كم يحبني شعبي؟
كثيرا يا مولاي.
وها أنا الآن أبادله الحب. يا ابنة شعبي يليق بك الحب! تفضلي.
يقترب منها يأخذ بيدها إلى جناحه الخاص، يتنسم عطرها، تلفح حواسه رائحة العطور الباريسية!.. تتقلص ملامحه ينادي:
مزيانة أيتها الغبية! قلت لك مرارا أريدها بعبلها؛ لتمثل شعبي. أريد عرق الشعب، ما هذا الكم من المساحيق؟ أريد طين الشعب! ما هذه الثياب الفاخرة؟ أريد جلباب الشعب!
مولاي لم نكن نستطيع أن نزفها إليك بتزيين أهلها. لقد أغرقوها بكولونيا الخمس خمسات! وسجحات النتف كانت تملأ جسدها! والفستان! مزركش بطريقة فجة!
أيتها الغبية، أريدها بعبلها؛ أريد أن أزف لابنة شعبي، لا إلى مسختك!
سمعا وطاعة يا مولاي!
*
الموسيقى تصدح بأهازيج الفرح؛ ألحانا ملكية تقليدية. والراقصات يبرعن في إظهار مفاتن أجسادهن. يصيح الملك:
أوقفوا هذا الهراء! أريد ألحانا فولكلورية؛ موسيقى الشعب. إنها ليلته فاعزفوا نغماته!
تبتهج العروس، وتظهر بسمتها العريضة بقايا الطعام بين أسنانها. يحزم الملك وسطها بكوفيته، بينما يمسك بعصا الصولجان، وقد ارتدى جلبابا شعبيا ملطخا بألوان زاعقة..
تدق الطبول؛ ويصفق الجميع لرقص العروسين!
*
ينصرف الحضور بعدما انفض الحفل، يختلي الملك بعروسه، تدخل خادمة تجر عربة صغيرة، تحمل ما لذ وطاب من الحلوى والفاكهة التي تشتهيها العروس؛ وخادم يحمل عربة الشامبانيا والكافيار التي يفضلها الملك. يزجره الملك:
لا يليق بهذه الليلة سوى البوظا وشرائح البصل! أسرع بإحضارها وخذ ما جلبت معك؛ لا أحتاج أشياءك تلك.
يخاطب عروسه:
أشعر أني كائن خارق وأنت معي؛ أريد أن أحتفظ بكامل وعيي وأستمتع بكل حواسي، بروعتك أيتها الفاتنة، هلمي يا عشق الروح!
*
تنساب الموسيقى العذبة، على ضوء الشموع، والعروس المنتشية تفترش الأرض حسب رغبة جلالته! تداعب عيناها الأحلام، وبجوارها الملك شاردا يحدق في الفراغ. لكم أمتعته تلك الفتاة البسيطة! شعر معها بفحولته؛ وأحس أنه اكتشف نفسه. هو ذا الأداء الملوكي! ما أروع هذا الشعب وكل ما ينتمي إليه. الشعب الذي لطالما أحبه، يضفي عليه الآن سعادة غامرة، ويمنحه صك رجولته.
تنهض العروس، تقبل قدميه في امتنان:
مولاي! لكم سموت بي؛ صرت ألامس النجمات!
لا يلتفت نحوها، يردد بصوت خافت:
من الآن لم تعودي من عامة الشعب؛ ملكة جديدة! يليق بجلالتها كل احتفاء! والآن أيتها المليكة.
تقبل يديه في توق:
سأظل جاريتك ما حييت!
يقهقه في هستيريا:
هههههههههههههه.. جارية أيضا! لدي الآن جارية وملكة، في نفس الوقت. يا كرم الله! يا لبهجتي!. ماذا عساي أفعل الآن؟.. هههههههههههههه.. (تمتزج بحة صوته بالظفر والشجن) الملكة الجارية!
**
يدلف عشرون عبدا من خدم القصر إلى داخل الجناح الملكي؛ يتسابقون في التحرش بالملكة الجديدة وهي تستنجد؛ تنظر في ذهول نحو الملك، بينما ينظر الملك نحوها في بلاهة! يحملها الخدم إلى بستان القصر ويتناوبون الاعتداء عليها! يترامى إلى سمعه صيحات الديكة، فيغط في نوم عميق.
يراقب ستمكار المشهد؛ ينظر من نافذته التي تطل على البستان، يرقب العبيد في حفل الاغتصاب الجماعي للملكة، يبهجه صراخها، ويصفق لأقساهم قدرة على انتهاكها؛ ثم يجلس في حالة استرخاء تام، يتلذذ بتلك اللحظات التي كانت تستنجد فيها بمن يرحمها من بشاعتهم!
**
يصعد كبير الخدم:
سمعا وطاعة يا سيدي! كانت تلفظ أنفاسها وتسبح في بركة من المني والدماء؛ بم تأمر سعادتك؟
هل أتموا الحفر؟
أجل سيدي منذ البارحة بمحاذاة أعلى حصون القصر، حفرة متساوية الأبعاد كما أمرتم .. (واسترسل في الوصف بدقة بعدما أخرج كناشا صغيرا، وقلما استله من فوق أذنه بنزق).. هي بطول وعرض وعمق ما يوازي عدد..
قاطعه غير حافل بالتفاصيل التي يبدو أنها قد أزعجته نوعا ما، ثم أمره قائلا:
دعني أملي عينيَّ بمشهد السقوط من القمة إلى القاع، من أعلى الحصن إلى أسفل البئر.
تقدم قليلا ونظر نحو الأسفل فشعر بالدوار وقد هاله المنظر عن بعد، ثم أمرهم صائحا وكأنه يطرد ما تبقى من خوف:
هيا اصعدوا بها، إلى الهاوية، نريدها أن تدفن كما هي، بدنسها دون غسل!
*
عمت الاحتجاجات البلاد، بعد غموض مصير الفتيات اللائي وهبن لخدمة الملك، وهروب بعضهن من معسكر التجمع بتواطؤ مع الحرس وبعض العبيد، رفقة ضباط من القصر وقعن في حبائل غوايتهن. كما سارعت معظم الأسر بتهريب بناتهن بعيدا عن أعوان الملك الذين تمادوا في استغلال سلطاتهم للتفتيش عن العذارى بشكل مستفز في باقي ربوع المملكة. امتنعت النسوة عن الخروج، فلم تكن تلمح في السوق إلا امرأة حبلى أو عجوز طاعنة في السن.
لم يقبل شهريار في البداية التعامل بنفس أسلوب القمع الذي ابتدعته حكومة والده والذي اعتمد على الخطاب الديني، طلب من وزيره ستمكار ابتكار أسلوب أكثر فاعلية، محذرا:
لا أود أن ألحق بجلالته!
أعلن ستمكار عن تعليمات واضحة للتعامل مع المحتجين وهو محفوف برؤساء الجند:
كل من يخوض بالقول في سيرة الملك، يعاقب بقطع لسانه وشفتيه، وسنخصص لهم برامج تأهيلية لتعلم لغة الإشارة.
ألا نكتفي بقطع اللسان؟
بالعكس سيتميزون بشهادة ظاهرة للعيان تنم عن شجاعتهم في تحدي الملك. يتباهون بها فيقلدهم من تسول له نفسه، قص شفاهم أيضا؛ فهناك من يقرأ الشفاه. ولتدع الابتسامات العريضة تنشر البهجة في البلاد!
تعني عندما يسخر منهم البعض؟
أيها الذكي تتسع البسمة كلما انحسرت الشفاه، كما أنهم سيكونون من المحظوظين؛ سوف تتهافت عليهم شركات مستحضرات تجميل الأسنان، للإعلان عن منتجاتها، وكما ترى سيضاف إلى وسام التهور ربحا ماديا!
*
زادت أعداد الموسومين بنوط التهور كثيرا، خاصة بعد تسرب أنباء عن قتل الفتيات داخل القصر، فسارت المظاهرات تطالب بلجنة لتقصي الحقائق وتهتف في أرجاء البلاد هاتفة:
الشعب يريد أن يعرف المزيد
بعدما زادت أعداد الوجوه البشعة، لجأ المتظاهرون إلى تفادي التعبير بالكلام واستخدام الإشارات الموحية من لغة الجسد فكثر الاحتكاك بالجند في الشوارع! رغم الإجراءات القمعية كان الشعب يتفنن في التهجم على تصرفات الحاكم، وكثيرا ما كانت تثار الأقاويل حول مصير الأعضاء التي تبتر تنفيذا لما عرف بـ القانون السيميائي!
*
تداول الشعب في جلساته الخاصة الأمر بالتندر والتهكم. تباروا في التكهن بمصير وسائل التعبير وأدوات التلقي، فخصوا الحكماء بالألسنة لتحفيز قدرتهم البلاغية، أما الآذان فلجهاز الأمن حتى يتنصت جيدا، كما تقص الأصابع لكي تستخدمها للدغدغة والخروج من أجواء الكآبة، وتبتر قدم من يسير في المظاهرات للسير بها في الوحل!
*
في اجتماع جهاز الأمن وجه القادة نفس التساؤلات حول مصير تلك الأعضاء البشرية التي يتم استئصالها إلى ستمكار.
ماذا نفعل بتلك الخصى؟
أضيفوها إلى علف الديكة كي تزداد شراستها في العراك أثناء المباريات التي يستمتع بها الملك.
عزفت الديكة عن المشاكسة، واتجهت لمغازلة الدجاجات.
ما تلوك تلك الألسنة سوى روث الكلام؛ أضيفوها إلى القمامة، لخنازير البر!
أما الآذان فتخلط بمواد بناء الجدران، واجعلوا قوالب الطوب مجوفة، كي تحتفظ بأصداء الهمسات.(وأضاف) تخطيء الآذان التي تنصت، كالألسنة المنفلتة لأنه لو لم يوجد المتلقي ما فضت الرسالة! أما أنف الإنسان فقد خلقت للتنفس والشم بارزة عن الوجه ليميزه الله بها عن الحيوان؛ لا لدسها فيما لا يعنيه! كل من يسيء توظيفها؛ تجدع أنفه، ليرتد إلى أصله قردا، إلى ما يليق بسلوكه الشائن. وتطعم بها الكلاب كي تزداد حاسة الشم لديها، لتنمي قدرتها على تقفي آثار أولئك الخونة!
*
دخل دندان ذات يوم مهموما، فسأله الملك:
هل عقمت النسوة عن الإنجاب؟ ماذا وراءك اليوم؟
إن أكثر ما يشغلني أيها الملك أدام الله عزك، هو تغير الهوية الثقافية للشعب وقبولهم ما اعتادوا رفضه بصرامة من قبل. لقد انتشرت جميع أنواع الزواج السري يا مولاي، العرفي والمسيار وزواج المتعة! لم يعد هناك اشتراطا لمهور أو هدايا باهظة الثمن، صارت العذرية هما يؤرق مضجع كل الطبقات! لم تعد للاغتصاب بشاعته المعتادة، والعلاقات الخاصة لم تعد تلقى استهجانا!
قاطعه شهريار:
كفاك! ألم تكن صاحب الفكرة؟
وأسر في نفسه: "لم يرحمني أحد. يا لها من تسلية محببة، أن تصنع امرأتك الخائنة مستقبلا، ثم تنتقم مسبقا لكرامتك الافتراضية!"
*
بالكاد ثم العثور على فتاة جديدة للملك، بعدما طال البحث لأيام طوال اُعْتُقِدَ معها أن كل عذراوات البلاد قد رحلن في كبد الليل نحو أماكن مجهولة. أضحى العثور على فتاة عذراء كالبحث عن إبرة صغيرة في جبل من الرمال.
ذات مساء، أخبر الملك الذي دخل في حالة اكتئاب وهستيريا، أنهم قد عثروا على ضالته، ابتهج كثيرا، استحم وتعطر وشرب كؤوسا من النبيذ المعتق والتهم وصفات مهيجة من الأعشاب؛ ولزم لساعات مجلس أنسه بين جواريه وقيانه وراقصاته.
قرر التأخر في الدخول على فتاته الجديدة كي يستمتع بها ما طاب له من زمن، لن يبدد متعته كسابق لياليه. في حين كانت الأسيرة داخل غرفة فسيحة من غرف القصر، تشعر بنوع من الاختناق، وهي تدرك مصيرها المحتوم فلم تكف عن البكاء منذ اقتيدت إلى القصر. كان كلما حاول تهدئتها ازدادت وتيرة بكائها، يحاول ثانية لكن دون فائدة، لحظة اقترب منها مطمئنا:
حسنا لست عروسا، فلنجلس سويا ونتحاور كأصدقاء، هيا كفاك بكاء يا صغيرتي.
ثم اقترب منها محاولا رفع طرحة الزفاف مضيفا:
لا شأن لنا بهذه.
حاولت الابتعاد لحظة، لكنه وبحنكة المجرب أمسك في رفق بنسيجها المطرز بالدانتيل، والزركشة الذهبية، فسقطت كتلة من الشعر، حاولت العروس التشبث بها، فتبينت له عن قرب صلعتها عندما انحنت لتلتقط باروكتها الشقراء. فزع الملك واستشاط غضبا، بينما استمرت هي في اللطم والعويل من جديد كالممسوسة. انتابته دهشة في البداية ثم سرعان ما أخذ يتأملها في تعجب، فاكتشف علامات داكنة وخدوش منتشرة في منطقة اللحية والشارب، أمسك كالمجنون بالفستان وطفق يمزقه في كل اتجاه. برز ثدياها الناهدان، وقد تلونا بخطوط أفقية تتدرج مابين الأزرق والأخضر والأصفر، تنفس الصعداء أخيرا؛ لكنه صرخ فيها متسائلا:
ماذا يعني هذا؟
وقد جحظت عيناه حتى كادتا تخرجان من محجريهما!
انخرطت في النشيج وانهمر المزيد من الدمع، أفسد معه الماكياج، وتلطخ وجهها بالبقع السوداء والحمراء. ضرب شهريار كفا بكف وأخذ يردد ساخطا:
سأقتلك الآن ما لم أعرف سر هذا الكرنفال من الألوان؟
فانهارت مغشيا عليها، بينما أخذ الملك يزأر غاضبا:
مزيانة، هلمي كي تلحقي بممسوختك!
حضرت رئيسة الحريم على الفور، كانت سيدة بدينة بالكاد تتحرك وقد شاب حركتها عرج طفيف، وقفت أمامه متلعثمة مضطربة، لكنها سرعان ما تمالكت نفسها بصعوبة:
كلهن يا مولاي، يهربن من ملاحقة الجند، بحلق شعورهن، ووضع لحي وشوارب مستعارة في وجوههن، وشد أربطة ضاغطة حول صدورهن للتخفي، وطمس الهوية الأنثوية.
