-2-
الأيام تتسارع، وتمضي الشهور. سنتان أو ثلاث ستمضي. العمر همزة وصل مكسورة. سطور ملونة، كسهول بلادي، مجعّدة كتلالها.
يكاد الدم ينفر من وجهي. لم أنظر خلفي، حينما ودعت أصدقائي. . بصري يمتد. يسوح في الربوع الواسعة. يقطع الخنادق الأمامية. أفكاري كالسواح تنتقل بين المناطق الأثرية. حملي ثقيل. في بطن كيس البحارة أحلام ووطن وربوع، ومياه آسنة، وهواء أكسدته الحروب، وفوارغ طلقات. في السلم يفتشون عني، في البيوت، وبين جدران الجامعة. يوقعون مع قسم اليمين أنهم شاهدوا ضوء بيتي، باليوم والتاريخ. وفي الحروب يحمّلونني كيسي وأمتعتي وحذائي.
قلبي جزء من هذا التراب. وصلة من هذه الطرق الطويلة. قسمة من السهول الممتدة حتى مشارف التلال. . أينما ذهبت سأغرد مع أحلامي، سأضرب أوتاد خيمتي فوق أية تلّة أو جبل، أو بجانب الوادي... الأحلام تتطاير من رأسي كعصافير الشتاء.
الحاسة السادسة بدأت تتكلّس. لم تَعُد صادقة. أصبحت تعكس الأمور. تكذب علّي. تحوّل الكذب الأبيض إلى كذب أسود. اصبح الذي يعمل يُعاقب. مكروهاً، انعزالياً ذليلاً، حقيراً، مثل كلب شارد يصطاد الذباب من قلّة الحيوانات النافعة.. أنا ذبابة أو حيوان نافق.. أَمُنافق الذي يصرخ في وجه الريح! أمتحايل الذي يفتح ذراعيه للعواصف! جبان مَنْ يسرق قوتي! مَنْ تعوّد على حبّ الناس تسمو نفسه. " لا تعود نفسك يا محمود على كرُه الناس، إكْراه الأمر القسري. إلعن التوقيع على أمر نقلك الرابع".
قلت هذه العبارات لنفسي.. ثقبت أمعائي كي تخرج آلامي الداخلية لوّنت بؤبؤي عينيّ، بلون السماء والأرض. كالعسل على قلبي أن تفتح الأودية بطونها للراقصين حُبّاً في خنادق المواجهة، التي تعكس خوذاتهم شمس الوطن. وتمتلئ قلوبهم من ألحان السنونو الهاربة من برد الشتاء.
أنهيت تداعياتي عندما قفز إلى محطة ذكرياتي شريط طويل من الصور. بدأت أتطلع إلى محطتي الجديدة.. إلى كتيبتي الرابضة خلف الوادي، تحتضن أرض الجولان. تطلّ عليها التلال والجبال.
ارتقت نفسي مع هذه القمم. انبسطت روحي. تزهو، والهواء القادم من التلال يمسح بأصابعه وجهي، يُضفي على جسدي ثوباً قاتم اللون، يحمل بقع الدماء الجافة.
قعقعت في دواخلي طلقات خلبيّة، ملونة، وتحوّل ضباب الشتاء القاسي إلى مطر.
مطر يغسل جسدي الذي أوهنته متعاعب الطريق، وتبلل حملي الثقيل. أصبح كثوب معصور.