(1)
- اسمك منذ الآن ( آرام نوير ) وليس ( باروخ ماندل ) .قالها (فيشل) رئيس الموساد
الصهيوني .
- من هو آرام نوير ؟ ولماذا ؟
- سوف تعرف كل شيء من فريق المدربين الممتاز الذي اخترته لك ، وإياك أن تنسى
المهمة الأساسية لك وهي : تدمير سلاح الجو المصري .
* * *
مرت الأيام مشحونة بالعمل والتدريب ، حيث تعلم ( آرام نوير ) لغة الترك ، ودفن آرام
نوير الحقيقي ( التركي ) الذي استدرجته الموساد من استامبول إلى تل أبيب بعد دراسة
كافية حول وضعه الاجتماعي حيث يعيش في استامبول بلازوجة ولا أولاد ، وليس له ثمة
أقارب يهتمون به ، وسلبت كل أوراقه الشخصية التي بحوزته ليمتلكها ( آرام نوير )
الجديد . وعرف ( آرام نوير ) أن مهمته تمر بمراحل ثلاث : 1- السفر إلى استامبول
وبيع جميع ممتلكات ( آرام نوير ) وتصفية أمواله هناك . 2- مغادرة استامبول إلى
باريس . 3 – دخول القاهرة .
* * *
لم تكن أشهر التدريب سهلة ، لولا القدرات العقلية المتفوقة عنده ، فالتكلم بالتركية
، ثم الفرنسية ، ثم العربية ، والاطلاع على الدين الإسلامي ، وممارسة بعض شعائره ،
ثم التدريبات العسكرية اللازمة لاستخدام الجهاز اللاسلكي ، وفك أجزائه ثم إعادة
تركيبها ليسهل نقله من دولة إلى أخرى ...ثم دراسة نفسية الإنسان العربي المصري ،
والأحوال السياسية والاجتماعية في مصر ، ومهما كثرت التدريبات فإن الإيمان العميق
بسمو الهدف، والتضحية من أجل إعادة كيان إسرائيل وإقامة مملكة سليمان، إلى جانب
الذكاء اللامع ، وفريق المدربين العظيم ، ذلك كله جعل المهمة ممكنة ، حتى أصبح (
باروخ ماندل ) خلال سنة واحدة نسخة مطابقة ل ( آرام نوير ) .
* * *
استدعاه فيشل ليودعه في مكتبه قبل سفره بيوم واحد ، واستقبله عند الباب وهو يقول :
أهلاً ، آرام ، طلبتك لأودعك وأذكرك بأن مستقبل إسرائيل يتوقف على نجاح مهمتك
ياعزيزي آرام ، سيكون معنا إله إسرائيل ، هل فهمت الوسيلتين الذهبيتين ؟ - نعم ،
الخمر والنساء . – كما عرفت ، استخلص حكماؤنا بعد دراسات طويلة حول الإنسان العربي
المعاصر المتحرر من دينه الإسلام ، هذا الإنسان يعبد الخمر والنساء ، كما كان
أجداده يعبدون اللات والعزى ، ومن البدهي أن حكماءنا لهم أصابع طويلة ، لاتسمح
لغير هؤلاء المتحررين من الإسلام بالوصول إلى كراسي الحكم ، ومواقع المسؤولية ،
لاتسمح لغير هؤلاء ( التقدميين ) الذين تحرروا من دينهم ، وتمنع ( الرجعيين ) الذين
يحافظون ويتمسكون بدينهم ، تمنعهم من الوصول إلى مواقع المسؤولية ، لأننا لانستطيع
أن نحركهم كما نريد ، سوف ترى ياعزيزي أنك تتعامل مع ( الجوييم ) يحبون المدح
والإطراء كثيراً ، فأجزل لهم المدح والإطراء ، وانفخهم حتى ينتفخوا كالطبول
الفارغة ، ابذل الأموال عليهم ، ألم يعلموك في الموساد تجارة السلاح ؟ - بلى علموني
ذلك ... – وتجارة السلاح تدر أموالاً طائلة تغطي ماستنفقه عليهم بسخاء ، ومن ورائك
خزينة إسرائيل كلها تحت أوامرك ... وأخيراً أنت ذكي ، ومؤمن بإله إسرائيل ، وهذا
لايغنيك عن التعاون التام الدقيق مع رجال الموساد في استامبول وباريس والقاهرة ،
الذين سيكلفون بتسهيل مهمتك العظيمة ...ثم خرج معه إلى باب المكتب ، وعانقه ، وشد
على يديه قائلاً : سيكون إله إسرائيل معك ... ثم عاد ( فيشل ) إلى مكتبه يرفع
نظارته عن عينيه ثم يمسحها ، ثم يغمض عينيه ويسرح في روابي التأمل يسبق السنوات
ليرى هيكل سليمان في القدس ، ويرى إسرائيل من الفرات إلى النيل ، وموسكو وواشنطن
يخطبان ود الدولة العظمى ( إسرائيل) ، ثم يفتح عينيه ويقول لنفسه : أصابع الموساد
طويلة ، تمتد إلى أي مكان ..