جلس شهريار على مقعده الوثير بلا حراك، وقد شل لسانه وتبلد ذهنه.
أفاقت الفتاة تستعطفه مجددا:
أرجوك يا مولاي،لا أريد أن ألحق بمن قتلت من فتيات! لا أريد أن أموت!
نهض شهريار متثاقلا مغتما وخاطبها بصوت رخيم:
أيتها الغبية! إنها التصفية للمرحلة النهائية التي تفوز فيها الملكة، أما شاهدت ستار أكاديمي، هذه كوين أكاديمي!
أجابته والدهشة تسبقها:
وماذا يفعلون بمن لا يصل للمرحلة النهائية، هل يقتل؟
أفيقي أيتها الصغيرة!.. أي فتاة لم يحالفها الحظ، ستنضم إلى نساء القصر من الوصيفات أو الجواري، لدينا أيضا الراقصات والمطربات ولن نتردد في إنتاج أشرطة كاسيت أو فيديو كليبات، لكل من أجدن من المتسابقات.
قاطعته العروس:
وتلك الوقفات الاحتجاجية؟ جمعة الترقب وجمعة القلق وجمعة المناشدة و.. إذا كان الأمر كما صارحتني، لم لا تشكل لجنة للتحقيق في تهمتك وتثبت براءتك؟
بادرها مطمئنا:
دعك أيتها الغريرة، إنها حكاية كبيرة، تلك التمثيلية، أعددناها كي يشعر الرأي العام بالديموقراطية.
هدأت الفتاة قليلا ثم استطردت:
سيدي بحق السماء، إذا كنت لا تنوي قتلي، صارحني بالمزيد من الأسرار، كي يطمئن قلبي، إلى أني سأبقى إلى جانبك جاريتك أو مليكتك.
اقترب منها هامسا:
راق لي ذكاؤك يبدو أنك ستفوزين بقلبي أيضا، اسمعي وحذار أن تخبري زميلاتك المتنافسات: نادني شهرور!
ابتهجت الفتاة وأحست أنها توجت على عرش قلبه:
تعني الملك شهرور؟
أشار لها بإصبعه نافيا، رافعا حاجبيه، محدقا في وجهها:
لا.. شهرور الصبي.
شعرت بالدوار، ثم أسلمت مصيرها للأقدار، فابتهج شهريار والتهمها التهاما! حتى خمدت ناره تماما، وسكنت روحه، بردا وسلاما، قاومت امرأته أمواج نشوتها، وأفاقت من غفوتها، هامسة في استحياء:
أرجوك شهرور، اعطني فرصة أخرى، سأمنحك المزيد من السرور، ما تعجز عنه بنات الحور!
ابتسم شهريار متمتما:
إذن تنافسين حور العين!
*
عاد دندان إلى بيته مكفهرا؛ لا يدري ماذا يفعل؟ حاولت ابنته شهرزاد أن تعرف ما يشغله؛ فصارحها بالمأزق! قفزت فرحة في الهواء:
هي لي!..
ما هي؟
المهمة!
أغبية أنت؟ أما تدرين ما تتعرضين له من خطر!
هو ما أتوق إليه! أما سمعت عن سياحة الخطر؟ دعني أتسلق جبال الهيمالايا، أو أقفز في شلالات نياجرا!
تلقين بنفسك في التهلكة!
أنا لها!
الليلة الأولى
تدخل شهرزاد، ترفل في ثيابها الأنيقة الفاخرة، تنكب على يديه، تقبلهما في نهم:
مولاي إني أحبك.
ينظر إليها مستغربا! تستمر في التودد:
لا أرضى لك أن تؤذى بسببي.
ينهض فزعا:
من في هذا الكون يجرؤ على المساس بي!
الدماء يا مولاي الدماء!
يركلها بعيدا:
لابد أنها تهذي، يا امرأة! (ينادي رئيسة الحريم، تهرع إليه):ما شأن هذه المخبولة!
تجذب شهرزاد إلى الخارج، يدور بينهما حديث خافت؛ تتوجه نحوه وتهمس في أذنه. يصرخ:
لم يعد لك مكان في هذا القصر!
تتوسل إليه:
لا بأس يا مولاي؛ سأضع لها السدادة. Tampon
يزأر:
لن يفض بكارتها سواي!
تدخل شهرزاد مبتسمة، تمط شفتيها، تتجه نحوه متغنجة:
لا تقلق سيدي يمكنني مساعدتك..
ثم تضع إصبعها في فمها وتنظر نحوه في وله. ينادي بصوت مدو:
أحضروا أباها، إليَّ بالوزير!
يدخل متعثرا خائفا، مغتاظا، يتعثر حين ينظر إليه شهريار شزرا وهو يؤنبه:
طفلة؟ تزوجني طفلة! ترضع إصبعها!
يتهته الوزير:
سيدي أعزك الله ليست الطفلة إنها ابنتي الكبرى. الطفلة بالخارج؛ (ثم ينادي): تعالي يا دنيا زاد!
تدخل أختها الأصغر في حالة رعب، يحدق فيها بنظرات ذات مغزى! يربت على كتفها، يداعبها، يتدخل الوزير:
يا مولاي؛ لم تبلغ بعد!
يصرخ فيه:
حين اعترفت أنك أخفيت عني أن لديك فتاة، وأتيت بالأخريات من عامة الشعب، راعيت ظروفك، لكني لا أتوقعك الآن تعترض رغبتي..
ويجذب دنيا زاد! ترتعد وتنخرط في البكاء. يضرب الملك كفا بكف:
يا لها من ليلة ليلاء!
تحتضن شهرزاد شقيقتها، محاولة تهدئتها بينما ينسحب الأب متسللا. يسقط شهريار متهالكا على الفراش، بينما تبدأ شهرزاد الحكي.
*
اتكأ شهريار على فراشه مكفهرا، يتطاير الشرر من عينيه، فتزداد القناديل اتقادا، ويزفر من فمه الريح، فتتطاير ستائر القصر! احتضنت العروس شقيقتها المرتعدة تهدهدها وتربت على ظهرها، محاولة طمأنتها لكنها حين لاحظت استمرار دنيا زاد في البكاء؛ أخذت تحكي لها:
كان يا ما كان في سالف الزمان، أميرة تدعى شيري تشاهد مع أخيها الأمير برهوم مغامرات توم وجيري، لاحظت شيري أن برهوم مستغرق في الهموم، حاولت معرفة السبب فزجرها في غضب، وانتحى جانبا ينظر إليها عاتبا ثم أمعن في السكون فانتابها الجنون، واتجهت نحوه متسائلة: ما المشكلة؟، وهي تتدلل وتدندن:
برهوم حاكيني
خوي اسأل فيني
من فرقتك يابا
مجروح داويني
برهوم. برهوم. برهوم حاكيني
نهضت دنيا زاد وانضمت إلى شقيقتها في الغناء، وأخذتا ترددان وهما تطوفان حول السرير:
من فرقتك يابا
مجروح داويني
برهوم برهوم برهوم حاكيني
وسرعان ما لحق بهما شهريار مرددا:
برهوم برهوم
على مدى ألف ليلة وليلة، حكت شهرزاد للملك ما يقرب من مائتي حكاية. كانت آخرها قصة معروف الاسكافي، ثم التمست منه العفو عنها.
وكانت شهرزاد في هذه المدة قد أنجبت من الملك ثلاثة ذكور، فلما فرغت من هذه الحكاية قامت على قدميها وقبلت الأرض بين يدي الملك وقالت له: يا ملك الزمان وفريد العصر والأوان أني جاريتك ولي ألف ليلة وليلة وأنا أحدثك بحديث السابقين ومواعظ المتقدمين فهل لي في جنابك من طمع حتى أتمنى عليك أمنية؟ فقال لها الملك: تمني يا شهرزاد، فصاحت على الدادات والطواشية وقالت لهم: هاتوا أولادي فجاءوا لها بهم مسرعين، وهم ثلاثة أولاد ذكور واحدٌ منهم يمشي وواحدٌ يحبو وواحدٌ يرضع، فلما جاءوا بهم وضعتهم أمام الملك وقبلت الأرض وقالت: يا ملك الزمان إن هؤلاء أولادك وقد تمنيت عليك أن تعتقني من القتل إكراماً لهؤلاء الأطفال فإنك إن قتلتني يصير هؤلاء الأطفال من غير أم ولا يجدون من يحسن تربيتهم من النساء!
قفز الملك متعجبا: هؤلاء أبنائي! متى أنجبتهم؟ اعترفي أيتها الخائنة!
ثم شرد طويلا .. وضمهم إلى صدره باكيا:
يا شهرزاد والله أني قد عفوت عنك منذ سمعتك تحكي؛ ولكوني رأيتك عفيفة نقية وحرة نقية، بارك الله فيك وفي أمك وأبيك وأصلك وفصلك، وأشهد الله أني قد عفوت عنك من كل شيءٍ يضرك.
ملت شهرزاد تلك الحكايات الطويلة الأقرب إلى المسلسلات التركية! ملت روتين الانتظار في شغف لصياح الديك والتثاؤب وتأجيل الحكي لليلة قادمة!
لقد عفا عنها الملك واختارها شريكة لحياته واعترف بإنجاب أبنائه الذكور الثلاثة؛ لكنه اشترط عليها الاستمرار في الحكي.
لا بأس لكن لابد لها من بعض الحرية، لكنها لم تجرؤ على خوض تلك المغامرة حتى التقت بتاليا التي أشادت بدورها في إقلاع الملك عن قتل الفتيات وبأنها أفلحت في علاجه بالحكايات!
إذاً فقد ربحت جولتها الأولى نجحت كما قالت تاليا في أن تحلق به بعيدا في آفاق الخيال؛ استدرجته من عالم الواقع الذي كان يحدث تصدعا في شخصيته وتشظيا في كيانه مما اعتبرتها فترة نقاهة تلتئم فيها جراحه في مصحتها السردية الآسرة؛ نعم لقد كانت معايشة الواقع تعني بالنسبة له المزيد من التوتر وتأخر الشفاء، تذكرت أنها قرأت كلاما مماثلا لحديث تاليا، ربما استلهمته من إحدى المخطوطات دون أن تدري!
لقد أشعرته أن مشكلته ليست هي نهاية العالم وأن هناك الكثيرين ممن تتجاوز معاناتهم خيانة امرأة؛ ورغم ذلك فهم يتعاملون مع تلك التحديات اليومية لتستمر الحياة. تلك الجميلة التي تستحق أن نحياها ونستمتع بمفاتنها. أقنعته أيضا أن هناك ما هو أكثر تأثيرا من القتل كرد فعل على أي إساءة وأنه لابد أن يتناسب العقاب مع حجم ما تسبب فيه من أذى. ولم تنس أن تعيد تشكيل صورة المرأة في ذهنه ككائن مادي يتسم بصفات حسية فاتنة؛ وكائن معنوي يضفي الكثير من الجمال على حياتنا من معاني الوفاء والإخلاص والعطاء. وأن الخيانة لا تقتصر على المرأة بل يكاد الرجل أن يفوقها نظرا لفطرته التعددية وقدرته السلطوية.
تعجبت كيف استطاعت أن تؤلف كل هذه الحكايات تحت التهديد، يا لها من بارعة، أخذت تقفز مبتهجة!
تذكرت أن كل الحكايات كانت موجهة لشهريار الفرد كإنسان مريض، كي ينسى جراحه وتٌبْرَأ آلامه؛ لكنه أيضا زعيم لأمة كبيرة يضطلع بمسئوليات تؤثر في حياة رعاياه.
تساءلت متى تستطيع أن تنمي لديه الإحساس بمعاناة شعبه التي أخبرها بها دندان والدها! عليه أن يفكر في رفع ما يتكبده من آثار للفساد والظلم والفقر والجهل ويوفر لشعبه الحقوق الأساسية؟
لقد عفا عنها وكلمة الملك سيف، اشترط فقط الحكايات دون التطرق إلى طولها أو دلالتها. شعرت بالخوف من الإقدام على تلك التجربة، من يدري ربما يتراجع الملك عن قرار العفو! لكنها طمأنت نفسها: لا لن يفعل! لن يقتل من أنجبت له أمجد ومُؤَيَّد ومهند! هو أيضا مازال ينسى ويشرد وحاشيته مازالت تنكل بالشعب تحت شعار الحفاظ على هيبته! وتتخذ منها ستارا تحتمي به! لقد استحوذوا تماما على عالمه؛ يشعرونه بمخاطر وهمية تتهدده وبأهمية صورته ليبرروا أفعالهم ويحتفظوا بمكاسبهم. هتفت:
تباً لغروره المصطنع وهيبته الزائفة!
رددت:
لابد أنني فشلت! ربما أصلحت عطباً في نظام التشغيل لكن عقل الملك في حاجة إلى إعادة التهيئة Reformatting ثم إعادة تنصيب كل البرامج الأساسية برؤية سوية جديدة.
كانت وقتها قد افتتنت بروايات الخيال العلمي والتقنيات المذهلة لاستوديوهات هوليوود.
*
وتوالت الليالي...
بلغني أيها الملك السعيد ذو الرأي الرشيد أن أحفادنا قد حققوا تقدما هائلا مذهلا في تقنيات المعرفة واخترعوا الحواسيب العملاقة. استمرت اكتشافاتهم العلمية وفتوحاتهم الفضائية حتى عثروا على كوكب بكر يشبه في طبيعته الأرض لكنه بلا إنسان! حين أرسلوا فريقا استطلاعيا يمثل الكائن البشري؛ فتكت به الكائنات الشرسة فائقة الوحشية التي تقطن ذلك الكوكب! أيقنوا أن كوكب يحكمه قانون الغابة؛ لا مكان فيه للبشر الغلابة. وطوروا كائنا أثيريا غير مرئي؛ ليقوم بتهذيب تلك الكائنات المفترسة حتى تتوقف عن سفك الدماء، ويُقَوِّم سلوكها بحيث يمكنهم تجربة كائنات تتآلف في العيش معهم وتستثمر خيرات ذلك الكوكب؛ لكن ذلك الكائن الأثيري، فشل تماما في مهمته، وأورد في تقريره أن التنافس على موارد العيش هو الدافع الرئيسي للصراع بينهم؛ يحكمهم في ذلك السلوك الغريزي في حب البقاء والخوف من الفناء؛ لذلك يسعى القادر منهم على الاستحواذ على ما يستطيع. حاولت جاهدا كبح الغرائز دون جدوى؛ لا أستطيع حسب طبيعتي الكهرومغناطيسية؛ سوى التأثير على الدوائر الكهربية والمراكز العصبية التي ترتبط بمركز الغرائز في أدمغتهم؛ ويحتاج تفعيلها إلى النفاذ متسللا أولا إليها والارتباط مندمجا معها في وضع السكون. أحتاج إلى سكونهم ويقظتهم؛ لكنهم دائبو الحركة! إما هربا ممن قد يفترسهم؛ أو بحثا عمن يفترسون. وختم تقريره واعدا بتطوير خبرته البرمجية في أنظمة التحكم لإمكانية التعامل معهم.
