القسم الثاني
أمام بناية بيضاء تقف عربةُ شيشانية .. ثمةَ رجلٌ في باب البناية يحاول إضاءة ( لوكس ) للباب .. صاحب العربة يقول له : حاج قالفا هناك نزيلة للفندق .. تنتظر في العربة يُرد عليه .. أهلاً ومرحباً بك وبالنزيلة.. المؤذّن يؤذن لصلاة المغرب من مسجدٍ قريب .. بدأ المساء يرخي ظلامه شيئاً فشيئاً .. مع مطر هادئ .. يلطف جو المكان .. الحاج يتوجه نحو العربة يأخذ حقيبة كبيرة دون أن يلتفت إلى النزيلة.. يتقدم الرجل وهو يعرج بأحد قدميه قليلاً .. فريدة تتعقبهُ يصعد الرجل من درج حجري إلى الطابق الثاني .. يسألُ فريدة هل أنتِ من استانبول؟ فريدة ( نعم ) حاج قالفا : عرفتكِ من ملبسِك يضيف قائلاً لو رأيت استانبولياً واحدً في فوج من العسكر لشخصته وبلا حَرج .. حاج قالفا : ألست معلمة يا خانم ؟فريدة : متعجبة : وكيف عرفت ذلك ؟ يسكت الرجل .. وبعد هنيهة المعلمات فقط يجبرن للخروج وحدهن غالباً ..! يعود حاج قالفا ليسألها : عذراً .. وهل أنتِ كبديلة عن المعلمة المتقاعدة نسيبة خانم ؟ فريدة أنا متعينة في مدرسة الرشدية ولكنْ لا علم لي بالتفاصيل .. حاج قالفا الله يكون في عونك .. يا بنتي مع المديرة فائقة خانم ..!! سأفرح كثيراً لو أحالوها إلى التقاعد لقد نذرت لذلك بأن أعلق شمعدانين في هذا الفندق .. يضعُ الحاج قالفا حقيبة فريدة على صحن الدرج وهو يتنفس الصعداء .. بعد قليل إلتفت الرجل نحو فريدة : هناك غرفة خالية لحسن حظك في هذا الطابق والغرفة المقابلة لغرفتك تشغلها حالياً إمرأة مُسنة سترتاحين هنا كثيراً أن شاء الله ..
تقول فريدة لأول مرة .. بدأت اشعرُ بمرارة الفراق لكنها تقول لنفسها يجب أن أكون أشد عزماً وأقوى إرادة مهما كانت الظروف .. حقاً .. الأنسان بأستطاعته أن يأنس مع بني جنسه ويستأنس بالحياة معهم .. (أينما تحل ستجد من بين الناس من يكون لك عوناً وقريباً .. وذلك بدماثة خلقه وتعامله مع الآخرين وأحترامهم رغم فقدان سعادتها بين ليلة وضحها إلا أنها بدأت تشعر بشيء من الطمأنينة . فريدة من وراء حجابها تسأل الحاج قالفا من اين لك هذه المعلومات عن المعلمات والمدارس ؟ الحاج قلفا لا شيء يغيب عنا هنا .. المكان بسعة هذا الكف وهو يشير إلى كفه .. نسبة إلى استانبول المزدحمة ، هناك القاصي والداني والحياة في هرج ومرج أما هنا فلا شيء يغيب عنا .. خلال دقائق قليلة ينتشر الخبر ..لذا عليك مجاراة العادات والتقاليد هنا لا تحرجي كثيراً أعتبري نفسك واحدة من أهل المنطقة .. أضربُ لك مثلاً يا صغيرتي ( عفيفة خانم ) كانت غريبة عن المنطقة ولكن مع ذلك تزوجها رئيس محكمة الجزاء وهو من أهالي المنطقة .. الحاكم لم يُعجب بجمالها فحسب ولكن بسبب حسن خلقها وعفتها ..!! وأن شاء الله سيفتح لك الطالع من رجل طيب وثري .. فريدة مُعجبةبجدران غرفتها المغلفة بصور طيور زرقاء اللون .. ثمة منضدة من المرمر للقهوة .. سرير حديدي بمفروشاته .. مرآة قديمة كرسي غريب من الحصير .. على النوافذ ستائر أطلسية .. يقول لها حاج قالفا : أكنس الغرف كل يوم.. أرتب المفروشات كل شيء بالتمام .. إذا أحتجتِ شيئاً.. أسحبي حبل الجرس المعلق على الدرج ..!! أبنتي والآن حتماً أنتِ جائعة..سأطلب لكِ( نفر) كباب ومن كباب خانة حاج علي المشهور ) .. فريدة : شكرا جزيلاً يا عم لدي شيء من المأكولات والفاكهة في الحقيبة هناك من يغني في الطابق الأرضي ... يقول الحاج قالفا : أنه صاحب الفندق .. في تلك اللحظات رفعت فريدة الحجاب عن وجهها..!! حاج قالفا : يا صغيرتي أنتِ صبية جميلة سألها ما أسمك؟ فريدة .. التفتت الحاج للغرفة المقابلة قائلاً : نورية خانم .. أنظري إلى جيداً .. في الغرفة المقابلة لغرفتك نزيلة عزيزة لقد بدأ صاحب الفندق يصيح عالياً .. حاج قالفا .. يا حاج ... ؟ هل تريد أن أغمض عيني وأطلق لساني عليك ! الحاج قالفا : يدعو عليه ويقول له الوجع لبطن المنادي ثم توجه نحو الدرج لينزل دخلت فريدة غرفتها وقفلت باب الغرفة وهي متأثرة كثيراً.. فريدة لا يمكنها إنكار خالتها التي لم تُميز يوماً بينها وبين أولادها.. لكن كامران ضرب كل شيء على وجهها كصدقة ..!! وبعد قليل سمعت طرقات على باب الغرفة الغرفة .. فتحت الباب .. وأذا بالسيدة نورية خانم ترحبها مساء الخير سيدتي وفريدة تستقبلها فرحة بزيارتها... هذه السيدة تناهز الأربعين وبوجهٍ طليق بسمار ... بعد قليل من جلوسها تسأل فريدة :وأين الوالدة ؟ فريدة وأية والدة خانم نورية خانم ألست بنت السيدة المعلمة ؟ تضحك فرية قائلة لها : أنا المعلمة يا هانم .. الزائرة : ماشاء الله ... أنت جميلة جداً تُضيفُ قائلةً : نام الأطفال .. فجئت لأرحب بمقدمكَ .. وفريدة ترد بأبتسامة :! أهلاً وسهلاً بك .. وأشكرك كثيراً يا هانم . تقول نورية خانم أنا نزيلة هذا الفندق منذ ثمانية أيام .. في كل ليلة ويعد منام الأطفال أظل وحيدة .. الوحدانيةُ لله يا بنتي العزيرة .. فتأخذني الافكار والذكريات بعيداً .. فأبداً بالتدخين حتى الفجر.. !! ثم أخرجت الزائرة علبة كبيرة فيها التبغ والاوراق فجلست على الأرض .. وهي تلف السكائر تسألني أثناء ذلك هل تدخنين بنتي ؟ وفريدة تقول لا .. يا هانم واضافت قائلة لها .. التدخين يضر بصحة الانسان كثيراً .. حاولت تركها .. ولكن الغم والهم ومشاكل الحياة أجبرتني فتعودت عليها ... ثم بدأت تحدثني عن حياتها .. هذه السيدة الزائرة من منطقة ( مناستار).. وهي بنت رجل معروف وطيب .. معروف في المجتمع .. كان والدها المرحوم من الملاكين يملك مئات الدونمات من البساتين والمزارع واعداد كبيرة من المواشي .. بعد ذلك تقول وبحسرة : لقد تقدم الكثيرون لزواجي ولكني رفضتهم لأنني قررت أن لا أتزوج إلا الضابط شاب يحمل السيف .. فشاءت القسمة الألهية أن يتزوجني ضابط عسكري في الجيش ) .. تستمر نورية خانم .. بعد ذلك أنتقل زوجي إلى استانبول أثناء أحداث (( 31 آذار )) في استانبول أنتظرته أشهر فلم يعد فقمت بالبحث عنه .. حتى علمتُ أنه حي يرزق.. ومتزوج عليّ من فتاة شابة وجميلة .. وقبل ثلاثة أيام فوجئت بمجيئه إلى الفندق !! يا ترى من أخبره ذلك أو ربما .. من رآني كنت فرحة بزيارته كثيراً لكنه قال: أنا جئت لأولادي فقط .. وليس لك ..!! تدخّل الحاج قالفا في هذا الأمر .. فجمع معه عدداً من نزلاء الفندق لقد نصحوهُ وبينوا له عاقبة الأمور لهذه السيدة في حال حرمانها من اولادها .. أثناء ما جرى كنت أبكي بمرارة واقبل يديه...ولكن بعد ذلك بيوم هدأ الرجل فأخذ عائلته مع الاولاد .. اثناء ذلك كانت فريدة نائمة فطبعت نورية خانم قبلة على جبين فريدة ثم ودعت الجميع
فريدة وحيدة في غرفتها .. سرير هذا الفندق يُذكرها بسريرها الحديدي في القسم الداخلي لمدرستها .. ولكنْ شتان بين مكان ومكان ... هناك في مَدرستها كانت تخلد إلى نومٍ هادي وطويل وبأحلام جميلة .. لكنّ الليالي في هذا الفندق تسهر فريدة وتقعدها ... !! في هذه الليلة تشكو فريدة من حالها .. وهي تقول : لقد غاب النوم عن عيني... تفتح الشباك ... الأزقة في ظلام حالك .. ثمة زخات مطر ... رائحة التراب.. بدأت تفرغ حقيبتها عما بقيت هناك خمسة كتب منها كتابٍ في (تعليم اللغة الفرنسية)، فريدة ترى بين الكتب دفتراً مدرسياً لها بغلاف أزرق.. ما أجملها من صُدفة إنه أخر دفتر لها في مادة ( الأنشاء والتعبير ) أما أخر درجتها ولآخر موضوع في الأنشاء فهي ( 5/5 ) خمس درجات ونصف فقط تتذكر فريدة لوم معلمتها التي وجهتها على فريدة مع هذه الخاطرة التي مرت عليها خمس سنوات .. تتعهد فريدة بالالتزام لملاحظات معلمتها .. وتصف لها بأن ما بدرَ منها وقبل أكثر من خمس سنوات من حركات .. وصخب أحياناً .. تصفها بالبرئية والعفوية تخاطبُ معلمتها آنذاك كنتُ أشعر بالسعادة .. ولكنها لم تدمْ .. وبين ليلة وضحها فقدت سعادتي والآن أواجة الحياة بشجاعة وثبات .. ولن أكون عالةً على أحد سيدتي ومعلمتي المحترمة : من ملاحظاتك المكتوبة حول آخر موضوع في الأنشاء والتعبير .. بدأت الآن أكتب مذكراتي اليومية لقد مرت تسع وعشرون ليلة وأنا نزيلةُ هذا الفندق .. أحسبها سنوات ... تذكرتْ فريدة تلك الليلة الليلاء التي فارقتها عن خالتها ( بسيمة خانم ) .. وكيف رأتها خالتها في الحديقة الخلفية بعد خروج تلك السيدة الغريبة .. اقتربت منها تسألها : مالي أراك وحيدة هنا مالذي دهاك في هذا الليل الحالك ؟!! أنا خائفة من الاعيبك وتصرفاتك الصبيانية .. وهي تضغط بقوة على صدرها .. تقول فريدة لولا كلمات خالتي النابية .. وقساوتها عليّ ... لأجهشتُ بالبكاء ولالقيتُ نفسي في حضنها .. لينتهي بعد ذلك كل شيء بسلام ..!! ورغم ذلك أمسكت يديها فبدأت أقبلها .. قبلتُ عينها فدخلتُ مسرعة إلى غرفتي أخذت ( شهادة تخرجي ) بعضاً من تحفيات صغيرة .. قطعتين من المجوهرات أهدتهما لي المرحومة والدتي .. وأخذت عدداً من الكتبُ ملابس جواريب .. دستُ هذه الاشياء في حقيبتي على قصاصة ورقة كتبت بعجالة رسالة من سطرين لكامران .. وضعت الرسالة تحت الشمعدان الذي يضيء الغرفة ... خرجت من الباب الخلفي للحديقة وكنت خائفة جداً ... ترددتُ أول الأمر .. أين سأتوجه ؟! أخذت الطريق الذي أسكله إلى المدرسة .. مرتْ عربة فارغة هممتُ أنْ أوجرها لكنني خفتُ .. تذكرتُ سيدة مرضعة ( من المهاجر).. تلك المرضعة أرضعت طفلاً لأحدى قريباتنا .. أنها من قرية ( صحراء جديدة ) والقرية ليست بعيدة .. قررت الذهاب إليها .. سأبات الليل معها.. وأنا في طريقي إلى القرية .. أسمع أصواتاً من بعيد .. أشعر الأن يخفقان فلبي أنتابني الخوف مرة أخرى .. بدأت أمشي متخفية بمحاذاة جدار طيني لبستان كبير .. تعلو الأصوات من بعيد يبدو لي أنهم يغنون .. لأحظت كومة أدغال كبيرة .. في منفذ جدار البستان حشرتُ نفسي داخل الكومة ... لقد مروا فريباً مني وعبروا ... حمدت الله كثيراً.. بعد قليل أرى (حارساً ليلياً ) انه زوجها دقائق قليلة جاءتني المرضعة وهي تستقبلني مع زوجها الحارس كان اللقاء عجيباً ومفرحاً .. أختلقتُ ((كذبة بيضاء )) لتبرير هذه الزيارة وهي (( أثناء رجوعنا من ( أسكي دار ) وأنا مع عمي وكامران .. أنكسرت عجلة العربة .. وأشار إلي عمي لأبات معكم الليلة .. وعدني بأرسال عربة لعودتي صباحاً أهتدينا إلى بيتكم من بعيد فرجعا مشياً على الأقدام .. لم تنم فريدة تلك الليلة إلا قليلاً .. لقد غادرتْ بيت المرضعة مبكرة دون أن تخبرها ... !! لا يمكن لفريدة أن تبقى في استانبول . لقد فكرتْ كثيراً فوضعت خطة مُحكمة لها .. لقد تذكرتْ السيدة ( كول مثال ) قابلة والدتها المرحومة أنها تسكن في ( أيوب سلطان ) * وهي سيدة مسلمة من ( الشركس ) وزوجها مأمور البريد .. فريدة تأمل أن تتعيّن معلمة ولديها شهادة الدبلوم من معهد اللغات الأجنبية في ( اللغة الفرنسية ) .. لتعيش بكرامة في أية ولاية أو فصبة ماعدا ( أستانبول ) .. بعد مغادرتها بيت المرضعة في الصباح الباكر وكما ذكرتْ ذهبتْ إلى (أيوب سلطان)().وأهتديت الى بيت كول مثال ) بسهولة .. أثناء وصولها الباب كانت السيدة منشغلة بتنظيف الرمال من أمام الباب .. فريدة بحجاب وجهها ودون أن تنطق شيئاً أنتصبت بجانبها و ( كول مثال ) تنظر باستغراب إليها قائلة : هل تطلبين شيئاً سيدتي تقول : ألا تعرفينني ( كول مثال قالفا ) وهي ترفع الحجاب عن وجهها .. تناديها ( كول مثال) .. كوزيده .. آه كوزيدة يا صغيرتي أنت تشبهين والدتك كثيراً وحتى صوتك .. كصوت والدتك وبعد دخولهما البيت .. تأخذها قابلتها الوفية إلى غرفة صغيرة .. أنها غرفتها ( الخاصة ) كقابلة .. تقول فريدة : هذه السيدة الوفية وضعت رأسي على ركبيتها .. فبدأت تحدثني عن والدتي المرحومة من ساعة ولادتي .. ثم بقاءها في رعايتها لعدة أشهر أنتهت القابلة من حديثها وهي بدموع عينيها . والآن جاء دور فريدة فبدأت تُحدث القابلة عن حياتها من الطفولة حتى هذا اليوم السعيد.. كول مثال تصغي إليها جيداً .. وهي تبتسم من فرحتها .. أو تصيح بحسرة .. واه يا صغيرتي .. ولكن بعد وصول الحديث لما جرى في يوم خطوبتها .. ومغادرتها بيت خالتها أرتسم حزن كبير على وجه القابلة .. وهي تقول لفريدة : لقد أخطأت التصرف كثيراً يا صغيرتي .. وما الداعي يا أبتني .. هذا تصرف صبياني منك... أعذريني يا عزيزتي .. صحيح أن كامران هو المخطيء وهو السبب فيما حصل أنها نزوة شاب قد يقرُ ويعترف يوماً ما .. أو يتوب .. لقد ساد الصمت قليلاً تقول لها فريدة .. سوف أمكث معك ثلاثة أيام .. فريدة : سأراجع المديرية العامة للمعارف غداً
في ( استابنول ) .. لتعييني كمعلمة .. لو تحققت لي هذه الامنية فسوف أستقر في حياتي لأعيش مرتاحة مطمئنة ... أريد أن أتعين في أحدى الولايات أو القصبات ماعدا استانبول ... ! تلتفت إلى ( كل مثال) سائلة: هل تقُسمين لي كتمان ما سمعتِ مني الآن ؟! وأنْ لم تُقسمي سأخرج من بيتك حالاً ..!! لقد أحرجت فريدة هذه المرأة المسنةِ .. لكنها أخذت المصحف الشريف وأقسمت لها تشكرها فريدة وهي تشعر بالأطمئنان .. كانت فريدة متخوفة كثيراً .. من أنْ يراها أحد أقاربها أو أحدى صديقاتها في ( ايوب سلطان )نهار هذا اليوم التزمت فريدة البيت مع ( كل مثال ) تساعدها في أعمال البيت .. سحبت لها الماء من البئر.. نظفت الاثاث ..غسلت لها عدة شراشف وبعضاً من ملابسها .. نظفت الخضراوات وغسلتها جيداً .. والآن تستعد لأعداد طبختها الأولى في حياتها ..!! أنها تشعر بسعادة كبيرة .. ما هذا الالتزام الكبير ولأول مرة.. ومن فريدة بالذات !! أنها الظروف .. تدرك فريدة من هذا اليوم وصاعداً .. ما عليها من التزامات جديدة .. تفرضها واقع الحال ..لم تكتف بذلك .. بل بدأت تسأل هذه المرأة الكبيرة .. عن كيفية اعداد طبخات لأنواع مختلفة من الأطعمة .. ( كل مثال ) خبيرة في طبخ أشهى الأكلات .. كل مثال تعرّفها فن المطبخ وفريدة تكتب تعريفاتها في دفتر جيب لها .. وضعت فريدة قدرها الأول على النار .. ارتاحتا قليلاً على حصيرة في المطبخ ..فريدة : أثناء استراحتى أخذتني الأفكار .. كنت أتمنى الاستقرار في مكان قريب .. جميل بمناظرها الطبيعية .. وأهلها منفتحون للحياة هذه الخاطرة أخذتني إلى خواطر بعيدة .. تذكرت عربستان العراق بنخيلها بدجلتها .. بصحاريها .. تذكرتُ الجبال الشاهقة.. صحيح أن الأناضول أجمل الاماكن كما أنها أكثر تقدماً ولكن الناس في عربستان العراق ورغم الفقر تراهم منفتحين للحياة .. كرماء لضيوفهم .. في تلك الليلة كتبتْ فريدة ( رسالةً ) إلى خالتها ( بسيمة خانم ) تعتذر لها بما حدث .. وهي تلقي اللوم كله على كامران .. ختمتْ رسالتها بهذه الكلمات : (( رغم )) أشواقي إليك أعذريني خالتي.. لو تعلمين ما أقدم عليها كامران .. لوقفت بجانبي .. لقد خانني كامران وأنا خطيبته ..!! الخاتم الذي وضعه كامران في أصبعي .. أعتبرها اليوم صدقة ليس ألا ..!! كيف أنسى ما كتبها كامران في رسالته الغرامية لـ ( منور خانم ) وهو يحاول إقناعها لأعيش معهم بعد زاوجهما ! وما أثارتني في الرسالة (( فريدة مسكينة لا أهل لها )) خالتي العزيزة : أن ما أخفاه كامران عني أنكشف اليوم ..وقبل زواجنا.. (( وربّ ضارةٍ نافعة )) ..!!
خالتي العزيزة : أعلمُ جيداً أنك تحزنين كثيراً بما جرى ولكن لا حيلة لي.. لقد أخترت طريقي في الحياة .. اعتبروا فريدة في أعداد الأموات.. كوالدتها التي ماتت ودفنت في مكان غريب ..!! أطمئني خالتي .. سأعيش بكرامتي وسأواجه حياتي الجديدة بثباتٍ وشجاعة..!! أودعك بسلام الله وحفظه ..)
خرجت صباحاً ووضعت رسالتي في صندوق البريد دون كتابة عنواني.. ثم توجهت نحو المديرية العامة للمعارف . كنت أظن الأمر سهلاً كل ما في الأمر مراجعة قسم ( النظارة ) .. فأقدم لهم شهادة التخرج وخلال ساعة أو ساعتين تصدر الموافقة على تعيني حين دخولي المديرية فوجئت بالزحام .. المراجعون كثيرون وهم في صعود ونزول .. بعد دخولي الممر رايت على يميني باباً واسعاً وعلى الباب القطعة ( قسم النظارة ) أمام الباب رجل جالس على كرسيه وهو ببزة كميها المرصعة.. أقتربت منه قليلاً وأنا أقول : لطفاً .. أريد مقابلة السيد الناظر .. أجابني وهو يبرمُ شاربيه الكبيرين .. ولماذا تقابلين الناظر ؟ أجبته أريد أن أـعين كمعلمة .. يردُ علي قائلاً : المراجعة تكون بشكل أصولي .. راجعي الشعبة وقدمي أوراقك .. حاولت منه التوضيح .. ألا أنه لم يأبه بي .. تقول فريدة لنفسها إذا كان البواب هكذا .. فكيف سيكون حالي مع الموظف والمدير ؟ هناك أريكة طويلةٌ وعجيبةٌ .. أنها عبارة من براميل مملوءة بالماء عليها ألواح خشبية .. جلست فريدة بجانب أمرأةٍ زرقاء العين .. في متوسط عمرها .. تقول فريدة : أقتربتُ منها أكثر .. فأحست هذه السيدة فسألتني يبدو أنك مراجعة جديدة .. للمديرية.. هل تعرفين أحداً في قسم ( النظارة ) .. وما اللزوم؟ السيدة: سوف تعرفين الأمر فيما بعد ..!! لقد أمسكت السيدة من يدها وأخذتها إلى ( شعبة الذاتية ) مدير الذاتية رجل بدين بلحية سوداء .. وثمة سيدة مراجعة تقدم أوراقها للمدير .. بعد تدقيق أوراقها ختمها... التفت المدير إليّ : ما الطلب يا خانم ؟ فريدة : أريد أن أتعين معلمة المدير : أين الاستدعاء ؟ أخذت فريدة شهادة التخرج وقدمتها للمدير .. التفت المدير إلى رجل يجلس بجانبه وهو يقول : لاحظ .. أنها لا تميز بين وثيقة التخرج والاستدعاء ( الطلب ) وبعد التعيين ( إسمع ولا حرج ) المكان بعيد والطرق وعرة .. الراتب قليل ..!! تقول فريدة : كنت في غثيان .. الغرفة تحوم حول رأسي كدت أن أسقط الرجل الجالس بجنبه ويبدو أنه (ضيفه ) هو الآخر يعلق قائلاً يا صغيرتنا ما هذا الارتبارك .. والخوف.. يبدو لي أنك لا تصلحين لمهنة التعليم ..!! أثناء نزولنا .. ذكرت للسيدة ما جرى لي السيدة المحُسنة : لا تيأسي.. تعالى لنراجع شعبة أخرى ونحن ننزل صعدنا ثانية .. راجعنا شعبة (القلم ) .. هناك حاجر زجاجي كبير يفصل الشعبة إلى جناحين .. تتمتمُ فريدة بسكون يبدو أنّ الحظ لا يحالفني .. حال مراجعتها مدير الشعبة فوجئت فريدة بمشهد غريب .. لحية مدير الشعبة بلونين اذا التفت يميناً تراه بلحية سوداء كأنه شاب .. وأذا ألتفت شمالاً تراهُ بلحية بيضاء .. فريدة لا تنتهي من مسخراتها اللاذعة .. تذكرت فريدة صوتاً عالياً قبل مراجعتها للمدير .. كان المدير غاضباً على العامل .. بعد جولات ومراجعات كثيرة .. أكتملت أوراق تعييني ثم أنتهت بتوقيع المدير بقلمه الأحمر .. المدير يخاطب فريدة قائلاً : هيا أبنتي أتكلي على الله وسوف لا أقصر في مساعدتك .. عندما خرجت فريدة من غرفة المدير .. تسأله : والآن أين سأراجع ؟! أجابها شهاب افندي معاملات التعيين تأخذ وقتاً اطول .. لو تأذنين لي أنا سأتعقب اوراقك .. تسأله ومتى اراجع لطفاً .. ؟ شهاب أفندي : بعد يومين أو ثلاثة .. فريدة تضجر من يومين أو ثلاثة .. إلا أن أكمال معاملتها وتعيينها أخذت من وقتها شهر بالكامل .. !! بعد ثلاثة أيام راجعت فريدة المديرية .. فرأت شهاب افندي .. سألته : هل من نتيجة شهاب أفندي مُعتذراً : لحد الآن لم أسمع شيئاً لكن أوراقك عند المدير العام .. أنه يريد مقابلتك راجعت فريدة غرفة المدير العام .. يسألها المدير العام : هل أنتِ فريدة خانم نعم سيدي المدير العام : أبنتي أنا أسف كثيراً شهادة تخرجك من معهد اللغات الأجنبية غير مصدقة من قبل ( المفتشية العامة للغات الأجنبية ) والآن تسأله فريدة : والان ما الحل ؟ كانت هذه الكلمات تتهاوى من بين شفتيها من شدة تأثرها ..
