(2)
- سيداتي آنساتي سادتي ، نهبط الآن في مطار باريس ، أرجو أن تشدوا الأحزمة ، وأن
تتوقفوا عن التدخين ، قالت المضيفة باللغة الفرنسية حيث تتلاحق السينات في جرس
فرنسي خالص .
أجرى معاملاته في المطار ثم حط رحاله في فندق شيراتون ، حيث الدبلوماسيون العرب
والمسلمون يبذرون أموال شعوبهم على موائد القمار ، ونعال المومسات ، وبعد ثلاثة
أيام ذهب إلى الاستقبال بالفندق وقال له :
- عندما يصل جزائريون أخبرني، أود مقالبتهم ،
- يوجد جزائريان منذ أيام عندنا، يشربان القهوة عصر كل يوم في حديقة الفندق...
– هل هم عملاء الفندق ؟
- نعم منذ فترة طويلة ...
)3(
لعل أعظم ما يشد السائح العربي في باريس سهولة المواصلات الداخلية ، حتى أن استخدام
(مترو) الأنفاق أفضل من السيارة الخاصة بكثير ، وأوفر في الوقت والجهد ، وكلما جلس
شحاتة عبد العظيم في ( مترو) الأنفاق يتذكر اختناقات السير في القاهرة عامة ، وقرب
القصر العيني خاصة ، الذي يستغرق عبوره ساعة كاملة لبضع كيلومترات ... ، وعلى
الرغم من تعلّق المصريِّ بتراب وطنه، فقد ألف (شحاتة عبد العظيم) باريز وأحبها، ومن
شدة تعلقه بها كان يحلم لو تُنقَلُ شوارِعُها وأنفاقُها إلى القاهرة، وكان يتلذذ
بمترو الأنفاق في أحلام اليقظة يعبُر شارعَ القصر العيني في ثلاث دقائق فقط، وأكثر
من مرة انقطع شريط أحلامه عندما يشدّ انتباهَهُ بشكلٍ قسري رجلٌ وامرأةٌ على بُعدِ
قدمٍ واحد منه،يتعاشران في هدوء ، فيعود إلى اليقظة ويقول لنفسه:
- عندما نأخذ المترو لن نأخذ معه هؤلاء وأمثالهم .
وصل إلى حدائق برج إيفل الغناء، وترجّل ماشياً على ممرّاتها النظيفة بين مروجها
الخضراء حيث تناثر الصِّبيةُ فوقَها كفراشات الربيع الملوّنة، تتطاير من زهرة إلى
زهرة، وفي الثانية بعد الظهر كان في كازينو إيفل يتناول طعام الغداء بدعوة من (آرام
نوير)، كانت باريز تمتد أمام ناظريه إلى ما لا نهاية، تتطاول أشجارها حتى تكاد أن
تغطي بعضَ عماراتها، وقد تقاسم اللونُ الأخضرُ مع الأبيض مساحةً كبيرة من الأرض
يتوسطها نهرُ السين الغزير، تطفو على سطحه قطارات النقل المائي وقوارب النـزهة،
وتمرّ نسمات باردة تشحن الذهن وتفتح النفس على الحياة ونعيمها والتمتّع بخيراتها
العاجلة قبل فواتها.
بالغ (آرام نوير) في إعداد وجبة الطعام، فتنافست فيها الأصناف الأوربية مع العربية،
بينما تصدّرت الأطعمةُ التركية الأماكنَ الأساسية في المائدة، وتناثر الصنوبر
والجوز واللوز المحمّر بالسّمن ذي الرائحة الزكية فتفتّحت كلُّ دوافع الحياة
والشَّهْوة عند (شحاتة عبد العظيم)، أما (آرام) فكان يُكرّر الترحاب بضيفه العزيز
ويكرر الاعتذارَ المرّة بعد المرة، فإنه لم يُحضِر شيئاً من واجبك يا سعادة
الجنرال، وكان ينتبه إلى الانفعالات الموجبة في قسمات وجهه، المعبّرة عن رضاه وعن
شعوره بالسعادة، وقد هيأ له صديقُه الجديد كلَّ متطلباتها في نظره وقيمه، وهي
الماءُ والخُضرة والـ...
- إنها مائدة رائعة يا عزيزي (آرام) !
- لم يحضر شيء من واجبكم سيدي الجنرال.
- إن مشاعر المكان يا عزيزي (آرام) تحثّني أن أستأذن منك بشرب بعض الكؤوس.