بعد دراسات عميقة؛ توصل أحفادنا إلى ضرورة إرسال كائنات جديدة تستطيع مواجهتهم أثناء تحركهم؛ وتستطيع أن تروض سلوكهم المادي إضافة إلى الذهني. وبذلك تحجم خطرهم وتحصر وجودهم في بقعة خاصة لمعيشتهم إذا أصروا على السلوك العدائي؛ كي نفسح المكان لمعيشة كائنات مسالمة يحكمها نظام مجتمعي بدلا عن قانون الغاب.
استدعوا الكائن الأثيري لإبلاغه بإنهاء مهمته:
الروبوت هو الكائن الأنسب لأن هيكله المعدني يعوق التهامه وقدراته الميكانيكية تمكنه من مواجهتهم.
لكنه ذو عمر افتراضي؛ بينما أنا كطاقة لا أفنى!
سيتمكن من استنساخ كائنات وليدة بنفس المواصفات. يرثه نسل من نفس النوع وربما يصبح مع الخبرة التراكمية أكثر تقدما لا تقلق! ستكون له إعدادات أساسية مماثلة حتى يمكنه التفاعل معهم، ليكون قادرا على الاشتباك أو الفرار!
اعترض الكائن الأثيري:
إذا كانت لديه إعدادات أساسية فإنه لن يختلف عنهم في السلوك الوحشي!
لابد له من حواس كي يدركهم وأن تكون له أدوات تخاطبية للتواصل بالإضافة إلى أدوات ميكانيكية للتعامل معهم. لسنا بصدد إرسال بلدوزرات!
إذن لابد من تواجدي للتحكم في تصرفاته حتى لا يسلك مثلهم.
سيكون الكائن الأرضي الجديد مثاليا؛ قمنا بالإضافة إلى تطوير الـ هاردوير، بإضافة وحدة تحكم حسابي منطقي، بمعالج حديث تماما، وبإعدادات ذهنية متقدمة، بحيث تقوم بالتحكم في السلوكيات البدائية تلقائيا، وفوريا أسرع من أي تدخل خارجي، ليقوم فقط بالفعل الصائب.
اعترض الكائن الأثيري على منح الاستقلال للكائن الجديد، ومنحه السلطة الذاتية في التحكم في سلوكه، ناهيك عن القدرة الإنتاجية على التطوير؛ ولوح بإمكانيته بعد تراكم خبرته، ابتكار مخلوقات ثورية انقلابية!
ماذا إذا دخل على قواعد البيانات وأنجز مهامه؟
سيمكنه التطور والابتكار من الانقلاب عليكم! سيعرضكم للكثير من المخاطر!
اسمع؛ لا يصح إلا الصحيح! كيف نحرره ونطوره ثم ينقلب علينا؟
الحقيقة أننا ننتظر من هؤلاء الروبوتات الكثير ككائنات متطورة متفاعلة؛ التفاعل المباشر والخبرات التراكمية ستتضاعف، والعمل الجماعي سيزيد من إنتاجيتهم.
لكنه كائن مادي لن يصدر منه سوى السلوك المرتبط بالمادة؛ ماذا يصدر من المادة غير المادة، طالما خلقت له يد؛ لابد أن يبطش بها! من الأسهل له أن ينقاد وراء غرائزه!
ستعمل وحدة التحكم العقلي على تهذيب خصاله تلقائيا بالإضافة إلى التحديث المستمر من جانبنا؛ الوعي الإدراكي والبصيرة ووحدة اتخاذ القرار، كفيلة بكبح جماحه! وسنطور له واجهة حصرية لتحديثه من خلالها عبر الشبكات.
لكن هناك السلوك اللا إرادي المرتبط بالإعدادات البدائية الذي قد يتجاوز التحكم؛ فيدفعه تلقائيا إلى السلوك الغريزي! يخفق القلب دون إرادتنا، نخاف، ونجري! تنشط المعي أيضا، نشعر بالجوع، فنسارع بالالتهام!
ليست قضية الدجاجة والبيضة؛ هناك الإدراك والبصيرة، سيدرك الجوع أولا ويتفاداه فلا يحدث النشاط اللا إرادي! كما سيدرك مصدر الخطر فلا يخفق قلبه!
وماذا عن وضعي الآن؟
ستعود إلى المدار الفضائي الخاص بك؛ دون تدخل منك في شئونهم! لماذا تضع نفسك في عداوة معهم؟ أنسيت أن رسالتنا هي التطوير!
يحتج الكائن الأثيري ويخرج غاضبا ثم يرد محتدا:
سوف أثبت لكم أنه لن يقبل التطور! هو كائن منحط وسيظل منحطا! هل تقبلون الرهان؟
اعتبر نفسك خارج الفريق إلى الأبد! سلم شارتك؛ لقد فشلت!
يرد متحديا:
لم أفشل وسنرى!
*
امرأة الروبوت
الأفعى تحرس الشجرة؛ كلما اقتربت أنثى الروبوت تشير لها بالابتعاد! تحاول أن تخطب ودها، تصارحها:
لا تحاولي؛ أنا هنا لأحرس هذه الشجرة!
لكنها الوحيدة التي وضعت عليها حراس
لأنها أهم شجرة!
تحاول معرفة المزيد، لكن الأفعى تمعن في الصمت، وتجحظ عيناها لتشعرها أنها في كامل يقظتها! كل يوم تمر بها ترقبها تجدها متحفزة! ذات يوم:
لقد أشفقت عليك، اسمعي أنت أنثى مثلي وسأخبرك بالسر، لكن إياك أن تخبري قرينك!
تجيبها في لهفة:
لن أفعل!
هذه شجرة البهجة!
ولماذا تحجب عنا؟
اسمعي لقد خلقت لكما فأنتما كائنان منتصبي القامة؛ لكي تكون ثمارها في متناول أيديكم!
ولم لا نقطفها الآن؟
ربما لم تنضج تماما!
لكنها شديدة الحمرة، ملساء لامعة البشرة، تبدو مكتملة!
أتفق معك وأشفق عليك آنستي أتفهم لهفتك؛ لكنها التعليمات لدي؛ ليتني أستطيع، أترين عيني؟ أجهدها الجحوظ ترقبا لمن يحاول اقتطافها، عموما لديك العديد من الأشجار في هذه الغابة الكثيفة، ربما كانت أشهى طعما!
تنصرف على مضض غير قانعة، بينما تخرج الأفعى لسانها!
*
تتجه إلى قرينها تحكي له ما دار مع الأفعى المتكلمة. يعجب كثيرا؛ كيف يرتبط أكل ثمرة بالبهجة لابد أنه طعمها! يعلنها صراحة:
لدي تعليمات بعدم تذوقها! لابد أنها خلقت لنا مثلها مثل باقي الثمرات! ربما ستكتمل حلاوتها يوما ما! ماذا نريد أكثر من أن نشبع حاجتنا؟ قد تصيبنا بالتخمة!
ولم لا نشبع جوعنا ونستمتع أيضا بطعمها! لقد لمحت إحدى الزرافات تلتهمها التهاما! ألسنا أولى منها ونحن الأرقى!
تجادله فيعترضها صارما:
أحذرك! من حام حول الحمى أوشك أن يقع فيها!
*
اعتادت أن ترقب الأفعى من بعيد، دون أن تقترب، لاحظت أنها تغفو في بعض الأوقات، لطالما أرهقها التساؤل عن شجرة الأسرار؛ لم نمنع منها؟ ترى كيف يكون طعمها؟ ماذا يعني الشعور بالبهجة؟ وتتقد رغبتها فتهتف: ليتني أتذوقها!
في اليوم التالي أخفت كل الثمار بجوار شجرة قريبة وغطتها بأوراق الشجر؛ حين عاد قرينها مجهدا يتعثر في سيقانه الثلاثة، بعدما أمضى وقتا طويلا في استكشاف الأجواء حوله؛ أخبرها أنه يشعر بالجوع! اعتذرت له بأنها اعتقدت أنه تناول الغذاء خارج البيت عندما تأخر، فتناولت الثمرات! هم بالنهوض لاقتطاف ثمرة؛ فطلبت منه أن يستريح حيث أنه يبدو متعبا!.. أجابها:
لقد أفلتُّ من مطاردة بعض الكائنات الشرسة، حين توغلت بعيدا في أحراش الغابة. حمدا لله أنك ما كنت برفقتي؛ فساقك الثالثة لم تنبت بعد وإلا كنت سقطت أثناء الجري!
ذهبت تبحث عن الثمار وعينها على تلك الشجرة لمحتها تخبيء رأسها؛ فهرعت متسللة نحو الشجرة. بينما أمعنت الأفعى في إخفاء رأسها بين الأغصان! قطفت بعض الثمار وعادت في هدوء. همست:
لقد غفت أخيرا!
أخبرها أن الأمر لا يتعلق بيقظتها!
حتى لو لم تكن هناك أفعى ما كنت أقربها!
والسر ألا تريد أن تعرف سرها، وتكتشف البهجة؟
لم يعلق! بادرته قائلة:
تعلم.. لقد قضمتها في الطريق إليك رائعة المذاق! جرب؛ قضمة واحدة لن تؤثر!
نظر إليها غاضبا:
معظم النار من مستصغر الشرر!
ثم سألها فزعا:
ألم يصبك مكروه!
كلا.. أشعر فقط بحيوية ونشاط؛ لقد كذبت تلك الأفعى، لتمنعنا من تذوقها، لم تكن مسألة اكتمال نضجها، فلم أتذوق فاكهة في حلاوتها!
عقب متعجبا:
أعلم أن الأفعى ليست نباتية! فلمن أصررت على الحفاظ عليها؟ ربما كلفها الفريق بحجبنا؟.. لابد أن أعرف السر؟ هيا بنا نسألها!
نهض متثاقلا يجر سيقانه؛ ما أن وصل إلى الشجرة حتى سقط مترنحا صاحت قرينته:
لقد اختفت تماما؛ لابد أن مهمتها انتهت، بعد أن تم النضج!
استند إلى جذعها وأخذ يفتش معها؛ دون جدوى! تساءل مشتتا:
يا له من سر غامض هل شاهدتك تقطفين الثمار؟ قد تبلغ عنا! أو ربما ذهبت لتستدعي المزيد من الحراسة؟
أكدت له أنها لم تشعر بها؛ لابد أن مهمتها انتهت باكتمال نضوج الثمرة؛ فرحلت، ثم قطفت إحداها وبادرت بإطعامه:
تبدو جائعا ومتهالكا؛ لا تقوى على العودة إلى كوخنا! هيا اقضمها!
غالبت أفكاره التي استغرقت في تأمل ما يحدث، وأطعمته الثمرة؛ شعر بعدها بزوال التعب، نهض عائدا معها، فاشتبكت ساقه الثالثة بأحد الأغصان، استند إليها:
يبدو أني سأسقط!
لكنه اكتشف أن خطاه راسخة على الأرض بساقين فقط! سار إلى جوارها بصعوبة وقد اصطدمت ساقه المرتفعة عن سطح الأرض بالأغصان الكثيفة؛ ساعدته في التخلص منها؛ تقدمت تفسح له ممرا بين الأغصان التي تعوق مسيره حتى وصلا إلى عشهما. رقد على ظهره، تساءل لابد أنه عطل ميكانيكي!
ربما كان الركض هربا من تلك الكائنات الشرسة! قد تكون تلك الساق قد تعثرت دون أن أدري؛ لكني لا أشعر بالتعب الآن، ابحثي لي عن كتيب تعليمات التشغيل والصيانة ربما كان هناك حل لهذه المشكلة!
لم تعثر عليه:
ربما نسيناه في الكوخ الذي هدمته العاصفة!
تساءل غاضبا:
وكيف سأشق طريقي وسط هذه الغابة الكثيفة؟ ماذا لو أحضرتِ غصنا يابسا وضربت الساق، ربما ارتدت إلى وضعها؛ وأصلحت العطب!
حاولت مرارا أن تطرقه بعنف دون جدوى؛ توالت الضربات بفروع الشجرة اليابسة حتى تعبت. طلب منها التوقف؛ واقترح أن تحمل الصخرة المجاورة بعدما تستريح وتضعها فوقه، حاولت تحريكها لم تستطع!
فكرت قليلا:
لن تكون الصخرة أثقل من وزني! ماذا لو جلست فوق تلك الساق!.. ألا تهبط؟
*
اجتمع الكائن الأثيري بأعوانه، لبحث الأمر. بادرهم قائلا:
صدر لنا الأمر بالتقاعد بعدما نجحوا في تصميم هذا النموذج المتطور، ذي الإعدادات المتقدمة التي يسمونها العقل؛ لتمكنه من التحكم في سلوكياته البدائية، المرادفة للغرائز، دون الحاجة إلى منظم خارجي. معنى ذلك ببساطة الاستغناء عن خدماتنا، أن نترك له الملعب وننسحب؛ رفضت تماما قبول مبدأ التحكم الذاتي. يعتبرونه نموذجا مثاليا، يمثل قدرات الفريق في هذا الكوكب وينشر رسالته، وسيقومون بتحديثه تلقائيا عبر الشبكات.. فما رأيكم؟
أجاب أحدهم:
ولم لا نستمر في الإدارة، لقد طورنا الكثير من الأداء!
رد الآخر:
أي تطور؟ ماذا يعني الانتقال من الحرق إلى الخنق؟ كلاهما قتل! وما الفرق بين الاستحواذ والسخرة؟ كلاهما استغلال! هل هذا هو ما تعنيه، إصدار جديد من برامج الفساد وسفك الدماء! المسألة ليست في تطوير السوفت وير بل في الهارد وير!
عقب البعض:
طالما الأمر كذلك، لا يمكننا أن نكون أكثر ملكية من الملك، فهو صاحب الشأن وتلك رؤيته.
إلا أن البعض الآخر اعترض باعتبار أن الكائن الأثيري هو ملكهم المباشر وتربطهم به صلة الانتساب، وطالما رفض الامتثال فعليهم أن يتبعوه.
