الجزء الثاني
أغاممنون – أشيل – عولس
أغاممنون: سرعانَ ما عدت يا مولاي وسرعانَ ما أتيح لك النصر، فلله أنت من فارس بطل تطيعك الأقدار ويعنو لك الانتصار.
أشيل: لقد بالغت يا مولاي فيما لا يستحق ذكرًا ولا يكاد يُدعى لقلته نصرًا، فاعدل بحقك عن هذا المديح وادعُ لنا الله بهبوب الريح؛ لنمضي إلى نصر أعظم وأعلى، وقتال تكون جائزته أثمن وأعلى. ولقد زادني سرورًا ما سمعته عن قدوم ابنتك إلى هذا المكان، حتى أكون بها عن قريب أسعد إنسان.
أغاممنون: ابنتي …؟! ومن قال لك إنها آتية قريبًا؟
أشيل: وعلامَ هذا الدهش؟ هل ترى في الأمر شيئًا غريبًا؟
أغاممنون: ويلاه يا عولس! هل تراه عارفًا بالأمر وحقيقة السبب؟
عولس: ليس أغاممنون ملومًا في دهشه؛ فإن في أمرك ما يقضي بالعجب. كيف تعجل في طلب الاقتران وأنت ترى في أية حال نحن الآن؟! ألم ترَ سكون الريح وهدوء البحر وضجر الجيش وملل الملوك؟ ألا تعلم أن ذلك شأن يستوجب الدعاء، بل يقضي بتقديم الدماء؟ فكيف تسعى أنت في إتمام هذا القران وأنت ترى ما نحن عليه من التأخر في هذا المكان؟ أكذلك تكون النفوس الأبية، والغيرة على الخدمة الوطنية؟
ما كنت آمل يا أشيل منك أرىما لم يكن قط معهودًا بأبطال
أتستميلك أهواء النساء عن الكفاح إذ أنت رأس الجيش في الحال
وتنثني نحو عسال اللما طربًاعن كل فجر بدا في كل عسال
وتغتدي بحسام اللحظ منكسرًاوأنت تكسر ضربًا كل نصال
أشيل: كفى يا عولس، فلا تكثر عليَّ الملامة والأقوال فقد تركت لكم أمر التدبير، وفوضتكم في جميع الأحوال فافعلوا ما أشارت به الآلهة عليكم، واذبحوا ما أردتم، وأتمُّوا نعمة الله عليكم، ودعوني أنظر في أمر نفسي وأدبر شأن عرسي، فما الذي يضركم من ذلك وهو عمل تفرح له الآلهة من سمائها، ويكون مهره ما سأريقه من دماءِ أعدائها؟
أي شيءٍ يعيقني عن قتالٍحين تصلى الوغى بضرب النصالِ
أنا في السلم عاشق ذائب القلــب غرامًا وفي الوغى كالجبالِ
لا تلمني دعني أفي الحب في السلــم وأقضي حق العلا في القتالِ
أغاممنون: ويلاه كيف أكتم عنه الأمر، وأكون عقبةً في طريقه إلى النصر؟! هل يسمح الله بسيف هذا البطل أن يسل عليَّ بعد أن كان مجردًا لنصري بين يديَّ؟ يا رب هل أرجع بالجيش على أعقابه؟ هل أرد سيف كل رجل إلى قرابه؟
أشيل: ماذا تقول …؟
أغاممنون: أقول: إنه يجب على كل منكم أن يرجع برجالهِ ويقطع من هبوب الريح حبال آماله، فإني أرى الآلهة تحمي تلك المدينة منا، حتى تعرضت لنا لتمنع طريقها عنا.