- آه.. معذرةً وألف معذرة يا سيدي الجنرال.
ثم صفّق بكفيه فحضر الجرسون.
- هات مشروبات للجنرال.
فاتّجه الجرسون نحوَ (شحاتة عبد العظيم)، وانحنى حتى كادت أن تصل هامته إلى الأرض،
ثم قال:
- ماذا أمر سيدي الجنرال ؟
- زجاجة ويسكي واحدة وقطع ثلج.
- حاضر سيدي الجنرال.
- هات اثنتين لي أيضاً . قال (آرام).
- حاضر مسيو.
- هل تستطيع أن تشرب اثنتين يا (آرام) ؟ . قال (مدكور).
- الثالثة احتياطي عام لك ولي.
واندفعا ضاحِكَين والطعام يتطاير من فميهما، فيسرع (آرام) إلى مناديل الورق يمسح
بها أكمامَ الجنرال.
- بصحة سيدي الجنرال . ويرفع (آرام) الكأس.
- لم أُصبِحْ جنرالاً بعد.
- أنت عندي جنرال.
- كان ذلك ممكناً لو أنهم تركوني في القوات المسلّحة.
- ولماذا لا تعود إليها ؟
- ذاك شأنهم في القاهرة.
بعد أن شرب ( العقيد شحاتة) الكأس الرابعة، بدأت نظراتُهُ تبحثُ في زوايا الكازينو،
حيث تجلسُ بعضُ الفاتنات وقد عَرَضْنَ أَكداساً من اللحم الأبيض لَفَّهُ معطفٌ
قصيرٌ من فرو النمور، وتدلّى عقدٌ من الذهب فوق صدر عارٍ أحاطت به قطيفةٌ سوداء
رُصِّعَتْ بقطع الماس تعكس الأضواءَ إلى الألوان المتعددة في وَجْهٍ عَلَتْهُ
غابةٌ صغيرةٌ من الشَّعر الذي صُفِّفَ عالياً مثل (نفرتيتي ) فصار كسنام البُخْت،
كانت إحداهُنَّ تُداعِبُ سيجارةَ الكنت بأصابع طالتْ أظافرُها الحمراء، وتسرق
النظرات إلى الجنرال.
- إنها لَجَمِيلةٌ حقاً !
- مَن ؟
- التي تنظر إليك، إنّ شكلَكَ يُنبِئُ بأنك جنرال فعلاً.
انتفشَ رِيشُ (شحاتة عبد العظيم) وزاف دماغُه، فقال:
- وما قيمةُ هذه النظرات ؟
- يبدو أن حُبَّكَ للطائرات لم يترُكْ في قلبك زاويةً لَهُنّ.
- لكنَّ هذه أقوى من (الميج).
- إذاً هي (ميراج).
وساد الضَّحِكُ والشراب.
- هل أنت عازبٌ يا عزيزي (آرام) ؟
- أحياناً.
ضحك (شحاتة عبد العظيم)، وقال:
- لم أفهم.
- وأنت يا سيدي الجنرال ؟
- أنا عندي زوجةٌ في القاهرة.
- يعني أنت عازب أحياناً أيضاً ؟
- ما هو سِرُّك يا عزيزي (آرام) ؟
- المال .. المال وتجارة السلاح التي تُوَفِّر الملايين، وبها أشتري أيَّ شيء، حتى
ذلك اللحمَ الأبيض، وما صاحبتُ أحداً إلاَّ وشاركْتُهُ في لَذَّاتي، فَاللَذَّةُ
تَقْوَى كُلَّما كانت أكثرَ شُمولاً ودواماً، كما يقول الفيلسوف (بنتام).
انضمَّتْ فاتنةٌ أُخرى إلى الأولى، ثم صَحِبَتْها إلى مائدتِهما.
- هل تسمحا لنا بالجلوس ؟
- على الرَّحْب والسَّعة.
- أنا (سُوزي) وزميلتي (سوزا).
- وأنا (آرام) وزميلي (شحاتة).
- غريب .. ما هذا التجانُسُ في الأسماء ؟
- لا غرابة .. إن الطيور على أشكالها تقع.
وساد الضحك واندمج (شحاتة) معهم فقال:
- لا تنسَوْا أن هذا مَثَلٌ عَرَبي.
- العربُ أذكياء . قالت (سوزي).
- وهل العجم أغبياء ؟ قال (آرام).
- لا تغار يا عزيزي (آرام).
وانفجر الأربعةُ ضاحكين .