ابتهج الكائن الأثيري، وأعلن رضاه التام عن المؤيدين، ثم نهض منتشيا وأعلن متباهيا:
يسرني أن أزف إلى أتباعي المخلصين هذا الخبر السعيد.
ظلوا يترقبونه في لهفة، ثم استطرد:
لقد نجحت بذكائي المتفرد وعبقريتي الفذة، في اختراق ذلك الكائن قبل أن تكتمل الإعدادات النهائية للتنصيب عبر الشبكات الفضائية. زرعت بداخله أداة للتجسس، تحبط سيطرة العقل على الغرائز!
يثير النبأ صخبا، يتقافزون فرحا ويتصايحون في انتشاء! يكمل:
مهمتنا الأولى كانت تثبيط الغرائز، لا شأن لنا بها الآن.. ألم يُستغنى عنا؟.. ألم يفضلوه علينا! دعوها غرائزه تسترد عنفوانها، وتدفعه إلى السلوك البدائي!
يتساءل البعض:
وماذا سنفعل بالضبط؟ كنا نقوم بالكبح؛ صار دورنا الآن كبح الكبح! (ويقهقه) انتبهوا جيدا! لقد صمم العقل لكي يقوم بمهمتنا!
صمت فجأة للحظة، ثم ابتلع مرارته وأردف قائلا:
أقصد لكي يقوم بالمهمة التي فشلنا في القيام بها! يقال أنه سيكون أكثر قربا وأكثر مباشرة وأكثر تفاعلية، وسيتم تحديثه باستمرار، من خلال الخط الساخن، (يضحك) من خلال الواجهة الحصرية! ليستمر نموذجا للكائن المثالي! لكني بعدما عكرت صفاء تلك الأجواء، وزرعت أداتي Addware، فإنها ستستهلك موارده الإدراكية، سيتعطل الاستقبال، ويعاق التحكم.
ثم يهتف منتشيا:
لم تعد واجهة الاتصال حصرية! لقد أعميت بصيرته!
يصيح أتباعه:
وااااو
قال بعضهم:
نريد المزيد من التفاصيل!
يفترض أن يكون هناك تحكم من على بعد في الخيارات المتقدمة لتحديثها باستمرار؛ لكي يحتفظ بالسلوك المثالي! يفترض أيضا أن يكون البث مباشرا؛ بعد زرع تلك الأداة، ستستهلك بعض موارد الإدراك، وستتسبب بعض التشويش، الشك، عدم التحقق والتمييز مما يؤثر في استقبال الرسائل الواردة وإصدار الأوامر المنفذة!
يقاطعه بعضهم:
طالما زرعت أداتك للتجسس، فما دورنا نحن؟ أما تكفي؟
ستبلغنا ماذا ينوي أن يفعل لكبح السلوك الغريزي؛ وعلينا أن نحبط دورها فلا يمكنها القيام بهذا الدور! أما قلت: كبح الكبح! (ثم يستطرد) لا أستبعد أن يقوم ذلك الكائن بتطوير آلياته للتغلب على أداتنا!
وماذا سنفعل؟
تلك معركتنا أيها الرفاق، سنسعى لإفشال السيطرة على الغرائز بكل الوسائل، نحن كائنات أثيرية، سيقترن كل منا بأحدهم، يحتويه كمجال كهرومغناطيسي، ليستقبل من أداتي المعلومات عن آلية مركز اتخاذ القرار لإحباط نشاط إعداداته البدائية. في تلك اللحظة يقوم بدوره بإرسال موجات تدعم دور أداتي الإحباطي، في تعطيل أوامر التحكم وبالتالي تفشل السيطرة. بالطبع لن يكون كل منكم ملما بكل السيناريوهات، لأنها تتغير مع الوقت وقد تتطور مع تنمية قدرات الكائن، لذلك سوف يكون لنا مركز رئيسي لدراسات السلوك التنفيذي، لذلك الكائن وقد اخترت له أحد الكواكب، سيستقبل منكم المعلومات، ويرسل لكم التوصيات. سنقوم بإجراء أبحاث مستفيضة حول محاولات الكائن التملص من تأثيرنا، وسوف تكون هناك مراجع ثرية للكائنات التي نجحنا في السيطرة على مراكز خياراتها المتقدمة. سنرى رفاقي الأعزاء من سيحالفه النصر في النهاية
نعم، أُعْلِنَ اليوم عن فشلنا وصدر اليوم كذلك قرار الإعفاء من مهامنا! وها نحن نعلن العصيان، والتحدي. إنها الحرب!
*
خبــر عـــاجــل
أميط اللثام عن مركز مكافحة السلوك العقلاني، في المريخ أو (مارْس) كوكب الحرب!
اكتشف العلماء مقاطع من تسجيلات حياتية لنماذج مرجعية في الشر، تم تحليل معلوماتها واستخدامها لبرمجة كائنات رقمية، تعرض صور الماضي، وما مرت به تلك الشخصيات من أحداث!
**
الماضي يعود الآن!
تدخل تاليا!.. يفاجأ شهريار بوجودها أمامه! يصيح غاضبا في وجه شهرزاد:
يا لك من عرافة!
ثم يصرخ:
لااااااااااااااااااااااااااااااا .. لا مزيد من التنبؤات! توقفي عن الحكي!
تحاول تاليا تهدئته، ينهرها محتدا:
ماذا تريد الملكة؟
تضطرب:
يبدو أني جئت في التوقيت الخاطئ!
بل في التوقيت الذي تنبأت به العرافة الملعونة!
ثم يشير إليها:
ها هو الماضي يعود الآن!
تتدخل تاليا:
لقد أجمعت الأسرة المالكة على أصالة منبت شهرزاد وحسن تربيتها وفضائل أخلاقها، ويفكر شاه زمان في الزواج من أختها دنيا زاد. لقد طلب مني أن أسبقه؛ يقوم الآن بجمع بعض زهور البستان ليهديها إلى دنيا زاد!
أخرجي من هنا!
ثم يندفع نحو شهرزاد حانقا:
ولتصحبك صاحبة نبوءتك إلى الجحيم!
يطبق على رقبتها؛ تنهض دنيا زاد تقبل يده:
أرجوك سيدي!
يحكم قبضته، تتوسل إليه شقيقتها، تستعطفه أن يتركها:
لم تخطيء! أنجبتك الذكور وغمرتك بالسرور!
يدخل شقيقه، يحاول أن يخلصها؛ يسقط من يده ما قطفه من زهور، تهتف تاليا:
شهرور!
يصرخ فيها:
اخرجي يا أم الشرور!
يدفعه شاه زمان بكتفه بينما يجذب قبضته بكلتا يديه؛ يسقط شهريار على جانبه، بينما تحاول شهرزاد التملص!
يهتف شاه زمان:
اطلبوا بسرعة عربة إسعاف العناية المركزة!
تحدي شهرزاد
لمح الملك عاصفة ورقية، تدهم بهو القصر؛ فسارع بالركض نحو الحدائق!
أمر ستمكار الجند بإطلاق الرصاص تجاه الأرض محذرا: احرصوا على تفاديها؛ لابد أنها غمست بالوقود؛ ينوون حرق القصر أولا، قبل اقتحامه! سقط العشرات من القتلى بينما فر الباقون. اندفع دندان يصيح في الجند:
توقفوا!
ثم اتجه نحو الملك:
يا مولاي!
مُنِعَ هؤلاء المحتجون من دخول القصر لتقديم شكواهم؛ فمدوا أيديهم من خلال بوابته وألقوا بعرائضهم التي تلتمس معرفة مصير الفتيات.
أنظر هذه إحداها!
أخذ يؤكد للملك براءتهم؛ فطلب منه تهدئتهم ودفع تعويضات لذويهم.
هرعت شهرزاد نحو الملك تستطلع الأمر حين سمعت صوت الطلقات؛ روى لها ما حدث، فتراجعت مبتئسة تبكي ألما!.. استوقفها، مسح دمعها؛ اعترضته:
يا مولاي! لا يوحي كل غبار؛ بزحف جيش جرار! مثلما لا تمثل كل أيد ممتدة؛ أذرعا للشيطان!
تقدم نحوها مطمئنا:
لا تجزعي يا نعجتي فـ (سانشو) يفاوض الرعاة!
استمرت في البكاء، حاول تهدئتها:
كان عليهم أن يراعوا هيبتنا!
عن أي هيبة تتحدث؟!
هيبتي وهيبة القصر!
يا مولاي علينا ألا نتسرع في قراءة رسالة الآخر، لابد أن ندقق قبل أن نقوم بأي رد فعل، ما نؤوله سلبيا قد يكون إيجابيا مثلما حدث في هذه الواقعة! وقد لا يعنينا على الإطلاق؛ مثل حكاية هذا الرجل:
"يحكى أن شابا مر برجل يجلس في المقهى، حين بادر بتحيته؛ ابتسم الرجل، دون أن يعره انتباها! فأخذ الشاب يفكر: لم لم يهتم بمصافحتي؟ لابد أنه يتجاهلني!، ولم يبتسم؟.. لابد أنه يستخف بي! لكنه يبدو كبيرا في السن؟.. ربما لم يكن قادرا!.. قد يعاني من آلام بالظهر؟.. لكنه ليس مبررا.. لابد أنه حانق عليّ؛ بسبب زواجي من جارتنا الأرملة! عاد إليه مستاءً؛ وتوجه نحوه محتدا: أعرف لم لم تلتفت إليَّ حين مررت بك؟ نهض الرجل متعجبا؛ فأسر الشاب إلى نفسه! مثلما توقعت! ثم أضاف: وأنا الذي حسبتها.. كم أنا حسن الظن!.. سأله الرجل: أي شيء حسبت؟.. فارتفعت نبرة صوته: آلام الظهر؟.. رد الرجل مستغربا: صدقت يا بني هي آلام الظهر!.. تمتم الفتى: لكنها ليست مبررا كافيا السبب على الأرجح هو زواج الجارة؟.. رد الرجل متعجبا: بالفعل هو زواج الجارة؛ ولكن كيف عرفت؟.. تطلع إليه متسائلا وقد ظللت بسمته الدهشة! اندفع الشاب: لم تحاول الاستخفاف بي، أنا لم أقترف إثما؛ ما فعلته لا يتنافى مع الشرع! سأله الرجل: وماذا فعلت يا بني؟ أجاب الشاب: تزوجت جارتنا!.. رد الرجل في ذهول: وما شأني بذلك؟.. استشاط الفتى غضبا: أما اعترفت بأنك لم تلتفت إليّ؟ لأنك لا تقوى على النهوض من آلام الظهر! أما اعترفت بأنك لم تلتفت إليّ؟ لأني زوج الجارة! أما يعني كل ذلك أنك تنتقص من قدري وتقلل من شأني؟
رد الرجل بنبرة هادئة: يا بني، الأمر مختلف تماما! كنت أتحسر على شباب هذه الأيام وأتذكر كيف كانت لياقة جيلنا! توجهنا لتهنئة جارتنا، أخبرتنا باكية، أن رجلها يرقد دون حراك؛ متألما بظهره، منذ ليلة العرس!
أتعرف السبب؟
استوقفها الملك:
كفاك! لا أود أن أسمع شيئا؛ فلكم عانيت من ويلات تلك المنشطات، التي استخدمها ذلك الحقير كي يزداد فحولة؛ للتغرير بامرأة عليلة!
مهلا يا مولاي! ما أكملت قصتي!
قلت لا أريد!
إذاً دعني أحكي لك قصة الفرعون.
"يحكى عن أحد الفراعنة، أنه نفخ أوداجه وحمَّر عينيه، وخرج إلى شعبه متحديا؛ حين سألته الحاشية: ما الأمر؟ أخبرهم أنه أراد أن تزداد هيبته؛ وأن يُحْكِم برهبته، قبضته على رعيته!.. تأمل الشعب صورته، وهم بالانصراف متهكما! صاح فيهم: "لا أريد أن أكشف لكم عن كل قوتي، انتبهوا جيدا لملامحي؛ وإلا نزعت جفونكم!" تهامس الناس: "أينزع جفوننا كي ننتبه!"
ثم أضاف الملك: "وإن لم تدققوا جيدا، سألغي حواسكم الأخرى!".. انبرى أحدهم مدافعا:" وكيف نستمع إليك ونلبي أوامرك إن ألغيت آذاننا؟"
غضب الفرعون وطلب حكمائه!.. قالوا: يا مولانا الصورة بتأثيرها! صورتك التي انطبعت في ذهنهم هي ما اعتادوا رؤيته؛ إن شئت غير أولا الصورة القديمة!"..
سألهم كيف؟.. أجابوا: "علينا أن نقوم بتغيير المناهج الدراسية ونضفي على صفاتك ما تشيب له رؤوس الأطفال!.. لابد من إعادة رسم صورتك، وتغيير خصالك!".. أجابهم: "قد نحتاج إلى أجيال؛ أريد حلا أسرع".
أجابوا لابد من مشاهد واقعية، تبرز فيها تفوقك على الرموز الجبروتية، التي حفرت في مخيلتهم مثل الديناصور والتنين الطائر وهيركليز وهانيبال وغيرهم!
ضحك الملك: "ومن يأتيني بهم لأقهرهم أمامهم؟"، قالوا: "يا مولانا؛ ننتج لك بعض أفلام الرسوم المتحركة، نظهرك فيها بطلا أسطوريا!"..
رحب الملك بالفكرة، انتشرت بين الناس مقولة أن الآلهة قد أنعمت على فرعون بقدرات خارقة؛ فاتقوا بأسه وخافوا من بطشه، وانكمشوا كثيرا كلما لمحوا صورته التي أُجْبِروا على تعليقها في بيوتهم! أمعنوا في التدني خشية من رؤيته؛ فحفروا جحورا تحت الأرض، اختبأوا فيها فزعا من هيئته، ومدوا أنفاقا يتواصلون فيها مع بعضهم البعض بعيدا عن سطوة الفرعون!
ذات يوم شعر الملك بالضجر فاستدعى سحرته: "سئمت هذه الصورة المصطنعة والهيبة الزائفة؛ أريد قوة حقيقية، يدا تبطش وقدما تدهس، وعيونا تصعق ولسانا يخرس!"
استجابوا لرغبته؛ فصارت له الكف التي تبطش بالألف، والقدم التي تحيل الحياة إلى عدم، كما جحظت عيناه، وصار طول لسانه يتجاوز أطراف بنانه؛ فانبعج كثيرا خداه وأطبق شفتيه.
