٣
عندما عاد الكونت بونتيف إلى موسكو، كانت مدلين تناجي نفسها بأحلام السعادة وتفسح لديها المجال، فإن إيفان كان يحبها، وقد باح لها بغرامه، وهو جاث على ركبتيه أمامها، وأقسم لها: أنه لا يتزوج الكونتس فاسيليكا، وأنه لا يتخذ زوجة سوى حبيبته مدلين، ولم يكن إيفان كاذبًا فيما قال؛ لأنه كان يحب مدلين حبًّا صادقًا، وكان واثقًا من موافقة أبويه على زواجه بها لشدة دلاله عليهما، ولفرط حنوهما عليه.
فلما علم بقدوم أبيه من أراضيه أسرع إليه وباح له بهيامه بمدلين كما باح لأمه، وأخبره عن عزمه على الاقتران بها، فأصغى إليه أبوه دون أن تبدو منه بادرة غضب، ولكنه قال له باكتئاب: إنك ستدفع بنا إلى هاوية الخراب إذا رفضت الزواج بالكونتس فاسيليكا.
غير أن إيفان كان يحب مدلين حبًّا مبرحًا، فلم يكترث لحالة أبيه، وقد نزهه الغرام الصادق عن أن يبيع نفسه بيع السلع.
فلما رأى أبوه ما كان من عناده قال له: لا بأس إنما أستمهلك إلى الغد كي نبحث في هذا الشأن الخطير، وأباحث مدلين، فأعلم إذا كانت تحبك حقيقة كما تحبها أنت.
– أتشك بذلك يا أبي؟
– إن شرطي بسيط كما يظهر، لا سبيل إلى رفضه.
– إني لا أرفضه يا أبي فافعل ما تشاء.
– تعدني أنك لا تقول كلمة لمدلين إلى الغد.
فأجابه إيفان بملء البساطة، سأجتهد أن أفي بهذا الوعد.
– ما زلت تخاف أن لا تتمكن من الوفاء بوعدك، فإن لدي طريقة لحملك على الوفاء، فأين هي مدلين الآن؟
– إنها مع أختي.
– إذن، فاركب مركبة وسر بها إلى منزل صديقي البرنس ك، فإنه يبعد مرحلتين عن موسكو فبلغه سلامي وقل له: إني عدت إلى موسكو، ولا شك أن البرنس سيدعوك إلى العشاء؛ بحيث إنك لا تسطيع العودة إلا بعد نصف الليل، أي بعد أن تنام مدلين، وعلى هذا: فإنك لا تستطيع أن تراها قبل غدٍّ، وأكون أنا قد رأيتها الليلة وحادثتها فيما أريد.
فلم يسع إيفان إلا الامتثال لاضطراره إلى إرضاء أبيه، فركب مركبة وذهب، وبعد ساعة كان في قصر هذا البرنس.
أما هذا البرنس فقد كان من قواد الجيش المعتزلين، وكان شديد التمسك بالمبادي القديمة، كثير السخط على المبادي الاصطلاحية الجديدة التي وضعها إسكندر الثاني، فكان يجتمع إليه في منزله كثيرون من الناقمين أمثاله، ويظهر كل منهم ما يعن له من أقوال السخط، ويتمنون المحافظة على القديم.
فلما جاءه إيفان برسالة أبيه انخرط بينهم، وتمكن منه الشراب فاندفع مثلهم في هذا المجال، فجعل يشكو شكوى مرة من بطء الترقي في الجيش.
وفي الساعة الأولى بعد منتصف الليل — حين انفض المجلس — برحه إيفان فركب مركبته، وحاول الرجوع إلى موسكو.
فلما بلغ باب المدينة المقدسة سأله ضابط الحرس عن اسمه فذكره له، فقال: أنت ابن الكونت بونتيف، ورتبتك ضابط في الحرس الإمبراطوري؟
– نعم.
– أما كنت قادمًا من منزل البرنس ك؟
– نعم، وهل علي حرج بقدومي من عنده؟
– ولكني مأمور بالقبض عليك.