* * *
قبل المغيب ذهب (شحاتة) مع (سوزي)، و(آرام) مع (سوزا) في سيارتين إلى وِجهتين
مختلفتين، وفي طريقه إلى شيراتون كان (آرام) معجباً جداً بالنصر العظيم الذي حققه،
فبعد قليل تلتقط الكاميرا صوراً عارية لشحاتة وهو في حالة هيجان ثوري، بعد أن أوكل
به أذكى يهوديات باريز، إنها (سوزي) التي عَرَفَها في يافا قبل أكثر من عشر سنوات
عندما بهره جمالُها، ثم غطَّى ذكاؤها ما عندها من جمال، كما أعجبه تمسكُها
بِصِهْيَونِيَّتِها، وتذكَّر كيف قَدَّمها إلى (فيشل) مدير الموساد الذي لامه
يومَها على سكوته على هذا الكنـز وعدم إفادة شعب إسرائيل منه، وعندما قال لفيشل:
- إني أُحِبُّها يا سيدي، وسأتزوّجها.
- هل تحبُّها أكثرَ من أرض الميعاد ؟
- لا .
- إذاً يجب أن تُجَنَّدَ في الموساد.
ومن ذلك اليوم أصبحتْ (سوزي) رفيقةَ عمل، بل يداً طويلةً لآرام يُمسك بها صَيدَهُ
الثمين، وَتَحَوَّلَتِ الحبيـبةُ إلى أداة.
مَرَّتْ أَسابيعُ غيرُ قليلة، وبعض الشحنات تَصِلُ إلى الثوّار الجزائريين، وبعضها
يقع في يد السلطات الفرنسية، وكأنها تدري بخطّ سيره زماناً ومكاناً، حتى انكشف أمر
(آرام نوير)، مهرِّب السلاح للثورة الجزائرية، فَغَضِبَتِ السلطات الفرنسية ،
وَوَجَّهَتْ له إنذاراً لِمُغادَرَةِ البلاد خلال ثمانٍ وأربعين ساعة فقط.
لم يرتبك (آرام)، بل فرح لأن المرحلة الثالثة من مهمته قد اقتربت، وإنْ لَبِسَ
ثَوبَ القلق والحيرة عندما أخبر صديقَه (شحاتة) بذلك، الذي حَضَرَ على الفور.
- أرجو ألا تكون قَلِقاً يا عزيزي (آرام) .
- كيف لا أقلق، وأنا أبحث عن مأوى، ظَنَنتُ أنني في بلد الحرية باريز، حيث
يُحتَرَمُ الإنسانُ، وَتُصانُ حُقوقُه.
- لا داعي للقلق، لقد أبرقْتُ إلى القاهرة قبل ساعة، وسوف يأتيني الجوابُ حالاً.
- لكن كيف أعيش في ظِلِّ حُكمٍ عسكري ؟
- أنتَ مُناضِلٌ تَقَدُّمي يا عزيزي، وبلدنا لكلِّ التقدميين، هل نَسِيتَ أنك
طُرِدتَ من باريز لأنك تُساعِدُ الثورةَ الجزائرية ؟
- لكن هل يستطيع مثلي أن يَعِيشَ في القاهرة ؟
- القاهرة الآن من كبريات العواصم العالمية المتقدمة، ولن ينقص عليك شيءٌ سِوَى
(سوزي)، سَتَبقَى لي.
* * *
قبل ثمان وأربعين ساعة وَافَقَ (آرام) على مَضَض، وفي يوم 22 نوفمبر 1954م وصل
مطارَ القاهرة؛ لِيَجِدَ مُوَظَّفاً من وزارة الدفاع يستقبله بالمطار وَيُرَحِّبُ
به ضيفاً على وزارة الدفاع، ثم رافَقَهُ حتى فندق شيراتون الذي ارتفع عالياً على
ضفة النيل الغربية وسط حدائق غَنَّاء تُحيط به الساحات والشوارع العريضة.
- ما أجملَ القاهرة، إنها تُضَاهي باريز فعلاً . قال (آرام).
- هذه مِصرُ، أُمُّ الدنيا، حَضارةُ سبعة آلاف سنة، تُرَحِّبُ بكم يا سيدي .. ثم
اسمحْ لي بالانصراف لتأخُذَ قسطاً من الراحة.