المدير العام : هذا الأمر يهمك أنتِ أبنتي .. حاولي مرة أخرى فرجعت إلى مدير ( شعبة القلم ) .. فريدة تفكر في مصيرها .. إنها تعاني من الحالة المالية أيضاً .. من يأسها بدأت ترفع صوتها : سنوات الدارسة.. شهادة التخرج .. أنا أعيش وحيدة ليس لي مكان آوي إليه .. هناك رجل واقف قرب الشباك .. وبيده صحيفة يقلب صفحاتها قام مدير الشعبة مخاطباً ذلك الرجل : بك أفندي لو قمتم بمساعدة هذه الفتاة لديها شهادة الديلوم من معهد اللغات الأجنبية وكما سمعتم ظروفها قاسية جداً .. من الأولى تعيينها .. وأنت أهل المساعدة .. فريدة : لقد أقترب الرجلُ مني وهو ينظر إلي بعطف .. بصوته الهادئ بدأ يكلمني الفرنسية يسألني عن المعهد الذي تخرجت منه .. عن محاولاتي لأجل التعيين وأنا أجيبه بالفرنسية طبعاً .. أشعر منه علامات الرضا .. أما مدير الشعبة هو الآخر .. ينظر إلي بإعجاب .. يقول مٌبتسماً .. ما شاء الله أنها تجيد الفرنسية ..
يقول المثل .. أذا كان النصف الأخير للقمر في ظلام فأن نصفه الأول يكون مضيئاً .. ما أجمله من مثل !! أخذني هذا الرجل الكبير إلى الناظر لقد تمت الموافقة لتعيني كمعلمة للجغرافيا والرسم في ( المدرسة الرشدية) خلال نصف ساعة فقط ..!! عرفت بعد ذلك أن ذلك الرجل الكبير هو من ( مشاهير أدباء الأناضول ) عادت فريدة إلى ( ايوب سلطان ) وهي تطير من فرحها .. أثناء دعودتها كانت تخاطب كامران أعلم جيداً أن أبنة خالتك لن تموت جوعاً .. بعد ثلاثة أيام .. أخذت أمر التعين هيأت ما يلزمني .. نهضنا في الصباح الباكر رافقتني ( كل مثال) إلى المركب عندما وصلنا الميناء .. كان شهاب أفندي في أنتظارنا على ( أسكلة ) الميناء .. لن انسى هذا الموظف المخلص والانسان حقاً .. لقد ساعدني كثيراً في مراجعاتي للمديرية العامة للمعارف والآن حضر هنا لمساعدتي وتوديعي ..!! لاحظت علبة مغلفة في يده .. اخذ الحقيبة من يدي ووضعها في المركب مع العلبة المغلفة لي ..
( كل مثال ) تمسح بأناملها يدي .. بعينيها الذابلتين تحاول إطالة النظر نحو البحر .. أثناء الوداع بدأت ( كل مثال ) بالبكاء وهي تقبل ناظري تقول لي : لقد ودعت والدتك المرحومة من هذا المكان أيضاً .. ولكنْ يا صغيرتي لم تكن وحيدة والحال سأودعك وحيدة هذا الوداع يكادُ يفطر كبدي .. سنلتقي ثانية أن شاء الله .. أما شهاب أفندي فقد تأثر كثيراً لاحظت أصفرار وجهه أثناء الوداع وهو يقول : أتمنى أن لا يكون هذا السفر كنهاية وأدعو لك بالموفقية والسلام .. ثم رجعا سوية .. فريدة تخاف السفر بحراً .. تتذكر سفرها بحراً قبل ثلاثة عشر عاماً مع حسين إلى بيروت .. والآن تودعُ استانبول دون أن تلقي نظرة الوداع إليها .. عند عبور منطقة ( السراي ) نزلت إلى ( القمارة ) * فتحت العلبة المغُلقة فأذا بـ ( ثمار الفوندان ) أرادت تناول ثمرتين إلا أنها تذكرت علب كاميران فرمت العلبة في البحر .!.! حاولت كتابة سطرين في دفتر مذكراتها لكنْ دموعها منعتها ..!! ثمة مطر خفيف ينزل بهدوء ؟!! تذكرت فريدة ( قوز يا ناغي ) بضياء لياليها المُقمرة ...!! ثم خاطبت كامران : أريد النفور منك ... ومن المكان الذي تعيش فيه كامران !!.. وصلت فريدة مساء فألتجأت إلى الفندق .. غلبها النعاس بعد قليل نتيجة التعب .. فنامت طويلاً .. نهضت متأخرة حيث الشمس ترسل أشعتها على كل مكان .. هناك ضباب خفيف .. تخيم على التلال البعيدة .. كان الهواء عليلاً ينعش النفوس .. فريدة تشعر بالسعادة .. تنظر إلى المٌستقبل بتفاؤل من فرحها كانت تغني ...
الحاج قالفا يُنظف نركيلة حين رآها قدَّم لها تحية الصباح وهو يقول لها.. لماذا أستيقظتِ .. ظننت أنك ستنامين أكثر فريدة مبتسمة : كيف يمكن ذلك بعد أن أصبحت معلمةً .. ترك الرجل النركيلة وأقترب من فريدة وهو يقول لا يمكنك الخروج ألا بعد تناول فطورك .. أرجعي إلى غرفتك لأقدم لك شيئاً أخذ الحقيبة من يدي .. نادى على صاحب دكان بكوب من الحليب مع كعكات وهو يقول : تذوقي هذا الحليب .. أنه حليب خالص .. ومذاقه يختلف عن مذاق الحليب الذي يقدمونه في استانبول ثم قام هذا الرجل الغيور وأخذها وهو يعرج من زقاق إلى زقاق حتى أوصلني إلى باب المدرسة .. أنها مطلية بالصبغ الأخضر تقول فريدة لم الأحظ أحداً في ( باب الكوخ ) ولكن شاهدت سيدة تعبر من حديقة المدرسة وهي برداء أسود مع حجاب وجهها .. كانت متجهة للخروج .. حين رأتني سألتني ماذا تريدين يا خانم ؟ أريد مقابلة السيدة المديرة .. رفعت حجاب وجهها وهي تنظر إلي من رأسي إلى القدم .. قلت لها : أنا معلمة جديدة تعينت في هذه المدرسة ..تقول بأستغراب : معلمة جديدة للمدرسة ؟! ولكنْ يا أبنتي ( ملاك المدرسة كامل ) حاليا.. كنا بحاجة إلى معلمة لتدريس الجغرافيا والرسم وفعلاً تم نقل المعلمة لمدرستنا وبأشرت بالدوام قبل يومين .. ترد فريدة : وكيف يمكن ذلك ؟ وأنا متعينة أيضاً بموافقة رسمية ومن المديرية العامة للمعارف في هذه المدرسة.. ! المديرة تستقطب حاجبيها .. لطفاً أريد أمر التعيين : تأخذ فريدة أمر تعينها من الحقيبة تقدمها للمديرة .. المديرة تمد رقبتها نحو الأرض .. وهي تقول : من الممكن وقوع مثل هذه الأخطاء أحياناً .. المديرة (حورية خانم ) تلك المسكينة غير محظوظة حقاً .. فريدة : ومن تكون حورية خانم ...! المديرة أسم المعلمة التي بأشرت قبل يومين .. لقد أصبحت المديرة في وضع مُحرج.. المديرة : هيا لنذهب سوية إلى المديرية .. حين وصولهما المديرية كان المراجعون بأنتظار مدير التربية.. لقد حضر المدير وقام بتمشية المعاملات دخلنا غرفة المدير .. أخبرته المديرة ما حصل وعند سماعه ذلك أخذ الأوراق وهو يدققها أحد الموظفين يقول : الأحقية لمَن بأشرت أولاً .. والمدير : نعم هذا صحيح ولكن الثانية ( تعيين جديد ).. كيف يمكن الغاء تعينها ..؟ يجب اعلام المديرية العامة العليا للتربية في استانبول وسأكتب أيضاحاً : إلى شعبة النظارة للمديرية العامة .. ثم التفت قائلاً للمديرة : راجعي بعد ثمان أو عشرة أيام .. والأمر يبقي على ما عليه الآن .. عُدنا مع المديرة إلى المدرسة .. وياليتني لم أعد.. ( حورية خانم ) سمعت بالخبر أنها فوق الأربعين لقد قامت تصيح عالياً تُولول .. أغمي عليها .. أحدى المعلمات ترش الماء على وجهها .. تقف معلمة طويلة القامة بالقرب مني .. تهمس في أذني أن زوج ( حورية خانم ) قد تزوج من ثانية عليها .. ومن حق الرجل أن يتزوج عليها بعد قليل .. بدأت حورية خانم تستعيد عافيتها .. فريدة تندب حظها قائلة ما هذا سوى لسوء طالعي وتضيف هذه الكلمات : (قد يُفني البلبل وجوده .. في تغريدهِ أحياناً ) .. ثم أخذت حقيبتها فرجعت إلى الفندق تقول فريدة حين رآني الحاج قالفا رفع يديه.. مالذي جرى لكِ ..؟ أنه يعلم بمراجعتي للمديرية..! يقول لي : أفتحي عينيك جيداً .. أخبريني عن الذي حصل .. فريدة : ساعدني مدير شعبة القلم حين عِلمهِ وضعي الصعب.اما الرجل الذي كان جالساً بجانبه فقد ساعدني كثيراً . الرجل كان يجلس بجانبه .. ووعدني خيراً ..عرفت فيما بعد أنه من كبار أدباء الأناضول ..!! الحاج قالفا : ذلك الرجل الكبير (ولي نعمتي بعد الله ) .. أنه يساعدني كثيراً .. وقبل سنوات كان مديراً للأعدادية هنا ..
أحبت فريدة أن تخرج لتتعرف على معالم القصبة واماكنها وحين رجوعها إلى الفندق قابلها الحاج قالفا وهو يسألها عن الأماكن التي تعرفت عليها وأعجبت بها وهو يحذرها بعدم تكرار ذلك مرة أخرى .. خوفاً عليها من القيل والقال ..! الحاج قالفا يُشغل نفسه بلعبة (الطاولة) مع أصدقائه من المنطقة ومع النزلاء أحياناً .. فيجمع منهم أخبار المنطقة بما فيها أخبار مديرية المعارف .. (لازال التزمت الاجتماعي الموروث بتقاليدها البالية يفرض واقعاً مؤلماً على حياة النساء بما فيها مصيرهن احياناً ).. لذا التزمت فريدة البقاء في الفندق .. فريدة منذ طفولتها تحب الرسم حتى أصبح الرسم هوايتها المفضلة .. لديها من الأصباغ المائية وغيرها ومن أوراق الرسم .. وهكذا بدأت تشغل نفسها بالرسم .. أنها تعتبر فن الرسم تسلية للتعبير عن الوجدان الداخلي للأنسان .. فرسمت صورتين للحاج قالفا .. أحدهما بالقلم الرصاص .. والثانية بالأصباغ المائية .. الرجل مُعجب كثراً بهما لقد كلف أبنته لحياكة أطارين من الحرير . للصورتين .. تقول فريدة في اليوم الثاني دعاني الحاج قالفا لتناول الغذاء في بيته وللتعرف على عائلته .. البيت قريب من الفندق .. إنه بيت قديم تلحق به حديقة صغيرة .. هذا البيت تراثي حقاً بما يحتويه من نقشات رومانية .. لوحات تراجيدي تزين الجدران .. لقد أمضت ساعات جميلة معهم .. زوجته أمرأة ممتلئة وعلى وجهها ترتسم صفاء روحي .. للعائلة ولد نحيل يناهزُ الحادي عشر .. يدعى ( ميرات ) سجّله الحاج قالفا في مدرسة للأرمن قبل سنتين ثم نتقل إلى مدرسة عثمانية للدراسة الابتدائية ..الحاج قالفا يطمح ان يراه في معهد اللغات .. ليتعلم أكثر من لغة أجنبية بعد أن ينهي الدراسة المتوسطة .. أما أبنتهم التي تدعى ( هايغنوش ) فهي في الرابعة عشر من عمرها .. أنها بنت ممتلئة بفم واسع .. وهي بنت خجولة جداً .. سجلها والدها في مدرسة تابعة لكنيسة كاثوليكية تقول فريدة من بين كتبها المدرسية أخذتُ كتاب (التاريخ المقدس للمسيح ) (عليه السلام ) حين سألتها عن معجزات اليسوع ( عليه السلام ) أخطأت في بعضها فقمت بتصحيح أخطائها .. ثم ً بدأتُ أعدد لها المعجزات المسيح ( عليه السلام ) فأعجب بي الحاج قالفا كثيراً .. منذ عشرة أيام وفريدة منشغلة بالرسم تتردد فريدة إلى بيت الحاج قالفا زوجتها تحب فريدة لقد تعلمت فريدة من زوجة الحاج قالفا عمل السّمت ( كعكة تركية ) وبعض الحلويات .. تتمنى فريدة أن يكون لها بيت صغير لتقوم بخدمة بيتها وتهيء لها رفوف جميلة وتغلف جدران غرفتها باللون الأزرق والأحمر .. وهي في هذه الأمنيات تذكرت كامران .. ربما بسبب ذكرها للألوان لتخاطبه قائلة .. أنا أكره اللون الأخضر كونها لون عينيك المخادعتين كامران .. وأريد النفور منك..!!
في صباح اليوم الثاني .. أخبروا فريدة بأن مدير المعارف يريد مقابلتها.. فراجعت المديرية .. حين قابلت المدير أنه كالعادة بالكاد يفتح عينيه يقول لفريدة : لحد الآن لم يصلنا جواب من المديرية العامة حول إمكانية مباشرتك في ( مدرسة الرشدية ) ولا أعلم المستجدات ولكن ما أعلمه بصدد هذه الأشكالية سيوافقون على مباشرة ( حورية خانم ) للمدرسة لأسبقية مباشرتها أضاف المدير قائلاً : لدي فكرة لحل مشكلتكِ هناك ناحية ( زينيلر ) تبعد ساعتان عن استانبول .. مياهها عذبة .. والاهالي طيبون .. الجو معتدل هناك .. فيها مدرسة عائدة (للأوقاف ) قمنا بتجديدها واعمارها وفّرنا للمدرسة كل اللوازم الضرورية في حال موافقنكِ سيتم تعينيك هناك حالاً .كما هناك غرفة خاصة لمبيت المعلمات داخل المدرسة .. نحن بحاجة إلى معلمة في مقتبل العمر مثلك .. والراتب (300) قروش ولكن في حال انضمام المدرسة لمديرية المعارف سنقوم بزيادة راتبك طبعاً .. يستمر المدير في كلامه قائلاً .. حالياً هناك معلمة مُسنة في العمر .. تقوم بتدريس التلاميذ وأدارة المدرسة كما أنها تخدم المدرسة أيضاً .. أنها سيدة طيبة القلب ولكن لا تأبه بطرق التدريس الحديثة وتعتبرها تمرداً على التعليم ..! أما فريدة فلا تجرؤ على الموافقة تلوم نفسها لو أنها أستشارت الحاج قالفا قبل خروجها .. المدير منزعج من سكوتها يلح عليها قائلاً .. أبنتي الأمر مستعجل .. قولي شيئاً.. رَدَت فريدة على المدير : أمهلني ساعة واحدة فقط رجاءً أثناء خروجها من غرفة المدير التقت بالمعلمة ( حورية خانم ) على صحن الدرج .. حاولت فريدة أن تتهرب منها لكنها قطعت عليها الطريق وهي تمسك من أطراف رداء فريدة .. تقول لها سامحيني يا أبنتي لقد أخطأت كثيراً بحقك آه يابنتي لو تعلمين ظروفي .. ولاأريد إزعاجك .. وفريدة بتخوف حسناً سامحتكِ .. دعني أنزل لكن ( حورية خانم ) لا تتركها .. لي خمسة أطفال ورزقهم على راتبي .. ما أكسبهُ لا يسمنهم من جوع..
لقد تنازلت فريدة عن مباشرتها إلى مدرسة الرشدية لـ ( حورية خانم).. ووافقت عل تعينها في ناحية زبنيلر .. تم أكمال المعاملتين خلال ساعة واحدة !! كما تم إرسال نسخة من التعيين إلى الوالي .. حين دخولي إلى الفندق قابلني الحاج قالفا فرحاً وهو يقول لي ( أين الحلاوة ) .. بأمرٍ من مديرية المعارف العليا في استانبول تم أختيارك للمباشرة في ( مدرسة الرشدية... عذراً ياحاج أظن أنك على خطأ قبل قليل كنت في غرفة مدير المعارف .. وأنا الآن راجعة من هناك لوكان الأمر كذلك لأخبرني المدير .. الحاج قالفا هذا الرجل المسن ينظر إلى وجه فريدة قائلاً .. يا غافلة أمر مباشرتكِ صدر يوم أمس .. هناك أمر ما هناك لعبة..!! فريدة ترفع كتفيها : أية لعبة ؟ أنا الآن معلمة في ناحية زينيلر وهذا أمر تعييني بيدي .. أنها مكان جميل ولا يبعد كثيراً.. يرد عليها الحاج قالفا وهو يضرب كفيه ببعضهما : أيتها المسكينة أخيراً أوقعوكِ في فخهم .. أرجعي إلى ذلك المدير الآن فريدة : مرة أخرى ترفع كتفيها قائلة لا يستوجب الأمر كل ذلك .. لا تتأثر يا حاج تقول فريدة : لقد كان الحاج قالفا على حق لأنني سمعت كل شيء بعد
ايام..