* * *
- هبطت طائرة خطوط شركة العال الإسرائيلية قادمة من تل أبيب ، تردد هذا البيان في
صالة الاستقبال بمطار أتاتورك الدولي في استانبول ، ودخل تواً سائق تكسي إلى الصالة
، ثم صعد إلى الشرفة ينظر إلى ركاب الدرجة الأولى عند هبوطهم سلم الطائرة ، ويتفرس
فيهم جيداً ، ثم قال لنفسه :
- هو ذاك ، يكاد أن يطابقه ، وتابعه حتى خرج من الصالة فتقدم نحوه وحياه بأدب جم
وقال : _ هل تريد تكسي ياسيدي مستر آرام ؟ ، نظر ( آرام ) إليه ورأى ربطة العنق
المتفق عليها ، ثم لبث صامتاً ينتظر الخطوة الثانية في التعارف ، فأخرج السائق علبة
السجائر المذهبة ، وأخرج منها ثلاث سجائر ( بول مول ) قدمها له وقال : - هل تدخن
ياسيدي ؟ أخذ ( آرام ) السيجارة ووضعها في فمه ، وقال : _ أين سيارتك ؟ - هذه هي .
فنظر ( آرام ) إلى لوحة السيارة ورقمها الذي ينتهي بالصفر، وهي الخطوة الثالثة
والأخيرة في التعارف .
- عندما انطلقت السيارة مخلفة المطار وراءها ، قال ( آرام ) : أتعرف البيت جيداً ؟
كما أعرفك ياسيدي ، هل نسيت بيتك ،( وضحك ) . سكت ( آرام ) ولم يجب ، بينما راحت
السيارة تنهب الشوارع ، شوارع آخر عاصمة للخلافة الإسلامية ، وتجوب ساحات مملوءة
بالناس ، دخلت الحي القديم قرب السليمانية ، وهناك اتجهت يميناً ؛ حتى وصلت أخيراً
إلى بيت ( آرام نوير ) الحقيقي .
- نزل ( آرام ) الجديد ودخل البيت بعد أن عرفه السائق بالبيت والحديقة والسور ،
وأعطاه بطاقة باسم مكتب التكسي فيها رقم الهاتف ، ثم قال : أي خدمة ياسيدي ؟ هل
تسمح لي بالانصراف ؟ ثم مضى .
يقول الإعلان الذي ألصق بالحي وساحاته ( آرام نوير يبيع داره وعقاراته ، لأنه
سينتقل إلى باريس )، وانتشر الخبر في الحي ، الذي لم يأسف على ( آرام ) الثري الذي
لم ينفع الحي ، بل كان يعيش لنفسه ، ويكدس الأموال من حلال أو حرام ، ويسلب الفقراء
لقمة عيشهم ، حتى أن أهل الحي أطلقوا عليه لقب ( اليهودي ) ، وقد زادت نقمة أهل
الحي عليه عندما عرفوا أنه سافر إلى إسرائيل ، وبقي قرابة سنة فيها ، يبحث عن
مشاريع جديدة يمص منها الأموال ، لذلك كانت الفرحة بادية على وجوه سكان الحي،
وصاروا يهنأون بعضهم ، ويقولون عسى أن تعجبه باريس، ويبقى فيها طول حياته ، وفي
باريس تهريب السلاح إلى إسرائيل وسيكسب أموالاً كثيرة ؟؟؟ وفي أيام قليلة باع الدار
وجميع العقارات ، ثم دفعها في البنك، ليحولها إلى باريس ،وطلب سائق التكسي الذي
أوصله إلى المطار .