٤
وظلت تلك المركبة تجري بها ٨ أيام لا تستريح إلا في المحطات حين تغيير الجياد، ولا أنيس لها غير تلك المرأة العجوز التي كانت منشغلة عنها بكلبها تداعبه وتضمه إلى صدرها وقاية من البرد.
وكانت مدلين لا تزال تحب إيفان بالرغم عما سمعته من حديثه، كأنما قلبها كان يناجيها أن الحديث زور، وكانت ترى أنها سوف تجتاز حدود بولونيا إلى ألمانيا ومنها إلى فرنسا، تلك البلاد العزيزة التي ربيت فيها بين أنطوانيت ومربيتها مدام رينود فيخفق قلبها، ولكنها لا تلبث أن تذكر إيفان حتى تنسى كل عزيز لديها في الوجود وتلتفت إلى ورائها كأنما تطمع أن ترى ذلك القصر وقد بعدت عنه ٨ أيام.
أما بطرس فكان ينظر إليها نظرات الهائم ولا يتكلم إلا بالإشارات، وكان هذا الرجل وحشي الأخلاق، فاسد السريرة منطويًّا على الدهاء، وهو على هذه الأخلاق شديد الشراهة إلى المال، كثير التهور في مجاري الشهوات.
وقد قال له الكونت: إن مدلين لديها ٢٠ ألف فرنك، فبات يطمع بمدلين وبمال مدلين، وكان يقول في نفسه: إن مدلين لا تستطيع الدفاع عن نفسها وهذه العجوز منشغلة بكلبها، فلا أخشى غير السائق، إذ قد يتفق أن يكون شريف القلب فلا يوافقني في أغراضي.
وما زال يبحث منذ ٨ أيام عن طريقة تنيله إربه فلا يجدها، وما زالت مركبة البريد تسير والثلج من تحتها ومن فوقها حتى توارت الشمس في الحجاب في اليوم الثامن لمسيرها من موسكو، فوقفت أمام منزل معتزل وسط غابة كثيفة وهو إحدى المحطات.
وبينما كانوا يغيرون الجياد خرجت مدلين من المركبة وتبعتها العجوز إلى المحطة ليستريحا فيها، وخلا عند ذلك بطرس بالسائق الجديد الذي يقود المركبة، فقال له: ألا تريد أن تسرع بالسير؟
– أسرع بقدر المكافأة.
وكانت علائم البلاهة بادية في وجه السائق، فتمكن منه بطرس كل تمكن، وبينما هو يحادثه أقبلت مدلين والعجوز فسكت؛ لأنه كان يمثل دور الخرس، وصعد إلى مكانه بقرب السائق …
وانطلقت بهم المركبة في ذلك الغاب.
وكانت الشمس قد توارت وتكاثف ظلام الليل، وقد أضنك التعب مدلين، فأغمضت عينيها ونامت نومًا عميقًا.
وكان بطرس يلتفت إليها من حين إلى آخر، ولما رأى أنها توغلت في رقادها دفع السائق بكوعه، وقال له: ألا يوجد قرية قريبة أو فندق معتزل ندركهما قبل طلوع الفجر.
– إن هذه الغابة متسعة لا قرى فيها، إنما يوجد فندق معتزل يبعد قليلًا عن هذا المكان الذي نحن فيه الآن.
– صف لنا الفندق.
– لا حاجة إلى وصفه، بل أقول لك عنه: إن من كان جائعًا أو ظمآنًا فلا يجب أن ينزل فيه.
– لماذا؟
– لأن الشراب فيه سيء والطعام قليل.
– إذن، فهو منعزل أتم الاعتزال فلا يقيم فيه أحد؟
– هو ما تقول لا سيما وأن لهذا الفندق سمعة سيئة تبعد المسافرين عنه، فقد حدثت فيه جرائم كثيرة على مرأى من صاحبته، فكانت تتغاضى عن المجرمين وتدعهم يفعلون ما يشاءون، وفوق ذلك فإن اسم ذلك الفندق ساوا، وهو اسم طائر يتشاءم به الروسيون ويتطيرون منه أشد التطير، وربما دعي بهذا الاسم لكثرة وجود هذا الطير في أكنافه، فإذا سمع الروسي صوته هرب منه كما يهرب من الخطر.
– كم يبعد هذا الفندق؟
– يبعد مرحلتين، ولكنكم تستطيعون تجنب الإقامة فيه إذا واصلنا السير حتى نبلغ إلى محطة أمينة.
– لا أجد سبيلًا لذلك، فإن سيدتي أضنكها التعب، ولا بد لنا من الاستراحة في هذا الفندق، أما أنت، فتعود إلى المحطة أو تواصل سيرك كما تشاء.
– إنك متفق معي على الوصول إلى بترهوف، ولا بد من أن تدفع لي الأجرة كاملة.
– أدفعها وزيادة.
ففكر السائق هنيهة، وقال: لا بأس فإني أتشاءم كسواي ولا أخشى أن يصيبكم سوء في هذا الفندق، فأنا سأبقى معكم فيه، وعند الصباح أعود إلى المحطة.
– كلا، بل إنك تعود في الحال عند وصولنا، وإني أدفع لك مقابل ذلك عشرة ريالات، إنما أطلب إليك الإسراع.
فأوشك السائق أن يجن سرورًا بهذه الهبة، وضرب الخيل بالسوط، فاندفعت تمرق مروق السهم بين تلك الأشجار الكثيفة، حتى انتهت إلى ذلك الفندق، فوقفت عنده.