4
لكن ، في ذات يوم و أثناء استراحة بين جراحتين ، أبلغَتْه ممرضة أنه مطلوب على الهاتف . سمع صوت تيريزا عبر السماعة ، كانت تخابره من المحطة . سرّ لذلك . لسوء الحظ كان مشغولاً هذا المساء فلم يدعها لزيارته إلا في الغد . ما إن أقفل السماعة حتى ندم لأنه لم يطلب منها أن تأتي في الحال . كان الوقت لا يزال يسمح له بإلغاء موعده . تساءل عمّا ستفعله تيريزا في براغ طول الساعات الست و الثلاثين التي تفصلهما عن لقائهما ، فرغب في ركوب سيارته و الانطلاق بها بحثاً عنها في شوارع المدينة .
وصلت مساء ذلك الغد . كانت تحمل حقيبة ذات حزام طويل . وجدها أكثر أناقة من المرة السابقة . كانت تتأبط كتاباً ضخماً : (( آنا كارينين )) لتولستوي . كانت تصرفاتها مرحة و ربما صاخبة . و كانت تجهد لتبرهن أن مرورها لم يكن إلا من باب الصدفة وحسب ، و بسبب ظروف خاصة : فوجودها في براغ كان لدواعٍ مهنية و ربما ( كانت مزاعمها غامضة جداً ) للبحث عن وظيفة جديدة .
بعدها ، وجدا نفسيْهما ممدّدين على السرير جنباً إلى جنب عاريين و منهمكين . كان المساء قد حلّ . سألها عن مكان إقامتها و أراد اصطحابها في السيارة . أجابت بانزعاج بأنها ستفتّش عن فندق و أنها وَدَعَتْ حقيبتها في المحطة .
عشية البارحة ليس إلا ، كان يخشى أن تأتي لتمنحه حياتها فيما لو دعاها للمكوث عنده في براغ . الآن عندما سمعها تقول له بأن حقيبتها كانت في المحطة قبل أن تمنحه إياها .
صعد إلى جانبها في سيارته المتوقفة أمام البناية ، ذهب إلى المحطة فأمسك بالحقيبة ( كانت ضخمة و ثقيلة للغاية ) و أتى بها و تيريزا إلى بيته .
كيف حدث أنه قرر بهذه السرعة في حين أنه كان يتردد ما يقارب الخمسة عشر يوماً و لم يرسل لها حتى بطاقة بريدية ؟
كان هو نفسه مدهوشاً : كان يتصرف بخلاف مبادئه . ها قد مرت عشر سنوات على طلاقه من زوجته الأولى ، و هو يعيش طلاقه في جو من الابتهاج مثلما يحتفل أناس آخرون بزواجهم . كان قد فهم إذ ذاك أنه لم يُخلق ليعيش في كنف امرأة واحدة أياً تكن هذه المرأة ، و أنه غير قادر على أن يكون هو نفسه حقاً إلا عازباً . كان يحرص إذاً كل الحرص على تنسيق نظام حياته بشكل لا يمكن معه لأية امرأة أن تأتي لتقيم عنده مع حقيبتها . و فوق ذلك ، فهو لا يملك إلا سريراً واحداً . و مع أنه سرير واسع بما فيه الكفاية ، فإنه كان يؤكد لشريكاته أنه لا يقدر على النوم مع أحد على فراش مشترك . كان يُعيدهن جميعهن إلى منازلهن بعد حلول منتصف الليل . من جهة أخرى ، حين بقيت تيريزا عنده في المرة الأولى بسبب الزكام ، لم ينم إلى جوارها ، بل أمضى ليلته الأولى على كنبه كبيرة ، و لياليه المتتالية في عيادته في المستشفى على كرسي طويل كان يستعمله أثناء الخدمة الليلية .
لكنه في هذه المرة نام قربها . عندما استيقظ في الصباح وجد أن تيريزا لا تزال نائمة و هي تمسك بيده . هل بقيا ممسكَيْن بأيديهما هكذا طوال الليل ؟ كان يصعب عليه تصديق هذا الأمر .
كانت تتنفس بعمق أثناء نومها و تمسك بيده ( بقوة ، لم يكن قادراً على الإفلات من قبضتها ) ، و كانت الحقيبة الثقيلة للغاية ملقاة قرب السرير .
لم يكن يجرؤ على سحب يده من قبضتها لئلا يوقظها ، فاستدار بحذر على جنبه ليتمكن من مراقبتها بشكل أفضل .
مرة أُخرى قال في نفسه : إن تيريزا طفل وضع في سلة مطلية بالقطران و رُميت في مجرى النهر . هل في إمكان المرء أن يترك سلة في داخلها طفل تنجرف مع مياه النهر الهادرة ؟ لو لم تخرج ابنة فرعون سلة موسى الطفل من الماء لَمَا كان العهد القديم و لا كانت معه حضارتنا ! في بداية أساطير كثيرة هناك أحد ما ينقذ طفلاً لقيطاً .لو لم يلتقط بوليب أوديب الطفل لما استطاع سوفوكل أن يكتب أجمل مسرحياته التراجيدية .
لم يكن توماس يدرك من قبل أن الاستعارات شيء خطير . لا يمكننا أن نمزح مع الإستعارات . فالحب قد يولد من استعارة واحدة .