مع اشراقة الصباح والحاج قالفا متهياً مع عائلته لتوديعي بمرافقتي مسافة من الطريق .. لقد حانت ساعة الفراق .. فريدة تُلقي نظرتها الأخيرة على صور الطير باللون الأزرق والملصقة بجدران غرفتها تنظر إلى سريرها الحديدي وتقول آه ... ما أصعب الفراق تتذكر فريدة بعضاً من الأبيات الشعرية حول الفراق ... ما معناها ...( أن الأنسان حينما يعيش مع بني جنسهِ .. يشعر برباط وجداني يشده إلى التفاعل مع الحياة .. إلا أن ساعة الفراق تحيل تلك المشاعر الجميلة إلى أوتار قد تقطعت ).. الحاج قالفا يحمل حقيبتهُا إلى العربة ، زوجته ( تضع كعكاً وأكلات عملتها بيديها لفريدة ( اماهايغانوش ) إبنة الحاج قالفا بدأت بالبكاء وأي بكاء إنها ترفع بكاءها نحيبا والدموع تملأ أهدابها تقول فريدة : نزعت تراجي الذهبية من أذني وقدمتها لـ (هايغانوش).. لقد تأثر الحاج قالفا .. وهو يقول لفريدة وما اللزوم لذلك يا أبنتي ؟ ترد فريدة على الحاج قالفا : (( الدموع التي تذرفها أبنتك من عينيها أغلى بكثير من هذه التراجي الذهبية )) كان الحاج قالفا متأثراً كثيراً بهذا الفراق الأليم تفارقناعند جدول الحاج قالفا يوصي صاحب العربة لايصال فريدة إلى مدرستها في القرية .. فريدة بدموع عينيها تقبل عائلة الحاج قالفا .. وتودعهم .. بدأ صاحب العربة يسير بعربته على رمال جرداء لسيول قديمه قد جفت تاركاً الطرق الوعرة والمنعطفات بين التلال .. على جانب الطريق ترى فريدة بنات حافيات الاقدام يجمعن الحطب .. ثم شاهدت أثنين من الشرطة وهما يقبلان من طريق ضيق بجانب مزرعة قريبة حين وصلا قريباً من العربة بدأى بالسلام .. تذكرت فريدةُ نصيحة الحاج قالفا لها : ( الطريق أمن أن شاء الله ولكني أنصحك بعدم رفع الحجاب عن وجهك مهما حصل لا سمح الله ) .. فريدة تركن إلى زاوية مقعدها في العربة كي لا يراها أحد ترتاح نفسياً بسماعها أصوات أجراس العربة .. أما صاحب العربة فهو لا يتفك لإيقاف عربته ليأخذ الحيوان قليلاً من الراحة وصلت العربة إلى منطقة تملأها حجارة سوداء ولا أثر لطريق هنا لقد قرب المساء وبدأ الظلام يخيمُ قليلاً على التلال والوديان ومع ذلك لا أثر للقرية .. فريدة تبدو خائفة .. تسأل صاحب العربة : هل قربنا من القرية ؟ يجيبها وهو ينزل من العربة حاملاً حقيبتها .. سوف نعبر من ذلك الجانب مشياً على الأقدام ... ناحية ( زينيلر ) قريبة من هنا ولا تستغرق سوى خمس دقائق ... ومن طريق ميسمي ضيق جداً نمشي بعد أن تجاوزنا مرتفعاً من بين أشجار السرو البعيدة تتراءى لفريدة اكواخ القرية في جو مسائي فريدة تشعر بالانتعاش وهي تقول : أنا أحب أكواخ الفقراء صادفها في الطريق رجل على كتفيه عباءته أنه يحدقُ النظر إلينا وسائق العربة يقول لفريدة هذا الرجل المسن هو مختار القرية .. تعارف المختار مع فريدة قتقدم معنا نحو القرية .. الأكواخ قديمة ثمة حظائر للحيوانات هنا وهناك .. المختار يقف أمام باب حديقة مصبوغ بالأحمر وسياج الحديقة عبارة عن لوحات خشبية قديمة.. المختار يدق الباب تقول فريدة لأول مرة تكلمت هنا وقلت يبدو لي لا أحد هنا يرُد المختار عليها : يبدوان السيدة خديجة خانم تصلي الآن لننتظر قليلاً ... أما صاحب العربة فقد كان مستعجلاً فودعنا راجعاًً المختار يُلملم أطراف العباءة ويجلس على الأرض .. فريدة : جالسة على حافة حقيبتها الكبيرة .. المختار يمتدح السيدة خديجة خانم قائلاً: أنها مسلمة ملتزمة بمعنى الكلمة ... أنها من الملالي واللالات أحدى الطرق (للكتايا ) .. تقرأ المولود والألهيات في المناسبات الدينية .. وتقوم بغسل المتوفيات تحضر مناسبات الزواج . وتزين العروسات المختار أثناء حديثه يشكو من إهمال المدارس الجديدة لدروس الدين تاركين طريق الملالي .. وبحفظ القرآن الكريم .. يختم المختار كلامه قائلاً : أن هذه الصالحة العاقلة والزاهدة العابدة هي الأولى لتدريس الدين فريدة تقول لنفسها.. وسأقوم بتدريس المواد الأخرى .. بعد لحظات من كلامنا سمعنا صوت لسلسلة حديدية للباب وقبل أن تفتح الباب نادت من القادم ؟. الرجل : أنا المختار ومعي معلمة جديدة لمدرستنا سيدة خانم ... إستقبلتني السيدة المعلمة ( خديجة خانم ) فرحة بقدومي .. أنها بوجه واسع .. مع حدبة ظهرها .. تناهز السبعين .. محجبة الرأس بحجاب يمنيّ أحضر ... مدت يدها فأخذت حقيبتي .. عبرنا من حديقة المدرسة إلى غرفتها .. السيدة تقول : بجهود كبيرة بذلها مدير المعارف لإحياء هذه المدرسة مجدداً .... قبل دخول المدرسة بلحظات أمسكت السيدة خديجة خانم من يدي وهي تقول: أنتظري أبنتي لتتعلمي مني أداب الدخول ... بدأت تقرأ الدعاء بصوت خافت ثم التفتت إلي قائلة : قولي بسم الله وتيمني الدخول...لطابق الأرضي للمدرسة مظلم كالسجن ثم أخذتني إلى درج قديم لنصعد إلى الطابق الثاني .. هذا الدرج يترنح تحت أقدامنا من غرفة المطبخ المهجور في الطابق الثاني أخذت ( لامبا ) وأشعلتها هذه الغرفة الواسعة لم تكنس منذ أشهر سأكنسها غداً ... هذه السيدة هي مديرة المدرسة وهي المعلمة وهي التي تخدم المدرسة ... ولعدم وجود مسكن لها خصصت دائرة المعارف لها غرفة لأقامتها داخل المدرسة والمدرسة عائدة للأوقاف راتب السيدة خديجة خانم ثلاثة مائة قروش أو أكثر بقليل تصرف لها شهرياً وعلى حساب مديرية المعارف فريدة ترجو من خديجة خانم فتح أحدى الشبابيك .. وبعد محاولات تمكنت السيدة العجوز من فتح النافذة فريدة تشعر بشعر رأسها قد أنتصبت .. إنها ترى من النافذة مقبرةً مقابل غرفتها .. تقول السيدة المسنة : إذن هذه مقبرة القرية .. السيدة تقول لها نعم يا أبنتي هذه مقبرة (زينيلر)القديمة .. إنها متروكة الآن أهل القرية يدفنون موتاهم في مقبرة جديدة بعيدة عنا.. ثم تضيف خديجة خانم أريد زيارة قبر ( زيني بابا ) فريدة : ومن يكون المرحوم ( زيني ابا ) السيدة خديجة : هذا المرحوم ذاتٌ مقدس ونفس زكية .. قبره تحت الشجرة الكبيرة هناك فريدة تشعر بالخوف كما لو كانت وحيدة ورغم حياتها الجديدة مع هذه السيدة العجوز .. قبل دخولها من باب المقبرة بدأت السيدة خديجة خانم بقراءة أدعية بصوتها الخافت .. فخرجت فريدة مُسرعة وراءها وهي تقول : أريد زيارة المقبرة معك ... المرأة العجوز حسناً أبنتي .. زيارة القبور من الأيمان .. ولها أجرٌ وثواب عند الله تذكرت فريدة زيارتها المقبرة برفقة خالاتها وهي صبية أيام عرفات تسأل فريدة خديجة خانم .. من أي الأقوام يكون ( زينيلر )؟ تجيبها السيدة خديجة خانم أنا أيضاً لا أعلم ذلك... أنهم من أقوام قديمة واياً كانوا .. فأن وليهم المرحوم (زيني بابا) لا يموت إنه من الحاضرين الناظرين . المريض الذي يستعصى شفاؤه يُشفى عند قبره أنا أعرف أمرأة مشلولة جاؤوا بها إلى قبره محمولة على الظهر .. وبعد الدعاء إلى الله والتوسل من زيني بابا .. رجعت ماشية على قدميها .. بعد ذلك قامت السيدة خديجة بأنارة ثلاثة قناديل .. علقت واحداً منها على جذع شجرة السرو .. والثاني على باب القبر والثالث على قبره .. تقول خديجة خانم :عندما يحين أجل أحدهم هنا .. ويقبض روحهُ يقوم عزرائيل مباشرة بزيارة ( زيني بابا ) .. فتنطفئ أحدى القناديل ....!!!إلتفتت السيدة العجوزة إلى فريدة وهي تقول لها .. والآن أُدعي الله وأطلبي مرادك من ( زيني بابا ) .. فريدة بقلب منكسر تدعو الله وتناشد ( زيني بابا ) كوسيلة .. قائلة له : أنا أطلبُ حاجة واحدة .. وهي أن يهب الله لي صبراً مثلما أصبرك على المحن لأواجه حياتي بلا بكاءً وأنين .. بعد رجوعنا من المقبرة..أستأذنت السيدة خديجة خانم حيث نزلت إلى غرفتها لتقضي نصف ليلها بالصلاة والدعاء .. تقول فريدة : أنا الآن وحيدة في غرفتي وحتى أسلي نفسي بدأت أكتب سطوراً طويلة بضوء قنديل من ذكرياتي إنهمكت قرابة ساعتين بذلك .. وأنا أسمعُ اصواتاً عجيبة من هذه البناية ومن شبابيكها الخشبية أشعر بالخوف في هذا الليل الموحش .. لم يعد للصبر مكاناً في قلبي .. فبدأت أخاطب نفسي لاستكين .. ( أيتها اليتيمة الوحيدة .. أخلدي إلى النوم قليلاً .. مع إطلالة صباح جديد .. صادف الجمعة .. الأمطار توقفت بعد هطولها لعدة أيام .. نحن الأن في نهاية فصل الربيع تقريباً هذه الايام تضفي للطبيعة جمالاً البراري بأزهارها وخضرتها الهواء بنسماتها المُنعشة للحياة .. تعودت على العيش شيئاً فشيئاً رغم عزلة المكان .. والمعانات .. مرت خمسة وعشرون يوماً على مجيئ إلى هذه القرية باشرتُ بالتدريس منذ اليوم الثاني .. ذلك اليوم هو أهم أيام حياتي والذي لا أنساه مدى العمر .. بدأت أولاً أطلع على الوضع الجديد بعد ترميم المدرسة وتهيأة ما يلزم لها كما يقولون ... تقول متأسفة .. أن الخدمة الكبيرة التي قدمتها مديرية المعارف لتجديد واحياء هذه المدرسة التابعة للأوقاف لم تكن سوى الواح خشبية ثم ترصيفها على أرضية بصفين لكونها حظيرة للحيوانات سابقاً .. الشبابيك الخشبية القديمة كما هي منذ بناء هذه الغرف .. أرى خارطة معلقة على جدار هذه الغرفة لكنها معلقة بالمقلوب لاوجود ولو لدولاب واحد في المدرسة .. هناك زاوية في كل غرفة فُرشت بالقار والاسفلت والتلميذات يضعن كتبهن ودفاترهن عليها، أبن المختار صبي شقي لذا تراه داخل قفص كسجن يومياً..وهناك ثلاثة من الذكور عَدا ( وهبي ) ... السيدة المديرة خديجة خانم ترى أنه من الضروري نقل هؤلاء الأربعة إلى مدرسة الذكور ولو كانت في قرى بعيدة .. فريدة تسألها عن سبب أصرارها لنقلهم ، تقول لها السيدة المديرة .. إنهم يضيقون على البنات يسببون مشاكل للمدرسة .فترد فريدة قائلة : لكنهم صبيان ولا يتجاوز أعمارهم الحادي عشر .. السيدة العجوز : ومهما كانت أعمارهم .. فريدة تلتزم الصمت لأنها أدركت أن الموضوع قد ينقلب إلى معاندة .. هناك خمس رحلات من النوع القديم .. الرحلات متروكة : فريدة تسأل : لماذا تركت هذه الرحلات أن المعلمة القديمة هي التي أهملتها .. أثناء الدرس التلميذات يجلسنْ على الحصيرة وتلك أفضل ..! لم تأبه فريدة بكلامها فبدأت بتصفيف الرحلات وطلبت من المديرة بمساعدتها .. تقول فريد: أدرك أنّ المديرة غير راضية ولكنها لم تعترض .. معظم التلميذات من عوائل فقيرة .. أنهن بملابس بالية ومرقعة .. أكثرهن حافيات ..فريدة تناديهن للدخول إلى المدرسة للتعرف عليهن .. وحين يحضرن بين يديها يقمن بتقبيل يدها تسألهن فريدة واحدة بعد الأخرى عن أسمائهن.. لقد أنحصر الجواب بمعظمه بأسمين .. زهراء .. عائشة .. عائشة .. زهراء .. هاتين التسميتين ما أكثرهما في هذه القرية من بين هؤلاء التلميذات تلميذة صغيرة تعتبرها فريدة أكثر شجاعة ؟ فريدة تستغرب كثيراً من طريقة التدريس التي تبدو قد مشت على منوال خاطئ حيث تقف أحدى التلميذات المتمكنة لتقرأ مادة الدرس بصوت مرتفع فتقوم التلميذات بترديد المقروء وبأعلى أصواتهن تقول فريدة وحين سألت فريدة السيدة خديجة خانم هل يستمر حال التدريس على هذا المنوال في معظم مواد الدراسة ؟ تردُ عليها السيدة الكبيرة وهي تنظر إليها بحيرة قائلة لها . وهل يُقلعُ الشجر ألا بالمعوِل ؟. نعم كُلما أرتفعت أصواتهن يزددن فهماً لموضوع الدرس ..!فريدة تلاحظ أن الذكور من التلاميذ متأخرون عن الدّوام .. ثم علمتْ بأنهم يقومون بأكمال أعمال ضرورية للبيت كسحب الماء من الآبار .. منذ أيام والسيدة المديرة .. تتصرف في غاية الغرابة مع تلاميذها من الذكور أثناء مجبئهم للمدرسة . ثم ترجع إلى فريدة وهي تقول لها : أراك بلا حجاب .. تردُ فريدة عليها .. وما اللزوم لذلك ؟أنها تنبه فريدة بأن التدريس بلا حجاب يُعتبر ذنباً عليها ..تسكتُ فريدة دون أن ترد عليها لقد أختلفتْ فريدة كذبة للسيدة المديرة وهي تقول كنت ناوية على الدوام هذا اليوم بحجاب ولكني نسيت فأعذريني .. السيدة خديجة خانم : حسناً أبنتي سوف أهديك حجاباً جديداً أتجهت السيدة إلى غرفتها فأخرجت من الصندوق ( حجاباً يمنياً وبلون أخضر .. فريدة تأخذ الحجاب وهي تقول شكراً سيدتي المديرة .. عصبت شعرها بالحجاب ثم عقدت طرفيها بعقدةٍ كبيرة كعرافات استانبول ..! لقد هيأت فريدة لها ملبساً جديداً بلا ألوان يغطي الساق تماماً .. ولرقبتها ياقة كبيرة من الكتان الأبيض .. لبست قيافتها الجديدة وهي محجبة الرأس بالحجاب اليمني الأخضر ... تلميذاتها ينظرن إليها بأعجاب كبير ...
الآنسة فريدة والآن أريد عرض تلاميذي من الذكور .. هؤلاء الأشقياء هم : هذا الصغير الذي يقضي معظم ساعات الدوام في سجن خاص له (قفص خشبي ) هذا الشقي هو أبن المختار .. وأسمه ( وهبي ) أنه يبدو بعيين زائغتين ! أما هذا الثاني الذي ترونه باسنان لامعة وشفتين غلطين أسمر الوجه فهو السيد ( جعفر آغا ) المشهور ( بكسلان المدرسة ) .. لكنه يجيد رمي الحجارة .. هنا وهناك .. أمّا الثالث الذي ترونه كأنه بوجه لا يُغسل .. أسنانه هشة .. وجهه كوجه طفل صغير..فهو (عاشور ) أخيراً أقدم لكم ( حافظ نوري ) إنه في الحادي عشر من عُمره لكن الناظر إلى وجهه يعتبره في السبعين علاوة على أثر جرح يبدأ من ذقنهِ إلى حد الحنجرة أنه يعصب رأسه ما تحت عصيبته ( دماغ أصغر من بيض اليمامة )حافظ نوري هذا الأخير يجدر عرضه في عالم ( السّيرك ) لنعد مع فريدة إلى ما يهم التدريس .. بعد أسبوعين نحجت محاولاتها على ترك الصياح أثناء القراءة .. فتمكنت أن تضفي الهدوء في جو التدريس والمدرسة كما أن السيدة خديجة خانم إقتنعت هي الأخرى بأن الطرق الحديثة في التدريس .. تضمنُ الفهم وتحقيق نسبة أعلى من النجاح ... السيدة المديرة تدعو خيراً لفريدة وهي تقول لقد هدأ رأسي كما أزدادت قابلية تلميذاتي في فهم دروسهن ..
فريدة تعتبر الموت أمراً طبيعياً إلا أن ما تراها فريدة اليوم في هذه القرية التي تْسدل الستار الأسود على الموت لا ترى فريدة أبتسامة الحياة على الشفاه ألا يكفي أن نفهم الصغار أن ما تعنيه عن الموت هو أنتقال إلى عالم أخر افضل بكثير من عالمنا في هذه الدنيا وذلك حين نكون من الصادقين ، ونسعى لخير الجميع , نساعدالمحتاجين وكفى الا أن هذا المشهد المُحزن والذي يُمارس من قبل التلاميذ وعرض الوسائل المخيفة المشهد كالتابوت والمغسلة وغيرهما من المشاهد المُحزنة والمخيفة تزرع الخوف في نفوس الصغار ناهيك عن نفورهم وخوفهم من مفهوم الدين السمح ..هذه الاثقال الموروثة لازالت تمارس هنا . للأسف .. مع بدء المسرحية يقرأون هذين المصرعين :
ملابس الدنيا ينزع عَمّن يموت
فيكتفي بكفنٍ في التابوت
بعد قراءة الألهيات : يحمل الاولاد التابوت على أكتافهم لتشييع الجنازة.. هذه المشاهد المخيفة يعتبرونها هنا أفضل تسلية من أبرز ممثلى هذه المسرحية إثنان أحدهما ( حافظ نوري ) والثاني ( جعفر آغا) وهذا الأخير هو المريض والذي يعاني منذ عامين والآن بدت علامات الأحتضار عليه ... التلاميذ مجتمعون حوله احدهم يقرأ القرآن الكريم ، والبعض الآخر يقطرون علي شفتيه قطرات من ماء زمزم .. وحين يقبض روحه تبدأ التلميذات بالعويل والصراخ والبكاء بعد ذلك يُغسل الميت بماء الكافور ثم يُكفن ... أما حافظ نوري فأنه يؤُم الحاضرين لصلاة الجنازة حيث تقرأ الفاتحة في نهاية الصلاة .. وبعد قليل يقومُ حافظ نوري ( بتلقين الميت ) بعد البسلمة ليقول للميت بصوت مرتفع ((يا جعفرين زهراء .إذا جاءك الملكان الموكلان .. )) إلى آخر التلقين.. فقراءة الفاتحة على روحه هناك شيئان آخران ( إذا جاز التعبير ) تتسلى فريدة بهما أحدهما ( وهبي الصغير ) والذيُ يقضي معظم دوامه في سجن المدرسة ( قفص داخل المدرسة ) لأحظت أحدى المرات ونحن في حديقة المدرسة هذا الصغير ينظر إلي وهو يقول لي ( أنتِ بنت جميلة ) مُضيفاً لماذا لا تتزوجين لوالدي ؟ .. نهرتُهُ قائلة ، كيف تجرؤ على هكذا كلام فسكت .. بعدِ هنيهة سألته عن عمل والده ... يجبيبي : والدي شرطي .. لا بأس أما الشيء الثالث لتسليتي فهي إحدى تلميذاتي... أنها صبية صغيرة تعرفتُ عليها في اليوم الخامس من مباشرتي .. إنها تجلس على الرحلة الأخيرة في الزاوية الاخيرة .. هذه الصغيرة سلبت لبي حين نظرتُ إلى وجهها المشرق .. إنها بوجه أبيض ملائكي .. مع شعرها الأصفر الجميل أنها في غاية الجمال .. حين تبتسم لي تبدو أسنانها البيضاء كاللآليء عيناها ( اللاجوردتين ) تسحر الناظرين هذه الصغيرة من الفقراء ومن ملبسها الخرق يبدو بياض رقبتها لا مستُ ذقتها وأنا أسألها : هل أنتِ زهراء أم عائشة ؟ أجابتني بلهجة استانبولية .. وبصوت رقيق : إسمي مؤنسة فريدة : إذن أنتِ أحدى تلميذاتي
مؤنسة : نعمُ معلمتي .
فريدة : وأين كنتِ خلال الايام الثلاثة الماضية ؟
مؤنسة : (( آبلاتى )) منعتني من الدوام .. كانت لدينا أشغال البيت
فريدة : أليستْ لكِ والدة مؤنسة :لا يا معلمتي هناك زوجة أبي أناديها (آبلا ) * ..
فريدة : ووالدتك
لقد سكتتْ هذه الصغيرة ... وهي تمدّ رقبتها نحو الأرض ..
فريدة : أحسُّ وكأنني قد جرحتها فوق جرحها القديم ..
فريدة : لقد سمعت اغنية من حديقة المدرسة ؟ ألستِ كنتِ ؟
مؤنسة بوجه خجول : نعم مُعلمتي ..
بعد رجوع هذه الصغيرة إلى مكانها.. تشعرُ فريدة بأحساس عاطفي فوق اللازم تجاه هذه الصغيرة .. سألتُ السيدة خديجة خانم عنها وعن أوضاع أسرتها .. وحسب عِلمها فأن والدها قد تزوج على والدتها .. والدها كان مأموراً زراعياً لقسم الغابات هنا .. ولكنه اليوم رجل متقاعد .. كان بالأمكان أنْ يجد له عملاً مناسباً في مجال الزراعة إلا أن زوجته الثانية أجبرته لطرد زوجته الاولى أما زوجته الأولى والدة (مؤنسه ) وكما يقول الناس .. أن ضابطاً لدورية الشرطة في هذه القرية .. وعدها بالزواج .. فأخذها معه ولكن بعد انتهاء مهمته في القرية تركها تحت رحمة عصاة الجبل وقيل أن المجرمين أختطفوها.... فريدة : ولكن لماذا كل هذه القساوة والحرمان لهذه الطفلة البريئة ؟ تجيبها السيدة خديجة خانم وهي تستقطب حاجبيها : أنها تستحق ذلك...!! أليس ذلك أفضل من رميها في الزقاق ؟ !! فريدة بتأثر شديد.. ولماذا .. ولماذا ؟ فريدة : أن ما ذكرتيها لي اعتبرها احتمال فحسب وحتى لو فرضنا ذلك واقعاً .. فما ذنب هذه الطفلة البريئة .؟ هذه المسكينة ورغماً عنها .. تغيبُ عن دوامها يومين أو ثلاثة اسبوعياً لأنّ زوجة والدها تسخرها للقيام بأعمال البيتْ... لقد لاحظت فريدة أن التلميذات يبتعدن عنها تقوم بعض التلميذات بأيذائها أيضاً .. في إحدى الأيام الباردة سمعتْ فريدة صراخ مؤنسة وهي تصيح : دعوني أتركوني.. ثم شاهدت من الشباك صبياناً وهم يملأون أفواههم بالماء فيرمونها على وجه مؤنسة وثوبها حتى أبتل وجهها وثوبها المرقع وجسدها بالماء البارد . ولولا ( وهبي ) أبن المختار والذي سمع صياحها هو الأخر .. فصاح عليهم . أتركوها وشأنها .. ثم بدأ يأخذ حفنات من الطين ويرميها على وجوههم وظهورهم .. تقول فريدة لقد سبقتني السيدة خديجة خانم لأنقاذها .. وأنا مقبلة وراءها ولكن أنطفأ شمعدان السيدة العجوز.. فرفعتْ صوتها مَن هذا بالباب؟ ردّت مؤنسة المسكينة أنا سيدتي وصلت فريدة إليها فرمت نفسها في أحضانها وفريدة تضمها في أحضانها بدموع عينيها بدأت فريدة بتبديل ملابسها السيدة خديجة خانم تقوم بتسخين الحليب لمؤنسة . فريدة تلبسها ثوباً هدأت الطفلة قليلاً وهي تقول زوجة أبي طردني لوقوع أبنها من المرجوحة ..!! بعد هذا الموقف المؤلم : تسألُ فريدة السيدة خديجة خانم هل يمكن أنْ أتبنى هذه الطفلة ؟ السيدة خديجة : هذا شيء جائز وممكن من الأجدر مقابلة مختار القرية وعرض الأمر عليه ليكون على علم بالأمر كأجراء رسمي حيث سيتم إعلام دائرة النفوس .. فريدة بصحبة مديرتها قامتا بزيارة المختار في اليوم الثاني بعد عرض فكرة فريدة خانم لتبني الطفلة .. أثنى المختار على هذا العمل الانساني فأرسل إلى والد مؤنسة حيث حضر والدها وأمام شهود وافق الرجل لقد أجهش والده بالبكاء والحضور ايضاً .. تقول فريدة منذ ما يقرب الشهر وأنا لم أكتب في دفتر مذكراتي شيئاً يذكر .. وعلى أي حال فأنني أشعر بالسعادة لأن ما قمت به لأجل مؤنسة هذه الطفلة المسكينة أعتبرها أمراً جميلاً للغاية فريدة تشعر بسكون نفسي .. أنها تتذكر كامران ولكن بقلبها المنكسر قبل يومين من انفكاك فريدة من مدرستها تسلمت (مؤنسة) رسالتين من عربة البريد في القرية فتسلمت الرسالتين لفريدة نظرت فريدة الى ظرف الرسالتين احداهما من خالتها بسيمة خاتون والآخرى من كامران فأشعلتا في فؤاد فريدة ناراً ... تفتح فريدة رسالة خالتها : فحوى الرسالة هي انها في عالم الرءيا في منامها رأت فريدة متوجهة الى نور يبهر الابصار خالتها فرحة جداً ومتفائلة برجوع فريدة الى اهلها وحبيبها ... اما كامران فيخاطب فريدة في رسالته قائلا.. ان هذه الرؤيا التي رأتها والدتي أعتبرُها فأل خير لكِ ولنا ... دعيني انا جانباً .. اليست والدتي بمقام والدتك المرحومة .. إنها تتعذب كثيراً بفراقكِ لأنكِ تعلمين جيداً كم كان حبها لكِ كبيراً ... فريدة تُتمتم بكلمات مُخاطبة كامران : أرايت ماحل بنا كامران ؟.. لقد بتنا كالغرباء ... ولكن لاأعادي احداً ... سامحني كامران أنا أعترف بخطأي ... تقول فريدة : في ساعة متأخرة من الليل نهضنا على اصوات إطلاقات نارية.. أنا خائفةٌ جداً .. أما مؤنسة والتي هي أيضاً نهضت .. تقول لفريدة : آبلا : انهم رجال الشرطة يلاحقون العصاة والمجرمين... لقد استمر تبادل النيران لأكثر من نصف ساعة ... مع الصباح الباكر سمعنا سقوط شهيدين من قوات الشرطة مع اصابة اثنين من المدنيين إصابة احدهما خفيفة تم تضميد جرحه وسيصل إلى قريته مع الصباح أما الثاني فكانت أصابته بليغة ... ابقوه هنا في زينيلر أنه راقد في ديوان القرية ... بعد دقائق جاء ( وهبي ) ابن المختار وهو يقول لفريدة : هيا معلمتي ... إنهم يريدونك في الديوان : فريدة : ومنَ يريدني وهبي الصغيرة الطبيب يريدك تقول فريدة : دخلت الديوان أرى طبيباً عسكريا يتحدث مع الرجال ... وحين رآني توجه نحوي يقول : عذراً يا خانم في الطابق الثاني: لدينا جريح يا خانم هل تقومين باسعافه وتضميد جراحهِ .. وسأبدي ملاحظاتي لك حتى تسهل الامور عليكِ
فريدة : نعم سأضمد جراحه ان شاء الله الطبيب العسكري يرجو من فريدة برفع حجاب وجهها .. تقول فريدة حين رأى الرجل وجهي قال متأثراً وبحيرة : ما الذي جاء بك إلى هذا المكان ؟ فريدة وبأستغراب : هل تعرفيني دكتور الطبيب شخصياً لا طبعاً .. ولكن .. ما أريد قوله هناك سبب آخر ربُما .. بدأت فريدة بتضمد جراح المصاب والاصابة في الركبة التضميد ينال إعجاب الطبيب .. والجريح يصيح آه كعبي .. الطبيب ساخراً أنت لا تميز بين الركبة والكعب ؟ الطبيب ما زال مستغرباً من أمر فريدة وهي في هذا المكان الموحش والخطير أحياناً .. وفريدة تقول له أنا تعينت هنا من أجل تعليم أطفالها وليس لي أي تخوف هنا الطبيب العسكري : إذن .. نذرت نفسك للتعليم فحسب .. ولكن مع ذلك ومن نظراتكِ .. أرى سبباً ما فوق ذلك ..!! يعود ويقول لفريدة لو سألتكِ الآن عن العائلة وعن عنوانك فهل توافقين ؟ سكتت فريدة ... لقد ساد الصمت المكان ينصحها الطبيب قائلاً : ابنتي بأمكاني نقلكِ إلى مدرسة أقرب أو أية ولاية .. فريدة شكراً لتقديريك دكتور .. أنا مرتاحة هنا مع أهل القرية أنهم أناس مسالمون وطيبون .. الطبيب يُخرج من جيبه ورقة وقلماً يكتب عنوانه الشخصي ويقدمها لفريدة قائلاً : لو حدث أي شيء لا سمح الله فهذا عنواني وفريدة : تشكره كثيراً فريدة ترى من الأجدر أن تكتب في دفتر مذكراتها ماجرى اليوم... حانت وجبة الغذاء : بعد تناولها الطعام ترسم الآن صورة جميلة لمؤنسة بالقلم الرصاص .. وبينما هي منشغلة برسم الصورة نادتها خديجة خانم وحجاب رأسها على رقبتها هناك مسؤولان من مديرية المعارف بباب المدرسة .. أسرعت فريدة نحو الزائرين .. أحدهما طويل القامة .. والثاني قصير .. يقول الرجل القصير أنا ( رشيد ناظم ) مدير المعارف يقدم لي هذا الشخص الطويل قائلاً : وهذا المهندس ممتاز مسؤول المباني المدرسية .. بعد إطلاع المدير على وضع المدرسة يقول لفريدة سنقوم بأغلاق هذه المدرسة .. فريدةولماذا أفندم؟ المدير : التخصيصات لمالية لإعمار هذه المدرسةقليلة جداً .. يكتب ملاحظاته في دفتر جيب .. يلتفت إلى فريدة سأجد لك مدرسة أقرب أبنتي .. حين تسلمك أمر أغلاق المدرسة راجعيني .. ثم سجل أسمها في دفتره الصغير .. ورغم أن اليوم هو الجمعة .. فقد أقبل عدد غير قليل من أهالي القرية ومعهم التلميذات .. لأن الخبر المحزن أنتشر في القرية . أمّا السيدة خديجة خانم فقد دخلت غرفتها وهي بوجهٍ حزين للغاية .. مؤنسة الصغيرة بسرعة الريح تركض نحو فريدة خانم.. وفريدة خانم تريدُ أن تسمع أشياء تهم هذه الصغيرة .. فريدة خانم هل تريدين البقاء معي أم لا ؟ مؤنسة ( آبلا ) أنا لا أريد الحياة بدونك سألقي نفسي في البئر ها ..!! فريدة وفراق أخواتك الصغار ووالدك ؟ مؤنسة ؟ أنا أريدك ( آبلا ) .. وآلاخرين .. فريدة : ولكنْ من الواجب أنْ تودعي والدك ووالدتك وحتى أخوتك .. مؤنسة : حسناً آبلا أنا أيضاً حزينة لوالدي .. قرُب المساء ومؤنسة غائبة من المكان تقول فريدة : ناديتها أكثر من مرة .. كنت بحاجة إليها لتساعدني في ترتيب الأشياء .. كنت أظن أنها في حديقة المدرسة إلا أنني حين ناديتها بصوت مرتفع أدركت أن صوتها من مقبرة ( زينيلر ) .. وحين حضورها سألتها عن سبب ذهابها إلى المقبرة سكتَتْ وهي خائفة ومذعورة .. لقد بدأت بالبكاء وتقول كنتُ مع والدتي إنها تأتي إلى المقبرة أحياناً لتراني .. مؤنسة ترتجف وتبكي بحرارة وفريدة تمسحُ دموعها كي تستكين قليلاً .. والآن تطلب فريدة خانم من مؤنسة الرجوع إلى والدتها معها وبسرعة حتى يتسنى لها رؤية والدتها .. حين التقت فريدة مع والدة مؤنسة احسّت بشئ غريب .. أنها ترى الأم والطفلة وكأنهما في نفور .. أين حنان الأم ..؟ حتماً هناك سبب لهذا المشهد المُحزن بل وأسباب ...!!! والدة مؤنسة أمرأة طويلة القامة .. بوجه مشرق أنها لا تتجاوز الثلاثين .. عليها رداء قديم .. الأسى والمعاناة والأحزان على وجهها .. تقول فريدة وبقناعة : أن ما تدورُ على ألسن الناس في هذه القرية ليست سوى محض كذب وريبة لا ترى فريدة أي أهتمام بوجهها.. فعلى وجهها ترتسمُ تجاعيد الزمن .. ((أحيانا يتحمل الأولاد أخطاء الاباء والأمهات ليكونوا ضحايا في مجتمع يسوده الجهلُ )) تنتقد فريدة والدة مؤنسة بشدة قائلة لها : لقد أخطأت كثيراً حين أنخدعتِ بوعد ذلك الضابط الذي ضحك عليكِ .. ثم ترككِ أمام عاتيات الزمن ، والشيء الأخر والأهم أنكِ أيتها الجاهلة قد حرّمتِ طفلتكِ من حنانك ... فريدة تأخذ مؤنسة وهي تقبلها أما والدة مؤنسة فقد كانت تذرف الدموع بسخاءً أثناء توديعها فلذة كبدها وإلى الأبد...!!! في صباح اليوم الثاني نهضنا مبكراً تقول فريدة التلاميذ والتلميذات حضروا لتوديعنا .. أنهم يقومون واحداً بعد الآخر بتقبيل يدي ومن بين من حضر ( محمد الراعي ) أحد تلاميذي ومعه زوجته ( زهراء ) حيث تزوجها قبل عدة أسابيع .. عروسته زهراء تحمل (جَدْياً) صغيراً لمؤنسة وتضعها في حضنها كهدية .. تقول فريدة : أن لحظات ودقائق الفراق .. أحسبها كمديةٍ تقطع كبدي .. العربة بصوت عجلتها الخشبية ورنين أجراسها تتمايل حين عبورها من كل منخفض في هذه الصحراء ، مؤنسة تؤشر بمنديل حين ابتعادنا وعندما وصلنا باب الفندق بعد أكثر من ساعتين العربة أمام الفندق والحاج قالفا يقوم بمطاردة صبي صغير بـ ( القرباج ) ويقول سأسلخ جلدك .. وهو على هذا الحال تناديه فريدة بهدوء : حين سماعهِ صوتها توقف الرجل وهو يلتفتً نحو الصوت .. وحين رأها في العربة .. أخذتهُ فرحة لا يمكن وصفها يصيح أبنتي .. آه يا معلمتي العزيزة .. إنه مسرور جداً لرجوعي .. ثم أخذ الجَدْيَ من مؤنسة فصعدنا الطابق الثاني يقول لي ، ومن تكون هذه الصغيرة ؟ فريدة هذه طفلتي .. لقد تزوجت في (زينيلر) إلتفت الحاج قالفا نحو الصغير ( مؤنسة ) وهو يقول لها لا تنظري إلى المعلمة أنظري إليّ تبتسم مؤنسة والحاج قالفا يقول ما شاء الله ما أجملها ... لقد أفهمتْ مؤنسة الحاج قالفا .. قضيتها بدقائق .. والآن فريدة تقول وبسرور :ما أجمل هذه المصادفة .. لأرى غرفتي التي نزلت فيها .. فارغةُ أشعر وكأن صور طيورها الزرقاء تستقبلني الحاج قالفا دعاني لتناول طعام العشاء .. حاولتُ الأعتذار لأنني تعبة لكنهُ أقسم .. تناولنا العشاء مع عائلة الحاج قالفا .. في صباح اليوم الثاني أخذت الأوراق الخاصة بشأن غلق مدرسة ( زينيلر ) فوضعتها في الحقيبة مع رسالة كَتبتَها لخالتي بسيمة خاتون فوضعتها في صندوق البريد دون ان أكتب عنواني وتوجهت إلى مديرية المعارف لم يحضر مدير المعارف ألا بعد ثلاث ساعات .. لقد كان رئيس الملاحظين جالساً في غرفته طوال هذه الساعات .. وفريدة تنتظر المدير .. بعد كل هذا الأنتظار .. لا أطيل الكلام تقول فريدة لقد قابلتهُ بعد تناوله قهوة الصباح وقبل مقابلتي وأنا في غرفته سمعتهُ يتحدث للحاضرين معه عن حال المدارس مع أقتراب العام الدراسي الجديد . عن الزي الموحد للمعلمات .. عن أمور إدارية . التفت المدير بعد ذلك لفريدة يسألها : ومن أية مدرسة لطفاً يا خانم ؟
فريدة : لقد قُمتم بزيارة ( مدرسة زينيلر ) قبل أسبوع وقررتم غلق تلك المدرسة مدير المعارف : نعم .. نعم وهل أ،تهت المعاملة .
