-4-
" الرنكوسي " له ثلاث خصى. الخصية الثالثة تصعد وتهبط، أحياناً تهاجر. يفتش عنها دون أن يجدها، لكنه لم ينجب. يأكل " الصَدَف" ساقيه. وجهه مدوّر كليرة فضية. جسمه نحيل. أبيض البشرة مع اصفرار. اسم زوجته " لطيفة" وهي كذلك. هادئة. تحمل هموماً موجعة. تتنقل بين عيادات الأطباء.
" الرنكوسي"، الملقب بأبي بسام يحبّها، وهي تحبه. جمعهما الفقر. حياتهما بسيطة. وحينما زرتُ أهله في وقت سابق، كانت جلسة هادئة. والده خادم جامع في منطقة المزرعة بدمشق.
غريب أمر الرنكوسي، بثلاث خصى، ولم يُنجب. . أمر هذه الدنيا محيرّ!! بعض الناس يئنّ من كثرة الأولاد، وبعضهم يفتش عن سبب عدم الإنجاب.
عندما تنبسط أسارير الرنكوسي، ويفكر تفكيراً جدياً، يقول : لماذا الأولاد؟
أمن أجل الميراث الذي يتركه والدي! ثم يقف، وينهق كالأتان. .. الحمر تلد إن الله خلقني كبغل أمشي على قائمتين. . البغال، يامحمود لا تلد، لماذا ركبتُ هذه البغلة، وضاجعتها ثلاث سنوات متتالية؟...
تحتفظ لطيفةبالسر. تخبئه عن عمّها، وامرأة عمّها. يخجل الرنكوسي من قول الحقيقة أمام والديه. ومن كثرة إلحاح الوالدين على ابنهما كي يطلّق لطيفة ويتزوج.
جاء ذهابه إلى صيدا مُفرجاً لحالته، ومبرراً تأجيل الطلاق. أصبح الوالدان يفكران به، وحين يسمعان ما يحدث في الجنوب من قصف صاروخي، ومدفعي، وهجوم إسرائيلي، يتقرّبان من لطيفة، ويحاسناها. ينسيان الأولاد يراقبان العائدين من صيدا، ويسألونهم عن ابنهما.
تكتفي لطيفة بالصمت، والنواح. تصلّي. تشتري العسل، وتخلطه بالأعشاب، كدواء عربي لزوجها.. هكذا قال لها الشيخ، وطمأنها بأنها ستُنجب صبياناً وبنات، وسيملؤون البيت بضجيجهم، وصراخهم.
الحلم في صيدا يا محمود أحلام الفقراء تتكسر على شاطئ المتوسط الرملي. بنات صيدا أشهى من فواكه الغوطة!
كانت لطيفة تسمع، وتتمتم، وتظهر ابتسامة جافة على ثغرها.
تقول في سرّها :" بسيطة. . الأيام القادمة ستكشف الحقيقة يا أبا بسام سأقول لوالديك إنك عقيم، وخيرك مسحوب من ظهرك"
هل تعرفون أن صيدا كانت تسمى " صيدون" وصيدون معبد حضاري مرّت على شواطئه شعوب وشعوب.
أصبح الرنكوسي يتحدث عن التاريخ والحضارة. . الذهاب إلى صيدا ثقّف الجنود، وعلّمهم أيضاً فنّ التجارة. صيدا مركز تجاري فينيقي، وميناء نفطي هام. النفط المكررّمن مصفاة الزهراني أغدق على السعودية الدولارات. الذهب الأسود، يتحول إلى ذهب أصفر.