* * *
بعد أنْ أغلق بابَ شقته جيداً، أَسرَعَ إلى حقائبه يبحث فيها عن قطع جهاز اللاسلكي،
فجمعها وركَّب الجهاز، ثم ضَحِكَ عندما تَذَكَّر كَيفَ حَمَلَ مُوَظَّفُ الجمارك
أمتعته، ولم يسمح لأحدٍ أن يفتَحَها، وهو يقول لنفسه:
- ها قد وصلتَ القاهرةَ يا (باروخ)، وغداً تلزمك شقةٌ في أرقى أحياء مصر.
عندما عاد إليه مُوَظَّفُ وزارة الدفاع طَلَبَ منه (آرام) البحثَ عن فيللا في مكان
من أرقى أحياء القاهرة، فعثر عليها في (هيلو بوليس)، حيث بقايا الإقطاع،
والبرجوازيون أصبحوا قِلَّةً أمام الفراعنة الجُدُد، رجال الثورة والحزب الواحد
والمخابرات، الذين انهال عليهم الثراءُ بشكلٍ مُفاجِئٍ من أموال الشعب وأقواته ،
وصاروا يتسابقون إلى امتلاك الفلل وسيارات المرسيدس السوداء .
كانت الفيللا واسِعَةً جداً، تحوي أربع حجرات، وصالةً كبيرة للاحتفالات، وحديقة
غناء يجلس على بابها رجل صعيدي يقوم بالحراسة، وتدخل إليها خادِمَةٌ تنظِّفُها
مَرَّةً كُلَّ يوم، أَغدقَ عليهما (آرام) الهبات والعطايا، فَأَحَبَّاهُ من أعماقِ
قلبيهما، وَتفانيا في خدمته والسَّهَر على راحته ، كعادة الشعب المصري الطيب.
)4(
دخل الفيللا ضابط جَوِّيٌّ طويل القامة، عريض المنكبين، بعد أن استأذن له البواب،
وخرج (آرام) يستقبله.
- أهلاً وسهلاً.. شرفتم مصر، ونوِّرَتْ مصرُ بكم، أنا (لطفي حبيب)، ضابط طيار،
كلَّفَني وزيرُ الدفاع إبلاغكم تحياته وشكره لِمَا قَدَّمتُمُوه للثورة الجزائرية.
- بُوركتم أيها المصريون، وقد غمرني كرمُكم، وبهرني جمالُ مصركم، تفضَّل.. أهلاً
بك في بيتك.
جلس ( لطفي حبيب) على أريكة فاخرة في صالة البيت التي تَنافَسَ فيها الأثاثُ
الجديدُ مع القديم، أرائك وطنافس لم يَـرَ مِثلَها في حياته قط، ثم عاد (آرام)
بصينية القهوة، فَهَبَّ (لطفي) واقفاً:
- أستغفر الله.. بيدك صنعتَ القهوة، وعذَّبتَ نفسَك ؟!
- عذابُكم راحة يا سيدي الجنرال.
- طالع خير.. لم أَصِلْ بعدُ إلى رُتبة الجنرال.
- سَتَصِلُها قريباً إن شاء الله.
- هذه قهوة طيبة، لم أَذُقْ مثلَها.
- إنها قهوتُنا التركية، والرجل يتفوَّقُ على المرأة حتى في الطبخ. (يضحكان).
- وزير الدفاع يُبلِغُكَ السلامَ، ويسألُ عن نوع الأسلحة التي تستطيعُ تَزوِيدَنا
بها.
- خِبرَتي في قِطَعِ الطائرات، مثل أجهزة الإرسال، وسائر الإلكترونيات في الطائرة،
وهذه القطع متوفرة في الهند وباكستان، كما تتوفَّرُ في أوربـا.
حَدَّدَ وزيرُ الدفاع قائمةَ القطع الصغيرة المطلوبة لإصلاح عِدَّة طائرات جاثمة
على سطح الأرض منذ عدَّة شهور، تَقِفُ الطائراتُ من أجل قِطَعٍ صغيرة، وَحَمَلَ
(لطفي) القائمةَ إلى (آرام).
- لَقَدْ سُرَّ وزيرُ الدفاع أيَّما سرور، وقال: هذا ما نحتاجه بالضبط، وقد
بَعَثَتْكَ العِنايَةُ الإلهية إلينا.
وتابع (لطفي حبيب):
- هل تعلمُ أن عندنا عدداً من الطائرات معطَّلَة عن الخدمة بسبب هذه القطع
الصغيرة؟!