فريدة : نعم أفندم .. الأوراق كاملة مثلما طلبتم ..
مدير المعارف : حسناً سلميها إلى رئيس الُملاحظين للتدقيق .. رئيس الملاحظين يدقق الأوراق المثبوتة للمدرسة ، المتفرقات ، الّسند ثم وصل الأمر إلى صرف مبلغ لترميم المدرسة بوصل رسمي طبعاً .. المبلغ المخصص ( 250 ) مائتان وخمسون قروش ولكن صرف السند مفقود رئيس الملاحظين يسأل فريدة أين السند ؟؟ .. فريدة أجهشت بالبكاء وهي ترد عليه .. أنّ كل دوامي في المدرسة هو أربعة أشهر ولكنْ صرف السند قبل سنة كاملة تدخّل المدير وهو يقول لرئيس الملاحظين .. فريدة خانم ليستْ مسؤولة أبداً عما حصل قبل تعينيها .. تذكرت فريدة وقبل مغادرتها المديرية لتسأل عن مدرستها الجديدة فسألت مدير المعارف المدير أخبرها .. بأن هناك عدة مدارس وسوف نقوم بترتيب الأمور .. فأنتظري. فريدة تفكر في وضعها المالي .. حيث صرفت ما عندها من المبالغ .. كما أقرضت لعائلة الحاج قالفا مبلغاً كدين .. فريدة تخاطب مدير المعارف قائلة : أنا في وضعٍ لا محال للأنتظار معه .. أنا في حالٍ يرثى لها لأجل المعيشة !! المدير هناك مدرسة سنفتحها في قرية ( جادرلي ) ألا أنها في منطقة بعيدة .. كما أن المشاكل كثيرة هناك هل وافقين على التعيين في ( جادرلي ) .. أثناء ذلك وفريدة لا زالت في غرفة مدير المعارف هناك ضيوف اسمع المدير يقول بالفرنسية تفضلوا مرحباً بكم .. أول من دخلت سيدة أجنبية بمعطفها الصوفي لقد فوجئت فريدة جداً .. أن الزائرة هي زميلتها في معهد اللغات تدعى ( فارا ) .. هذه السيدة أحّبت صحفياً فرنسياً .. بعد تخرجها من معهد اللغات فتزوجها.. لقد عرفْتني الآن من صوتي حين ناديتها .. زميلتي تطلبني برفع القناع عن وجهي .. فتحت لها وجهي .. أنها تعانقني وتقبلني ثم قالت لزوجها .. طالما حدّثتك عنها تعارف زوجها معي وهو يقبل يدي كعادتهم زوجها رجل وسيم طويل القامة .. أثناء تعارفه قدم نفسه ( مسيو بيرفور ) وهو يعبّر عن سعادته بهذا اللقاء.. أما مدير المعارف فكان ينظر إلينا بحيرة .. مدير المعارف يرحب بهم .. ثم توجه لفريدة قائلاً ( تفضلي يا خانم .. ) أستأذنتْ فريدة من الضيوف للخروج لكن زميلتها التصقت بها وهي تقول لا يمكن ذلك تقول فريدة بدأت زميلتي تسألني عن وضعي الوظيفي والاجتماعي .. فذكرت لها تعييني وقبل قليل في مدرسة ابتدائية وفي قرية نائية لقد أندهشت زميلتي وهي تقول لي .. ولماذا..؟ أنتِ تستحقين التعيين كمُدرِسة في دار المعلمات .. أما زوجها الذي كان يسمع حديثنا فكان هو الآخر مندهشاً .. التفت إلي قائلاً .. شأنشر لكِ هذا الموقف الكبير بتفضيلكِ تعليم أطفال القرية والحال أنكِ خريجة معهد اللغات .. سأكتب انكِ هذه التضحية لأجل التعليم في المجتمع الريفي .. وسوف أذكر أسمك ليتعرف الجميع على هذه العبقرية والشجاعة لفتاة تتوق شوقاً لتعليم أبناء وبنات وطنها .. بعد سكوت الصحفي .. التفتت فريدة إليه قائلة له : أرجوك .. ذكر الأسم ليس الأهم ولا يلزم ذلك رجاءً أجابني الصحفي بأبتسامة .. على رأيك ومدير المعارف في موقف حرج يلتفت إلى السيدة قائلاً زميلتي : ساُعينُها في دار المعلمات ثم ارسل الى المديرية العامة العليا للمعارف .. حيث تم أكمال أوراق التعيين في ( غرفة القلم ) .. لترجع فريدة ومعها أمر التعيين فريدة تنظر إلى وجه مدير المعارف بحيرة .. والرجل يقول لها هكذا الحياة .. قد تكون بحيرة .. لكنها لا تدوم بحال واحدة .. في السادس من مارت بأشرت فريدة بالدوام في دار المعلمات .. أعمار الطالبات قد تقارب عمر فريدة مدير المدرسة ( رجب أفندي ) إنه مدير بمعنى الكلمة .. حين دخوله دار المعلمات بدأ يُرحب بي كثيراً كمدرسة في دار المعلمات .. أنه رجلٌ بشعر أبيض ووجهه كالتفاح.. السماء تمطر .. اعتذر مني قائلاً : أريد أن أتدفأ قليلاً المدير يقول لفريدة الأهم أستغلال وقت الدرس بحرص أكثر حان وقت الدرس والمعاونة تقول نعم الجرس الثاني للمدرسات .. المدير: لفريدة هيا أبنتي.. اريد أن اقدمك للطالبات ولكن .. أرجوك لطفاً أن تمسحي ما على وجهك : فريدة وماذا على وجهي ؟ فريدة تنظر إلى وجهها في المرآة وتقول للمدير على وجهي ماذا ؟ وجهي بطبيعته .. تضحك المعاونة والمدير .. المدير يلتفتُ إلى المعاونة قائلاً هل رأيت مثل هذا الوجه المشرق ؟! ثم التفت إلى فريدة لقد أرضعتك أمكِ رحيق الأزهار مع حليبها يا خانم . هذا الرجل منفتح على الحياة .. وحريص في أداء واجبه .. إنه نموذج نادر في مجال التربية والتعليم دخلنا الصف وبعد تقديمي للطالبات .. بدأ يلقي كلمته للطالبات قائلاً : لا تنظروا إلى قامتها.. الجوهرة تكون في أعماق البحر أما كنوز العلم والمعرفة فتكمن في أدمغة الأذكياء .. أنتبهن إليها جيداً فآنتهلن العلم من كلماتها .. إعصرن العلم كما يعصرُ الليمون .. تضحك الطالبات .. ورجب أفندي يهددهن بقلع أسنانهن .. ما أريح هذا المدير !! (إن الأدارة الملتزمة مع شيء من الانفتاح على الحياة وبشراكة أوسع ولا سيما في مجال التربية والتعليم ضمانات لأنجاح عملية التعليم )فريدة تبدأ بالتدريس .. الموضوع الأول الذي بدأت بتدريسه هو قطعة باللغة الفرنسية ومن خلال قراءة القطعة تُوضح كيفية أنشاء الجمل .. مُشيرة إلى كيفية ربط الجمل بالاستعانة مع مبادئ الفواعد للغة الفرنسية .. من الطالبات إثنتين تُبديان تفهماً أكثر للموضوع .. وهما نزيهة (هـ ) ووصفية انهما من استانبول الكادر التدريسي في معهد المعلمات مختلط .. هناك ( زاهد أفندي ) مدرسّ العلوم الدينية أستاذ الجغرافيا ( عُمر بيك ) من متقاعدي الجيش العثماني ، معلم الموسيقى ( يوسف أفندي ) .. هذا الاستاذ الموسيقى يجيد قراءة الطريقة ( المولوية ) أنه يقرأ في المواليد وهو استاذ بارع في الموسيقى ولهُ عدة الحان ... تقول فريدة : دخلتُ مخزناً للاشياء القديمة والمتروكة لأجل سبورة للصف .. وقع ناظري على ألة (الأرغون ) الموسيقية جلست على كرسي وبدأت أعزف على الأرغون لحناً لأحدى المولوّيات .. لقد أخذتني الحانها الحزينة .. كنتُ منسجماً مع الأرغون أيقظني صوتُ رقيق لأرى يوسف أفندي وهو يبكي وحين توقفي عن العزف أومأ برأسه إلى الأستمرار فقربت رأسي للأرغون .. ثم شعرت بدموعي تسعفني تكادُ أنفاسي أنْ تتقطع .. يوسف أفندي يقول لي : أنا مُلَحنُ هذه ( الالهيات ) ..الوضع المالي لفريدة جيدة حيث الراتب الوفير .. فأستأجر الحاج قالفا بيتاً قريباً من بيته لها دخلنا البيت الجديد .. فرحت كثيراً لكونه بيتاً مؤثتاً ..ولكن فرحة مؤنسة أكبر من فرحتي .. وهي مع ( الجدْي ) .. بدأت مؤنسة تلعبُ مع الحيوان .. والجدي يلتهم أعشاب الحديقة .. اليوم هو (العاشر من مايس ) توقفنا عن التدريس لمراجعة المواد الدراسية لاقتراب الأمتحانات النهائية .. والعاشر من مايس هو (مناسبة) نودع فيه الربيع.. معظم تلميذات وطالبات المدراس بكل مراحلها يشاركن في أحياء هذا العيد .. أما فريدة فتقول : أنا لا أحبُ الزحام .. لقد رجعت فريدة إلى البيت .. الأ أن عدداً من طالباتها وبرفقة المدرسة ( وصفية فاتحلي ). ناهيك عن المدبر ( رجب أفندي ) ومعها المعلمة وصفية الحوا على فريدة للمشاركة في هذا الأحتفال الكبير .. طوابير النساء يُنشدنَ (المارش) ( المعزوفة الوطنية ) المدير ( رجب أفندي ) بمظلته الكبيرة يدور بين الطباخين وهم ينصبون القدور الكبيرة .. لطبخ الأطعمة .. الطالبات .. يضعن حجابهن جانباً .. ليأخذن شيئاً من الحرية ابتهاجاً بهذه المناسبة الجميلة .. الملحن ( يوسف أفندي ) يشترك في احياء هذا الاحتفال الجميل وهو يعزف على ( طنبور ) مؤنسة تغيب عن الأنظار.. لقد أخذوها إلى الطرف الأبعد حيث السد القديم أنها تتمرجحُ .. وتلعب هناك مع الأطفال .. يوسف أفندي .. بعد أن أن تعثر أثناء تجاوزه لمنخفض مغمور بالماء ، أغمي عليه وفريدة .. وبحركة لاأرادية تمسح جبينه بمنديلها المبلل .. بعد قليل يصحو الرجل ويشكرها لم تمْض دقائق قليلة حتى بدأت التأويلات تأخذ منحاً عاطفياً على الألسن فريدة في استحياء وخجل.. فبدأت تفكر في ترك هذا المكان والأنتقال إلى مدرسة أخرى ولو كانت في قرية بعيدة ...هذا اليوم ستشهد فريدة حفل زفاف أحدى طالباتها وتدعى ( جميلة ) لضابط شاب في الجيش العثماني.. حيث قامت العروسة بدعوتها شخصياً لزفافها .. فريدة المعلمة هي التي ستزين طالبتها ( العروسة ) كما زينت قبلها (زهراء ) أحدى تلميذاتها لعريسها الرّاعي ( محمد جومان ) في قرية (زينيلر ) .. فريدة تحب هذه الطالبة لأنها من الحريصات على دوامهن.. ومن المجتهدات.. كما أن والديها يتابعان بنتهما في المجال الدراسي والاجتماعي قبل لحظات من زفافها إلى بيت الزوجية .. أستأذنت فريدة من والدة العروسة لتغادر إلى بيتها بعد أن قبلت العروسة لكنّ والدة العروسة رجت من فريدة خانم أن تقوم بنصيحة بنتها العروسة ولو بكلمتين أو ثلاثة .. فريدة تأخذ العروسة إلى غرفة أخرى .. بدأت تنصحها قائلة لها : إنّ أجمل ما تنمناها البنات هي الزواج لتكون السيدة في بيت سعيد .. ثم لتنجب أطفالاً تملأ البيت أنساً ومراحاً وأهم ما أقدم لكِ من نصيحة أقول كوني وفيةً لزوجك وحبيبك والذي أحبك وأختاركِ شريكة لحياتهِ .. واعلمي أنّ بيت الزوجية تزينها خصلتان : أولهما طاعة الزوجة لزوجها وبالمعروف .. أما الأمر الأخر فهو الأحترام المتبادل .. وحل المشاكل بالتفاهم . مجتمعاتنا تعاني من الجهل ، والغيرة ، والحسد .. حذار من تدخل الأخرين في شؤون حياتك الخاصة.. فريدة تودع العروسة وهي تلوم نفسها وتترحم لحالها بعد فوات الأوان .. تمر أيام العطلة الصيفية .. هذا المساء استضافت فريدة عائلة الحاج قالفا لتناول طعام العشاء في منزلها.. وحتى تكون الضيافة أجمل ولأنها تحب كثيراً العائلة فقد أشترت ثلاثة فنارات (مصابيح زجاجية ) وعلقتها على غصن شجرة قريبة بعد أن أشعلتها.. حاج قالفا أثناء رؤيته زينة الحديقة يقول فرحاً حقاً ضيافة فريدة كبيرة.. أنها ذكرى العاشر من تموز .. فريدة ترد على الحاج قالفا : أنا أيضاً لي ذكرى تخصني حيث هربتُ من قفص الزوجية قبل سنة ومثل هذا اليوم ..! لعائلة الحاج قالفا مكانة خاصة في فؤاد فريدة .. أنه رجل غيور وكم من مرات أبدى مساعدته لفريدة كما أن هذا الرجل مثابر في عمله مع كونه كبيراً في السن أنه يكدُّ ويعمل لأجل إسعاد عائلته .. كما أن لفريدة محبة واعتزاز تجاه زوجة الحاج قالفا وأبنته (هايغانوش ) وأبته ( ميراث ) .. فريدة مع ضيوفها تمضي ساعات طوال من الليل انها تشعر بالسعادة معهم .. مع سماع طرائف أو حكاية عجيبة تضحك هايغانوش حتى تبدو وجهها بوجنتيها المحمرة كتلك المصابيح الحمراء .. حين أستأذن الحاج قالفا للمغادرة .. أهدتْ فريدة أحدى الفنارات لـ ( هايغانوش ) والثانية لـ ( ميراث ) والثالثة لمؤنسة الصغيرة .. فريدة ومنذ ساعات ترى في وجه مؤنسة علامات التعب والمعاناة .. منذ قدوم عائلة الحاج قالفا .. وهي في غفوة حتى نامتْ .. فأخذتها فريدة إلى فراشها .. وغطتها ببطانية .. وهكذا تظل فريدة وحيدة في حديقة منزلها تقول بتفاؤل : بعد سنة كاملة .. طالتْ علي أيامها ولياليها وأنا أعاني من آلامها وأحزانها أراني الان أصبر على الفراق وأكثر جلداً أمام مصاعب الحياة أحمدُ الله كثيراً على الصحة والعافية .. ولا أشكو الحال الا لله .. سنة من العمر مضت وما تٌسليني فيها دموعي .. ربي ما أطول أيام هذه السنة لقد طالت عليّ بلياليها الظلماء .. مؤنسة بوجهها المصفر والشاحب يُقلق فريدة كثيراً .. إنها مصابة بنزلة برد شديدة مؤنسة تشكو من صداع شديد.. هل نسيت (آبلا ) كيف أخبرتك عن أختبائي في كومة التبن بعد مطاردتي زوجة أبي ليلاً والثلوج بغزارة بعد قليل هدأت مؤنسة فنامت، تقول فريدة : أخذت كتاباً من الرومانس وأنا على سريري وبدأت بقراءة الكتاب .. الأمطار لم تتوقف منذ عشرة أيام مع أزيز الرياح الباردة أسمع عدة طرقات على الباب نظرت من فتحة صغيرة في الباب فرأيت أمرأة تقف قرب باب الضيافة وبيدها ( رداء مطري ) .. كان ضوء ( الفنار ) يضفي لماء الزقاق لمعاناً يتلألأ .. فريدة : من الطارق ؟ السيدة الغريبة بأضطراب : أنا .. أنا .. لقد جئت لأخبر المعلمة فريدة خانم أمراً يهمها.. تقول فريدة لقد أضطررت لفتح الباب لهذه السيدة حين سألتها من تكون وماذا تريد ردت قائلة لستُ غريبة عنك ولو لم نتعارف قبلاً ولكن أطمئني أبنتي أنا أختُ الأستاذ الموسيقي ( يوسف أفندي ) لقد سكتت فريدة عن الكلام .. السيدة المُسنة تقول لها : أخي يوسف في معاناة صعبة المرضُ يشتد عليه أنا أخته الكبرى .. بعد وفاة المرحوم زوجي نذرت نفسي لخدمة أخي المريض منذ سنوات .. ووضعه الصحي يُقلقني كثيراً هذه الليلة فريدة تفضل السكوت مرة ثانية .. أما السيدة الزائرة .. فقد بدأت تبكي بمرارة وتولول .. صدقيني يا بنتي .. أخي الآن على فراش الموت .. سيموت هذه الليلة لا محالة .. فريدة تتأثر كثيراً لحال هذه السيدة .. وخاصة حين أخبرتها بأن يوسف أفندي يريد رؤيتها قبل مفارقة الحياة .. خرجت فريدة مع السيدة تاركة الصغيرة ( مؤنسة ) داخل البيت .. بعد أن أحكمت غلق الأبواب .. عند وصولهما إلى منزل المريض أسرعت فريدة إلى غرفة المريض كان راقداً على سرير حديدي تقول فريدة حين أقتربت منه رأيته مغلقة العينين يلفظ أنفاسه الأخيرة .. أخته ترجوه باكية ليفتح عينيه في تلك اللحظة أدركت فريدة بحركة في أجفانه وهو يحاول الكاد فتح عينيه .. ليُغمضهما إلى الأبد .. فريدة تطبعُ قبلة على مقلتين مغلقتين .. لقد فارق الحياة .. لا تنسى قرارها فريدة بعدم البقاء في معهد اللغات تبررها أسباب عدة أهمها هناك مبالغة في تضخيم الأمور في هذه المنطقة .. فضلاً عن الكادر التدريسي ومعظمها من النساء والتي أحسُ أنهن في حساسية لا تنتهي .. كما أن رحيل المرحوم ( يوسف أفندي ) ونقل أحدى زميلاتي من المعلمات إلى مكان أخر لكل تلك الأسباب لم اتحمل البقاء هنا .. فراجعت المديرية العامة وقدمتْ طلباً لنقلي إلى أية مدرسة ..! تقول فريدة : لأحظتْ أن المدير العام لم يعارض على طلبها وكأنه على علم بحال المعهد المهم لقد تم نقلها إلى مدرسة الرشدية.