فرح الملك كثيرا وسار يتبختر في قصره، ما إن خطا حتى اهتزت الأرض! أخذ يدندن متباهيا: (يا أرض انهدي، ما عليك قدي)؛ فتدلى لسانه وتعثر في مشيته؛ نظر حوله ملتمسا جدارا يستند إليه، فاحولت عيناه الجاحظتان!.. استند بيديه المتضخمتين إلى بعض الأعمدة في بهو القصر؛ فهوت وتهدمت!.. أخذ يترنح، وحاول التشبث بقدميه؛ فانهارت تحتها الأرض الهشة التي قوضت دعائم قصره وأطاحت الجدران فوق رأسه!
فزع الشعب وسارع بالفرار؛ مهرولا إلى خارج الجحور، وانتهز الفرصة لالتقاط صور تذكارية، مع أيقونة الرعب!"
أرأيت يا مولاي ما فعلت به هيبته؟ لم يفكر أحدهم في إنقاذه، لأن حياته ترتبط بخوفهم الذي أجبرهم على الفرار واختيار الحبس!
عقب الملك:
لكنه ظل في مخيلتهم بطلا أسطوريا، حتى بعد موته!.. بم تفسرين حرصهم على أخذ الصور معه؟
يا مولاي! ليس شعورا بالدونية، ربما الشماتة أو السخرية!
يا لحقارتهم!.. ربما قوضوا عمدا أساس القصر؟.. لا جدال في أهمية تنامي صورة الحاكم في أعين الشعب!
الحجم لا يعني كثيرا! ألا يقال: يضع سره في أضعف خلقه! هل حكيت لك قصة قطرة الندى؟
يشيح الملك بيده غير مكترث.. تستكمل:
"يحكى أن قطرة الندى الرقيقة الواهنة! انزوت بين بتلات الوردة ذات الأشواك القاسية. لم يرق ذلك للوردة فعنفتها: "ألا تهتمين برغبتي أن تزيني بشرتي؟.. تراني فقدت هيبتي؛ بعدما اكتمل نضجي وتفتحي!"، قالت لها القطرة: "حاشا لله أن أعصيك سيدتي؛ لا أنسى كرم استضافتك، لكنني أخشى أن أنزلق إذا قبعت على سطح إحدى بتلاتك، فتتشربني الأرض!".. نهرتها الوردة متأففة: "يكفيك! ولم لا تذهبين إلى الجحيم! ذلك قدرك! عموما لا بأس"، وأردفت في زهو: "سأنفرد وحدي بنظرات الإعجااااااااب!"، بالفعل، سرعان ما قُطفت! وما أن رمقتها متباهية: "أرأيت كيف فتنتهم بجمالي؟".. حتى سارعت القطرة بالقفز إلى ماء المزهرية ملوحة لها:"هنيئا لك الانفراد!.. بلمسات الإعجاب"
***
أرأيت يا مولاي أيهما كتبت لها الحياة؟
اعترض الملك:
الحياة للأقوى! لن تغيري قانون الكون!...
يجب أن يدرك مولاي أن القوة لا تنحصر في الجانب المادي؛ وسأثبت لك حالا صدق أطروحتي!
"يحكى أن أحدهم، عكف على الإعداد البدني للفتك بخصمه. تنامت قوته لكن وزنه زاد بقدر أعاقه عن الخروج إلى حيث يلقاه في ساحة النزال. حين دعاه إلى داخل بيته لمصارعته؛ رفض غريمه الهزيل نسبيا وأعلن متحديا أمام الجمهور: ما أدراني أنه لن يبلغ الشرطة إذا هزمته، مدعيا أني تعديت عليه في عقر داره؟
*
أيهما الأقوى يا مولاي؟ القوة الجسدية أم العقلية؟
ضحك الملك مداعبا:
غلبتني يا شهرزاد بمنطقك، أعجبتني حكاياتك! لكنها تختلف عن قصصك الطويلة؟
سمِّها أقصوصة يا مولاي.
لم أسمع بهذا المصطلح من قبل!
مولاي، أما عفوت عني؟
أجل حبيبتي، أعلنتها أمام الجميع، ألم أتوجك ملكة!
أيمكنني الخروج للتنزه؟
أين؟
مللت الحبس داخل القصر، ثلاث سنوات يا مولاي!
الأوضاع الأمنية غير مستقرة.
لا يعرفني أحد، لا تقلق، سأذهب إلى منزل عائلتي، وألتقي بقريباتي وصديقاتي، وأزور حديقة الحيوان.
سأقتني لك بالقصر كل الطيور والحيوانات النادرة.
يا مولاي قد تكون المتعة الوحيدة للشعب.
والقص؟ من يؤنس ليلتي!
يا مولاي أما مللت تلك الحكايات؟
كيف؟، لا أستطيع النوم دونها.
تداعبه:
أيها الطفل الكبير!
*
ما أن غادرت القصر حتى أخذت تستعرض شريط تلك السنوات كفيلم سينمائي، انتابتها حالة من الضيق والضجر؛ يا لتعاستها! تثرثر كالبلهاء، في مواجهة الترقب المزاجي الذي ينصت لها تارة، أو ينشغل بترديد إحدى العبارات المسجوعة التي علقت برأسه، أحيانا دون مناسبة أو عند تشابه قصتها مع أخرى سبق أن روتها وراقت له، يطلب إعادتها فتضطرب هي لصعوبة تذكرها أو تداخلها مع أكثر من حكاية.
كان عليها أن تدقق في البحث مثلما تدقق في القص، العقاب واحد لديه هكذا تستشف حين يثور أو يحتد. أحيانا كانت تدخل عليه لتجده مستغرقا في ترديد بعض الأشعار أو مقطعا من غناء أعجبه. لا تجرؤ ساعتها حتى على تحيته، تجلس فقط في صمت حتى ينتهي تماما وإلا انتهت هي الأخرى مثل لعبة تتفسخ في نوبة بكاء طفولي.
ها هي الآن تتبادل الأدوار، تلعب دور المتلقي مع الفرق أن الحكي هنا لا يخاطبها بل يداهمها، نماذج واقعية للفقر والبؤس أبلغ من أي وصف وأعقد من أي حبكة يمكن أن يتخيلها سيناريست!
طوفان هادر من اللقطات الدرامية التي يندى لها الجبين وتسيل فيض الدمع؛ تلوي عنق مشاعرها، كالإعصار، وتصدم ما تبقى من شتات عقلها في الجدار.
قصص الواقع لا تتوقف مع صياح الديكة؛ تستمر على مدار الوقت دون كلل، ما بين لقطات طازجة أو مشاهد تبعث على الملل. ليس هناك زمن معين للحكي، الواقع لا يتثاءب ولا يخلد للنوم. تلقائيا، تجد نفسك وقد فغر فاك وجحظت عيناك أو سكنت دون حراك.
تأثير الواقع واقع دون إرادتك، يقتلك كمدا في النهاية ولو كنت في بلادة شهريار، أما سردها فقد كان يعطل آلة القتل! تأملت المقارنة بين قصصها وقصص الواقع في تعجب مستفز، دفعها للإبحار في عمق الأفكار.
تذكرت حالة الاستنفار التي عاشتها أثناء الحكي، متطلعة طول الوقت إلى ملامحه لترقب التأثير المفترض وتعدل إيقاع سردها بما يقتضيه تفاعله، زيادة حدة التوتر، المزيد من التشويق، دفع عجلة الحدث أو فتح باب الإدهاش على مصراعيه. تلك التفاعلية القهرية ظلت ترهقها طوال فترة الحكي التي امتدت إلى أكثر من ثلاث سنوات.
استضافها الأسد داخل عرينه، لتقليم مخالبه دون أن يشعر، وإلا فاجأها بغرس أنيابه في عنقها وتركها فريسة لزبانيته ينهشون لحمها حيا؛ يا لها من مهمة مستحيلة! ما أتعس تذكر تلك اللحظات، الأفضل ألا تتذكرها وهي تنعم الآن بالبسطاء المطحونين يحتفون بها ويطربون لحرف واحد تنطقه أو إيماءة تصافح بها ود مشاعرهم.
لكم جلدها سوط الخوف طوال تلك الليلات، ومازالت الكدمات والسجحات تنتشر في أرجاء نفسها حول الجراح العميقة التي لا تدري متى تلتئم؟
الآن تحنو عليها لمسات الترحاب وتحتويها قلوب الناس، يغمرونها بلطفهم وأدبهم ويحلمون برضاها وسعادتها أينما توجهت. لكنها أشفقت عليهم من تلك المفارقات التي يفرضها واقعهم الحياتي! يا لها من معاناة حفرت بصماتها على ملامحهم المتعبة، مفارقات تجبرك على أن تبتلع لسانك؛ لأن أي كلمات تفقد معناها أمام تلك المأساة، أكبر من أن توصف! أعمق من أن يقتفى أثرها! تستحق كل لحظة فيها أن تدرك وتحلل باستفاضة ليكون التعبير عنها منصفا؛ ليس أقل من ذلك أبدا!
تعاودها ذكرى اعتقالها في القصر؛ بل توقيفها في ساحة محاكمة! أما كان عليها أن تدلي بأقوالها، أو تسرد حكاياتها؛ التي يجب أن تكون مقنعة لهيئة المحكمة ذات القاضي الواحد!.. لكن ماذا كانت تهمتها؟ ماذا اقترفت من جرم؟.. أنثى، عذراء!.. تذكرت؛ يا لها من مأساة!
اكتشفت أيضا أن واقع هؤلاء البسطاء يشحنها مباشرة بالعديد من الانفعالات؛ سيناريوهات مكدسة تحتاج فقط أن تلتقطها، وكثيرا ما تقتحمك وتملى نفسها عليك، بل تصل أحيانا إلى ما يشبه الصعقات الكهربية.
تذكرت فبركتها العديد من الأحداث الدرامية وتأليف المشاهد المصطنعة التي لم تقتنع بها إطلاقا، لكنها كانت تبهر جلالته! مما يدفعها لـ (تمقيق) عينيها في كتب الخرافات والأساطير. الآن تكتشف منجما لا يفنى للحكايات! ما من لحظة من مفردات الحياة اليومية لهؤلاء البسطاء إلا وتوحي بالعديد من الأفكار. يا له من نبع لا يجف.. نعم! جال بخاطرها تعبير: "نبع الدمع" لكن تناوله السردي استوقفها؛ إن قهر الواقع يعني هزيمة قدراتنا الواقعية! إذاً لا مفر من التعامل معه بآليات غير تقليدية؟ ربما الخيال!.. واو... قفزت؛ تلك لعبتها! لكن الناس، تأسرهم أيضا اللغة؛ نعم لها سحرها الاستثنائي، خاصة المجاز.
راقت لها الفكرة، وسارت تحدث نفسها بصوت مرتفع وتنصت إليها في سكون بالغ. الواقع أكبر مما يوصف، تعجز قدرتنا عن الإلمام بكافة جوانبه. الأهم هو تأثير الواقع. لابد من التركيز على التأثير.
استرعت حالتها انتباه المارة، فتابعوها منبهرين!
*
ثلاثة أسابيع بعيدا عن القصر!
يا مولاي مكثت ثلاث سنوات لا أبرحه.
تبدو عليك السعادة.
الخروج يا مولاي وتغيير الأجواء يمنحك فضاء للتنفس، يضفي أبعادا للنفس، آفاقا تحتضن الكون؛ يمتلئ العالم يا مولاي بأسباب البهجة مثلما يزخر بتباريح الحزن!
وما الذي أحزنك؟
الشعب يا مولاي، أحوال الشعب.
دعك من أجواء الكآبة، ولننعم بمسرة عودتك؛ اشتقت إلى سماع حكاياتك.
حسنا يا مولاي سأستأنف القص!.. سأحكي لك قصة تأثرت بها كثيرا.
يحكى أن امرأة ظلت تحلم بالإنجاب حتى كادت تيأس! علقت على الحائط صورة طفلة تبتسم. تمنت أن تحمل في ابنة تحمل ملامحها، واعتادت كل صباح أن تصافح الصورة وتقبلها بعينيها ثم تضمها إلى صدرها.
ذات صباح قفزت من الفراش حين لمحت اختفاء البسمة من وجه الطفلة!.. اتجهت نحوها متسائلة: "ماذا يُحْزِن الجميلة؟".. أطرقت الطفلة رأسها والتزمت الصمت.
ألحت عليها حتى نطقت: "كيف أبتسم والتلفاز يعرض يوميا صور القتل!"، احتضنتها وربتت على ظهر البرواز، وأطلت من النافذة ترفع شكواها للسماء. أنصتت السحب إلى دعائها؛ والتفت حول الدعاء تحتضنه في رفق وتأثر بالغ فاندمجت في شكل غيمة كبيرة تشبه امرأة حبلى!
يثير المشهد مشاعر تلك السيدة؛ فيعتريها الشجن؛ ويعتصرها الألم! تنكس رأسها في يأس، ثم تعود لتعلق الصورة؛ تشعر داخلها بالرجفة، تنهض كي تغلق النافذة، تلمح الغيمة تسكب المطر، وقد انخسفت بطنها تماما؛ فيبَرَأَ ألمها!"
وبعد؟
....(تستغرق في البكاء)
ليس المهم أن تتأثري بها؛ الأهم أن تروق لي!
هي امرأة من شعبك يا مولاي.
نهض شهريار وأخذ يتنحنح ثم اندمج في الغناء:
"تعلق قلبي بـ ابنة وهمية
أتمطرها السماء؟ وينتعش الأمل!
تخاطر شهرزاد
بذي سردية
تبالغ في الغموض
تقص على عجل
وموعدنا الصباح
فبئس قصيصة
حكيت لشهريار
فأدركه الملل"
الناس في بلادنا فقراء يا مولاي، لم لا تعمل المرأة لتساعد زوجها؟
يجب أن تتأقلم المرأة لرعاية زوجها؛ يجب أن تتفرغ لتلك المهمة المقدسة!
نعم نعم عليها أن تدبر أمرها مثلما تفعل جارتنا
وماذا تفعل جارتكم؟
حين صفعها منددا: عليك إعداد ما يروق لي! تجمدت خوفا، كادت تسأل: من أين؟
لكنها تداركت نفسها: علي أن أفكر في بدائل مناسبة، سأطالع كتابا في التدبير أو فنون الطهي. ما أن لملمت شتات ذاتها المبعثرة، حتى لكزها بحذائه صارخا: أين الـ ؟.. برأت تماما آلام جسدها؛ وبدأت تعد نفسها لطقوس فتح القبر.
*
يداعبها شهريار:
أتدرين كيف يتحقق حلمها؟
تلتفت مترقبة:
كيف!