- هل معك أسماء هذه القطع ؟
- نعم، هذه قائمة من الوزير أَعَدَّها مكتبُ الشؤون الفنية، بأسماء وأرقام
وموديلات القطع المطلوبة.
* * *
سافر (آرام) في أول مهمة خارجَ مصر، ليبذل رجالُ الموساد جهدَهم في تأمين القطع
المطلوبة، وبعد أيام قليلة عاد (آرام) بالقطع كلِّها، وَفَورَ وُصُوله اتَّصَلَ
هاتفياً بوزير الدفاع.
- سيدي الوزير، أنا (آرام)، عدتُ الآن من السفر، وقد وُفِّقتُ في شراء الحاجات
المطلوبة كلها، وأعتذرُ عن تأخُّري.
- أَحضرْتَ الأغراضَ كُلَّها ؟!
- نعم.. كلَّها.
- شكراً لك يا (آرام)، (لطفي ) في طريقه إليك .
في طريقه إلى (آرام) كان (لطفي) مسروراً للغاية، بسبب سرور وزير الدفاع الذي
أَكَّدَ عليه أن يَهتَمَّ بهذه التُّحفَةِ النادرة المُسَمَّاة (آرام)، والتي
ساقتها العنايةُ الربانية لمصر عامة، وللسلاح الجَوِّي خاصة، وأصبحت أحلام (لطفي)
تقترب من الواقع إذا مَتَّنَ صِلَتَهُ بآرام أكثر.
- لا تتصوَّر كَمْ هو فَرَحُ وزير الدفاع، يقول عنك إنك تحفة نادرة.
- لَمْ أَقُمْ إلاَّ بِبَعضِ واجبي، أَلَسْتُ مُسلماً مِثلَكُمْ، وقد فرضَ الله
علينا قِتالَ اليهود؟
- الحقيقة أن سعادة الوزير يَحلُمُ بتطوير السلاح الجوّي بِمُساعَدَتك.
- أنا جُندِيٌّ مُطيع، يا سيدي الجنرال .
- أرجوك، أنا (لطفي) فقط، ألا تقبلُني صديقاً لك أو أخاً ؟
- أنتَ أخي الكبير، وأنا رَهْنُ إشارتك، لكنْ قُلْ لي، هل تَعرفُ (شحاتة عبد
العظيم)؟
- نعم، ابن دُفعَتي بالكُلِّية، وَعَمِلْنا معاً في أكثر من قاعدة ونحن ضباطٌ
صِغار.
- ما رأيك به ؟
- لا يعجبني، مِثالي، غير واقعي، مغرورٌ أحياناً، وقد كنتُ معه على طَرَفَيْ نقيض.
- هل تَعرف سُلُوكَهُ الشخصي ؟
- سلوكُهُ عادي، وَرُبَّما أقربُ إلى المُحافَظَة.
- كيف ؟
- يَعني، يشرب في المناسبات، وربما تكونُ له صديقةٌ واحدة فقط، والحقيقة لا
يُعجبُني هذا الأسلوب، فنحن كضباط كبار تَركُضُ وراءنا الفاتناتُ، وحسب فلسفتي في
الحياة، يجبُ أن لا نَصُدَّ عَنهُنَّ، وأن لا نُؤَجِّلَ لَذَّةَ اليومِ إلى الغد،
أنا عندي عشرات الخليلات من نجوم الفَنِّ والسينما والرقص والأدب... إلخ، يصادف
أحياناً أن أشرب كلَّ ليلة، لم لا وكل هذا متوفِّر لنا بسهولة ؟
- إذن هذا هو رأيك في الحياة ؟
- وإني أعتقد أنَّ المُقاتِلَ ضابطاً كان أو جندياً يجب أن يعيشَ الحياةَ السعيدة
في وطنه، وأن ينعمَ باللَّذات كلِّها، حتى يُقاتِلَ عن وطنه عندما يُدَاهِمُهُ
العَدُوُّ، لأنه يُدافِعُ عن لَذَّاته الخاصة بـه، لذلك اقتَرَحْتُ عِدَّةَ
مَرَّات على سِيادَةِ وزير الدفاع أن نُرَفِّـهَ العَسكَرِيين، وأنْ نَجعلَ منهم
طبقةً مُدَلَّلة.
- لكن ما هي النَّظْرَةُ المُخالِفَةُ لك ؟
- بعضُهُمْ ما زال مُتَمَسِّكاً بِقُشور الماضي كالدِّين والعادات، وكأنه لم ير
أوربا سَبَقَتْنا عندما تَخَلَّتْ عن الدِّين، وعندكم في تركيا لو لم يَقُمْ (مصطفى
كمال باشا) لَكُنتمْ أكثرَ تَخَلُّفاً من العـرب.