( القسم 3 )
صادف اليوم الأول لمباشرة فريدة إلى مدرسة الرشدية مناسبة دينية أنها يوم ( النبي زكريا ) عليه السلام .. وكما جرت العادة فأن الناس يخرجون ومعهم سلات الأطعمة تاركين البيوت .. فيتوجهون إلى التلال القريبة التي تغطيها أشجار السرو وأشجار الدفلة يجتمعون يمرحون تحت ظلال الأشجار الوارفة .. وأجواء المكان معطر بالروائح الزكية لاشجار الموسم اوائل الربيع .. فريدة تقول أنها لا تحب الأماكن المزدحمة .. فالتزمت البيت ولم تخرج ، أما مؤنسة فقد خرجت مع زوجة ( حافظ قوربني ) ( إمام جامع العسكر ) في هذه القصبة .. فريدة تحب القيام بأعمال البيت فتشغل نفسها .. وتنسى همومها .. بعد أنتهاءها من أعمال البيت .. تذكرت طيور الحمام وهي ست حمامات جميلات أنها لمؤنسة .. أخذت قفص الحمام وفتحته في الحديقة .. ثم بدأت بتنظيف القفص .. ووضعتها في مكان مشمس .. هناك ( جرو صغير ) يحوم المكان لصيد صغار الحمام والطيور ., لقد أقترب من أحدى الحمائم في الحديقة يحاول مباغته الحمامة وصيدها وفريدة تراقب المشهد وتشعرُ بالخوف على الحمامة ثم طارت إلى غصن الشجرة .. فريدة متأثرة تخاطب نفسها قائلة ( نحن بنو البشر .. لا نرفق بالحيوان أحياناً ,, نسجنها كما أسجن الأن هذه الطيور .. وبمشاعر جياشة أسرعت لفتح القفص لأطلاق الحمائم .. إلا أنها تذكرت مؤنسة وكيف يكون حالها حين لا ترى طيورها ..فريدة لم تكتب في دفتر مذكراتها اليومية شيئاً منذ ستة أشهر .. فأخذت دفتر المذكرات ودونت فيه ما يخطر على بالها .. انتهت من الكتابة .. أنها الآن تجلس على كرسي بجانب شباك غرفتها وهي تطيل النظر إلى الدردنيل وساحل البحر .. أنها تتمتع بالطبيعة الخلابة لاستانبول و (شمس الأصيل تقترب للأفول ) .. لقد أستاجرت فريدة هذا البيت الصغير .. لموقعه الجميل ..
معظم أهالي هذه القصبة تربطهم صلة القرابة ، والبقية من أهلها من معارفهم .. كما أن معظم الشباب هم من العسكريين أما نساء هذه الناحية فأنهن مثابرات ووفيات لأسرهن وهناك تعاون بين الأسر في المناسبات يا إلهي ما أكثر المناسبات المفرحة في هذا المجتمع الجميل.. تقول فريدة : كنتُ اتمنى أن اكون من أهالي القصبة .. هذه المناسبات المفرحة الكبيرة بحاجة إلى أموال كثيرة واستعدادات كبيرة.. كنت اسأل نفسي .. يا ترى كيف يُدبرون كل تلك الأمور برهاوة ..!! ولكن بعد دعوات أصحاب المناسبات لي وحضروي المناسبات معهم .. فهمت أنهم أذكياء بمعنى الكلمة في التدبير أضافة إلى ذلك مساهمة أهل الناحية مادياً في إنجاح المناسبة مثلاً : ملابس العروسة .. لا تتعدى أصابع اليد انها خمس أو ست فساتين فحسب لأنهم يحتفظون بتلك الفساتين لتلبدسها عروسة أخرى في حفل زفافها ..! أحياء المناسبات يكون بالغناء والموسيقى .. هناك بعض المغنين وعازف الموسيقى من أهالي القرية أرمني يعزف على ( الأرمونيك ) وآخر عازف الطنبور..
أمّا تهئية كل الأمور للمناسبة فذلك شيء جميل جداً يتقاسمُ فيه كل أهالي القرية .. فريدة تنتبه لنفسها قائلة : ليتني وُلدّتُ هنا لأحسَب منهم .. النساء يعاتبنني أحياناً .. لأجل زياتهن في ليالي القصبة الهادئة . ويُحبذن حضوري في جميع المناسبات فأصبحتُ عوناً لهُن في تهيئة ما بأمكاني كتزين العروسة أو تفصال وخياطة الملابس .. أما في المدرسة فحدثْ ولا حرج .. لقد أحببتُ تلميذاتي كثيراً أراهن مبتسمات دوماً .. أنهن بنات ناس كما يُقال مهذبات ومجتهدات في دروسهن .. وأنا بدوري لا أقصر معهن أساعدهن في المجال الدراسي، بتهئية بعض الحاجات الضرورية لأجل تطوير المدرسة .. وفي جوانب كثيرة كالنقش والرسم والنشرات . أجمل منطقة في هذه الناحية ( حافة الوادي ) إنها غابة قديمة مزدحمة بأشجار ( السّرو ) .. يقصدها أهالي القصبة كنتُ أخذ مؤنسة أحياناً إلى تلك المنطقة والغريب أن الأغنياء يقصدون تلاً يٌسمى ( تل المرضى ) !! كنتُ في حافة الوادي ومؤنسة معي أثناء عودتنا من المكان .. صادفنا مجموعة من العسكريين .. وهم يرجعون من الغابة أوقفهم ضابط قائلاً لماذا ترجعون متعجلين ؟ يجيبه أحد العسكريين من الضباط لقد انهيتُ واجبي والآن أريد الذهاب إلى حافة الوادي .. يردّ عليه قائلاً .. إرجع إلى الغابة لأن الوادي بلا طعم !! والمكان خالٍ من أسكرّقند .. ! ) فريدة تشكو من وعكةٍ صحية.. مؤنسة أخبرت المعلمات بذلك ومن دون علمي .. لقد فوجئت اليوم بزيارة عدد منهن قدمنَ البيت لمعايدتي لم تدم زيارتهم سوى عدة دقائق .. استأذنت المعلمات للمغادرة ، لكنّ فريدة الحت عليهن بالجلوس .. أحدى زميلاتها تسألها : هل تناولت الشاي بـ (سُكرّقند).. في حافة الوادي ؟ أنا لم ار حفل تقديم الشاي هناك تقولها فريدة تضحك المعلمات .. إحداهن تعلق سائلة فريدة . ألا تعلمين ما الأمر يا مسكينة؟. فريدة وبأستغراب ، وما الأمر ؟. صدقيني لا أعلم تقول زميلتها : شبان القصبة وخاصة الضُباط معجبون بجمالك كثيراً فأطلقوا عليك هذه التسمية ..!! تُطبق فريدة وجهها بكفّيها وهي تقول .. واه يا ربي لقد أصبحتُ على ألسُن الرجال هنا أيضاً..؟بعد مرور أكثر من ساعتين تعود فريدة لتصحيح دفاتر الواجبات المدرسية للتمليذات .. أثناء ذلك تسمع طرقات على الباب ومؤنسة تناديها.. لقد جاءتنا زائرة_آبلا ) ترى فريدة سيدة برداء أسود وعلى وجهها نقاب .. تسألها فريدة : من أنتِ ؟ ترفع الزائرة نقاب وجهها وأذا بها مؤنسة تمازح فريدة.. وهي لالبسة رداءها تقول فريدة : لاحظت أن ردائي مُناسب لقامتها .. لقد كبُرت هذه الصغيرة .. وعلى وجهها الأبيض يرتسمُ جمالُ خلاب يٌشرق وجهها تقول فريدة : منذ أيام الاحظ أهتمامك بملابسكِ تقفين طويلاً أمام المرآة .. أتحبين أحداً يا صغرتي ؟! تٍسألها فريدة في حال تم زواجك فرضاً لشاب تُحبينه ستتركيني وحيدة .. أليس كذلك ؟ ومؤنسة تضحك ..! فريدة .. تشعر تماماً ما في خلجاتها لقد علمتْ فريدة خانم .. بعد فترة قليلة أن مؤنسة تميُل إلى أحد الشبان في هذه القصبة .. تمر الأيام .. فتحت المدارس أبوابها للعام الدراسي الجديد ..من الأيام الأولى .. تلاحظ فريدة: تلميذة قصيرة القامة .. بفمها الواسع وأسنانها المتباعدة وهي في دلال كبير .. أنها من بنات أحد الأثرياء زميلاتها تناديها بـ ( خانم أفندي ) داخل المدرسة .. وهي تتباهى بخيلاء .. وغرور أستدعت فريدة زميلاتها وهي توّبخهن قائلة: ( المناداة بهذه العبارة ممكنٌ في النوادي وليست في المدارس .. ) فريدة تعتُبر أدارة المدرسة مُقصرة في هذا الجانب .. لأن ما يجري يُعتبر أستخفافاً بالعملية التربوية .. هذا التصرف المُشين يؤثر سلباً على نفسيات التلميذات .. ولا سيما بنات الفقراء .. وقد تسببُ أيضاً مشاكل داخل المدرسة .. إن المدارس لها قدسيتها الخاصة ووُجدت لتعليم وتربية أبناء المجتمع وبما يحققّ الأفضل للجميع وليس هناك تميز بين بنات الناس .. أن التعامل الطبقي في المجتمع شيء مغلوط لأن كرامة الانسان أغلى من كل شيء .. منذ عدة أيام وفريدة تشعر بأن ( خانم أفندي ) المدللة بدأت تهتم بمعلمتها أكثر وتبدي لها الأحترام .. والتقدير في مساء أحدى الأيام وقفت عربة المغرورة أمام باب بيتها أنها عربة (عبد الرحيم باشا ) تنزل بنتها المغرورة من العربة وبيدها بطاقة دعوة خاصة لفريدة خانم يستضيفها ( عبد الرحيم باشا ) للحضور إلى نادي حديقته الواسعة ( بعربته الخاصة ) التي أرسلها لأجلها ...!! والحضور مساء هذا اليوم .. في أوّل الأمر فكرت فريدة في ردّ الدعوة وعدم الحضور لكنها غيرت رأيها بعد قليل .. وذلك لتلقين الباشا وعائلته درساً بليغاً لتغيير نظراتهم الضّيقة بحق المجتمع .. وللفقراء بالذات ( لولا الفقراء لما كان الأغنياءُ أغنياءاً !!) المهم وصلت فريدةُ بعربة الباشا إلى الحديقة الواسعة .. فريدة حين وصولها إلى الحديقة تُحدق نظرها إلى قصور الباشا الواسعة وبما يملك من بساتين ومزارع .. مخاطبة نفسها : واقعاً أن معظم الأثرياء والملاكين هم من المتجاوزين على حقوق الفقراء.. وهذه حقيقة شاخصة للعيان في أغلب المجتمعات .. فريدة تميل إلى الفقراء وتحب أبناءهم .. تشفق عليهم بل وتساعدهم فدر أمكانها .. أثناء دخول فريدة مع ( نريمة خانم ) الصالة .. تفاجيء بمناداة نريمة خانم ( أبنة باشا الكبرى ) وهي ترفع صوتها : ما الذي جاء بك هنا (احسان بك ) ومتى حضرت هنا ؟! وفريدة لا تبالي .. أنها في وقار وهدوء .. ثم التفتت إلى فريدة أنك من استانبول ونحن أيضاً .. أود أن أقدم لكِ أبن عمي وأخي من الرضاعة ) الضابط الركن ( أحسان بك ) يمدّ يدهُ لفريدة فيتصافحان .. فريدة تقدم نفسها له قائلة .. وأنا أحدى الصغريات من الضباط في جيش ( مديرية المعارف العامة ) .. أذا جاز التعبير .. أحسان بك ممتعض .. من هذا التعبير فبدأ ت فريدة تطلق العنان لقريحتها : نحن الكوادر التعليمية والتدريسية أصحاب أقدس المِهنَ وأهم ركن بل الركنّ الأساسي لبناء المجتمع الأفضل .. وفوق واجباتنا الأساسية .. هناك أنشطة تقوم بها تلامذيتنا وطلابنا مستعيين بارشاداتنا.. ومنها ( مراسيم تحية العَلم ) كل خميس من الأسبوع .. لدينا فرق النشيد الوطني على مستوى المراحل كلها .. هناك فرق الكشافة .. لمراحل المتوسطة فما فوق .. تمارسسها طلابنا كل ربيع حيث تُنصب الخيام من قبل الطلاب في القصبات القريبة من المدن .. ومنذ أعمارهم المبكرة .. يتدربون .. في أعمال جماعية .. متعاونيين لنصب الخيام يتعلمون المهارة وكيفية التأهب التجمع بأنتظام بعض التدريبات الصباحية .. كمسير العسكر .. إصابة الهدف بوسائل بسيطة.. الجلدُ والصبر .. والثبات .. ولدينا أنشطة مختلفة داخل مدارسنا منها إقامة معارض الزهور في الربيع .. نشرات جدارية لنشر الثقافة المدرسية وتوسيعها .. من خلال قصص .. مسابقات ثقافية .. وعلمية أيضاً .. هناك إقامة معارض ولمرتّين غالباً خلال العام الدراسي الواحد .. معروضاتها من زجاجيات وكتب خارجية ، وملابس جميلة للصغار ثم توزع لأبناء الفقراء ناهيك عن النشاطات الرياضية والفنية من رسم وخط .. هذه عطاءتنا لأبناء المجتمع .. ولولا المدارس لما تحقق شيء أسمه (التقدم).. ولما رأينا جيشاً .. مدججاً بأسلحته المختلفة .. من حق المعلمة (فريدة خانم ) أن تعتبر المدراس .. كمعسكرات الجيش .. أما عن شأن هذا الشاب الضابط ( إحسان بك ) تتذكرهُ فريدة .. وقبل أقل من عشرة أيام.. تقول فريدة : بجوار مدرستنا حديقة ( تنفس ) الواسعة .. وما يجاورها بستان واسع يملكها ( عبد الرحيم باشا ) .. ومن عادتي أن أخرج بتلميذاتي عدة مرات أسبوعياً إلى حديقة ( تنفيس ) .. هناك عدد من الفلاحين .. يقومون بأعمال زراعية في بداية الربيع .. بين أولئك العُمال شاب لا يبدو عاملاً إحدى المرات جاء لي وهو يريدُ شربة ماء .. قدمت له الماء .. أثناء شربه الماء لاحظت نعومة يديهِ ورقة بشرةِ وجهه بعد ذلك بدأ يسألني عن كوني معلمة .. وعن بعض المعلومات الشخصية عني .. أنه يحاول جمع المعلومات لسبب ما واليوم وفي ( نادي عبد الرحيم باشا ) ينكشف لفريدة ما يرومه ( إحسان بك ) لقد ابدت فريدة احترامها لعائلة احسان .. وصف الشاب الضابط .. بأنه وسيم وله منصب عسكري كبير .. متمنية التوفيق له ولعائلته .. لقد اُعتبر هذا الذي أبدتهُ فريدة لهم كموافقة لزواجها من ابنهم وهكذا وبعد أقل من ساعة . تلتقي والدة أحسان من الرضاعة مع فريدة شاكرة لها .. وهي تقول : لقد سهلت الأمور علينا يا بنتي .. أدعوا الله أن يحفظك .. في حين ليس هناك شيء أسمه ( الزواج ) أو وحتى كلمة زواج لكن والدة احسان ( من الرضاعة ) تسأل فريدة عن إمكانية زيارتهم لبيتها لتهيأة أمور الزواج .. تجيبها فريدة وبهدوء تام : بصراحة هذا الأمر غير ممكن .. والدة أحسان تفقد توازنها وهي تصيح وما العيبُ فينا .. ترد فريدة عليها: ما قُلته أقولها الأن يا سيدتي مرة ثانية . أنّ أبنكِ من الرضاعة ضابط كبير وشاب وسيم .. وهناك الكثيرات ممن تتمناه زوجاً لها . تضيف فريدة بوقار : أنا أعيش حياتي وأختار لحياتي ما اشاء بمحض إرادتي بعد قليل .. ( عبد الرحيم باشا ) يرقص وبيده كأس تقول فريدة لقد أقترب مني مسرعاً .. فأمسك يدي بقوة .. وهو يحاول أن يذيقني الخمر .. في تلك اللحظة تُسقِط فريدة نفسها أرضاً .. هناك من تدْلك يديها ، ومن ترش الماء البارد على وجهها .. لقد أنقلب الحفلُ إلى مأساة .. فريدة تفتح عينيها بعد قليل .. مُصرة لأرجاعها وبعربة الباشا إلى باب بيتها .. وفعلاً وصلت بيتها .. !! قبل بداية عطلة الصيف بيومين تطلبني مديرة المدرسة إلى غرفتها .. وبوجه مُحتقن تقول لي : تفضلي أجلسي : أبنتي العزيزة أنا أعتبركِ من المعلمات المتميزات .. وأقدرُ عالياً جهودكِ الكبيرة في التعليم .. يعجبني حسُن تصرفك مع زميلاتكِ المعلمات .. تعاونكِ مع الأدارة .. ولكنْ هناك قصور ومن غير تعمد منك في جانب حساس .. نحن نعيش في قصبة صغيرة .. لها تقاليدها وعاداتها والتي تختلف كثيراً عن المدن أنتِ لا زلت تحسبين نفسكِ وكأنكِ في استانبول .. بملبسك القصير .. في المناسبات .. ازياءك الاستانبولية .. كما أن حُسن ظنك بالناس .. وكونك وحيدة كل ذلك تجلب الأنظار عليك .. المجتمعات القروية لها عاداتها .. وتكثر فيها الحساسيات والأقاويل .. والحسد أحياناً .. السيدة المديرة تقول لفريدة .. رأيتُ من واجبي أن أنصحكِ لسببين ؟ أولهما أن تجربتكِ في الحياة لازالت قليلة .. أما السبب الثاني وهو الأهم .. فهو لأجل المحافظة على سمعةِ المدرسة ومن فيها..أبنتي فريدة : بصفتي مديرة هذه المدرسة تصلني الأخبار والحوادث عن هذه القصبة .. أن المدارس كالأماكن المقدسة وعلينا أن نحافظ على سمعتها.. تقول فريدة : كنت واقفة أمام المديرة بلا حركة .. المديرة تحاول أن تُكلمني لأنفتح قليلاً تقول لي أنا أريد أن أسمع منكِ شيئاً أيضاً .. فريدة : سيدتي المديرة أنا أتفهم جيداً كل ما ذكرتيه لي وأنا من اليوم سأطبقها .. سوف التزم كثيراً بنصائحكِ القيمة كما أنني أحب أهالي القصبة .. ولكنْ هذا قدري ..! كل ما أرجوه منكِ .. أنْ تفاتحي مديرية المعارف لنقلي إلى مدرسة أخرى بموافقتي .. حتى لا يدور أسمي على ألسن الناس ..!! تقول فريدة .. في تلك اللحظات .. أدَرتُ وجهي نحو الشباك ودموعي تنزل من اجفاني .. كنت أنظر إلى أفاق بعيدة .. السماء بزرقتها الصافية تسر الناظر..!! أطيل النظر إلى الجبال البعيدة أنا أشم رائحة الفراق .. أقول لنفسي طائر الأدغال : (هذا الروح الغريب تدركه الأنفاس التي تذوق طعم الفراق) .. ترتسم في مخيلتي طرق قد تطول كثيراً .. وفي أذني أصوات الأجراس المعلقة في العربات.. أراني الأن كحبيسة داخل سجن .. وهذا الحال يطول.. تقول المديرة خانم لا تنقلات في المدارس قبل أيلول .. فريدة تتحفظ كثيراً عن أعين الناس وألسنتهم وتقول أحاول أن لا أخرج الا للضرورة .. لم أعد أزور حتى جيراني .. بأشتثناء جارتي التي تشبه خالتي ( بسيمة خانم ) .. يوم أمس قلتُ لها : أرجوك أرفعي التكليف ولا تخاطبيني بكلمة خانم أحياناً .. أتخاصم مع مؤنسة .. العب معها أحياناً.. أحدى زميلاتي من المعلمات ( نظمية خانم ) في الرابعة والعشرين أنها فتاة منفتحة تحب المرح لبقة الكلام .. تجيدُ العزف على ( العود ) .. تسهر لياليها بدعوات الكبار المعلمات في حذر منها ..!! ( نظمية ) مخطوبة لضابط شاب يُدعى ( فريدون ) .. ألا أنّ عائلته لا ترضى حالياً بزواجهما ..! ولا يعلنون عن خطوبتها لأبنهم ( فريدون ) !! هذا ما أخبرتني بها ( نظمية خانم ) .. على أن احفظه كسِرٍ لن أبوح بها لأحد.. عصر أمس كنتُ أشعر بشيء من الضيق والضجر وأنا في بيتي.. سمعت طرقات على الباب .. حين فتحت الباب فوجئت بزيارة (نظمية خانم ) رحبت بها.. أثناء جلوسها تقول : جئت لآخذك إلى زيارة لخالة فريدون هذه الليلة .. لأنها دعتنا إلى حفل ضيافة تقيمها في أحدى البساتين وحين أخبرتها أن زيارتي تكون برفقتك معي... رحبت بك كثيراً .. وقالت .. أقبل من عينيها .. راجية قبولك زيارتها .. وعلى فكرة .. ستتعرفين على خطيبي فريدون .. بالمناسبة أضافت .. لو رفضتِ دعوتي .. فوالله لن أذهب بدونك ..! حاولت فريدة إقناعها باعذار .. مختلفة وكثيرة .. ثم بدأت بقابليتها العجيبة .. ولباقتها في الكلام برجاءها حتى أقنعت فريدة .. فوافقت في النهاية .. تقول فريدة : حين أخبرتها بمرافقة مؤنسة معي .. سألتني : وهل ستأخذين الطفلة معكِ..! فريدة طبعاً .. وهل أتركها وحيدة تسألها : وهل هناك مانع ..؟ تجيب نظمية خانم لا وما المانع ولكن أعلمُ أنكِ تتركنيها وحيدة أحياناً.. نعم : ممكن ذلك في النهار . أحياناً .. ولكن لا أتركها وحيدة تنام الليل.. وهل يُعقل هذا ؟ .! فريدة تلوم نفسها قائلة : كيف غفلتُ من كلامها .. ولم أعي مرامها..؟ بعربة مكشوفة وصلنا البستان عبر طرق ترابية تضيق بين البساتين .. هناك بناية قديمة .. محاطة بأكواخ خضراء تزينها عريش الأعناب .. خالة فريدون إمرأة مٌسنة ممثلئة .. إلا أن ملبسها فانتازية وبألوان صارخة لأتناسبُ عُمرها .. شعرها الابيض مصبوغ بالأصفر ... المكياج في وجهها تقول فريدة : حين وصلنا .. أقبلت خالة فريدون نحوي فبدأت تقبلني كثيراً .. ثم أخذتنا ( أنا ومؤنسة ) إلى غرفة في الطابق العلوي .. وهي تقول لي ما أجمل هذا الوجه ثم غادرت الغرفة لقد بقينا أنا ومؤنسة في هذه الغرفة ما يقارب الساعتين ..