عندما يسير زوجها في مظاهرة فتبتر قدمه!
يقهقه ثم يستطرد:
المرأة هي المرأة! لا يشغلها سوى الجانب المادي في العلاقة بالرجل.
لا تتفق معك (المهرة) سيدي في هذا الرأي!
وما حكايتها هي الأخرى؟
أثار طلاق المهرة الكثير من الأقاويل؟ تغامزت صديقاتها: لم تنجب! لكن ارتباطها بالبغل أخرسهن! في حفل الزفاف أعلنت المفاجأة: "اخترته هجينا؛ أسهل لي ترقيته إلى حصان طائر!".. في رحلة شهر العسل، ما أن صعد بها إلى قمة التل، حتى حدقت في السماء مبتهجة، وتنفست الصعداء: "ها قد بلغت ذروة نشوتي!".. رد متجهما: "نشوتك وحدك!"، بينما كانت عيونه تتجه صوب الإسطبل.
كيف تخرج المرأة للعمل؛ ألن تختلط بالرجال؟ أتجهلين تبعات الاختلاط؟
ستعمل يا مولاي في النور، في مكان عام!
لابد أن تقبع خلف الأبواب المغلقة!
ذكرتني بثمار غلق الأبواب! تماما كتلك الزهرة.
أي زهرة؟
سأحكي لك قصتها: "حين تعانقت بتلاتها، وآثرت عدم التفتح؛ عاتبتها الطبيعة: "هويتك مزدوجة؛ ذكر وأنثى؛ يفترض أن تكوني أكثر تفتحا!".. أصرت، موصدة تويجها. لكنها لم تستطع.. أن تجهض برعما، ينبت في أحشائها.
قاطعها الملك:
لا فائدة من هذا الجيل! أعول كثيرا على النشء.. طلبت من والدك إعداد برنامج لتنمية الكوادر البشرية.
أي تنمية تعني؟
عقولهم بالطبع!.. ثم مهارتهم اليدوية.
تذكرني بعبور الجسر!
أراك تكثرين من الألغاز!
يحكى يا مولاي أن: البيضة التي فقست في القفص؛ أنجبت فرخا بلا أجنحة! ثار الأبوان وأحجما عن استكمال الرقاد بلا جدوى. اقترح الطبيب فحصا بالموجات الصوتية، أكد إصابتهن جميعا بنفس العاهة، معلنا أن صحتهما الإنجابية تعتمد على الهواء الطلق. حين وعدهما المالك بالحرية؛ طارت باقي البيضات من الفرح.
عن أي حرية تتحدثين؛ يجب ألا تتحرك المرأة من بيتها!
تريدها كالشجرة؟
أي شجرة!
يحكى أن الطائر أخذ يتباهى بين رفاقه بأن الشجرة التي احتوته حبيسة مكانها؛ لن تستطيع ملاحقته إذا لعب بذيله! ذات يوم أحست بتغير مشاعره؛ واجهته، أقسم لها أنها عشه الوحيد! حين اشتكت للريح؛ قالت لها: ما من امرأة مظلومة نزعت غطاء رأسها وتوجهت بالدعاء لحظة الغروب؛ إلا وأُنْصِفَتْ. ضحك رَجُلَها طويلا، واطمأن تماما. في الخريف؛ حين تساقطت أوراقها؛ راودتها الفكرة، ما أن جربتها حتى هبت عاصفة؛ أطاحت به عاريا تماما من عش جارتها.
لم أقصد ذلك تماما يمكنها التحرك داخل بيتها!
فهمت! تريدها كتلك الفراشة!
أي فراشة؟
يحكى أن: الفراشة التي يئِست من التحرر، اكتفت بالحلم بشفافية جدار شرنقتها كالزجاج! أسرت إلى نفسها: أرى العالم على الأقل! حين تحقق حلمها؛ سرى الضوء، احتضنته حواسها في شغفٍ، أحرجها كثيرا؛ فتدثرت برداء الفضيلة. استأثرت عيونها بالشعاع؛ رمدت، فأسدلت عليها الغطاء. بدت كمن لُفَّتْ بالكفن؛ فحملوها داخل نعش شرنقتها الزجاجية.
اعترضها الملك:
أرأيت؟ الأضواء التي حلمت بها أحرقتها! دفعت ثمن الحلم!
ردت على الفور:
وماذا كانت تملك سوى الحلم؟ القصة يا مولاي لم تكتمل بعد. والحلم يستحق؛ رغم كل شيء، وسترى في هذه الأقصوصة كيف تحقق!
المعتقل السياسي المحكوم بالمؤبد! رسم على جدار السجن طائرا متحررا من القفص. في الصباح اكتشف أن الطائر قد اختفى! أخذ يفكر طول الوقت ويفتش في كل مكان؛ حتى أرهق تماما! وبينما كانت يده تشير بالتساؤل: لماذا؟ سقط في كفه!.. أخذ يعاتبه: لماذا؟ أما لمحت عبرتي كلما رنوت إليك؟.. أجابه الطائر محبطا: لم أقتنع بالتحرر الخيالي؛ أردته واقعيا! وبينما هما مندمجان في شجون العتاب، داهمهما الحارس منددا: رصدت أجهزتنا الرقابية طائرك يحاول الهرب؛ سنحقق معك الآن، أما طائرك فسينقل فورا إلى سجن (الوسائط المتعددة). أخذ المعتقل يبكي مجادلا: أليس من حقي أن أرسم؟ وهذا الطائر كيف أتحكم في سلوكه وأنا في القيد؟.. ثم أنه لم يرتكب ذنبا يستوجب حبسه.. إذا اعتبرته طفلي الوليد مثلا! لِمَ يؤخذ بجريرتي؟.. حين هم الحارس بتوقيف الطائر، أخذ السجين يستعطفه: سأعيده إلى قفصه، وأكتفي برفقته سجينا مثلي، أعدكم!. أخذ يتوسل للحارس مقبلا يديه؛ فأجابه حاسما الأمر: نحن أيضا نعدك أن نعيد إليك فرشاتك وألوانك؛ إذا تعاون الطائر معنا حين نستجوبه، وبعدما نستدل على (المنافذ الافتراضية) التي حاول الهرب منها!
يقفز شهريار من فراشه؛ يطل من النافذة هاتفا:
فلتؤذن أيها الديك؛ لكي تكف عن هذا الهراء! يبدو أنها ستنضم إلى سجل الملكات!
تقترب منه:
اهدأ يا مولاي، مازال هناك الكثير من القص المثير!
يقاطعها:
الأفضل أن تتوقفي عن الحكي وتكثري من التثاؤب!
تحاول مجددا:
مهلا يا مولاي
ها أنذا! (يستلقي على الفراش) لا أرى، لا أسمع، لا أتكلم.. (ثم يضع الوسادة على رأسه ويردد) الصداع الصداع!.. استعصى النوم!
تداعبه بقبلة:
ما الذي لا يعجب مولاي في قصصي؟
يصرخ فيها:
أتسمي هذه قصصا؟.. أين الإشباع؟
أي إشباع؟ الحكائي.. ارتبط اللفظ لدي بمعنى آخر.اختلط علي الأمر!
لم يختلط الأمر.. الإشباع الحكائي يرتبط بالإشباع الجنسي! قصصك بلا تفاصيل؛ والشيطان يكمن في التفاصيل.
لابد من الحذف يا مولاي!
لابد للقارئ أن يصوغ قصته؛ نعم "قصة القارئ" يجب أن ينفتح النص وتتعدد الدلالات.
*
ذات ليلة أفاضت شهرزاد في وصف معاناة الشعب، بينما أخذ الملك يدافع عن نظامه من خلال تقرير خاص أعدته الحاشية.
والجوع يا مولاي؟
عدالة التوزيع مبدأ أحرص عليه منذ ولايتي
توزيع الغذاء أم الماء؟
ماذا تقصدين؟
حين سقط المطر؛ ارتوت الأرض وابتهج (مالك المزارع الشاسعة) ببيع الحصاد. قصده الفقير يتلوى جوعا بقصعة الأحلام، فطلب منه ثمنا للثمار. ذَكَّرَهُ بأن المطر؛ هبة السماء للجميع، لم يكلفه درهما! ملأ له القصعة بالماء متجهما: تفضل!.. نصيبك من المطر.
والعطش؛ البعض يفتقد قطرات الماء!
كفاك ترويجا للشائعات؛ رجالي يحملون الخزانات بأنفسهم، ويوزعونه مجانا!
الحق معك شاهدت بعيني ذلك الرجل في "طابور الماء" حين اجتاز الصحراء، عدوا؛ كي يلحق بالطابور استبعد لكونه يتصبب عرقا.
والفقر يا مولاي؟
لقد دعوت لمشروع (دجاجة لكل مواطن)
دجاجة عرجاء؟
كيف؟
يحكى أن: الصغار التفوا حول المائدة؛ بعدما عاد أبوهم خاوي الوفاض. بدأ يرسم لهم الدجاجة الممتلئة التي باتوا يحلمون بها، لكنه كلما أوشك على الانتهاء من رسم فخذها تصارعوا على التهامه. انزعجت الدجاجة ونهضت تعدو بخطى عرجاء، لكنها حين لمحتهم يبكون، انزوت في أحد الأركان لتضع بيضة كبيرة. جروا نحوها فرحين؛ لكنه استمهلهم حتى يقوم بسلقها.
اعترض الملك:
لا يكف هذا الشعب عن ترويج الشائعات؛ كل التقارير تؤكد أن الأحوال على ما يرام! لا أدري ماذا يجدي معه؟ لا الترضية تنفع ولا العقاب يفيد!
يا مولاي لا هذه ولا تلك. الشعور بالآدمية يتلاشى بإملاء الأوامر واطمئنان الحاكم بالتلبية؛ لا بقراءة التقارير. تواصل معهم يا مولاي!.. سأروي لك ما حدث مع أبي العينين، سلطان المعيارين: "ضاق بها.. لا تكف عن تحريض رفيقتها على العصيان؛ فلا يسلم من صداعها. حين ضبطها تسر إليها أن هذا الأسلوب لا يناسب العصر؛ التهمها كالأرنب. منذ رحلت رفيقتها، ما عادت تحتمل العبء وحدها؛ انكسرت! بعدما افْتُقِدَ ذراعاه؛ ولم يعد يمتلك سوى فاه؛ اضطر إلى تعلم لغة الحوار"
تعلمين كم يكلف الدعم ميزانيتنا؟
وهل يصل إلى مستحقيه!
لا أستطيع الجزم، لكنه أقصى ما لدينا: "لابد من التقشف!"
تضحك شهرزاد:
التقشف في التقوت من صناديق القمامة؟.. ذكرتني يا مولاي بقصة السلحفاة: "سأل الرجل السلحفاة عن سر عمرها المديد، أخرجت فمها وأخذت تنكش التراب! عَقَّبَ: "تقصدين العيش الزهيد؟؟؟".. هزت رأسها بالموافقة؛ أعاد سؤالها: "وماذا أيضا؟".. ظلت تشير لدرقتها وتتطلع إلى خاصرته! صاح: "فهمت! تقصدين شد الأحزمة! لكني لم أتخيلك بوقا للنظام!"
*
ذات ليلة سألها الملك:
ما الأخبار؟.. هل نفذت حكاياتك؟
يا مولاي لقد أعدت شحن خزانتي السردية برصيد لا ينفذ من دفتر أحوال الشعب! سأحكي لك قصة ربيعية: "منذ أعلن الوزير "قمر الزمان" أنه مل حياة الليل، وأصبح من الآن "شمس المكان".. اتفق الملك مع بعض النجوم؛ على مراقبة التخوم. لكن اهتمامهم بمرافقة الحسان؛ أفقد الشعب الأمان، فتعالت صيحته، واشتعلت ثورته؛ مما أصاب الملك بالفصام، وصار يجوب الطرقات حين يحل الظلام، رافعا بنفسه شعلة الثورة!
تجنحين إلى المجاز!
يا مولاي يدفعني رهاب الاسترسال إلى الجنوح للخيال!
باقتضاب إلى هذا الحد!
يفرضه الواقع يا مولاي.
يضحك:
هل كممت الأفواه في مملكتي دون أن أدري؟
تعلم يا مولاي أنه كلما زادت حدة السيف؛ كلما كان قاطعا!
ربما جف حبرك؛ أم تقتصدين؟
للبياض بلاغته!
يعبث الملك بلحيته البيضاء؛ ترتسم على سحنته ظل ابتسامة خافتة:
أفضل السواد!
تصمت.
ستعقبين بأن السكوت من ذهب! أعرف إجابتك مسبقا! حسنا فلتنعمي بالخلود إلى الصمت الأبدي. (يصيح) أيها السياف!
يهرع إليه.
ماذا عن حدة سيفك؟
أدق ما يكون مولاي!
حسنا
أريدك أن تدق عنقها!
تسبق شهرزاد السيَّاف إلى الخروج وقد نكست رأسها. يتبعها السيَّاف في صمت.
يهرع إليه دندان:
حاشا لله أن تهزأ بك يا مولاي؛ يؤرقها فقط أحوال الشعب، هو شعبك أيضا يا مولاي! تأمل أن تضطلع جلالتك بدور أكثر تأثيرا.
يصرخ فيه الملك:
أنظر إليك، أما تستحي من هذا القول! ماذا فعلت ولديك جميع الصلاحيات؟
رهن إشارتك يا مولاي! فعلنا كل شيء؛ لكني أشم رائحة مؤامرة! ألتمس عفوك سيدي، دعني أصحبها إلى ضيعتي؛ حتى يهدأ الأمر.
*
غادرت منزل أسرتها صبيحة اليوم التالي دون أن تخبر أحدا.. جاب الجند أرجاء البلاد بحثا عنها بلا فائدة!
احتد الملك مرارا على دندان لتقاعسه في العثور عليها وحمله مسئولية اختفائها؛ بينما شعر دندان بالشك في أن يكون الملك قد قتلها، خاصة مع انتشار الشائعات التي تلمح بذلك وانقطاع بث مسلسل (شهرزاد تحكي) الذي اقترحت الملكة الأم إنتاجه عندما اشتكت إليها شهرزاد من سوء حالة الشعب والشعور العام بالقهر واليأس.
ليلتها أخبرته أن الشعب يحتاج إلى حلول مادية واقعية لتجاوز أزمته؛ أما الحكايات فقد عالجته لأن مشكلته كانت نفسية؛ فصرخ فيها:
هل كنت مجنونا أعاني من مرض عقلي؟
حاولت أن تشرح له الأمر دون جدوى وظل مقاطعا لها فترة طويلة لولا تدخل الملكة الأم.