قلت : لا تغرقنا بأحاديث التاريخ والتجارة. مهما ربحت من تهريباتك الصغيرة يا أبا بسام، فعليك أن تنسى وضعك، ولا تسبح في مياه أعمق من مسبحك. السبّاحون الماهرون يصلون إلى الأعماق. مازلت تنكش في رمال الشواطئ، وتصيد صغار السمك. هل ذقت طعم الكافيار؟ جرّب هذه الأكلة. هل تعلمت شرب العرق والويسكي؟
لم أستطع قول ذلك أمام والديه، ونحن نجلس في غرفة ملحقة بالجامع. استغفرتْ لطيفة الله" سبحانك يا الله، يا إله الحق والعدل"
- لا تخافي يا لطيفة. ليس كل ما يحدث مع زوجك تعرفينه بالضرورة. خلّي همّك على قدر حالك. سيعود زوجك بعد شهر، ومع بداية الصيف سيتم تبديل قوات الردع. فهذه فترة استجمام دافئة، ربما مياه البحر المالحة ستشفي زوجك من هذا المرض، ويتخلص من هذه الأدوية، وربما إذا أكل الكافيار، سيعود خيره إلى ظهره، وربما إذا تخلص من الخصية الثالثة سينجب إنها احتمالات
- دخيلك يا محمود اعتبر نفسك لا تعلم بأن زوجي عقيم. أنا التي لا تنجب، وأخرجت ورقة طبيّة، مصدّقة من وزارة الصحة، بأن لطيفة بنت أسعد، أمّها زينب، سالمة صحيّاً، وزوجها عقيم.
الحياة مفتوحة لجميع الناس.. الدنيا واسعة لمليارات البشر، والحيوانات وتتسع لمثل هذا العدد أيضاً، فيها العقيم، والمنجب، الأسمر والأبيض، الأسود والأصفر.
قارات العالم.. هذه الكرة الأرضية، بجبالها وسهولها، وناسها، متنوعة. كل يوم يتعرف الإنسان إلى جديد في هذا الكون، وأبو بسام، ولطيفة جزء من هذه الدنيا. يحتاجان إلى بسمة طفل. إلى طفل يداعبانه يُناغي على فراشهما. يبول على سرير النوم. يصيح كعصفور حين يجوع. يغني. ينطق.
يبقى الأمل يدغدغ الأبوين الحالمين الشاردين في تفكيرهما. وعلى الرغم من أن البحر امتص قسماً من هموم أبي بسام، اتسع البعد بين لطيفة وزوجها.
يظلّ الأمل يتضورّ جوعاً. وتبقى الشهوة ناقصة، لا يتممها سوى طفل أو طفلة، سمراء أو بيضاء، لا فرق بذلك!.
أنتم يا أبا بسام السابقون، ونحن اللاحقون إلى صيدا، أو المنطقة الغربية من بيروت. ولا أحد يعلم أن كتيبتنا سيكون مركزها قرب المجلس الحربي الكتائبي، أم قرب الصيفي .
ملعونة الأرض التي تطرد أبناءها. " طوبي لكم لأنكم ترثون الأرض"
طوبى للجنود الذين يغتسلون بمياه البحر المالحة. ويفترشون الرمال. تغسل السماء خَدَرِها بضوء نجومها. يوزع القمر ابتساماته على سكان الأرض. تحرق أشعة الشمس كل مَنْ يعتدي على حدودها.
أفكار تنقلني من الأرض الوعرة. تمسح روحي بالرذاذ المندفع الذي يترنّم عشقاً للصخرة المشهورة الجاثية قرب الشاطئ. يغسل الناس همومهم فوقها. ويتربّع العشّاق، يتلطّون في خدوشها. يقف فوق رأسها المنتحرون الذين أوجعتهم مآسٍ مجهولة.
قلت مطمئناً : "ستذهب يا محمود إلى بيروت. . بيروت العاصمة، ولكن إلى القسم الشرقي منها"
أسمع عن بيروت، المدينة المفتوحة على العالم. .. بيروت التي يحجّ إليها العمال السوريون، والمصريون. يلجأ إليها الذين يخالفون القانون.. محطة للسياسيين. ملجأ أمين للمطاردين.
بيروت تغفو على رأس بيروت. ترسو بقربها السفن. ويرتاح في فنادقها البحاره.