وفريدة تشعر بسوء الحال .. لكنها تقول : عليّ ألا أظهرإمتعاضي بداية .. أمازح مؤنسة كي لا تضجر .. وأخفي عنها ما في قلبي نسمع أصوات من الحديقة وقهقهات وعزف على الكمان .. نظرتُ من الشباك ولكن أوراق الأشجار والمتسلقات لا تدع مجالاً لرؤية الحديقة .. أخيراً سمعنا وقع أقدام على الدّرج .. المرأة المُسنة تدخل الغرفة وبيدها لامبا كبيرة تقول لي : ( أنا تركتك هنا عن قصد لأن وقت مغيب الشمس يُضفي جمالاً على المكان في هذه الأثناء دخلت نظمية .. أرى ضابطين أمام الباب حاولت أخفاء نفسي .. أغطي ذراعي المكشوفين .. ونظمية تضحك وتقول لي : أنتِ حساسة للغاية .. لا ترتبكي لأن أحدهما خطيبي .. والآن يدخل العسكريان إلى الغرفة .. ونظمية تقدم أحدهما لي قائلة خطيبي .. (فريدون) تلتفت إليه .. هذه صديقتي العزيزة فريدة خانم .. أثناء التصافح يقول نتشرف بكِ ونشكر هذا الحضور ثم قام فريدون بتقديم الضابط العسكري الكبير لي .. قائلاً المقدم برهان الدين بك الكبير والمشهور باللقلب الكبير ..( صولاق زاده).. هذا العسكري الكبير في الخامسة والأربعين بتقديري .. ارى الشيب في رأسهِ وشاربهِ .. لقدبدأت أشعر بشيء من الأطنئنان .. أثناء تعارفه معي سلمَ عليّ وهو ينحني قليلاً ولم يتصافح معي .. لكنه بدأ يٌسمعني كلاماً غريباً كالعرافين .. ليقول أنه يحب هذا البستان بالذات لأنه يعتبره ( فال خير ) ومثلما أخبره والده المرحوم .. ويؤكد أن سعادته ستتحقق في هذا البستان في هذه الليلة بالذات وبحضوري أنا..!! فريدة وبقلق بالغ تقول : أخافُ أن يشهد هذا البستان ( أمراً مُدبراً ) في هذه الليلة .. فريدة تسأل نظمية خانم وما علاقة البستان عن اسعاد برهان الدين بك ؟! تنتظر منها مؤازرتها .. لو حدث شيء ألا أنها .. أدارت وجهها عن فريدة وغادرت المكان أضوء القناديل والمصابيح تنطفيء الواحدة تلو الخرى .. أسمع عزفاً موسيقياً من بعيد.. تقول خالة نظمية: ابنتي الجميلة لقد حان وقت تناول العشاء .. هناك ضيوف ينتظرونكِ وفريدة تقول أشعر بالتعب .. فريدة تأخذ حذرها.. تتدخل نظمية قائلة : أقسم بالله ضيوفنا ليسوا غرباء .. إنهم من اصدقاء فريدون وبرهان الدين بك .. ومنهم من حضروا عائلياً .. منهم مع خطيبتهِ .. أنهم جاؤوا ليرحبوا بمشاركتكِ بين الحضور رغم حضوري في غرفة الطعام .. بعد قليل بدأ الضيوف ينسحبون بعد تناول العشاء والآن أنا في الغرفة الضوء خافت .. أرى برهان الدين بك وقد دخل الغرفة ليتناول العشاء معي .. لقد جنّ جنوني .. فجأة قمتُ لأخرج من الغرفة مٌسرعة .. حاولت نظمية أن تمسك من يدي ألا أنني جمعت كل قواي .. فسحبت ذراعي من بين يديها .. فسقطت أرضاً .. أثناء ذلك اسمع صَخب وأصوات وبريق أضواء .. لكني ميزت صوت رجل يصيح قائلاً : أخرجوا جميعاً لقد عرفتهُ فريدة من إزار سترته المفتوح.. أنه رئيس الخدم .. بعد ربع ساعة استفاقت فريدة .. ترى نظمية وهي جاثية على ركبتها .. تمسح ذراعيها بُلطف فريدة .. تدير وجهها عنها .. ثم أستأجروا عربة .. لأحضار الطبيب من المدينة أذا أستوجب الأمر فطلبت فريدة منهم أرجاعها إلى بيتها بتلك العربة تقول فريدة: ركبنا أنا ومؤنسة العربة .. رئيس الخدم ذلك الرجل الغيور .. قفز على العربة وجلس مع سائق العربة .. برهان الدين بك يقترب من العربة متخوفاً .. يحاول الاعتذار من محاولته المٌشينة راجياً من فريدة العفو .. إلا أنّ فريدة لم تلتفت إليه ليبقي بلا كرامة طول حياتهِ رغم ثراءِهِ والأمول تقول فريدة: العربة في رجوعها من الطرق الضيقة بين البساتين .. كنتُ أغمض عيني .. لتأخذني الذاكرة إلى ليلة مُظلمة حين هربتُ من بيت خالتيِ وهجرتُ منطقة ( قوزياناغي)..!! مؤنسة التي تجلس بالقرب منها.. تحشُر رأسها تحت شباك صغير في العربة وفريدة تمسح يدها .. تسألها : أما نمتِ قليلاً يا صغيرتي ؟ لقد بدأت مؤنسة بالبكاء .. أنها تنكسُ رأسها .. وفريدة تقتربُ منها وهي تحاول أخفاء دموعها .. أمسكت ذراعيها الصغيرتين وهي تحاولُ تهدئتها .. ومؤنسة تعانقها .. تهمسُ في أذني كسيدة بالغة : آبلا ( أنا خائفة عليك لا تذهبي إلى هذه الأماكن بعد اليوم .. ها . !! ( آبلا : أنا أحبك كثيراً .. لا تكوني مثل والدتي لأنّ أولئك الناس شريرون !! لم تجرؤ فريدة على النظر إلى وجه هذه الصغيرة .. لقد وضعت فريدة رأسها فوق ركبتيها الصغيرتين وهي تبكي بمرارة .. مع إشراقة الصباح قصدتْ فريدة بيت مديرتها .. حين رأتها بوجهها الشاحب سألتها بقلق بالغ : اراك كمن تعاني من مرضٍ .. وفريدة مضطربة كثيراً .. أنها لا تثق بأحد سوى مديرتها .. فأضطرت لأخبارها بما حصل .. وهي في خجل كبير .. وخوف .. المديرة تحاول طمأنتها تقول لها يا أبنتي أنتِ فتاة عفيفة وسذاجتكِ إلى هذا الحد جعلتكِ تثقين بـ ( نظمية ) .. ويا أسفي على ( نظمية ) أعرفها جيداً أنها لا تتوانى عن إيقاع العفيفات والساذجات في حبال شباكها إنها مثلمةٌ سوداء على هذه المدرسة .. تقول المديرة : لقد راجعتُ المديرية العامة للمعارف مرّات عديدة لنقلها من هذه المدرسة ولكن محاولاتي كلها ذهبتْ سُدىً .. ( أحوال الدنيا تُحتم علينا أن نسكت عن الكلام أحياناً ..) وللأسف هناك الكثير من الكبار يساندونها ,, ويدافعون عنها ..!! وكيف لا يا صغيرتي لو أبعدت نظمية فمن تقوم بعزف ( العود ) في لياليهم .. الحمراء .. من تخدم خوانم أولئك الكبار ؟ من تستدرج الساذجات لأيقاعهن في فخها ...؟ !! برهان الدين بك هذا من أغنى الأغنياء .. لقد ترك له والده ورثة ضخمة .. ولأنه رجل فاسق .. ولم يتعب على تركه والده بصرفه في المحرمات وما يُجمع بالحرام يذهب في الحرام ...! أنه يصرف تلك الأموال لأستدراج الغافلات .. وكم من عوائل عريقة وبيوت عزّ وكرم.. أخمدت نيرانها بسبب هذا الفاسق .. أبنتي فريدة أنصحك بعدم البقاء في هذه القصبة .. لأن هذا الخبر سينتشر أما لديك من الأقارب .. أوحتى من المعارف لتستقرّي معهم في هذه الحياة ؟ تردّ فريدة : سيدتي لا أحد عندي في هذا الحال أنصحك بالسفر إلى إزمير .. عندي اثنان من المعارف هناك .. أحدهما رئيس ملاحظي مديرية معارف إزمير والأخرى معلمة .. والآن سأكتب رسالة للرجل ليساعدكِ في التعيين هناك وأطمئني إنه سوف لا يقصر أن شاء الله .. فريدة : أرى نفسي بين يديها المشفقتين .. كمن تشفقُ على صغيرة قطةٍ.. أنها تمسح شعري بلطف تمسح وجنتيّ وكأنني طفلة صغيرة أما أنا فقد كنتُ أقبل كفيّها .. بعد سعالٍ خفيف بدأت تكلمني قائلة .. أنتِ والحال هذا .. لا أودعكِ لتذهبي إلى بيتك .. ولا يمكن ذلك هيا .. قومي .. لنصعد إلى الغرفة .. لتنامي ساعات .. أمّا أنا فسأذهب إلى بيتكِ لأجلب حاجياتك مع مؤنسة إلى بيتي .. وستبقين معي إلى يوم سفركِ . في اليوم الثاني من تموز رافقْتني السيدة المديرة لتودعنا في أسكلة الميناء لم أودّع من جيراني سوى جارتي التي تشبه خالتي ذهبت إليها .. قبلتني من عيني .. وأنا أسمعها تقول : فريدة أبنتي العزيزة أنها تنطق بأسمي لأخر مرّة .. كنتُ أرتاح كثيراً حين تناديني بأسمي .. أكملتْ وداعها داعية إلى الله بسلامتي بدموعها أما الحمائم .. فأودعتها لسيدتي المديرة كأمانة وهي تقول لي : من الأفضل أن تُطلقي هذه الطيور .. لتنالي ثواب الله .. فريدة :سيدتي فكرت في ذلك .. إلا أنني غيرتُ رأيي بقاءها في هذا القفص أهون لذلك ألتمس منكِ سيدتي أنْ تبقى هذه الطيور في القفص إذا عاندت إدفعيها بقوة داخل القفص .. ودموعها تملأ جُفنيها .. فريدة نادمة على فعلتها تقول لها المديرة .. أنت لغز عجيب هناك ضابطان من الجيش من بين المسافرين في المركب .. أحدهما رجلٌ مُسن وهو برتبة عالية .. والآخر ضابط شاب برتبة ملازم وهما في محاورة وأنا أسمعهما الضابط الشاب : كان احسان بك ناوياً للسفر قبل أربعة أيام .. لكنني أقنعته لتأجيل سفره حتى نسافر سويةً .. لأن كلينا لا نلتقي في السنة ألا مرة أو مرّتين .. فوافق أحسان بك ... وما عِلمي بما سيحدث والآن أنا في أشد الندم .. ألوم نفسي كثيراً .. لو سقط أحدهما في تلك الحادث لكنتُ أنا السبب ..!! العسكري المُسن : أنا أعرفُ النقيب أحسان بكك .. أنه شاب هاديء ووقور .. وهو من الضباط المتميزين .. ولكنْ ما الذي جعله ينفعلً إلى هذا الحد !! ويضيف سائلاً الضابط الشاب وهل تعرف تفاصيل الوقعة والاسباب العسكري الشاب أنا رأيت الوقعة بعيني هاتين .. عصر أمس كان برهان الدين بك يلعب البليارد في كازينو البلدية .. أثناء ذلك دخل أحسان بك صالة البليارد ثم أخذ برهان بك إلى غرفة جانبية .. فبدأ يكلمه بهدوءٍ .. ولم أعلم ما جرى بينهما . فجأة رأيت أحسان بك يصفع برهان الدين بك صفعة قوية.. حاول برهان الدين سحب مسدسه ألا أن أحسان بك سبقه في سحب مسدسه وهو يقربه من جبين برهان الدين بك .. ولولا إندفاع عددٍ من الحاضرين بينهما لوقعت الكارثة .. وكما علمت فأن المحكمة العسكرية العليا ستبدأ غداً بمحاكمة أحسان بك.. لكن أحسان بك من أقارب العقيد عبد الرحيم باشا .. غالباً سُيفرج عنه بغرامة مالية .. مع ذلك فما حصل لبرهان الدين بك .. يستحقه بجدارة .. لقد تجاوز كل الحدود ..!! الرجل المسُن : وما السبب؟ الضابط الشاب : حسب قول برهان الدن بك : إنها سياسي ولكن ما علاقة السياسة بالعسكر .. العسكري المُسن : والله أنا أعتقد أنها بولوتيقا نسائية ألا تعرفون برهان الدين بك .. هذا المراوغ السيئ السمعة بعد سماعها تفاصيل تلك الوقعة لأحظت فريدة أن الرجلين قد أبتعدا عنها .. بعد ذلك دخلت فريدة إلى قمارة مؤنسة الصغيرة والتي نامت على فراشها لتطمئن عليها .. إلا أنها حين رجوعها إلى قمارتها رأت مزهرية كبيرة بأزهارها الفواحة فيها..!! لقد أدركت فريدة بفطنتها أن الشخص الذي أهدى لها هذه المزهرية هو هذا الضابط الشاب صديق ( احسان بك ) والذي تحدث عن تفاصيل ما قام به صديقه إحسان بك ..! والآن تخاطب فريدة إحسان بك وكأنه أمامها : ( ربما لا تجمعنا أقدارنا في مصادفة .. ويؤسفي ما أقول .. ولكنها الحقيقة .. أنّ موقفك المُشرف وبشهامة من أجلي .. قد رفع شأني وشرفتني .. وشرفتَ نفسك ياأحسان بكك .. أقول مقابل ذلك سأحتفظ بورقة خضراء من أزهارك التي أهديتها لي بيد صديقك الشاب الضابط .. بين طيات دفتر مذكراتي وأعذرني .. ولا يسعني أكثر من ذلك .. لا أملك قلبين أحسان بك وهذا القلبُ الذي أحمله هائم في خيالات ذلك الظالم الذي هجرني لاحيلة لي ..!!
من بين المسافرين معنا رجلٌ غريب لا أهل له .. إنه لا زال مستمراً في عزف موسيقاه المحُزنة .. البحرُ بأمواجه يبعث برقاناً ساحراً يُضفي جمالاً يسلبُ اللب .. فريدة تخاطبُ نفسها : طائر الأدغال .. كفى سَهراً.. هيا أخلدي إلى النّوم .. لقد أتعب السهاد عينيك .. فأذاهما .. إنه الفجر ..!! مالكِ والفجر ..؟
القسم ( 4 )
ما يقارب من ثلاثة أشهر وفريدة في ازمير تقولُ فريدة : لقد تعقدتِْ أموري لم يبق لي سوى بصيص أمل .. لو فقدته غداً لا أدري كيف يكون وضعي ..!! فالمعلمة التي أوصتني مديرتي لرؤيتها حتى تساعدني.. تمرضتْ قبل مجيئي هنا بشهر .. فأوصاها الأطباء بتبديل الجو فسافرت إلى استانبول لتمكث هناك ستة أشهر ..! قررتُ مراجعة مديرية معارف أزمير .. (أنا وحظي) .. ولكنْ لن أجازف هذه المرة .. حين دخلت غرفة المدير وأنا .. بعيني المتعبتين بالكاد أرى شخصاً جالساً وراء الطاولة .. لكنني لم أميز من يكون .. قلت له : أريد التعيين كمعلمة .. ردّ عليّ وكالعادة راجعي بعد أيام .. حالياً ليس لدينا شاغر في الملاك هذه العبارة متداولة على ألسن المسؤولين والمدراء..!! صبرتُ عدة أيام .. ثم راجعتُ المديرية ثانية .. حين سألتُ المدير عن فرصة تعيين .. بدأ بصوتهُ الحنين : بنتي هناك مَدرسة في ناحية تُبعد ساعتين.. ماؤها عذبُ وهوائها لطيف . بطبيعة خلابة تسُر الناظرين .. ان هذه الكلمات تُذكرّ فريدة بكلمات تعيينها في زيتيلر طبق الأصل ..!! لقد جنّ جنونها .. فريدة تضحك قليلاً وهي تقاطع المدير قائلة له : سيدي المدير: لا تُتعبْ نفسك كثيراً أفندم .. دعني أكملها أنا .. فريدة ترفع صوتها وهي تقول .. ( المديرية فتحتْ تلك المدرسة صرفتْ عليها مبالغ كثيرة .. المدرسة جديدة ومزودة بكافة المستلزمات الدراسية .. إنها الآن بحاجة إلى معلمة في مقتبل عمرها مثلكِ ) .. سيدي المدير مرسي بك افندي لقد سمعتُ مثل الطافكَ هذهِ حين تعينتُ في مدرسة زينيلر ..فريدة بعد مقاطعتها مدير المعارف ورفع صوتها عليه تتوقع الطرد ! ولكنْ أليس من الغريب حقاً .. انه يضحك بقهقهاتٍ وهو يقولُ لها بهدوء .. وبكلمات مُقنعة .. أبنتي أنت لا توافقين لبعد المكان .. وغيرك هكذا أيضاً .. فمن الذي سيذهب ؟! فريدة يسمعُ من أحد الموظفين صوتاً عالياً وهو يقول من تكون هذه المراجعة ؟ وما الداعي لهذا الصياح صوتها كعواء ذئبة غابة الفندق..!! فريدة منزعجة : أنا ذئبة الغابة ..؟ أسماء الشهرة المُلتصقة لي من ( خلاصة الحرير ) إلى ( سكر قند ) واليوم إلى ( ذئبة الغابة..؟ فريدة من انفعالها كادت تدخل على ذلك الموظف .. ومن حسن حظها.. إلتقت الرجل الجالس قرب المدير قائلاً له .. ألا يمكن أنْ نجد لها فرصة.. بالله عليك سيدي لو دققت الملاك لطفاً.. يقول أمرك أفندم .. بعد تدقيق المِلاك الأبتدائي .. يقول المدير .. لا شاغر عندنا في الملاك الأبتدائي .. ولكنْ على علمي هناك شاغر في مدرسة الراشدية أنها بحاجة إلى معلمة أو مُدرسة لتدريس اللغة الفرنسية .. وهذا لا يناسب مطلبها لأنها على الملاك الأبتدائي فريدة : ولماذا لا يناسبني ..؟ خادمتكم ( خريجة معهد اللغات الأجنبية / الفرنسية .. وقبل مجيئي هنا كنتُ أدرسُ الفرنسية في دار المعلمات .. المدير متردداً ولكنّ أعلن الاختبار وغداً يبدأ الأمتحان .. رشيد بك لا بأس .. سنُدخل أسمها في الأختبار وسوف أحضر الأمتحان .. ولن أقبل باجراء الأمتحان قبل حضوري رجاءاً .. إذن رشيد بك من المسؤولين الكبار في مديرية المعارف لم أكن أتصور ذلك هذا الرجل بوجه اسمر له حاجبان مُحمران.. سمارُه عجيب لأنه بلون داكن وكأن أحداً صبغ ذقنه بصخام الفحم !! تقول فريدة .. لا أريد أنْ أبالغ .. أكثر .. لأنه ساعدني .. وأحسنَ إلي كثيراً .. الانسان بحُسن وجمال خُلقه .. وطول أناتهِ .. وما الفائدة في جمال قلب قاسيٍ .. صار سبباً في هجر وضياع أبنة خالتهِ..؟ صباح هذا اليوم شاركت في الامتحان بالنسبة لي كان الأمتحان التحريري صعباً .. لأن هناك سؤال حول قواعد اللغة العربية .. يطلب ذكر الفعل المضارع والأمر المفاعيل.. مثل أستكثار ، استثمار ، استعلاء ، استعطاف وغيرها ) .. أما الامتحان الشفهي فكان سهلاً .. حيثُ أكتفى رشيد بكك بالحديث معي بالفرنسية .. وقد أومأ إليّ بإمكانية نجاحي .. فريدة ولأنها أنشغلت بامتحانها في هذين اليومين متلهفة لرؤية مؤنسة .وهي تقول : الله يكون في عون صغيرتي .. بعد عدة أيام وأنا اراجع لمديرية التربية حول نتائج الأمتحان .. تتلقى تذكرةً قصيرة من رشيد بك تركها عند موظف في التربية .. لقد سبق وأن هذا الموظف نفسه أخبر فريدة بأن رشيد بك هو السبب في رسوبه.. واليوم .. يخبر رشيد بك فريدة في تذكرتهِ بأنه وجد لها وظيفة مناسبة ويدعوها لزيارة بيته الكائن في الصوب الثاني من المدينة .. والآن أصبحت فريدة أمام موقفين متناقضين ومن ( رشيد بك) فريدة هل يُعقل هذا .. على أية حال ذهبت فريدة إلى بيت رشيد بك .. وبعد ترحيب حار واطراء من رشيد بك لفريدة اخبرها بأنّ ( لجنة التصحيح ) للامتحان النهائي هي التي أجحفت بحقها .. ثم كلفها راجياً منها لتقوم بتدريس إبنتيه (الفرنسية) وفي بيته .. في أول الأمر تردّدت فريدة .. لأنها ترى في هذا التكليف ما يشبه عمل المُربيات في بيوت الأغنياء !! ولكنْ بوضعها المالي الصعب للغاية وخوفها من تعيينها في قرية نائية.. وتفكيرها بأن تدريسها أبنتي هذا الرجل الذي ساعدها كثيراً سيكون كردٍ للجميل .. فوافقت وهي تقول لرشيد بك ( ستكون صغيرتي مؤنسة معي يرد عليها رشيد بكك ..! أما في هذا البيت الواسع مكان لهذه الصغيرة والجميلة .. سوف نضعها على رؤوسنا وفي أحصاننا يا بنتي..!! فريدة تطلبُ من رشيد بك مهلةً لثلاثة ايام قائلة له : ربّما ستحصل الموافقة في هذه الايام علي تعييني يوافق الرجل.. تقول فريدة : لقد خصصوا لنا غرفةً جميلة في الطابق الثاني.. الغرفة تُطلّ على بحر ( ايجة ) .. أنا واقفةُ أمام الشباك .. لأُلقي نظرة على إيجة وعلى أزمير التي تبدو بحُلتها الجميلة وأضوائها المتناثرة كأللآلى.. والآن ألقي نظرةً على الساحل القريب جداً من غرفتي .. الناس هنا في نزهات .. ما أكثر اللقاء بين المحبين والعشاق .. أسمع أغانٍ جميلة (توركيلر ) .. أرى الشفاه وهي تتهامس في آذان العاشقين. الشابات الجميلات مع محبيهن ، أرى عيونا ًتاهت في ليالِ المُحبين .. تغوص في الأعماق تائهة في بحار الحُب .. فريدة تنبه مؤنسة حين بدأت تمازحها وهما تصعدان الدّرج قائلة لها : ( نحنُ لسنا في بيتنا الآن وسنعيش هنا مع الاخرين يا صغيرتي .. حينما نجدُ بيتاً لنا سنلعب ونتصرف كما نشاء .. لقد أدركت هذه الصبية ما تقصده فريدة خانم .. تقول فريدة لاحظت الحزن بادياً على وجهها وحين دخولنا الغرفة تعلقت بذراعيها على رقبتي وهي تُقبل وجهي ..!
