١

9 0 00

١

ومضى ثلاثة أيام على البارون فيليب دي مورلكيس دون أن يرى أخاه الفيكونت كارل، ومضى خمسة أيام دون أن يرى ولده أجينور.

غير أن هذا البارون كان (كما يعرفه قراء رواية سجن طولون) منخلع القلب ضعيف الإرادة؛ فكان يخشى حدوث مصيبة من انقطاع أخبار أخيه وولده، فلم يجرأ على السؤال عنهما.

وكان لا يزال في فراشه يشكو صدع رجله، فلما كان اليوم الرابع جاءه خادم غرفته بالجرائد، ففتح إحداها وقرأ فيها تلك المقالة التي عرفها القراء بعنوان حادثة سجن لازار.

فلما وقف على موت أنطوانيت اضطرب اضطرابًا شديدًا، وكبرت عليه جريمة قتلها، وتمثل له خيال الطبيب فنسانت يعيد عليه قوله السابق: اندم كما ندمت عسى يغفر لك الله، وذكر أن ابنه يهوى الصبية؛ فخشي أن تقتله مصيبته فيها.

وفيما هو على هذا الاضطراب دخل عليه أخوه الفيكونت كارل، فلما رآه زاد اضطرابه فقال له بلهجة القانطين: أماتت الفتاة؟

فأجابه كارل ببرود: كيف عرفت موتها؟

– من الجرائد؟

– تبًّا لهذه الجرائد! فإنها تتداخل في كل شأن ولا تخفاها خافية، وبعد فما هذا الاستياء من موتها؟ ألعلك لم تكن تتوقعه؟

– وأنت فما هذه السكينة؟ ألعل موت الفتاة لم يؤثر عليك؟

– كيف يؤثر عليَّ موتها ولا راحة لنا إلا بهذا الموت؟! ولكنك إذا رأيتني اليوم ساكنًا فقد كان لي بالأمس موقف شديد ترتعد له الفرائص.

– كيف ذلك؟

– ذلك أن تيميلون الذي يدبر تلك المكيدة أوشك أن يخوننا أمس.

– أمن أجل المال؟

– كلا، بل لخوفه من رجل شقي هرب من سجن طولون وهو يدعى روكامبول، ألم تسمع بهذا الاسم؟

– نعم، فهو اسم لص شهير.

– هو ذاك، وقد خافه تيميلون خوفًا شديدًا حتى بات يتمثل له بكل مخيل؛ لاعتقاده أنه عارف بأمرنا وهو مصيب في اعتقاده، ألا تذكر أنه عادك يومًا طبيب إنكليزي؟

– نعم.

– فلم يكن هذا الطبيب غير روكامبول، جاءك متنكرًا للوقوف على أسرارنا.

ثم قص على أخيه جميع حوادث الليلة الماضية.

ولما فرغ من حديثه قال له البارون: إني أخشى أن يكون ظن تيميلون صادقًا، وأن يكون روكامبول هذا واقفًا على دخائل أسرارنا.

– وهبه كان صادقًا في ظنونه، وكان روكامبول متداخلًا في شئوننا؛ فإن ذلك يدل على ضعفه لأننا كنا نسعى إلى إخفاء أنطوانيت، وقد فزنا بكل ما نريد.

فقال البارون: أواثق أنت من موت أنطوانيت؟ (اقرأ رواية سجن طولون قبل هذه).

فضحك كارل وقال: أتحسب أن إدارة السجون تمزح بنقل الأخبار الكاذبة وتسجيل الوفيات الكاذبة؟

– أماتت حقيقة مسمومة كأمها؟

– نعم، لأن تيميلون تعهد بتسميمها مقابل خمسين ألف فرنك ستدفعها له أو لمن يرسله، لأني سأبرح باريس بعد ساعة.

– أنت تسافر بعد ساعة؟! وإلى أين؟

– إلى روسيا، وإن المركبة تنتظرني على بابك، وأنا بملابس السفر كما تراني.

فزاد عجب البارون وقال: ماذا يدعوك إلى السفر إلى روسيا؟

– يظهر أن التعب قد أضعف ذاكرتك، أنسيت أن لأنطوانيت أختًا تدعى مدلين، وإنها معلمة في روسيا، كما أخبرني ابنك أجينور.

فاضطرب البارون وأدرك قصد أخيه الهائل؛ فقال له: بربك يا أخي كفانا آثامًا، وحسبك قتل أنطوانيت، فدع أختها، ألا تخشى العقاب؟

– لا يخشى العقاب غير البلهاء الذين يدعون البوليس يقبض عليهم.

– أما أنا فخوفي شديد.

– ممن؟

– من الله.

فهز كارل كتفيه وقال: أما أنا فلا أخاف إلا من المشنقة، وقد اتخذت ما ينبغي من الاحتياط؛ بحيث بت في مأمن من الشرع.

– ولكنك قتلت أنطوانيت لأنها عرفت اسم أمها، وأما مدلين فكيف تخافها وهي لا علم لها بشيء؟

– بل إنها تعلم كل شيء، وهي عائدة من روسيا إلى فرنسا، وأنا ذاهب للقائهم في الطريق.

– أتقتل كل يوم نفسًا بشرية؟ وترتكب كل يوم جريمة احتفاظًا بهذه الثروة؟ وما هي بثروتنا لأنها مسروقة! رباه إن هذا الأمر شديد لا تحتمله النفوس.

– بل إنك ضعيف أبله، فلا تغمس يدك بالجريمة، فإني أتكفل بها وحدي، ولا تنس أن تدفع لتيميلون ما وعدته به من المال.

ثم ودعه ومضى، وبعد ساعة ركب القطار وهو يقول: فرغنا من أنطوانيت، فلننظر الآن في شأن مدلين.