- لقدْ سَرَقَنا الحديثُ يا عزيزي (لطفي)، أمَّا أنا فَأَرَى أن تُرَكِّزَ
اهتِمامَكَ في رِجالِ السلاح الجَوِّي لأنهم الضَّربـةُ الأُولَى في أَيِّ معركة.
- نعم، السلاح الجوي هو الأَهَمُّ ولذلك اخترتُـهُ .
- والطيارون هم زَهْرَةُ الأُمَّة، ونُسُورُها البَواسِل، وهم أَحَقُّ الناس
بالحياة .
- آه.. يا عزيزي (آرام) لو كُنتُ قائداً للسلاح الجوي لَجَعَلْتُ الطيارين مُلوكَ
زَمانِنا، وجعلتُ لهم إماءً وخَدَماً.
- إماء .. مِنْ أين ؟!
ضحك (لطفي) وقال :
- ثلاثة أرباع نساء اليوم إماء وجواري، يجب الاستفادةُ مِنهُنَّ قبل أنْ
يَذْبَلْن.
- فَلسَفَةٌ رائعة لم أَسمعْها مِنْ قَبل، المُهِمُّ أَنْ تَصِلَ هذه القطعُ إلى
مَواقِعِها بِسُرعة، هذه (المانفستاتُ ) وهي موجودةٌ في المطار باسم وزارة الدفاع.
جلس (آرام) بعد ذهاب (لطفي ) وقد استَبَدَّتْ به فِكرةُ استبدال شحاتة بلطفي،
فَقَدْ خَطَّطَ لِجَلْبِ (شحاتة) من باريز وتنصيبه قائداً لِسِلاح الجَوّ، وهو
يعتقد الآن أن (لطفي) هو الأفضل، لذلك أوعَزَ إلى (سوزي) أن تُهمِلَ (شحاتة)
بالتدريج.
عندما اتصل (لطفي) بوزير الدفاع يعلمه أن الطائرات المُعَطَّلَة قد أُصلِحَت الآن،
وهي الآن تقوم بالتدريب التعبوي، زاد سروره وقرّر دعوةَ (آرام) إلى حفلة العشاء
التي تُقِيمُها الوزارة في فندق شيراتون بمناسبة الاحتفال بأعياد ثورة 23 تموز
(يوليو) 1952م التي استطاع فيها (جمال عبد الناصر) أن يتخلَّص من عهوده للإخوان
المسلمين الذين شاركوا في الثورة، بل كانوا الرفـد السياسي لها ، حتى أن بيت سيد
قطب في حلوان يرحمه الله ؛ كان ملتقى الضباط الأحرار ، كما تؤكد ذلك الصور التي
حفظها لنا التاريخ ، بل وتمكَّن من توجيه التُّهَمِ إليهم بأنهم أعداء للثورة
وحُلَفاء للإقطاع، وأعدم سبعةً من قادتهم وزَجَّ الآلاف منهم في السجون، بما عُرِفَ
بمحنة 1954م، عندما بدأت بالتمثيلية في الإسكندرية، إذ قامت المخابرات الناصرية
بإطلاق النار، واتُّهِمَ الإخوانُ بذلك، عندما أعلن الرئيسُ اتهامه لهم وهو على
المنصَّة يُكمِلُ خِطابَهُ، وبدأت الاعتقالات ثم المحاكمات العسكرية فإعدام سبعة من
خيرة الرجال الذين دَوَّخُوا اليهودَ في حرب 1948م، منهم: يوسف طلعت، والشيخ فرغلي،
وعبد القادر عودة، وإخوانهم رحمهم الله تعالى جميعاً.
لأجل هذه المكاسب الناصرية كانت احتفالات العام 1955م عامرةً بالغناء والرقص
والشراب في ليلة متخمة بالفسق والمجون، ومن هذه الاحتفالات حفلة العشاء في شيراتون
التي أقامتها وزارة الدفاع على شرف السيد (آرام نوير) الذي ناداه وزير الدفاع وهو
يحتضنه : الأخ العزيز (آرام).
وفي هذه الحفلة تمكَّن (آرام) من التَّعَرُّف على كبار المسئولين والضباط ما عدا
القمة التي لم يَحِنْ وَقتُها بعد، وظَلَّ (آرام) يُقَدِّمُ (لطفي حبيب) لِكِبار
الضباط والمسئولين.