تشعرُ فريدة بأن التعايش مع عائلة رشيد بك سيكون في وئام وطمأنينة.. فريدة بصدد البدأ لتعليم أبنتي رشيد بك أحدهما في عمر فريدة وتدعى (صباحتْ ) .. إنها جميلة وهادئة أما أختها الكبرى والتي تدعى (فرخندة) فهي عكس أختها الصغيرة .. لا ترى جمالاً على وجهها .. خشن الطبع تقول أحدى الخادمات لفريدة : والدتها المرحومة تمرضت قبل وضعها (صباحت ) فأدخلت المستشفى .. وكان هناك طبيب شابً ووسيم .. لقد تعلقت عيني المرحومة بوجه الطبيب الشاب فولدتها بوجه جميل !. تقول فريدة إن ما يؤثر على حياتنا كثيراً شيئان.. أولهما كثرة الضيافة .. لا تنقطع ضيافة المدعوين ابداً عن بيت رشيد بك .. أما الشيء الثاني والذي يُزعجني أكثر ..فهو أبن رشيد بك الكبير ويدعى ( جميل ) هذا الشاب يُقضي عشرة أشهر من السنة سنوياً في أوربا انه يلعبُ بثروة أبيه كما يشاء أما الشّهرين المتبقين يقضيه في أزمير .. وأحمد الله ولحسن الحظ فأن الشهرين سينقضيان ولم يبق منهما سوى أيام قلائل .. جميل بك هذا السائح المسرف والذي يناهز الثلاثين لا ترتاح إليه فريدة بل تكرهه لأنه ضايقها أثناء نزولها ليلاً .. كادت أن تسقط أرضاً لولا تشبتها بالمحجرة فأصيبت بحرج خفيف في شفتيها .. لكنه بدأ يعتذر منها لعفوه .. الأعتذار هين باللسان أحياناً ولكن لا يمكنْ أن يُعقل في مثل هذه المواقف تقول فريدة لنفسها الا يمكنني البقاء هنا بعدما حدث .. ثم ترد على نفسها حائرة وأين وكيف أعيش إلى من سأتوجه فريدة تطالبه أن يحلف بالله لينظر إليها كأخته من الرضاعة .. فيُقسم نادماً .. تتذكر فريدة يوم قدومها إلى بيت رشيد بك ، كان البيت يعج بالضيوف .. وكيف قدم رشيد بك فريدة للتعارف مع ضيوفه والضيوف ينظرون إليها باعجاب وبعين العطف كذلك .. حينها شعرت بالأنهاك .. فأسندت رأسها إلى كرسي وهي مغمضة العينين وحين أفاقت .. شاهدت الجميع في قلق كبير.. ( صباحت ) تقدم لها قدحاً من الماء .. تسمعُ فريدة أحدى الضيفات تقول : آه ما أرق بنات هذا الزمن .. بمجرد تغيير جو أو شيء من البرد يذبلن كالأزهار .. فريدة وبأماءة رأسها توافق على كلامها .. ولكن الواقع لم يكن هكذا انها لاتمتلك قرشاً واحداً.. فباتت هي ومؤنسة جائعتين لأكثر منْ يوم ولأول مرةٍ في حياتها ..!! هناك زائرات أربع إنهن صديقات فريدة وصباحت .. أعمارهن بين العشرين فنازلاً .. كُنا نرومُ الخروج لنزهة إلى الساحل ثم نزور مدينة الألعاب ، إلا أن الأمطار الغزيرة فأجأتنا ونحن نريد الخروج إلى الزقاق .. فرجعنا حزينات إلى البيت .. أحدى الزائرات بدأت تعزفُ على البيانو .. ثم تناولنا أطراف الحديث عن الملابس والمأكولات .. والمدارس .. أخيراً بدأت الهمسات بين كل أثنين أو ثلاث .. إنّ ما يجرى وما يُقال بهذهِ الكيفية معلومٌ سَلفاً ..! صباحت بنتٌ ذكية .. وحروكة .. وحتى تقوم بتسلية ضيفاتها .. أخذت من مكتبة قديمة ( ألبوماً ) كبيراً للصور فوضعتها على مائدة كبيرة .. تجمعت البنات حولها .. وهنّ ينظرن إلى الصور .. وما يضفي البهجة والسرور لهذه التسلية هي مسخرات (صباحت ) وتعليقاتها على الصور .. مثلاً هناك صورة ( لأحد ) الباشوات صدره مُزينٌ بشارات ونياشين وكأنه هو الآمر والناهي في هذه الدنيا إلا أنّ زوجته تضربه في بيته بالمكنسة ..!! صورة أخرى لأحدى قريبات ( صباحت ) صورتها مزدانةٌ بأزهار كثيرة للغاية .. أنها قروية.. عندما رأتْ سفينة كبيرة لأول مرة خافت كثيراً .. الصورة الثالثة لخال والدها المُسنّ له صورتان في نفس الصفحة ، في الصورة الأولى تراهُ رجلاً محتشماً مُعصبُ الرأس وبلحية .. تحسبه رجلاً وقوراً أمّا الصورة الثانية لهذا الرجل فقد ألتقطتْ له بعد أن تعين كمبعوث للدولة.. إنه يلبس هنا نظارة لعين واحدة .. شتان بين الصورتين صورته الأولى تسْخر من الثانية ..! وتعليقاً على هذا المشهد تقول فريدة : هاتان الصورتان تّجسدان كوميديا نادرة حقاً .. فريدة تمسك (صباحت ) من يدها حتى تطيل النظر إلى الصورتين وهي تضحك بجنون صباحت تلتفت إلى فريدة قائلة هل ترغبين الزواج لهذا الرجل إنه مُنحل في الوقت الحاضر .. لقد طلق زوجته الأولى لأنها لا تناسب مقام عمله ..!! إنه يبحث عن أمرأة تليق به .. فريدة تترك ( الألبوم ) وهي تقول لـ (فرخندة ) : أكتبي إليه رسالة .. وأذكري له موافقتي ) غالباً ما نفتقد السعادة لذلك علينا أن نعوض ذلك بالضحك .. على أحوال الدنيا وتفاهتها أحياناً !! تقلب 0 صباحت صفحة جديدة من الألبوم .. وهي تشير إلى معلمتها وتقول لها لو رأيت هذه الصورة فسوف تعزفين عن الزواج من المبعوثان ..! أثناء ذلك تصيح الزائرات.. آه ما أجمله هذا الشاب وهنّ يٌشِرن إليها بالاسراع إليهن .. أتتْ فريدة فحشرتْ رأسها بين كومة الرؤوس .. لقد فوجئت إلى درجة جعلتها تصيح ( آه ) .. إنها صورة (كامران ) تقول فريدة أحسبُني وكأنه ينظر إلي .. مُبتسماً ..!! بدأت صباحت تحكي للحاضرات عن ما جرى لهذا الشاب من شجون وأحزان.. حين وقع في حُب أبنة خالته .. الجميلة المغرورة بجمالها أنها غريبة الاطوار .. تلعب مع الأطفال .. أما في مدرستها فكانت تشتهر بأسم ( طائر الأدغال ) بعد خطبتها كانت لا تبالي كثيراً لخطيبها (كامران ) .. إلا أنّ الصدمة المفاجئة التي صُدم بها هذا الشاب هي إقدام تلك الحمقاء على الهروب من البيت وقبل يوم واحد من زواجها .. لقد تمرض الشاب وبات لأشهر على فراش المرض .. رغم ذلك قام بالبحث عنها كثيراً ألا أن آماله ذهبت سدى وهل يعقل أن تعود الهاربة من بيتها؟ وفي يوم زفافها !! تُضيف (صباحت ) قائلة أودُّ أن أخبركم بأن (كامران) هذا هو زوج خالتي (منور خانم ) حيث تزوجها قبل عام في استانبول وكان زواجهما في الربيع .. حضرت مع الأهل حفل زفافها .. فريدة جالسة على كرسي وقد أسندت رأسها على ( البيانو ) تصغي جيداً إلى هذه التفاصيل.. بعد أنتهاء صباحت عن حديثها .. علقت فريدة بهدوء قائلة ( ما اقساه قلبْ هذا ) فتردُ صباحت قائلة: والله لقد نطقتِ بالحق تماماً .. ما قصدته فريدة كان موجهاً على كامران ..!! وأنى لـ ( صباحت ) أنْ تعلمَ ما قصدته.. فريدة..! تخاطب كامران من خلجات فؤادها قائلة : كان عليّ أنْ أقيم لك مجلس عزاء هذا اليوم بمناسبة زواجك لولا كون هذا اليوم بالذات من أجمل أيام حياتي ولا أنساها مدى عمري .. انني لم أهنا كهنائي هذا اليوم مع قهقهاتي من الفرح .. كما أن الله الرحيم أنقذني وفي هذا اليوم أيضاً من قَدر محتوم أثناء تنزهي مع صديقاتي في سواحل بحر (إيجة ) ..انها تخاطبهُ قائلة البعاد لا يكفي .. لانني لاأحب حتى المكان الذي انت فيه وفي صباح اليوم الثاني راجعت فريدة مديرية معارف إزمير لقد كانت تنوي لسحب أوراقها والتي قدّمتْها قبل أشهر لتعيينها .. لكن أحد الموظفين أخبرها بأن مديرالمعارف يسال عنها منذ أيام .. فريدة تقابل مدير المعارف ومدير المعارف يبشرها بتعيينها : في (جزيرة الطير ) .. فريدة مسرورة جداً بهذه البشرى إنها متفائلة.. وتأمل أن يكون أهالي الجزيرة من الطيبين فريدة تواقة لتلميذاتها الصغيرات لقد تطرقت فريدة إلى وضع المعلم مالياً قائلة لقد نذرت نفسي للتربية والتعليم لاولادنا سيما الفقراء رغم ان هذه المهنة الكبيرة والشاقة كادت ان تقتلني جوعاً..!! لم تخبر بيت ( رشيد بك ) بالخبر .. تقول فريدة : كبيرة الخدم في البيت أمرأة مسنة تتحدث معي وعني احياناً .. بحيث اصبحتُ استغرب من مديحها المبالغ لي لم تكتفِ بذلك فقامت تُحدثني عن عائلة رشيد بك وابنتيهِ تقول لي .. البنتان سوف تتزوجان ربما عن قريب ،فيبقى رشيد بك وحيداً .. هذا الرجل ورغم كونه لا يحمل جمالاً ظاهراً إلا أنه دمث خلقهِ وهو شخصيه مرموقة في المجتمع .. انه رجل هادئ .. وما اجمل معاشرته مع المقابل ادارته لامور الدولة تناسبه .. تقول فريدة :لقد أيقنتْ أن كلامها موجهةٌ لي وحتى احسم هذا الموضوع قلت لها كنت اتمنى وبسرور ان ارافقك لخطبت احدى الهوانم المناسبة لرشيد بيك ..! ولكن يؤسفني ان اقول لك بأني سأسافر غداً الى جزيرة الطير لقد تواعدنا للقاء هناك بمناسبة خطبتنا ... قالفا خانم تنظر إلي بحيرة .. وتأثر ، قالت .. عذراً سيدتي.. لأنني سأنام مبكراً .. ثم دخلتُ غرفتي بعد مضي مايقارب من شهر تناشدني مديرة المدرسة لأعاونها في ادارة المدرسة قائلة : لقد أستشهد لي ولدان خلال شهرين فقط .. لقد أظلمت الدنيا في عيني.. وأراك ذات دراية كبيرة في ادارة المدرسة .. فوق اجادتك في التربية والتعليم ..فتعدها فريدة بذلك لقد أنجزت فريدة عشرة أضعاف ما طالبتها مديرتها للمدرسة وخلال أقل من شهر .. لقد انبهرت المديرة للجهود التي صرفتها هذه المعلمة الكبيرة .. تقول مديرتها : أنتِ رائدة من رواد التربية والتعليم كلمة الشكر تحتار على لساني أمام هذا الانجاز الكبير .. لقد أنفتحت التلميذات الذابلات أزهاراً .. أنا أشعر جيدا مدى حبك لهذه الصغيرات .. ومدى حبهنّ لكِ .. لقد تبددت أحزاني بوجودك معي .. أدعو الله أن يحقق أمانيك تقولُ فريدة : (( إنّ بذل الَجهود بروحية عالية لأجل تحقيق شيء جميل للنفع العام هو الشيء الأجمل .. ))
لقد نسيت ( طائر الادغال ) أتعابها واحزانها .. وحتى حياتًها المبُهمة لا تعتبرها مُبهمة .. !! إنها تصفُ الماضي كسحابة صيفٍ سرعان ما انقشعت فتلاشتْ ..!! هناك كلام يدور عن بدء المحاربة وفريدة منشغلة مع مدرستها وتلميذاتها .. واليوم هناك أخبار جديدة عن بدء الحرب .. تؤكد فريدة أن الحرب العالمية الأولى قد أندلعت في اليوم الأول من شهر كانون الأول عام .. المستشفى الصغير في قصبة (جزيرة الطير ) تستقبل عشرات الجرحى والقتلى .. اهالي القصبة في وجوم وخوف .. على وجوه الصغار يرتسم ذلك الحزن والهلع .. تقول فريدة ما هذه المعاكسة يا ربي لقد تحولت المدرسة بأمر من قيادة الجيش إلى مستشفى طوارئ فبدأوا بأخلائها فريدة متأثرة كثيراً بحرمان تلامذتها من المدرسة كيف ومتى ستسترجع المدرسة ؟.. في صباح اليوم التالي ذهبت فريدة إلى المدرسة لتسأل عن كتب لها فرأت مدرستها في هرج ومرج.. قد يضيع الانسان فيها لا الكُتب ..!! أثناء رجوعها رأت ممرضة في أحدى الغرف .. فسألتها عن الطبيب المسؤول فأشارت إليه بيده عدة كتب وهو حاشر رأسه في أكوام من قناني الأدوية والضمادات فريدة لا يمكنها أن تراه لأن ظهره عليها ما تراه كتفيهِ ورقبته الحمراء وشعره الأبيض فربَتتْ على كتفهِ بلطف وهي تسأله : دكتور بك هل وجدتم كتباً بالفرنسية ؟ ودون أن يلتفت يرد عليها بعصبية وأية كتب ؟ ينهال عليها بكلمات نابية .. حاولت فريدة أن تطبق كفيها على وجهها وفي تلك اللحظة سمعت الدكتور يصيح واه يا صغيرتي أنتِ ثانية ..؟ وفريدة هي الأخرى ترفع يديها عن وجهها وهي تصيح من فرحها : دكتور بك .. الستَ الذي كلّفتني بتضميد جراح مُصاب في قرية ( زينيلر ) .. لقد ترك الطبيب العسكري قناني الأدوية وأقترب من فريدة .. فقام بتقبيل جبين فريدة تقول فريدة: بدأ يسألني .. مثلما سأل في زينيلر: ما الذي جاء بكِ إلى هذه الجزيرة؟ ومثلما كان جوابي في زينيلر: دكتور بيك أنا معلمة كما تعلم أجوب البلاد من قصبة إلى أخرى لتعليم وتربية تلاميذنا الصغار .. واليوم أنا منقولة إلى هذه الجزيرة يسألها الدكتور ( خيرالله بك ) .. ولحد الآن لا اخبار عنهم ؟ فريدة بحرج كبير : أخبار منَ يا دكتور بك ؟ الطبيب العسكري لا تراوغي فريدة .. أنا أرى الصدق في عينيك .. لا يهمني لسانك ..!! تسأليني عن من ؟ .. لماذا لا تسألين نفسكِ هذا السؤال ؟ لقد سألتك عن ذلك الظالم الذي جعلك تجوبين البلاد هكذا ..؟! فريدة ترفع كتفيها قائلة للدكتور .. تقصد مريرية المعارف أليس كذلك؟! وخيرالله بك يقاطعها ضاحكاً .. سوف اسمع نفس الحجج التي سمعتها منك في ( زينيلر ) يقول خيرالله بك .. هل تتذكرين تضميدك جراح أحد المصابين في زينيلر .. واليوم هل انت مستعدة معي لنقوم بخدمة كبرى لأبناء أمتك المجيدة .. إنهم يواجهون نيران الأعداء بصدروهم ذوداً عن الوطن والأمة .. أنظري إلى أحوال المصابين .. لنقم باسعافهم ومعالجة جراحهم .. فريدة تقول للدكتور بلا تردد .. أنا مستعدة الآن وكما تشاء دكتور بك الدكتور نعم الآن لفريدة شرط واحد ورجاء واحد من الدكتور خيرالله بك وهو ( إنها لا تريد تأنيبها بكلماته القاسية حين يكون عصبياً لأنها مع العسكر .. ) تقول فريدة : منذ شهر وأنا بمعيهّ الدكتور .. أقوم بتضميد الجرحى .. القتال مستمر وقوافل الشهداء والمصابين لا تنقطع .. لقد وصل الأمر إلى حدٍ جعلني أسهر الليالي الفائتة حتى الفجر وأنا أضمد الجراحات تقول فريدة : لقد إنهمكنا في تضميد ومعالجة جراح عدة مصابين بينهم احد الضباط الكبار ومن كبار السن .. لم أذق طعم النوم حتى الفجر .. فلم أعد أقاوم فغلبني النعاس.. ونمتُ في زاوية من غرفة الأدوية والضمادات أحسستُ بيدٍ على كتفي .. فتحت عيني وأذا بالدكتور يغطيني ببطانية .. خوفاً علي من البرد .. وهو يقول .. نامي يا ابنتي وبشفقة كبيرة .. حاولت أن اقول له كلمة ثناء تجاه هذا اللطف الكبير .. إلا أن النوم منعني .. تقول فريدة: أنا احبّ هذا الرجل الكبير رغم خصلته الغربيتين : اولهما فظاعة الكلمات التي يمطرها على المقابل حين يكون عصبياً ..! أمّا الثانية وهي الأهم .. هذا الرجل له قابلية عجيبة لأستدراج من يحدثه بأسئلة دقيقة وهو يُحدق بناظريهِ اليه .. ليأخذ منه شيئاً ولو كان يخفيه المقابل إنه يعيش مع والدته من الرضاعة ، أما زوجته التي تزوجها قبل ربع قرن فقد توفيت بالتيفوئيد بعد تسعة أشهر من زواجها خير الله ب من منطقة (ردوسلي ) () ..! إلا أنه يعيش في جزيرة الطير .. له مزارع وإملاك في هذه الجزير .. بُحكم عمله يعرفه الكثيرون.. هذا الرجل ينفق راتبه لليتامى والفقراء والمساكين .. إنه في غنىً عن الراتب .. كما يصرف وارداته الخاصة للأعمال الخيرية ..والآن وفي المستشفى يسمع إستغاثة جندي مصاب وهو يندب حظ والدته قائلاً : أنا فارقتها منذ شهرين تقريباً .. وليس لها أحدٌ سواي ولا أملك سوى (عدة قروش ) ربما تتسول الأن في الُطرقات .. ! لقد أخذ الدكتور غنوان هذا الجُندي ثم أستدعى أحدهم ليُرسل لوالدة الجندي مبلغاً من المال إنه مع كبر سِنه يخدم العسكر دون كلل وملل .. وهو رجل في غاية التواضع .. مع وصولي إلى المستشفى صباح هذا اليوم أخبروني بأن هناك أربع جرحى من الضباط الكبارأحدهم ( ضابط ركُن ) الدكتور خير الله بك يسأل عني لأنه يأخذني معه إلى غرفة العمليات الجراحية مضطراً لأنه لا يرى من بين الرجال .. من هو أكثر دقة وعناية مني ولكن سبقني الدكتور هذه المرة في إجراء العملية للضابط ركن فأخذوه على عربة إلى الطابق الثاني ثم كلفني لمراقبة وضعه الصحي لأن اصابته بحاجة إلى عناية خاصة .. أن الإصابة في ذراعه الأيسر مع نصف وجهه .. أقتربنا أنا والدكتور منه .. أخذ الدكتور نبضه ، هذا الوجه لا يبدو لي غريباً ..!! ناداه الدكتور : بلطف ( إحسان بك .. إحسان بك .. أحسستُ وكأن وميض رعد أخذني .. تأكدت الآن أ، هذا الجريح هو الشاب الذي تعارفت معه في بيت ( عبد الرحيم بشا ) .. تراجعتُ عنه خطوة لأهرب منه إلا أنه فتح عينيه في تلك اللحظة .. لقد رآنى وهو يبتسم لقد عرفني..!! إن هذا العسكري الغيور الذي دافع عن كرامتي .. كأخ غيور.. قبل أكثر من عام حين دعوني إلى حفلٍ في بيت ( عبد الرحيم باشا ) .. للتعارف كتقدير لي لكوني مدرسة أبنتهم والتي أخذتني إلى حفلٍ والدها..!فاسجبت لدعوتهم وحضرتُ الحفل .. ولم أتوقع أبداً بأنهم يضمرون لي مكيدة .. لقد حاولوا ألمس بكرامتي .. ذدتُ عن كرامتي بقوة نجاني الله منهم .. أصبحتُ هائمة على وجهي لا أستطيع النظر إلى وجوه الناس .. إلا أن إحسان بك هذا العسكري الشهم .. صفع وجه ذلك الدنيء .. أمام جمع من الناس وفي مقهى شعبي .. لقد ذاد دوني إلى حد كبير حين شهر سلاحه بوجه ذلك المارق الذليل .. فأعاد لي كرامتي ورفع رأسي عالياً .. لقد.. تعهدت فريدة لتقوم بتضميده ولردّ الجميل لموقفه المشرف الذي لن تنساه أبداً.. الأصابة في نصف وجهه مع ذراعه .. أثناء تبديل الضمادة تشعر فريدة بتأثر كبير لحال هذا العسكري الشاب ..كما أنه هو الآخر يتأثر جداً أثناء تضميدها جرح وجهه وكأنه يتوسل إليها للترحم على حاله .. لأن الأصابة ستجعله مشوهاً مدى حياته .. أما فريدة فتحاول تهدئته قائلة له .. إحسان بك أصابتك ليست عميقة وسيندمل الجراح لتشفى خلال عشرين يوم فقط .. ستسعيد عافيتك وتغادر المستشفى أنها تحاول التخفيف عن معاناته .. أحياناً تقرأ لهُ قصة من كتب الرومانس .. تهدئه قائلة : جمال الرجل بخصاله الحميدة وشجاعته .. تمر الأيام .. وفريدة خائفة على مصيرها.. لقد قررت هذا الصباح أن تبادر لأحسان بك فكرة قد يقتنع بها لتقول له : لماذا لا نجمع أحزاننا ؟.! أحسان بك أنا أريد أن أبادرك صراحة أن تتزوجني إن قبلتني ولأقوم بخدمتك .. سوف ننجب أطفالاً ونسعد بهم .. لقد رجع أحسان بك قليلاً إلى الوراء ليرد عليها أنا كنتُ السباق بهذه المبادرة قبل أكثر من سنتين فلماذا رفضتني ؟ عذراً لقد فات الأوان : وهكذا زواج شفقة ليس إلا .. لقد أخترتُ لنفسي شيئاً أسمى وأرجو ان .. فريدة : لا تعي من كلماته شيئاً.. يضيف احسان بك قائلاً لقد قررت وبحكم واجبي .. أن أتوجه إلى جبهة القتال لأذود عن أمتي ووطني وان أنال السعادة الأبدية .. فريدة بحسرة كبيرة وهي تشير إلى سيف احسان بك المعلق .. أنت بسيفك ستقاتل الأعداء والدكتور ( خير الله بك ) سيفارقني ربما بعد أسابيع فمن الذي سيبقى لي بعدكم ؟ مع الصباح الباكر وفي جو بارد ودّعها ( إحسان بك ) إلى الأبد وفي صدره حسرات وعلى شفتيه إبتسامة باردة .. بعد خمسة أشهر تمت أستعادة المدرسة للمديرية ( فريدة ) بسمات الربيع تبعث في النفوس الانتعاش بتفتح ازهارها وأخضرار شجرها ولكن مَنْ بكثرت بالربيع .. أو وحتى بالدراسة .. مابقي من الدوام الدراسي سوى شهر واحد تقول فريدة: المعاونة المكلفة بادارة المدرسة انتقلت فكلفوني بأدارة المدرسة لم تكن فريدة سعيدة لأن زميلاتها المعلمات أكبر منها سناً وأكثر خدمة مع بداية شهر آذار أحيل الدكتور خير الله بك إلى التقاعد .. الرجل غني باملاكه ومزارعه وهو مستغنٍ عن الراتب التقاعدي .. ورغم ذلك تأثر الرجل.. تقول فريدة : إن ما يحز في صدري هم أخواني الشهداء الذين أطبقت أجفانهم بيدي وإلى الأبد .. وكم تمنيتُ أن يُطبق أحدهم أجفاني .. إلى الأبد .. خير الله بك رجل ذو ثقافة عامة وكبيرة لقد أمضى شباب عمره في مطالعة الكتب .. وله مكتبة ضخمة في بيته لكنه ينتقد المثقفين أحياناً فريدة تسأله باستغراب : إذن لماذا تقرأ الكثير ؟ إن هذا السؤال يوقف مياه الأنهار لكن هذا الرجل لم يتأثر بل بالعكس يقول لها .. لقد قُلت الصواب لكن ساحة الثقافة والادب لازالت ضيقة في مجتمعنا منذ أحالة هذا الرجل على التقاعد يمضى عدة ساعات في منزله بقرأءة كتب الرومانس..! أحياناً يلبس جزمته العسكرية .. ويُعلق البندقيه على ظهره..فيمتطي حصانة الذي يسميه ( دلدل ) بهذه القيافة يجوب القصبات والقرى لمعالجة المرضى وبالمجان...!
