3
نهض الشيخ مبروك مبكرا، جمع عقاقيره، وأمر زوجته أن تسرع بوضعها في حقيبة السفر.
ابتسمت جمعة في خبث وقالت :
يبدو أنك اشتقت إلى بشار.
أدرك الشيخ قصدها فقال:
أما زلت تغارين من مامة؟
أما يكفيك أني لا أزورها إلا مرة في الشهر؟
تحاشت جمعة غضبه، فغيرت حديثها، ناولته الحقيبة، تمنت له السلامة، وانسحبت.
خرج الشيخ مبروك،كانت شمس آذار تظهر، و تتوارى خلف غيوم شاردة من الشمال، كعروس تسترق السمع في استحياء إلى خطابها.
و من بعيد يلوح للرائي جبل عنترة يتمدد كثعبان خرافي، يتوسد حقبا من التاريخ، ويفترش أسطورة ابن شداد العبسي، وذياب الزغبي، والزناتي خليفة.
يحكى أن رعاع مدينة بشار اشتكوا إلى ذياب الزغبي وقالوا:
- إن دابة عملاقة سوداء، تكاد بقامتها تلامس السماء، تخرج من جبل بشار الشمالي، وتختار أحسن النوق، وتشويها على عين الشمس، وتبتلعها دفعة واحدة.
وحين سمع الزغبي أوصاف الدابة ضحك، وقال:
-إذن فعلها عنيتره.
حمل ذياب رمحه المسموم، وكمن لعنترة عند مورد الماء، ورماه بسهم أصاب منه مقتلا، فسمع له بضواحي العبادلة رغاء، كرغاء الفحل الهائج، وخر صريعا.
يروي الشيخ مبروك، أن الزناتي خليفة كان من العماليق،كان يفترش أذنا، ويتغطى بأخرى ،ويزعم بعض الرعاع أن الأواري، والسلاسل التي كان يربط بها عنترة الأدهم ما تزال في جوف الجبل، وأن الذئاب و الضباع تختبئ في نعال الزناتي.
كان الزناتي إذا احمرت عيناه ينام شهرا كاملا، وإذا ازرورقت ينام شهرين متتاليين،و كان سكان بشار القدماء يصعدون الجبل أيام نومه، يتفرجون على أعضائه العجيبة. و الحوامل من النساء كن يتخذن من شعر رأسه جدائل، يشددن بها حملهن، لعلهن ينجبن أبناء عماليق.
لم يفلح رمح ذياب المسحور مع الزناتي، فبعث إلى مصر يستنجد بأبي زيد الهلالي.
اتفق الزناتي، و أبو زيد الهلالي على النزال يومين متتاليين. تبارزا في اليوم الأول بالسيوف، وكاد الزناتي أن يهزم أبا زيد الهلالي.
وفي اليوم الثاني كان النزال بالعصي، فأصاب الزناتي أبا زيد في رأسه، وأسقطه من على فرسه.
لم تنفع حيلة مع الزناتي، وكاد أن ينتصر على الهلالي لولا سعداء ابنة الزناتي، التي كانت مغرمة بالهلالي، فأسرت له مقتل أبيها بعد أن وعدها بالزواج.
قالت سعداء:
- إن مقتل أبي في الشامة البيضاء التي بين كتفيه.
أشرفت الشمس على المغيب، وبدأ القلق، و التعب يظهر على المتبارزين،ترجلا،خلع الزناتي قميصه وكاد الرعب أن يتسرب إلى نفس الهلالي لولا أنه تذكر نصيحة سعداء.
دار حول خصمه، كمن يريد مبارزته بالأيدي ثم فاجأه بضربة بين كتفيه، فجثا الزناتي كالبعير المعقور.