*
أثار حديث تاليا لشهرزاد عن دورها في علاج شهريار من عقده النفسية اهتمامها وتذكرت تلك المخطوطة التي قرأت فيها نفس المعنى. تذكرت كلماتها لأبيها في إحدى الروايات، عندما أقدمت على الزفاف لشهريار.
نعم قلت له أنني إما أن أجعله يقلع عن قتل الفتيات وإما أن أكون فداء لهن.
قالتها، نعم ولكن هل كانت لديها خطة ذهنية متكاملة؟
ما تذكره أن فكرتها كانت تكتيكية، لشغله فقط بالقصة التي ترويها لشقيقتها؛ ليؤجل قتلها! لكنها كانت تعتقد أنها مرحلية، ربما تراكمية بمنظور الباكيدج Package بمعنى أنها في المرحلة التي تكون قد وصلت فيها محصلتها، إلى عدد من الحكايات المسلية، والممارسات الممتعة، والسمعة الطيبة، وإنجاب الأبناء؛ يمكنها أن تلتمس منه العفو، وفي هذه الحالة ربما تشفع لها محصلتها أو حزمتها الإيجابية لديه!
هكذا كانت تفكر؛ وهذا ما حدث بالفعل.. حكايات مثيرة تحلق به في عالم الخيال، وعلاقة حميمة أتقنت تفاصيل ممارستها من خلال ثقافتها الرفيعة، وعلاقات طيبة بالعاملين بالقصر لا تشوبها شائبة؛ ثم الإنجاب ولحسن حظها أنهم من الذكور توافقا مع ما تتوق إليه عقلية الرجل الشرقي، ثم النهاية الالتماس وقبول العفو والزواج والتتويج كملكة للبلاد.. يا لها من محظوظة!
أتكون قد فعلتها دون أن تدري!.. شفته من عقدته مثلما تقول تاليا؟
*
ما لبثت أن تراجعت قناعتها بدورها الحكائي؛ لكنه مازال يقتل، الذكور هذه المرة، من أبناء الشعب المحتجين!.. كما أنه نسى أنه أنجب؟ وحالات الشرود مازالت تنتابه! لكنها عارضت شكوكها؛ ليس من المنطقي أن يتحمل وحده مسئولية قرار قتل المتظاهرين؛ لديه فريق من المستشارين يقود البلاد، أبرزهم ستمكار للسلطة التنفيذية ووالدها للسلطة التشريعية ودانا هوشمند كبير الحكماء! يتولون أعباء الحكم.
خاصة وقد استحوذت تماما على قلبه وعقله طوال تلك الفترة، كما أن النسيان والشرود ربما كانا بسبب عقد أخرى؛ فهو شخصية شديدة التعقيد!
هل تحتاج أن تغير أسلوبها الحكائي للتعامل مع المزيد من العقد؟ لقد فشلت أيضا قصص الخيال العلمي في إعادة برمجته الذهنية.. لم يتزعزع يقينها رغم تلك الهواجس في دور الحكي في تنقية الروح وصفاء النفس خاصة بعد أن قرأت تلك المخطوطة النادرة!
*
كان خروج شهرزاد للحياة العامة بمثابة الصدمة! لم تتوقع أن تكون حياة الشعب بهذا البؤس؛ لم تتوقع أيضا أن تكون لها هذه المكانة في قلوب الناس!.. ربما كان المسلسل الذي عرض حكاياتها؟.. ربما لم يتوقع الشعب أن يقترب منه القصر ويتعايش مع مشاكله على الطبيعة؟.. ربما كان تعاطفها مع ظروفهم وتبسطها في التعامل معهم؟
الواقع أن الشعب قد أحبها واعتبرها رمزا لرعاية مفتقدة طالما حلموا بها، من يحس بهم ويلبي على الأقل حاجتهم للمشاركة والمواساة؛ لم يكن لوجودها بينهم أي عائد مادي فقد اشترط عليها الملك ألا تطالبه بأية مساعدات أو تطلب منه حل أية مشكلات ليوافق على خروجها في تلك الجولات! واصطحبها فريق من الحراس اعتادوا التقزز من أبناء الشعب والتعامل معهم بفظاظة، كان يشكلون حائطا بشريا لصد الناس ممن يحاولون مصافحتها، طلبت مرارا من الملك منعهم من مرافقتها، لكنه أصر بحجة أن المظاهرات لا تتوقف والاحتجاجات على أشدها وأن هناك الكثير ممن يكنون العداء له وقد يقدم البعض على اختطافها أو إيذائها.
طلبت منه أيضا زيادة مصروفها الشخصي؛ فأخبرها أنه يعلم تماما أنها سوف تشتري به الحلوى والشيكولاطة واللعب للأطفال، وليس هناك داع لأن تحمل ميزانية الدولة المزيد من الأعباء!
كان الناس يتصارعون على استضافتها، ويتهافتون على مصافحتها وتقبيلها، ويتبارون في الترحيب بها بإمكاناتهم البسيطة.. أسعدها ذلك كثيرا لكن سعادتها الحقيقية كانت في شعورها بأن وجودها بينهم يخفف بعض آلامهم ويتناسون ظروفهم القاسية التي كانوا يعانون من وطأتها.
شعرت أن وجودها ينتشل هؤلاء البؤساء من واقعهم المزري ويحملهم إلى عالم القصور والملكات بشكل عفوي تلقائي؛ والنتيجة التي تراها أمامها ويدركها يقينها أنهم يسعدون، رغم أنها لم تقدم لهم أي عون مادي، مجرد التعايش معها يجعلهم سعداء.
في كل بيت زارته كانت أجواء اليأس تخيم على الأنفس وتظلل الوجوه كأنهم في مجلس عزاء. واعتادت كلما بادرت بالسؤال كيف حالكم أن تسمع نفس الإجابات: جوعى، مرضى، ينتابهم الخوف أو الحزن ويعانون القمع أو الاعتقال!
في كل بيت كانت هنالك مشكلة تنتظر الحل! وعندما أسألهم وماذا ستفعلون؟ تكون نفس الإجابة: "ننتظر أن يصلنا الفرج". لاحظت أن معظمهم يموت كمدا من الإحباط واليأس؛ قبل أن يجد حلا!.. "دعواتك أيتها المباركة"! كان منظورهم واحدا للتعامل مع معاناتهم اليومية؛ انتظار حل سحري يفرج كربهم! وعندما كنت أحكي لهم قصة أو أضرب لهم مثلا أو أستشهد ببيت شعر أو مقولة مأثورة أو حكمة شائعة لمواساتهم أو دعوتهم للصبر والتفاؤل بقدوم الخير كانوا يبتهجون؛ كأنني أخط لهم تميمة سحرية تزيل كربهم.
*
تجاوزت الاحتجاجات كل الحدود، لم تقتصر المظاهرات على المطالبة بمعرفة مصير الفتيات؛ تناولت رفض الشعب للظروف البائسة التي يحياها ومعاناته من الفقر والمرض والتدهور الأمني. انتشرت ظاهرة التعبير الرمزي في كتابات العديد من الأدباء خوفا من القمع.
خاطبهم دانا هوشمند:
الإضمار يفترض أن الملك لا يفهم! وسيحاكم المضمر بتهمة الاستخفاف بعقلية الملك! وأؤكد لكم: ثقوا أن للملك عيون تفضح المكنون، ولديه حواسيب تبطل الألاعيب!.. نقرأ جيدا مابين السطور ولدينا القدرة على كشف المستور!
اقترح دندان إنشاء مركز للبحث فيما وراء التعبير، افتتحه الملك وعقد اجتماعا مع بعض المواطنين ممن اختيروا لحضور الحفل.. نهض أحدهم مرحبا بالملك ثم تطرق إلى الأوضاع الحالية قائلا:
يا مولانا، لم يكن هدفنا من التعبير تغيير نظام الحكم وإنما تغيير حال الشعب!
ردد دندان:
علمه بالحال؛ يغني عن السؤال!
فقاطعه الرجل:
لكن مولانا تابش افتاب رحمه الله كان يحثنا على الدعاء! أم أنك تقصد أن الحاكم يعلم بحالنا ولا داعي للتعبير عن شكوانا؟.. ليس الحاكم إلها يا سيدي.
اضطرب دندان، ولم يتوقع مثل هذه المداخلة!.. لم يتوقع أيضا أن يصفق الملك طويلا ويصافح ذلك الرجل ويشد على يده:
أتفق معك تماما؛ وأرجو أن تنضم لفريق العاملين بالمركز.
فرح الرجل كثيرا وأخذ يمني نفسه بالراتب الشهري الخيالي.
تشجع مواطن آخر وتقدم نحو الملك:
فليسمح لي مولاي بالسؤال؛ هل يتساوى جزاء العين التي غمزت تعبيرا عن رد الفعل؛ بالعين التي اطلعت على أحد المنشورات؟
حار المستشارون فسأله الملك:
وما رأيك أنت؟
ربما كانت الغمزة عرضا لا إراديا لرمد أصاب العين، بينما القراءة فعل إرادي يستحق العقاب الأشد! ناهيك عن محتوى المقروء!
أومأ الملك لستمكار بأن يقتصر قلع العين على من تثبت قراءته للمخطوطات العدائية، ثم قام وأشاد بالرجل وطلب ضمه أيضا إلى الفريق، مذكرا أن البلاد تحتاج إلى مثل هذه الكفاءات التي تنهض بها وتعلو بشأنها، وأنه سيقف دائما في صف الكوادر الوطنية الشابة!
انتهز أحد المواطنين الفرصة ليسأله عن علاقة هذا التوجه بتعيين جوزيف وشمعون؟
هما وزيرا دولة! دورهما التخطيط للتنمية، وسأضمك للفريق لتكون بالقرب وتتعرف على ما يبذلونه من جهد بعيدا عن الأضواء!
اختتم دانا هوشمند اللقاء بالآية الكريمة:
بسم الله الرحمن الرحيم: "وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ" صدق الله العظيم
ردد الجميع: آاااااااااااامين.
انصرف الملك وحوله الحاشية في نهاية الاحتفال, أخذوا يشيدون بحكمة الملك وبراعته في إدارة الاجتماع، فأثنى على دندان الذي أعد كل شيء!.. ابتهج الوزير الأول واعدا الملك بأن يتنافس العديد من المواطنين في إثبات استحقاقهم للتعيين!.. ثم أضاف:
وبذلك يتحول العداء إلى استجداء.
*
مع استمرار التظاهرات؛ والتمادي في أسلوب القمع، لجأ المحتجون إلى تفادي التعبير المباشر والبعد عن الرفض الصريح. تفنن كبار الكتاب في التوجه نحو الإيحاء والترميز، وتبعهم العديد من المؤلفين. اجتمع الوزراء مرارا وأصدروا العديد من التوصيات كان أهمها إنشاء سجن للوسائط المتعددة، يضم كبار العلماء والمفكرين كقضاة؛ يستنطقون فيه الكتب واللافتات والصور ومقاطع الصوت والفيديو بعد اعتقالها، في زنزانة أرشيفية انفرادية بعيدا عن مؤلفيها ومحاكمة تلك الوسائط، للحصول على اعترافها بما تضمر، بحيث لا يتم الإفراج عن مؤلفيها قبل الإدلاء باعترافات تفصيلية متطابقة!
كما أصدرت لجنة إدارة الأزمة البيان التالي، بخصوص وسائل التعبير تقرر تشديد الحكم في الجوانب التالية:
بالإضافة إلى ما سبق من عقوبات خاصة بالهتافات والإشارات اليدوية والأصوات الاستنكارية ودس الأنف فيما لا يعني المواطن. كذلك حركة الشفاه الصامتة أي الكلام دون كلام والنظرات الموحية والغمزات وتعبيرات الوجه، تعامل اللافتات مثل كل التعبيرات الموثقة، لا إفراج عن كاتبها قبلما تنطق تلك الوثائق وتعترف بمضمونها الخفي! أما بالنسبة لمظاهر التعبير التالية فقد ضوعفت فيها الأحكام: الاستثارة الزائدة، فقد السيطرة على السلوك الحركي (يمكنك فقط أن تدور حول نفسك)، التأويل السلبي دون مبرر، التشاؤم الزائد من مسار المحاكمة، الشك في حيادية القاضي وتبعيته للنظام، عدم المرونة التفاعلية عند الاستجواب، عدم تحمل التعاملات الجسدية العادية للحرس أثناء التنقل بين مراحل التحقيق، النظرات الموحية والغمزات ارتفاع نبرة الصوت عن واحد (ديسي مال) عند الرد، الاندفاع في الرد دون توجيه أسئلة، تعبيرات الوجه التفاعلية، السب أو القذف غير المباشر، ما يوحي بالتهكم أو السخرية، التحايل أو الخداع أو الكذب، إضافة إلى التجهم والشعور بالضجر دون التعرض لأية ممارسات أو وجود مبرر تطمئن إليه عدالة المحكمة.
*
أثناء اجتماع خلية إدارة الأزمة؛ يتفاخر وزير الطاقة:
لقد تمكنا من ترشيد استهلاك الكهرباء، وصل إلى أدنى معدلاته؛ أرأيتم كيف يدعو الصمت إلى النعاس!
يعقب وزير البيئة مؤيدا:
نعم، لقد عم الهدوء تماما، أعتقد أننا سنكون على قائمة معظم شركات السياحة، صرنا واحة للسكون
ويقهقه وزير التعدين:
لقد نفد رصيدنا من خام الرصاص، بعدما اتجهوا لتبطين جدرانهم، كي لا تنقل الصوت!
ويعلق وزير الأمن:
لقد جاء أحدهم يشكو امرأته، التي أخبرته أنه لن يتناول طعام الإفطار، عندما استدعيناها لتدلي بأقوالها، قالت أنها لم تود أن تعبر عن استيائها من عدم وجود طعام بالبيت، وإلا سيحسب عليها تعبيرا محظورا بأمر الملك، أرادت فقط أن تصف له ما يخصه وحده! أما هو فقد أصر أنها كانت تضمر قتله! عندما أخبرته أنه لن يتناول إفطارا!
ثم يعلق مؤكدا:
بالطبع كان يريد التخلص منها؛ حين فتشنا البيت لم نعثر على لقيمة واحدة!
*
هبت عواصف الاضطرابات في كل مكان؛ اتخذت إجراءات أمنية مشددة! حرص الملك على تفقد تنفيذها بشكل صارم!
