مقدمة

10 0 00

حسين فيلالي

اليربوع

رواية

الإهداء

إلى

المرحومين الوالدين الكريمين.

حسين

أما السير على الجمر، فإنه دنيا تصيبها، وملك عظيم تظفر به وأما البئر الجافة، فإنها امرأة بكر تنكحها.

تفسير الأحلام للشيخ مبروك.

الشيخ مبروك ببرنسه الأبيض، يتوسط الدائرة،يرسل همهمات وصيحات متقطعة، إيقاعات الدف ترتفع تنخفض، ترسل ذبذبات تخترق الأجساد، كإبر مخدرة. يتدفق المخدر عبر الأوردة، تحترق الأجساد، وتذوب في الجوهر، تتجلى لحظة الاشتهاء، والوجد، ويبدأ التجاذب والاستقطاب.

تتوجه النسوة صوب النار المشتعلة داخل الدائرة وكأنهن مسوقات بقوة خفية.

إيقاعات الدف تتغير،ومعها تتغير ملامح الوجوه تحمر الوجان وتيبس الشفاه،والشيخ يدخل في حالة جديدة من الوجد،والتوحد، يلقي عمامته داخل الدائرة ويصيح:

حي،حل الجوهر في الفاني.

تجحظ الأعين،وتمتد الأيدي باتجاه أباريق الماء الموضوعة فوق النار، ويبدأ ابتلاع الجمر، و شرب الماء المغلي.

المكان يضيق بالمريدات، وبالصبية، و الأنفاس يخنقها الحر. يمتزج العرق بالعطر، وبالبخور المحضر من نبتة مجهولة، ذات رائحة غريبة، مثيرة للأعصاب مهيجة للعاب، لا يعلم أسرارها إلا شيخ الطريقة.

قال البعض ممن خدم شيخ الطريقة:

- إنهم شاهدوه كل ليلة أربعاء يدخل دهليزا مظلما تحت مقصورته، ويحمل لحما نيئا، و أباريق الماء الممزوجة بالدم، و لا يخرج من خلوته حتى صباح يوم الخميس.

وقيل أن الشيخ يزرع النبتة الغريبة في دهليزه، ويتعهدها حتى تأتي أكلها، ثم يرسلها إلى أتباعه، ومريديه في مدن، وأمصار أخرى.

وقيل أنه يحتجز تحت مقصورته بعض الجان ممن اعتنق طريقته الصوفية، ويسخرهم لجلب عقاقير أمراض النساء المستعصية على الطب.

وتزعم إحدى المريدات القائمات على خدمة

الشيخ:

- أنها رأت في الغرفة المظلمة حيوانا عملاقا نصفه طائر، والنصف الآخر يشبه الفرس، وربما يكون البراق.

يركب الشيخ الدابة كل ليلة جمعة، و يطوف بها الأمصار يتفقد مريديه، و يطعمهم من النبتة الغريبة حتى لا تقربهم الشياطين، و تفتنهم عن العبادة و توقعهم في أهواء الجسد الفاني.

إيقاعات الدف ترتفع، والأجساد تهتز، تمتلئ، كأنما ينفخ فيها نفخا، و لما يبلغ النفخ مداه، تبدأ الدائرة في الإمحاء.

تتساقط النسوة كحبات العقد المنصرم ، و يبقى الشيخ وحيدا في مركز الدائرة يتمتم بكلام مبهم، فيدخل الخدم مطأطئ الرؤوس، فيأمر بحمل النسوة إلى غرفة مظلمة لا يدخلها إلا هو، ثم تنغلق الغرفة على أسرار مجهولة، لا يجرؤ من ولجها على البوح بما يجري في داخلها. و يبقى سر النبتة، و الغرفة المظلمة من أحاديث السمار ببلدة العبادلة.

تظهر العبادلة وكأنها تحتضر، بدأ السهل يشيخ قبل الأوان،حتى الخيل، والماشية التي كانت تعمر بطاحه بدأت تنقرض في صمت.

لم يعد سهل قير كما تغنى به الشعراء :

كنت ملجأ الفقير والأرملة.

و كل من جاع يهرب إليك.

كانوا فيك فرسان معروفين بالنجدة.

و اليوم أصبحت يتيم لا من يسال فيك.

تظهر العبادلة في عز الاستقلال كواد قفر يعوي فيه القنط، ويعربد فيه الفراغ، و تنتحر في قاعه الآمال، و تصبح الهجرة إلى أي مكان فرض عين .

في القيلولة، تبدو لأطفال كالأوتاد المثبتة في حيطان البيوت الواطئة، كطيور مهاجرة تبحث عن نسمة ظل شاردة، لا مهرب لهم من الفراغ الذي يكفن العبادلة غير مجلس الشيخ مبروك، و لعبة الفيال.

يجمع الأطفال الرمل الصافي، و تدفن فيه نواة تمر ويقسم الترب إلى نصفين، ومن وجد النواة قمر، وظفر بتمرة.

في الليل نجتمع حول الكانون نستمع بشوق إلى حكايات الجدة عن ذياب الزغبي، وعنترة،والزناتي خليفة،وعن خوخو سارق الأطفال فيتجمد جسمي وأغدو كالمقعد.

خوخو يخرج في الظلام،يأتي في صورة قريب نعرفه، يسألنا عن الأهل بأسمائهم، يروي حكايات مشوقة حتى إذا ما اطمأن إليه الطفل، اقترح عليه أن يلعبا لعبة الغميضة، فيعصب عيني الطفل، ويبتعد به عن البيت. يفتح الطفل عينيه، فإذا هو أمام صورة خوخو المرعبة، آكلة الأطفال.