* * *
سافر (آرام) أكثر من مرة، وأُصلحت نيف وثلاثون طائرة حربية تُشَكِّلُ أكثرَ من نصف
السلاح الجَوِّي المصري، وزادت طلعات الطائرات الحربية في سماء مصر، وصار الناسُ
يكيلون المدح والإطراء للثورة وقادتها الذين يُناضِلُون من أجل بناء جيشٍ قَوِيٍّ
يُعيدُ للعرب عِزَّتَهُم وكرامتهم، وَتَرَدَّدَ اسمُ (آرام نوير) على ألسنة الضباط
والكبار والمسئولين كرجل مُخَلِّص ساقته العناية الإلهية إلى مصر، لِيَعمَلَ على
بناء ودعم سلاحها الجوي.
(5(
ما زال (عبد الناصر) بطلَ الثورة المصرية، وأُريدَ له أن يُصبِحَ بطلاً عربياً،
رائداً للقومية العربية التي اتُّخِذَتْ يومَها سِلاحاً فَعَّالاً لإماتة الشعور
الإسلامي والرابطة الإسلامية بين المسلمين عامة والعرب خاصة، ومن أجل هذا كان
العدوان الثلاثي على مصر، فَجَلْجَلَ صوتُ (جمال عبد الناصر) عالياً في إذاعات
العالم العربي كله، يقول وهو يخطب في بورسعيد عند تـأَمَّمَ قناةَ السويس، ولاحَ في
الأُفق شبحُ الحرب، يقول:
(لئن استطاع العَدُوُّ أنْ يَفرضَ علينا القتالَ، فلن يستطيع أن يفرض علينا
الاستسلام، سَنُقاتل، سَنُقاتل، سَنُقاتل، حتى آخر قطرة من دمائنا).
* * *
احتلَّت القواتُ الإسرائيلية (سَيناء) ونزلت القوات الفرنسية والإنكليزية في
بورسعيد واحتلَّتْها، وكادت أن تَصِلَ القاهرة، لولا الإنذارَين الرُّوسي
والأمريكي، اللذين أخافا فرنسا وإنكلترا، فلم تُتَابِعا الغَزْو، أما إسرائيل فَقَد
احتلَّت (سَيناء) كلَّها، ونزل الجنودُ اليهود حُفاةً يُقَبِّلُون أرض سيناء، وكان
(الدجوي) حاكماً لقطاع غزة المحتل عام 1956م وكان غرض اليهود آنذاك هو تهجير
الفلسطينيين والمصريين من القطاع، وساعدهم الفريق (الدجوي) في ذلك، وصار يَحُثُّ
المصريين والفلسطينيين على مُغَادَرَة القطاع، ثم خَطَب أكثر من مرَّة من الإذاعة
الإسرائيلية وَبَيَّن عورات الحكم في مصر، والذي تَصَدَّى له آنـذاك هو قاضي غزة
الشيخ محمد مأمون الهضيبي ( مرشد الإخوان المسلمين فيما بعد )، حيث استطاع مع بعض
المخلِصين أن يُفْسِدُوا خطةَ اليهود و(الدجوي) في تهجير الفلسطينيين والمصريين من
القطاع.
* * *
قلق (آرام) منذ اليوم الأول للحرب عام 1956م، واتصل بالفريق لطفي حبيب كي يجمعه
بوزير الدفاع على عجل.
- سيدي الوزير، اليهود خُبَثاء، وسلاحهم الجوي قوي، أما سلاحنا فما زال ناشئاً،
لذلك أقترح أن ترحل الطائرات كُلُّها إلى السودان، أو أسوان على الأقل.
- هل يُغامِرُ اليهودُ بمُهاجَمَةِ مطارات الداخل ؟!
- نعم .. طائرة الميراج سريعة، ولا يوجد لدينا ما يُقاوِمُها.
- أرى أن اقتراحه معقولٌ يا سيدي الوزير . قال (لطفي ).
- إذن لِيَكُنْ ذلك على الفور.