بيروت أصبحت راكعة أمام القذائف، والصواريخ. . ليلها المكحّل بالفرح صبغته الحرائق بلون الموت. ونهارها الذي يضجّ بالضحكات، والباعة المتجولين، والمحلات الأنيقة، والشوارع النظيفة. تتكدّس في شوارعها وشواطئها آلاف الجثث المحروقة.
صفارات البواخر أصبحت أجراساً حزينة. وتعتلي موجات بحرها الزوارق المطاطية، القادمة من الجنوب، من المستعمرات الصهيونية. ألف ليلة وليلة يابيروت، آلاف الأيام. انهكت قواك قذائف الرذيلة. لم تّعُد كما سمعت عنها، لكنني سأعرفها. أمشي في شوارعها، لأنزع إبر الآلام المغروسة في جوانبها، قلبها.
هيروشيما المدماة مازالت، ومنذ عقود تنزع من جسدها شظايا القنابل. بيروت مثل هيروشيما. تسكن مثلها فوق الشاطئ. تحلم مثلها بسعادة أبنائها، لكن ليست هذه مثل تلك!
جسد بيروت مثقوب بملايين الطلقات والقذائف. ملايين الفوارغ النحاسية في بحرها. ستتحول شواطئك إلى مناجم للنحاس. ستصبحين " سانتياغو" عربية.
تسابق على عشقك مئات الحكام، والناس المهووسون. أصبح طفلك تاريخاً كاملاً يعض على ثدييك. حلمتا ثدييك مقضومتان. تسيل منهما الدماء. تحوّل حليبك إلى دمامل. أبناؤك حرقوا جسدك. أصبح جسدك مطيّة لكل مَنْ يشتهيه. ضاجعوك حتى أصبحتِ لا تشعرين برعشة الأنوثة. حرموك من أمومتك. تحوّلت أعراسك إلى مآتم، وأعيادك إلى مجازر، وتل الزعتر مقبرة جماعية. . جسورك الواصلة بين أعضاء جسدك تنزف دماً.
جفَّ نهرك. يبست شواطئك. . قنبلة موقوتة في خاصرتك الحدودية، ومزارع الليمون والبرتقال مقابر لأسلحة الدمار والموت.
أسمع أناتك الموجعة، وصريف أسنانك ياحبيبة الشعوب والدول.
كم رقصتْ أشعار " حاوي "، وكتب " نعيمة "، ومُناجاة "جبران" على دفّات قلبك، فأصبح قلبك ينبض بالعشق والحب. هل تعودين إلى حبيبك الأول؟ متى؟ كيف؟.
بدأ العقد الثاني، وجلدك يُسلخ كل يوم ألف مرّة. ترسم عليه الأسواط دروباً. تصبغه بالحروق. تحفر فيه الدمامل حفراً، ومآوي للثعبان، والمخمورين والحشاشين. امرأة ثكلى. أولادها يجرفهم السيل. أشواك مراعيها تركت خضرتها في بطون الحيوانات النافعة.
أعلك أحلامي بعيداً عنك. أسمع عزفاً رحبانياً جنوبياً.. لحناً ونواحاً. . لم أَعُد أقدر على التمييز بين موسيقا الموت، وموسيقا الفرح.
تظلّ بيروت تهزّ مشاعر الليل.. متى يابيروت نشرب نخب ولادتك ؟
يجتمع أبناؤك من أقطاب الدنيا. يصلّون في كنائسك ومساجدك.
متى يكسّر أطفالك ألعابهم الحربية، ويلقون بالمسدسات والدبابات البلاستيكية في بحرك؟
أنت أيتها الراقدة على ساحل شرقي المتوسط، ستغتسلين من جديد بمياه البحر يوم زفافك. وينتشر شعرك المنثور على شواطئك.. تلبسين ثوب العرس الممهور بخاتم السلام.
اطمئني يابيروت أن عرساً قادماً سيأتي، وتعودين إلى نشوتك. . إلى أنوثتك، تتأبطين عريسك، وتغنين مع جداول الصباح.