في طريقه لسجن الوسائط المتعددة أخذ سرب من الطيور يحوم حوله بشكل استفزازي أثار حفيظته قام الجند بإبعادهم ومطاردتهم ببنادق الصيد.
تعجب الملك من استهداف الطيور لموكبه، خاطبه أحد المرافقين:
انتظر قليلا يا مولاي، وسوف ترى الطائر المعجزة!
يتجه الموكب نحو سجن الوسائط المتعددة، يلمح شهريار العديد من الأوراق المتناثرة من الكتب والصور، يخمن أنها نتيجة الرياح التي تعصف بالبلاد، يلتقط الوزير إحدى البرديات، يستغرق في قراءتها، ثم يعدو بها نحو الملك:
أنظر يا مولاي!
ليس بحوزتي الآن نظارة القراءة، أسمعني!
أيها المحبوب
أرجوك لا تلمسني
فالنار المتقدة داخلي
ستعبر لك عن رغبتها
في الانطفاء
وأساق إلى ثلاجة الموتى
ونعومة بشرتي
ستخبر لمستك
عن مدى رعايتي لها
كي تلثم في رقة راحتيك
فيسلخ جلدي جلالته
وطراوة جسدي
ستكشف لك عن نبضات قلبي
وما ستبوح لحواسك
من توق
فأساق إلى المقعد الكهربي
تلبية لأمره السامي
ولتطفئ الضوء
كي لا تخبرك عيناي
بمدى الشوق
فيقتلعهما مولاي
ولتنصت لي جيدا أيها المحبوب
فصوتي لا يجرؤ
سوى على الهمس
وإلا أخبرت الجدران خفر الحاكم
أيها المحبوب
لم يعد بقدرتي أن أكتب لك شعرا
كي لا أحبس
حتى تنطق أوراقي
بما وراء استعارتي الطير
لأصف حسنك!
وأفتقد أنفاسك المختنقة
حين تخفق في التشبث
بالحصار المطبق
حول لهفتي
*
أخذ الملك يقهقه ثم أشاد بالملكات الاستخباراتية لجهازه الأمني، التي استطاعت أن ترصد مشاعر المعتقلين، كما أثنى على فكرة سجن الوسائط المتعددة الذي قد يثري معلومات (التغذية الراجعة) عن أفكار السجناء والتي قد تشي بما تدبره عقولهم.
*
يقترح (ستمكار):
علينا أيضا أن نحاكم الأفكار والمشاعر؟.. ألا يعد استهلاك الطاقة في التعبير، بدلا من استثمارها في الإنتاج، إهدارا للقوى البشرية!
ويضيف دانا هوشمند:
التعبير يا مولاي يهدف إلى تغيير ما يفترض أن تسبب فيه النظام، هو دعوة ضمنية للثورة وقلب نظام الحكم ؟!
يرد وزير الإعلام:
يا مولاي، لابد من التأكيد على تقفي المقاصد والنوايا، المطالبة بحرية التعبير تضمر الرغبة في التغيير، يجب ألا نقبل الإضمار!.. على الأمور أن تتضح، بياض أم سواد؟
أيده ستمكار:
تلك مشكلة كبرى، يتعمد البعض أن يحتمل خطابهم تأويلين !
*
أثناء الاجتماع الوزاري الذي حضره (کارشناس) وزير العدل، الذي نجحت (ديبوراه) زوجته في إقناعه بالعودة للحكومة بعد وفاة الملك تابش افتاب. انفعل مدافعا عن الإجراءات التعسفية:
المعبر يرفع الستار عن خبايا النفس، يكشف طوعا عما تضمره؛ يقر بوجود مشاعر العداء، والنوايا السيئة تجاه الآخر، يكشف عما تكنه النفس من أسرار.
ثم وقف متحمسا شاهرا سبابته:
هو الاعتراف!.. الاعتراف بحقيقة المشاعر، حقيقة الرؤى، تلك الآراء والمشاعر السلبية، فطر الإنسان على الاحتفاظ بها داخله، وعندما يندفع معبرا عنها فهو يعترف، التعبير يعني الاعتراف والاعتراف سيد الأدلة. تخيلوا هؤلاء الدهماء يشكون صفوة العلماء!.. ألسنا السلطات المسئولة؟.. أليس التعبير هو الشكوى ضدنا؟.. ينعتوننا ضمنا بالتسبب فيما وصلوا إليه من حال يدعو للاحتجاج والتقصير في العلاج. لذلك فهو أيضا قذف وسب!.. ألا يعني التعبير الرغبة في التغيير؟.. إذاً هو الثورة على الحاكم؛ هو التآمر على قلب نظام الحكم؛ الخيانة العظمى!
*
في مخبئها الأثير قرب إحدى الضايات المحيطة بغابات كثيفة، كانت شهرزاد لا تزال مستغرقة في تأمل أسلوبها الحكائي الجديد وقد بلغ تطورها رقيا رفيعا. لاحظت أن شدو الطير القصير مهما تكرر يخلق إيقاعا ويمنح الانطباع باقتصاد في الخطاب ولذة في الحكي، وأن صمت الليل المسترسل لا يكسره سوى همهمات للريح تشيد المعنى بين فراغات الموجودات، وانتظار شروق الشمس أو غروبها بقدر ما يبعث على الحبور يشد أفق المنتظر ويفتحه على أشياء غير متوقعة.
قررت أيضا اعتناق نهجا قصصيا جديدا ينزع نحو الاقتصاد والاقتضاب؛ فقد علمها الصمت أن خير الكلام ما قل ودل، وأن نبض الحكمة يتردد صداه في التجاويف بين الحروف.
سحبت من تحت مخدتها مذكرتها الوردية وطفقت تقرأ (أقصوصات) جادت بها قريحتها أو التقطتها من تأمل جارف، لكنها فجرت بداخلها أسئلة حارقة كادت أن تقتلها!
تساءلت هل تقتل الأقصوصة كاتبها المتهور؟ وماذا عن متلقيها الثقيل الفهم، المسلم بظاهرها دون استبطان وتأويل، لمعانٍ لُفَّتْ متراقصة حول نفسها عدة لفات؟ وما موقفها من قوانين ستمكار القمعية؟
كسرت جلبة داخلية مفاجئة، عذوبة رقصتها الصامتة؛ افترشت الثرى كناسكة، فأحست به يهيل تحتها.
**
لطالما جابت شهرزاد رحاب القصر وحدائقه؛ لا شئ يثير فيها لذة الحكي. خرجت هائمة على وجهها تعبر الجسر تلو الآخر وكأنها تنقش ملامح المكان في ذاكرة قد تتعرض للنسيان؛ أصابها التعب، فقرفصت يائسة قرب محطة للطاكسيات تنتظر دورها، للبدء في رحلة جديدة.
أخرجت مذكرتها وطفقت تدوِّن خواطر انتابتها فجأة وهي تحدق في امرأة ترتسم على ملامحها تاريخ بؤس عارم وبقربها رجل عجوز ربما زوجها ينهرها باستمرار، ويقذفها بكلمات فاحشة وبنعوت حيوانية لكنها لا تبدي أي رد فعل تظل على الدوام مبتسمة في وجهه المتجعد البشع الذي يتوسطه أنف معقوف كنسر؛ تخرج المرأة من تحت لحافها قطعة خبز تهم بقضها فتطوقها كوكبة من الأطفال يتداعون عليها تداعي الجياع على قصعة ثريد.
يرتفع صوت خشن؛ يكسر عذوبة اللحظة بعدما فشلت الأم في مقاومة صراع الصبية وفض اشتباكهم، تجحظ عيني الرجل النحيف على حين غرة من محجريهما لتبيدا كل حركة في المكان. يمد يده التي بدت كـ "مطرح" الخباز الطويل لينزع ما تبقى منها ويلوكها بتلذذ في فم أدرد. لتنخرط الأم في نوبة ضحك هستيرية!
أحست شهرزاد بوقع اللحظة وصارت تطرح أسئلة عميقة حولها، نظرت إلى مذكرتها كان البياض المريع يحدق فيها يستجديها أن تسود تلك الانفلاتات الرهيبة، فكتبت:
"على الرصيف، امرأة تنتظر في استسلام، لنخاس يشد بقوة قيودها المرصعة بكلمات نابية، تحتسي حسراتها تهم بسد سغبها بقطعة خبز جاف فتتلقفه الطير من حولها، وينتزع مارد ما تبقى من كرامتها ليلوكها بتلذذ غريب"
لم تقتنع بقصتها بما فيه الكفاية، لكنها أصرت على تشذيبها حتى تصير ومضة تشرق في ليل الحكاية, استنتجت أنها تختزل معاناة نساء كثيرات، ربما بهذا الوخز ستخلد تاريخهن المنسي. أسرت في نفسها أقصوصة أصعب من لعبة السودوكو مفعمة بتأمل الهايكو وآلام المتصوفة، ورنين القصائد وإيقاعات خيول في ساحة وغى، لم ينتبه إليها "الفراهدي". قررت التيه من جديد في دروب وحومات البلاد وأسواقها ومساجدها، تريد معانقة الدفء الإنساني وروح الحياة المفعمة بالحب والصدق خارج أسوار قصر متخم بالدسائس.
"كنت طوال الوقت أعمل على نقش خارطة أنانية الملك البغيضة، بأزميل الإصرار المقيت، فلم أتعلم حكمة واحدة من الصمت الذي أدمنته كلما صاحت الديكة، كل الذين صمتوا انفجرت ألسنتهم في النهاية وهي تتلو الوصايا الأخيرة قبل الخفوت"
تساءلت: "أتجهض ملاحقة الملك، تجلي معجزتها؟"
أضافت إلى مذكرتها:
"أبتلع لساني أكاد أجن! في الوقت الذي يرفع فيه شهريار ذكره، متعقبا مؤخرات القيان والمغنيات، تلبية لنزواته العابرة؛ يفتح خروجي من القصر عيني على فظاعة أكبر من أن تخلدها حكاياتي مأساة البسطاء!.. لكم ناورت على مدار الساعات كي أسحب وراءي ليلا كنت منذ الأزل مدثرة به، لما تلوح لي تباشير الصبح! أدرك أن نهاري سيكون جحيما مستعرا هكذا كان يسكنني الخوف؛ فكنت أحمل هم خياراته الإيروسية أو مواجهة القتل!
الآن صار يومي مكتظا بجحيم آخر، الواقعية الإجبارية ومواجهة القمع!
هكذا تعزز قراري بكتابة أقصوصات عن لحظة، تسخر من مرارة الواقع وتتحدى القمع، بأن تلامس تخوما قصية تعانقها تخترقها دون أن تقد ملمحها الأصلي.
*
أضافت إلى مذكراتها:
أنا لن أعود إليه!..
بلغت محاولات عبوري المتكررة حد السأم! فرضت عليَّ الوقوف لحظة للتأمل، تساءلت لماذا أعود إلى مواجهة صمته البليد عندما لا أقص عليه ما يريد. لا أعرف ماذا يخطط لي ساعتها؟ لن أعود إلى تلك اللحظات التي ينتابني فيها الرعب! نعم، في مواجهة إنسان صامت تصعب عملية الاستشعار لكشف جوانب من شخصيته، تعمى عن رؤيته مثلما أشار (سقراط) بينما سلوكه، نظراته، تصرفاته حتى ولو كانت مقيدة تبرز طبيعة شخصه. هتفت أعماقها: كم أكرهك! ثم ساءلت نفسها: من؟ الملك أم السرد!
*
داهمته صور شهرزاد من جديد، في حين كانت بالقصر خلية الأزمة لا تزال مجتمعة تفكر في أسباب نقمة شهريار على شهرزاد وعن ملابسات ذلك الكره الدفين الذي دفعها للانقلاب وتطوير أسلوبها الحكائي من خلال إعلانها في بيان التأسيس الأول أن زمن المحكيات الطويلة قد ولى مما فسر قرارها بالردة على محكياتها الطويلة وطلاق أبدي لها بنزوحها نحو كتابة أقصوصات تحاكي العالم. لكنها تختلف عما اعتاد دعمه شهريار من أسلوب يحقق لهم الإشباع الحكائي لينبروا لمهمة الإشباع الجنسي بعد ذلك.
وبينما أفراد الخلية يصيخون السمع للقارئ الذي استقدموه كي يسرد قصصها؛ انفعل مندمجا في القص بصوت شجي ودافئ.
همّ شهريار بالدخول عليهم ومجالستهم لكنه تردد في اللحظة الأخيرة. أسند ظهره لجدار قرب الباب وقد صعقته رصاصة حكي طائشة قال السارد:
"قرر الملك أعزه الله ابن الانتفاضة الشريفة ان يقود مظاهرته وحيدا في شوارع البلاد للمطالبة بإسقاط شعبه"
أسر شهريار في نفسه ساخرا:
أشتم رائحتها في تلك الأقصوصة! وهذا الغبي، أيعقل أن يقود المرء مظاهرة ضد نفسه؟
صمت قليلا ثم أردف قائلا:
يفسد الحكام رعاياهم بمنحهم مزيدا من الحريات إلى حد لم يعودوا معه قادرين على قمع عاداتهم السيئة.
لم يكد ينه نجواه حتى التقطت أذناه قصة أخرى قال السارد (سمعتها من إحدى المعزيات):
في الوقت الذي توفت فيه ملكة البلاد، اندس أعزه الله؛ ينوح مع النائحات، وعيناه تترصدان فتاة هيفاء من بين المعزيات؛ لمواساته في لياليه الحزينة!
سمع أحدهم مستفسرا:
لم تذكر لنا عنوان النص؟
أجاب آخر ببرود:
لقد عنونتها الماكرة بـ "مالك الحزين"
سخر شهريار منهم جميعا وهو يعود على عقبيه متحسرا!
أسر في نفسه:
إذا كانت أنتلجنسيا القصر تسيء فهم وتأويل قصص صغيرة، ماذا كانت ستفعله إزاء كوارث تضرب المملكة فجأة؟ كيف لها أن تفتح عيني على أمور مملكتي السعيدة؟ تبا لهم! غلب السائل والمسئول، وضاع الفهم في لج تأويلات لا تسمن ولا تغني عن جوع.
أطلق العنان لقدميه نحو اقرب كشك؛ واقتنى جريدة تنشر أقصوصات جديدة في ملحقها الثقافي. تطلع إليها متعجبا: "أهكذا انتشرت بين الناس؟" تساءل: "ربما هي أسهل من الحكايات!".. لكنه عندما تصفحها سريعا، أدرك أن هناك شيئا ما مختلفا؛ لا ليس قصر حجمها فقط؛ ثم أخذ يتمعن في قراءتها لعله يتوصل إلى السر!