أشيل: ما الذي بلغك عنها، ودعاك لقطع آمالك منها؟
أغاممنون: ذلك أمر لاحق بك تفسيره، فإنه راجع إليك وأنت عضده ونصيره، وأنت تعلم أن الآلهة قد ناطت إليك ذلك الأمر. ووقفت على حسامك آية النصر، حتى ظفرت بتلك الحرب التي دعيت إليها. وكنت عونًا لأبيك إذ ساعدته عليها. أما حرب ترواده فقد خط لك بها القلم، إنك صائر فيها إلى العدم، ومن استرعى الذنب فقد ظلم.
أشيل: مولاي ما هذا؟ أتسمح أن ترتد كل هؤلاء الملوك بعدما أصبحت طوع زمامك وتترك باريس ظافرًا بمشتهاه يتنعم بأخت امرأتك كما يميل به هواه؟!
إن كنت تقعد عن حرب العدا مللافلست أقعد عنهم لا وربي لا
أحببت بنتك حبًّا ظلَّ ينشدنيأحيي وأيسر ما قاسيت ما قتلا
إذا أنا لم أنل منها الزفاف فلازفَّ الحسام إلى مجدي سنًا وعلا
وأنت يا من لها لا ألتقي مثلالكنها صيرتني في الهوى مثلا
وحق عينيك والسيف الصقيل لقدتشابها في فؤادي حيثما نزلا
إني أرى الموت تحت السيف أيسر ليمن أن أموت هوًى لا أبلغ الأملا
ولا أرى سبلًا غير الحسام لهيغدو به النصر مهرًا والفخار حلى
أغاممنون: مكانك يا أشيل، فقد كفانا من بأسك انتقامًا وكفى الأعداء من حربك موتًا زؤامًا، فقد كان لك فيهم مواقع ما جرت بمثلها العادة، قذفَ البحر أجساد القتلى منها إلى شطوط ترواده، وفوق ذلك فإن أهلها لا يزالون يندبون الفتاة التي أسرتها، وهي فتاة ذات جمال بديع، يختفي تحته سرٌّ يقال إنه مريع، وإن في سكوتها وطول صبرها ما يجعلني أن أرتاب في حقيقة أمرها، فهي لا شك من سلالة علياء يجلب علينا أسرها ما لا نحسبه من البلاء.
أشيل: لقد بالغت يا مولاي في التكهن، وأكثرت من التشاؤم والتيمن. ومعاذ الله أن أرتاع لكلامك، أو أرجع عن فتح أناله بحد حسامك؛ فقد عزمت عزمًا ورأيت رأيًا، وأبت المروءة أن أرجع عن عزمي أو أنصرف عن همي، ولي في شرف آبائي المجد الباذخ والشرف العالي، يقودني إلى لقاء العلا والتقاء العوالي.
فلا تحسبنْ أني أخاف من الوغىوأن سكون الريح يسكن من عزمي
ولي صارم إن لاحَ صارم حكمهفما تنزل الأيام إلا على حكمي
كذا أنا في حب المفاخر والعلاويوم اللهو والمجد والحرب والسلم
ذلك مجد يليق بالأبطال، ويشرف بدم الرجال، ولست أبلغه إلا في ترواده، فلا بد أن أسير إليها، وأطبق بالمراكب والرجال عليها، فإن لم تتبعني ذهبت وحدي، وجعلت نصيري حسامي وزندي، ولكن لا فقد ناط الله إليك ذلك الأمر، ووقف لنا على حسامك سبيل النصر، فاذهب ونحن على آثارك نساعدك في انتقامك وأخذ ثأرك، إلا أن عشقي لابنتك يقضي عليَّ بتعجل قرانها، حتى أكون على عوني لك من أخص أعوانها.
عشق غدا فؤادي وهو لي أملوهو القنوط ولكن ما به ملل
عشق سأسعى إليه لو سفكت دميودون نيل الأذى لا يجتنى العسل
فأبشر بنصري في حرب سعيت لهانصر تقود إليه البيض والأسل
واسمح بأن أمضي كي أرى عجلًاما يفعل الجيش إني راق لي العجل