ثم أطلعه على الأمر وهو ممضي بتوقيع رئيس البوليس في موسكو.
فبذل إيفان جهده كي يأذن له بمقابلة أبيه، غير أن الضابط أبى عليه إجابة ملتمسه، فأنزله من مركبته وركب وإياه في مركبة أخرى، فسارت بهما في طريق بطرسبرج دون أن يستطيع كتابة كلمة إلى أبيه أو إلى مدلين.
ولا بد أن يكون عرف القراء بأن صدور الأمر بالقبض عليه وإرساله إلى بطرسبرج لم يكن إلا بإيعاز من أبيه؛ فإنه فضل مفارقة ابنه فراقًا وقتيًّا على أن يراه زوجًا لفتاة فرنسية لا تعرف اسم أبيها.
وفي اليوم التالي اجتمعت والدة إيفان بمدلين، وجعلت تمشي وإياها قرب غرفة ولدها، وهي تظهر لها من طباعه ما خفي عليها، وتذكر لها عن طيشه وقلة وفائه أمورًا جعلتها شبه مقدمة لما سيجيء.
ولما وصلت إلى غرفة إيفان وقفت بها أمامها فسمعت مدلين صوت السيوف تقرع على الأرض، فعلمت أن إيفان مجتمع فيها بأصحابه.
ثم سمعت صوت إيفان يتكلم ويضحك فوقفت كي تسمع وتشاغلت الكونتس عنها، فسمعته يقول: إن أبي وأمي شديدا القسوة عليَّ، فقد تداخلا في أمري مع هذه الفتاة الفرنسية، وأفسدا جميع المساعي التي بذلتها حين كدت أبلغ مرادي من إغوائها.
فقال له أحد الحاضرين: إذن، لا صحة لما أشيع من أنك ستتزوجها؟
فسمعت مدلين صوت إيفان يضحك ويقول: ومتى صح أن يتزوج مثلي فتاة لا نسب لها؟! ولكني كنت أعدها هذه الوعود إلى أن حال والدي دون قصدي، وأنا مسافر إلى بطرسبرج للزواج بالكونتس فاسيليكا.
فلما سمعت كلامه هذا سقطت مغميًّا عليها، فأمرت الكونتس الخدم بحملها إلى غرفتها.
وفي اليوم التالي كتبت إلى أختها أنطوانيت ذلك الكتاب الذي تقدم ذكره في رواية سجن طولون.
ولم يكن الصوت الذي سمعته مدلين صوت إيفان، بل كان صوت السائق بطرس، وقد حمله الكونت وامرأته على تمثيل هذا الدور منعًا لزواج ابنهما إيفان بمدلين.
ولم يكن يرضي الكونت الشرس أن تبرح مدلين من روسيا إلى فرنسا، بل كان يريد أن لا يدع سبيلًا لابنه كي يتبعها بعدما عرفه من هيامه بها، كي لا يبقى حائل دون زواجه بفاسيليكا، فخط خطة جهنمية، وأمر في اليوم التالي أن تسافر مدلين وهي لا تزال تتلهب من الحمى.
فأرسلت في مركبة بريد كانت مسافرة فيها امرأة عجوز، وأرسل معها السائق بطرس، وقد تزيا بزي الخدم وجلس أمام السائق.
وكان الكونت قد عرف ما انطوى عليه هذا الرجل من الشر، ورآه ينظر إلى مدلين نظرة المعجب بجمالها فاختلى به، وقال له: أراك تنظر إلى هذه الفتاة بإعجاب فهل راقت لعينيك؟
فضحك بطرس وقد أدرك قصده، فقال له الكونت: إني لست بأبيها وما أنا بوصي عليها، ولكني نفحتها بعشرين ألف فرنك كي تكون مهرًا لها، وهي تحمل هذا المال أوراقًا مالية في جيبها.
فنظر كلاهما إلى الآخر نظرة تغني عن كل قول، وصعد بطرس إلى مكانه أمام السائق، وسارت بهما المركبة، تنهب تلك السهول الشاسعة ولسان حال مدلين يقول:
وتلفتت عيني فمذ بعدتعني الديار تلفت القلب