وصدرت الأوامر للطيارين أن يُقْلِعُوا بطائراتهم إلى السودان، هَرَباً من طائرات
إسرائيل، وبعد أن تأكَّد (آرام) من خُلُوِّ المطارات أعطى إشارتَهُ لإسرائيل،
فجاءتِ الطائراتُ الإسرائيلية تنقضّ على المطارات الفارغة، فَدَوَّتْ صفَّاراتُ
الإنذار في كل مكان، وَهُرِعَ الناسُ إلى المَلاجئ التي دُرِّبُوا عليها خلال
الأسابيع الماضية، ثم راح الطيارون اليهود ينقضّون على الهياكل الكرتونية التي
صُفَّتْ في المطارات المصرية للتمويه والخداع، وكانت الطائرات الإسرائيلية تبحث عن
هذه الأهداف الكاذبة وتضربها بصواريخها وقذائفها، وكان المتفرِّجون المصريون
يضحكون على غباء الطيارين اليهود، الذين لم يتركوا مطاراً في مصر إلاَّ وقذفوه
لِيُحَطِّمُوا مَدَارِجَه وَيُدَمِّرُوا طائراته الورقية الكاذبة، ولم يَكْتَفُوا
بِغارةٍ واحدة، بل شَنُّوا عدةَ غارات من أجل هذه الأهداف الورقية.
وبعد أن عادت الطائرات الإسرائيلية إلى قواعدها في الأرض المحتلَّة، كانت المكالمات
الهاتفية مع (آرام) و(لطفي حبيب) تحمل عبارات المدح والثناء والتندُّر بغباء الطيار
اليهودي الذي لا يُمَيِّزُ بين الطائرة الحقيقية والكرتونية.
وهكذا صار (آرام) هو الأبُ الفعلي لسلاح الجو المصري، فلولا اقتراحه الاستراتيجي
لَدُمِّرَ سِلاحُ الجَوِّ المصريُّ كُلُّه، ولكنه كما قال المسئولون في مصر: ساقته
العناية الربانية لمصر وفي تلك الآونة الحَرِجة لإنقاذها، ولإنقاذ السلاح الجوي
خاصة.
أما في الجانب الآخر، فكان الطيارون اليهود يَتَذاكَرُون بينهم أَعظَمَ (بروفة)
قاموا بها في حياتهم، تَعَرَّفُوا خلالَها على كلِّ المطارات المصرية، ويضحك أحدُهم
وهو يُخاطِبُ الآخرين:
- لقد دَمَّرتُم كُلَّ الطائرات الورقية للمصريين، وقد كُنتُ أرميها بالصاروخ وأنا
أعرفُها تماماً، لقد كانت الغاية هي التدريب الفعلي على قواعد العدوّ والتعرّف
عليها جيداً.
أما قائد سلاح الجوّ فيقول لنفسه:
- نَفَّذْنا تعليمات الموساد الصارمة التي أَلَحَّتْ علينا أن نقذف الطائرات
الورقية كلها، وكأننا لا نعرف أنها ورقية، لماذا يا تُرَى ؟ هم يعرفون، ونحن لا شأن
لنا بذلك.
* * *
دخل (لطفي) دار (آرام) وهو يقفز من الفرح .
- مبروك يا (آرام)، يا رفيق الكفاح والنضال، يا سعادة المفتِّش العام لسلاح الجوّ
المصري.
- لم أفهم شيئاً، ماذا جرى لك ؟!
- مبروك .
وأخرج (لطفي ) صورة من القرار الموقّع بتوقيع (عبد الناصر) الذي يرقّي العميد (لطفي
حبيب) إلى رتبة لواء، ويعيّنه قائداً لسلاح الجوّ المصري، كما يكلّف السيد (آرام
نوير) بمهمة مفتش عام لسلاح الجو المصري، كانت عيونه تزيغ بين السطور وهو يقرأ
نصراً ما كان يحلم به، وراح يُرَدِّد في سريرته: عاشت إسرائيل من الفرات إلى
النيل، سنحرق الأقصى ونبني هيكل سليمان، العالم كلُّه حتى العرب يخدمون قضيتنا
ويكافحون من أجل قيام دولتنا ومن أجل نجمة داود، عاش (عبد الناصر) وعاش (لطفي حبيب)
وعاشت إسرائيل.
- ارقصْ معي يا سعادة المفتّش العام.
- وهل أنت (سوزي) لأرقص معك.
- من هي (سوزي) ؟
- إحدى صديقاتي الباريسيات.
- ولماذا تخفيها عني حتى الآن ؟
- لمناسبةٍ مثل هذه يا سعادة الجنرال.
- هل تدعوها الآن ؟
- نعم، هي في الطريق إلينا.
- بل إليّ.
- كما تريد.
وأُخرجَتْ زجاجاتُ الخمر ليشربا كؤوس المجد والسؤدد.