هذا الرجل ربّ أسرة صغيرة حيث تعيشُ معه والدته من الرضاعة وهي أمرأة عجوز تجاوزت الثمانين ... وهناك رجلُ يعرجُ قليلاً يقوم بخدمة حديقته يناديه الدكتور ( اونباشي ) تقول فريدة : قبل ثلاثة أيام استضافنا الدكتور لتناول طعام الغداء فحضرنا لقد فرح الرجل كثيراً بحضورنا .. أما أنا فقد أخترتُ من مكتبته الكبيرة كتابين من قصص الرومانس والدكتور خير الله بك مستأنسُ مع مؤنسة إنه سيلعب معها ( لعبة الاختفاء) يقول لها مُسبقاً ألعبُ معكِ بشرط أن تُخفي نفسك في أماكن قريبة حتى لا تتعبيني ها .. لقد كبرتْ صغيرتي أنها في الرابعة عشرة من ربيع عُمرها .. قامتها كقامتي تقريباً .. فبدأت ألبسها الرداء الأسود والدكتور غير راضٍ 00000.. صغيرتي تنفتح كالأزهار بشعرها الأشقر وبشرتها البيضاء .. حين تضحك تنفتح الأزهار على خديها .. وحين بكاءها تتناثر دموعها كاللآلئ .. بعض المعارف تقول لفريدة : قد تكونين حماتها عن قريب .. يوم أمس وحين رجوعهما من المدرسة لأحظتْ فريدة شاباً في البناية المقابلة ينظر إليها بلهف .. ومن تحت حجاب وجهها تلتفتُ فريدة وكما تقول إلى مؤنسة .. فأذا بها تبادل النظرات معه مُبتسمة .. وبعد دخولهما البيت تؤنبها فريدة وصغيرتها تبدأ بالبكاء .. مع صباح هذا اليوم ترى فريدة صغيرتها بوجه شاحب تلاحظ أحمرار عينيها .. فتسرع إلى بيت خير الله بك إلا أن الرجل كان خارجاً .. جارتها الطيبة تترك بيتها وتلازم مؤنسة لحين رجوع فريدة من الدوام .. لقد قصدت بيت الدكتور ثانية لكن 0 الاونباش ) يقول لفريدة أنه خرج مبكراً .. فتعود مُسرعةً إلى فريدة .. لقد أشتد المرض على مؤنسة وحرارتها عالية .. تعاني من سعال شديد وثمة بياضٍ على لسانَها .. مؤنسة الصغيرة وبهذا الوضع تذكر فريدة قائلة هل تتذكرين ( آبلا ) كيف كنتُ أسعل كثيراً في ( زينيلر ) وحقاً ما تقوله هذه المسكينة .. لقد طردتها زوجة أبيهامن البيت ثم قامت بمطاردتها في القرية تحت تساقط الثلوج .. فالتجأت إلى باب حديقة المدرسة .. ولولا فريدة والسيدة خديجة خانم لقضت من شدة البرد..فريدة تسال عن الدكتور ثانية فأخبرها ( الاونباشي ) بأنه سيبات هذه الليلة في القرية ..مع الصباح الباكر ترى فريدة صغيرتها في معاناة كبيرة لقد كادت تنقطع عن الكلام .. فريدة تلبس رداءها لتبحث عن طبيب .. أثناء ذلك يحضر الدكتور خير الله بك بعد فحصها يقول لفريدة : لا تقلقي سوف تتجاوز الحالة إن شاء الله .. ولكنْ الأنكسار الذي يرتسم على وجه الدكتور تشعر فريدة بالخوف على صغيرتها .. في هذا اليوم بالذات هناك لجنة من مديرية المعارف مكونة من ثلاثة مشرفين لقد أرسلوا فراش المدرسة للمرة الثالثة لحضور فريدة إلى المدرسة وفريدة يرد العامل ولا تتحمل الخروج .. ينصحها خير الله بك قائلاً ياابنتي أخرجي انا معها البسي رداءك وأطمئني .. خرجتْ فريدة بدموعها وهي تقول : لوأن مديرية المعارف أغرقتني بوافر نعيمها وكرمها وجودها لا تساوي عندي بما انا فيه بهذا اليوم .. المشرفون يطلبون السجلات ويدققونها .. يجوبون الصفوف .. يسألونها عن أحتياجات المدرسة مختلف الأسئلة عن أشياء كثيرة أجيبهم ولكنْ لا أدري كيف أجيبهم .. إنّ هذا اليوم يوم قيامتي ! قلبي يتفطر على حال صغيرتي .. لقد مرت أكثر من ساعتين ولا يزالون .. أخيراً أحسّ أحدهم بوضعي المنهار فسألني أراك في قلق شديد يا خانم .. أجبته كمنٍ يرجو الترحم على حاله نعم لقد تركتُ صغيرتي ( مؤنسة ) طريحة على فراش الموت .. ربما تحتضر الآن...!! المسافة بين المدرسة والبيت خمس دقائق فقط .. ولكن أشعر الآن بطول الطريق لأنني وصلت البيت متأخراً حين قربتُ من الباب أدركني ( الاونباشي ) ففتح الباب .. بعد دخولي بدقائق ساد الصمت المكان . رأيتُ الدكتور بذراعيه المكشوفين يسأل الاونباشي عني فأطمئن بوصولي .. ثم بدأ بنصحي لا تقلقي وتحلي بالصبر .. تقول فريدة للدكتور : لو سمحت دكتور بك أريد رؤيتها .. والدكتور يقول لا .. ليس الآن لأنها في غيبوبة فريدة : وبعناد وأصرار يجب أن أراها الآن .. ثم بدأتُ بالبكاء قائلة بمقدوري أن أتمالك نفسي .. ( لقد حمل بنو البشر على الاستسلام لقدر الموت وتلك مشيئة الله ) أسندتُ رأسي على كتف الدكتور ودخلت لا لقي آخر نظراتي على صغيرتي ( مؤنسة ) المسكينة .. ما أمرّ هذا الفراق الأبدي وما أصبر بني البشر في تحمل هذا الفراق..( أليس ذلك السكون وفي تلك اللحظات بالذات من الملكوت) ...! هناك طبيبان مع الدكتور خير الله بك .. نحنُ في عصر يوم مشمس الشمس ترسل شعاعها من بين الأغصان داخل الغرفة .. على الرف قناتي الأدوية .. وعلى أرض الغرفة تتناثر عشرات الأشياء لصغيرتي .. هناك باقة وردٍ لم تذبل جمعتها مؤنسة قبل يومين ، قواقع جمعتها من الساحل .. وكومة أحجار صغيرة ملونة جمعتها ... على الحائط صورتها التي رسمتها لها.. تراجي زجاجية .. قبل أقل من أسبوعين كانت في رونق جمالها.. أشتريتُ لها سريراً جديداً ... وشراشف جميلة وغطاءاً من الحرير لفراشها .. صغيرتي تبدو لي أكثر جمالاً .. كنتُ أنسجُ لها بيدي رداءها الجديد لكنه لم يُكمل لعابتها الجميلة على الرف .. باتت الأن محرومة من قُبلاتها .. أراها الآن بذراعيها الصغيرتين وكأنها تتوسل من مؤنسة لتطبع قُبلتها الأخيرة على وجهها .. صغيرتي تذكرني بلقائي معها في قرية ( زينيلر ) لقد تبنّيتُ هذه الصغيرة لآنس بها وتأنس بي .. تقول فريدة لا زال رأسي على كتف خير الله بك .. لقد بان القمر مرسلاًضياءه على جبين صغيرتي .. دنوتُ منها لأقبل وجهها ولكنها أمسكتني من يدي وبدأت تغمر كفي بالقبلات ففعلتُ مثلها شكرتها على معاشرتها الجميلة معي ومساعدتها لي .. وتعاونها معي ومحبتها الكبيرة ولكن وبعد أقل من دقيقة لم أدر ما الذي جرى بي لقد شعرتُ بدوار ثم أغمي عليّ فتحتُ عيناي على وميض ضوء كالبرق كاد يخطفُ بصري .. أرى الدكتور واقفاً عند رأسي .. بيده شمعدان يسألني : هل تعرفني فريدة ؟ أجبته وكيف لا أعرفك دكتور بك .. وما الذي جرى؟ الدكتور : حمداً لله أبنتي لقد تجاوزت الخطورة : وكم ساعة نمتُ خير الله بك ؟ : كنت في غيبوبة ولسبعة عشر أيام ..!! لقد أصابها التيفوئيد .. ولم تستعد عافيتها ألا بعد أربعين يوم ..!! شعرها يتساقط وفريدة تقصر شعرها .. مع أول يوم من استعادتها عافيتها تطلب فريدة من خير الله بك زيارة قبر مؤنسة اليوم حاول الدكتور أقناعها بتأجيل الزيارة لأسبوع على الأقل .. وفريدة تتوسل إليه لقد أقنعته بدموعها .. فريدة تجمع باقتين من الورد كما جمعت من الساحل احجار صغيرة وملونة .. صغيرتها كانت تحب تلك الأحجار .. مؤنسة تنام في قبر صغير قبالة البحر الأبيض تحت شجرة سروً صغيرة مثلها.. بعد قراءة الفاتحة .. فريدة متأثرة جداً لعدم أمكانها حضور جنازتها ودفنها ... وتسأل خير الله بك عن نكفينها ومن غسلها ومن حضر جنازتها ؟.. بعد قراءة الفاتحة.. يقول لها خير الله بك .. بعد قراءة رجل الدين تلقين الميت يسأل عن اسمها ... يقول خير الله بك لفريدة : سارعت قائلاً لرجل الدين أسمها ( مؤنسة بنت فريدة ) .. نحن الآن في اليوم الاول من آيلول وخير الله بك يريد الذهاب إلى أحدى القرى .. يوصي فريدة قائلاً لها ( دلدل ) أسم حصانه .. لا تتركيه جائعاً أعلفيه فريدة ولا تنسي تضميد الجرح الذي في فخذه .. وبعد ثلاثة أيام دعيه يهرول في الحديقة قليلاً .. أما الأمر الثاني فهو أن تستلمي أجرة الفرن من ( خورشيد آغا ) والبالغ ثمان وعشرون ليرة .. أمّا الطلب الثالث فهو نقل مكتبتي إلى الطابق الأرضي .. أريد تخصيص تلك الغرفة لكِ..لأنها تواجه البحر حيث الطبيعة الخلابة والهواء المعتدل.. تجيبُ فريدة قائلة : إطمئن على حصانك (دلدل) ، كما سأستلم أجرة الفرن .. ولكن أرجوك دكتور بك : ما الدعي للأمر الثالث .. لقد أثقلتُ ضيافتي عليك .. وبعد رجوعك بالسلامة أريد أن أودّعك .. لطفاً دكتور بك ..!! الدكتور : ماذا تقولين ستودّعيني ؟. لو سمعتُ منكِ ثانية هذه الكلمة فسوف أشق شدقيكِ إلى أذُنيك ...!! فريدة ثانية : لكن الضيافة تجاوزت حدها .. ولا أريد أن أثقل عليك ..! لقد أتعبتك كثيراً دكتور بك.. ولن أنسى هذه الانسانية أبداً .. خير الله بك يدنو من فريدة ماسكاً حنكها وهو يحاول ترقيق صوته ليقلد صوتها قائلاً : إنسانيت .. مواقف صعبة.. يا ابنتي دعي هذه الكلمات الرّنانة : أقول لكِ والصدق أقول ها.. أنا أحبُ معاونة الآخرين وهذا من طبعي .. وسعادتي من سعادة الناس .. ولا أمنُّ على أحد .. متى تصدقيني فريدة ..؟ حين تريني أرمي نفسي من أحدى المنارات العالية ..؟! وكيف تعيشين يا بنتي وأنت وحيدة .. ومع من سوف تعيشين ؟ الآن تتذكر فريدة يوم هروبها من بيت خالتها .. وهي نادمة وخائفة من مستقبلها المجهول .. مع مرور الأيام .. تشعر فريدة بالسعادة في ظل هذا الرجل الكبير .. لقد أصبح لها أباً وصديقاً وكرد للجميل تقوم فريدة بعشرات الأعمال في البيت .. أنها تخدم والدته من الرضاعة .. تنظف البيت .. ترتب الأشياء والمكتبة تطبخ الأطعمة اللذيذة .. ولأنها تحب الحديقة المنزلية.. تقوم بخدمة الحديقة وتنظيفها .. تزرع الورود والأزهار .. وحتى بدأت تمسك حسابات خير الله بك الشخصية أنها تفكر لو فارقت هذا الرجل فكيف سيكون حالها ..؟ فريدة تستعيد عافيتها تدريجياً ولكن ما تحسه من انكسار في قلبها لا يفارقها ..تقول فريدة : أحياناً أضحك مع الفرحانين ولكن لا ألبثُ حتى أعود لأحزاني ...! ليلة أمس نهضت فجراً فبدأت بالبكاء لقد تذكرتُ والدتي المرحومة .. ولكنْ وحتى لا يتحول بكائي إلى نحيب أطبقت أصابعي على فمي بقوة في تلك اللحظات.. يدخل خير الله بك إلى غرفتي وبيده شمعدان .. بنصحي ويسليني بكلمات شفوقة .. وعندما خرج رأيته ماسكاً قبضة مؤشراً نحو البعاد وهو يقول متأثراً يا ظالم .. كيف لا تبالي بحال حبيبةٍ وقريبة تضترم بنار حبك وهل ما تفعله من شيمة المحبين الغيارى...؟!!
خير الله بك يفكر في مزرعته الكبيرة في جزيرة ( آلاجا قايا ) () والتي أهملها منذ عدة سنوات يبادر لفريدة قائلاً حضري نفسكِ سوف أخذك معي إلى جزيرة ( ألاجاقايا ) هناك لي أراضي زراعية واسعة هناك .. وأريد أستعادة زراعتها سنمكث هناك عشرة أيام .. أعتبريها تبديل جو وسياحة ..الطبيعة خلابة هناك .. وسوف ينفتح قلبك وسنذهب غداً قبل بداية العام الدراسي الجديد ..فريدة : دكتور بك أنا أحب الأماكن الفسيحة كثيراً ولكن أخاف أن نتاخر .. الدكتور بعصبية قلت لك مسبقاً.. سنرجع قبل الدوام .. تقول فريدة منذ أسبوع ونحن في هذه الجزيرة .. إن مزارع الدكتور أهملت كثيراً ..وما أجمل هذا المكان الفسيح .. شتاءه كالربيع .. بأشراقة شمس الصباح تبدو أحجار الجزيرة ذهبية بغروبها حمراء فريدة تحب الزراعة .. وتقوم بحلب الأغنام أيضاً .. أحياناً تمتطي ( دلدل )* .. لكنها مع ذلك غير مرتاحة لأقتراب الدوام .. أنها تفكر بشؤون مدرستها .. تنظيفها .. ترتيب رحلات التلميذات تهئية الكتب الدراسية .. التلميذات الجدد الامور الأدارية .. إلى أخرها هذا بالنسة لفريدة .. أما خير الله بك فهو في غاية الراحة هنا .. سيما مع الفلاحين وعندما يُقبل الليل يطلب من فريدة قراءة القصص الرومانسية.. أنه يرتاح بسماع تلك القصص منها.. تقرل فريدة في هذه الليلة الظلماء وأنا أقرأ للدكتور ..بدأت الكلاب بالنباح فتحنا الشباك هناك فارس بباب المزرعة .. يسألهُ الدكتور من تكون يا هذا (الاونباشي) لستُ غريباً .. هذا صوت الاونباشي .. إن قدوم الاونباشي وفي ظلام هذا الليل بلا شك وراءه سببٌ مهم .. يقول خير الله بك لفريدة ، أنا نازل إليه . لو تأخرت أغلقي الباب ونامي لقد ظل الدكتور مع الاونباشي ساعةَ تقريباًعندما رجع الدكتور تلاحظ فريدة أحمرار وجه الرجل مع حاجبيه المقطبين .. تسأله فريدة ما الأمر دكتور ؟ يرد عليها غاضباً .. وما عليك الأمرُ يعود لي ..!! تقول فريدة : أخذتُ الشمعدان مباشرة فصعدت.. عندما نهضت أخبروني بأن الدكتور قد رجع مع الاونباشي مبكراً( مهما كانت الحياة جميلة .. لكن مرارتها لا يجرع أحياناً ..)فريدة تكتب آخر ما حل بها في الصفحة الأخيرة من دفتر مذكراتها أنتظرت فريدة يومين لعله يرجع إليه لأنها وحيدة إلا أنها حين نهضت وجدته راجعاً أنها تلاحظ الانكسار والقلق على وجه هذا الرجل المرح تخاف على حاله .. أنه يجوب بخطوات مثقلة .. ويفكر كثيراً .. ثم أتاني واضعاً قبضته على كتفي .. وهو يسألني هل هناك شيء تخفيه عني ؟! تجيبه فريدة : لا دكتور أبداً .. الدكتور بل تعلمين وربما تنكرين .. تقول فريدة بتأثر كبير وفي غاية الجدية :صدقني دكتور بك : لا أعلم شيئاً .. أبداً .. ولكنْ ما أراه من هذا القلق والأضطراب على وجهك يقلقني كثيراً ولأنك كأب لي فما يعكرك يعكرني أكثر .. يسألها خير الله بك : هل لديك شجاعة وثبات بما حدث وبما سيحدث ؟ نعم دكتور بك .. لأنك أبي ما يهمني فقط هو أن لا أراك بهذا الاضطراب .. إذن .. خذي القلم بيدك الآن .. أكتبي ما سأمليه عليكِ هيا يا صغيرتي .. أعتمدي على الله.. من مديرية مدرسة الرشدية الأبتدائية للبنات إلى مديرية المعارف العليا نظراً لسوء حالتي الصحية استرحم من مدير المعارف العليا قبول استقالتي من مسلك التعليم هيا والآن وقعي هنا دون أن تسألني عن السبب سلمى الورقة لي ..!! دكتور خير الله يراها ترتجف يقول لها : من حقكِ يا أبنتي لأنك لم تعلمي السبب .. أهدأي قليلاً وأسمع مني ما الذي حصل ..!! يقول خير الله بك : لقد جرعتُ من الحياة مئات الأكدار والمصائب .. إلا أنّ ما يواجهنا الآن لا يتحمله قفاي ...! أبنتي العزيزة إنني لم أر في حياتي فتاة مثلك في عفتها وحياءها وصدقها .. ألم نعش في هذه السنوات الثلاث كعشرة أب مع أبنته ؟ لقد أنقلبت رعايتي لك أثناء مرضك لأكثر من شهرهل تتصورين بماذا .. بأنني عشيقك .. فريدة تطبق كفيها على وجهها .. ينهرها الرجل قائلاً : دعي كفيكِ عن وجهك يا أبنتي أريدُ منك أن ترفعي رأسك عالياً .. لأن الحقائق ستظهر.. فتسود وجوههم .. في الدنيا والأخرة ونبقي بوجوهنا الناضرة.. ويؤسفني كثيراً أن أقول أن هذه الأفتراءات قد تسربت من مدرستك هناك بعض المعلمات من ضعاف الانفس يحورن الحقائق كما تشتهي أنفسهن.. والسبب واضح جداً أنه نار الحقد والغيرة والحسد .. تنقلاتك الكثيرة فُسرت تهرباً من واقعك المزري .. فلاحتك في الزراعة وبقاءك بمعيتي في بعض القرى .. تحولت إلى ألإفتراءات .. ركوبك الحصان وصف كدلال منّي .. قبولك دعوات الأغنياء .. لقد وصل الأمر.. إلى آذان المسؤولين في مديرية المعارف العليا / اللجنة التحقيقية .. فبدأت التحريات بهذا الشأن .. يقول خير الله بك لفريدة سوف نتجاوز هذه المعضلة ينصحها أن لا تتأثر كثيراً قائلاً : أبنتي أنتِ تنتظرين من الحياة أشياء جميلة .. أما ورقة أستقالكِ فسوف يأخذها الاونباشي إلى مديرية المعارف تقول فريدة هذا الصباح أثناء وضع استقالتي في الظرف وهو يسلمها للاونباشي أحسسُ كأنه يأخذ قطعة من قلبي ..!! في نفس اليوم تمكن خير الله بكك تصديق استقالتها بحكم علاقاته مع المسؤولين الكبار في المديرية العليا للمعارف .. بعد عودة الرجل مباشرة يستدعي فريدة قائلاً لها : لنرجع إلى مشكلتنا الكبيرة اليوم كنتُ في المديرية العليا للمعارف .. رأيت رئيس اللجنة التحقيقية هناك .. إنه بأسنان بارزة ووجه عبوس .. يتطاير الشر من عينيه .. فسألت آخرين عن اللجنة فأخبروني .. بأن ورقة التبليغ بعد يوم أو يومين الدكتور يسترسل قائلاً.. أنا أنتظر ذلك اليوم بفارغ الصبر.. لن أدعكِ تحضرين أمامهم .. لأنني في أمُ المشكلة أنا سأحضر التحقيق .. يضيف قائلاً لها : كان الأجدر بهم أكرامك على عطاءك الثر لتطوير عملية التربية والتعليم يا أبنتي .. ستظهر الحقيقة ليبقى رأسك مرفوعاً إلى الأبد .. خير الله بك يحضر التحقيق في المديرية العليا للمعارف .. ويفند كل ما جاءت من أكاذيب وافتراءات بعد أن وضع النقاط على الحروف .. وبالأدلة الدامغة لواقع الحال .. خير الله بك لم يكتف بذلك فقدم شكوى إلى محكمة الجنح متهماً رئيس اللجنة بالقذف وتلفيق الحقائق والكذب ...
فريدة متضرعة إلى الله .. يارب ما هذه الأحزان التي تتجمع فوق هامتي، المنية أخذت مؤنستي الضغيرة حِرماني من مدرستي ، من تلميذاتي وكم كنتُ حريصة عليهن لقد ضيّعتُ زهرة عمري في الأشجان.. أنا الآن في الثالثة والعشرين .. ليتني لم أخرج من بيت خالتي في ذلك اليوم المشؤوم .. خير الله بك لازم البيت لثلاثثة أيام خوفاً على وضعها المنهار .. في صباح اليوم الثالث والذي صادف الثالث من مايس.. تقوم فريدة مبكراً تنظف غرفة الدكتور .. وترتب الأشياء ثم تقدم فطور الصباح للدكتور : لقد أبتهج الرجل وفرح كثيراً وهو يقول : أحسنتِ أبنتي .. ( تفائلوا بالخير تجدوه )
بعد تناولهما فطور الصباح بقليل تقول للدكتور : أنا أريدُ أن أعيش ولا أريد اموت جوعاً خير الله بك أنا معك تماماً وأفكر بوضعك أيضاً .. سوف أجدُ لك عملا مناسباً يرضيك أن شاء الله .. ولكن بشرط إياك أنْ تفكري يوماً في مسلك التعليم نهائياً .. يضيف الدكتور لنرجع فريدة إلى ما حل بنا والآن اريد أن اقول أن مسؤوليتي تجاهك أصبحت مضاعفة لأنني أعتبر نفسي مسؤولاً بما حصل .. يضيف خير الله بك قائلاً هيا فريدة دعنا نفكر سوية لأجل وضع انسب الحلول لوضعك عامةً .. يسألها الرجل : هل بأمكانك الرجوع إلى اهلك وذويك ؟تردُ فريدة : ورقبتها نحو الأرض لا دكتور بك أنا اعتبرهم كالأموات ..!
يسألها – هل تقبلين الزواج لشاب من عائلة عريقة
أسألك والحال أنني غير مقتنع ..
يضيف الدكتور مسترسلاً : لقد أخذ ذلك الظالم مكانه في قلبك لا يمكن أقتلاعها ..
فريدة : دكتور بك ..أقبل قدميك . قل ما شئت .. إلا هذه المسألة .. أرجوك
خير الله بك : حسناً صغيرتي حسناً
فريدة : أشكرك كثيراً دكتور بك ..
خير الله بك وهو يكاد يقطم من شاريبه .. إذا كان الأمر كذلك فماذا نعمل؟
أنا غير خائف والحمد لله .. ما أملكه من ثروة جيدة يكفينا وزيادة .. أحياناً أسأل نفسي : فيم سأصرف أموالي ؟ والحال أنا الآن لا أرى سعادة أجمل من أقوم بصرفها عليك يا صغيرتي .. تردُ عليه فريدة بأي صفة اتصرف في أموالك .. وفي أية هاوية سأنزل نفسي .. هذا غير ممكن قطعاً دكتور بك .. سأجد عملاً يناسبني لأعيش بعرق جبيني .. يرد خير الله بك عليها .. وبتأثر كبير : أنا أراك لا تعيرين أهتماماً لحياتك المقبلة .. أنتِ الآن بنت مُقعدة في البيت لا معيل لها .. ترفض معونتي وحتى لو وجدت عملاً فكيف تعيشين وحيدة .. وأين ...؟ أفرضي أنا مت فريدة وما طرحته عليك للزواج .. إلا لهذه الأسباب .. ناهيك عما يدور على الألسن بحقنا ...! دعني أقول لك كل شيء بصراحة : هناك هيئة خاصة منبثقة من اللجنة التحقيقية لمديرية المعارف قابلت القائمقام بخصوص عيشنا سوية .. وبلغته بأن تعايشنا هكذا غير مقبول أبداً لأنها مخالفة للشرع والدين .. تقولُ فريدة نظرت إليه كمن حُكم عليه بالأعدام أقول له : أخيراً دكتور بك أنت أيضاً أستسلمت لموتي...؟ تضيف فريدة أنظر دكتور بك إلى الشمس إلى تلك الأشجار البعيدة .. وإلى البحر.. هل تجد أحداً فوق مصائبه يرضى تحريم ناظريه من هذه الأشياء الجميلة ؟ يطبق الرجل يده على فم فريدة يقول لها كفى فريدة كفى كل ما جرعته من مرارات الحياة تهون أمام ما اجرعهُ الآن.. بعد قليل قام الرجل وهو يجوب بخطوات مثقلة يقول : سألجأُ إلى الحل الأخير والذي لا بدّ منه .. سأتزوجك فريدة لأدافع عنك حتى النهاية .. أريد أن أراك مرفوعة الرأس .. لنتشارك في لقمة العيش سوية .. والزفاف يوم الخميس القادم ..!!
تقول فريدة : منذ أسبوع وأنا في جزيرة الطير .. غداً سأكون عروسة لخير الله بك .. لقد سافر اليوم إلى أزمير لشؤون يخصهُ هناك .. كما يريد شراء أشياء جديدة للبيت ولي .. لقد قُلت له لا لزوم لذلك .. لكنه أعترض قائلاً لا يا خانم لأنني أعتبر ذلك منة علي لكبر سنيّ .. تضيف فريدة .. أتصل الدكتور بي عصراً بالتلغراف أخبرني بأنه سيعود مساء.. ثم بدأ يمازحني قائلاً ولو أن فارق العمر بيننا خمس وثلاثون سنة ولكن لا يهم لأن الأهم هي خفة الروح .. لقد أشتريت لك فستاناً مدهشاً من الحرير كما أشتريتُ هدية الخطوبة من أنواع الذهب كما وأشتريت أشياء جديدة .. لبيتنا أيضاً هذا مهرك المعجل، أما مهرك المؤجل فهل تدرين كم سيكون .. لا تفكري كثيراً لأنك لن تتوقعيه أبداً..!! إنّ مهرك المؤجل سيكون داراً للأيتام أبنيهِ لكِ على أرض مزرعتنا في ( آلاجاقايا) يتسع لثلاثين أو أكثر يتيم لتكوني أنتِ معلمة الدار وأنا الطبيب .. بعد زواجنا مباشرة سأراجع دائرة الأوقاف لأحصل على أجازة البناء .. وسوف يتسع هذا الدار مستقبلاً بتمويل ودعم الدولة ناهيك عن تبرعات الناس الغيارى .. ريع هذا الدار سيؤمن لكِ راتباً شهرياً كذلك .. لأنني أريد تعويض مافاتك من هذا المسلك الكبير .. وستنالين أجر الله وثوابه.. تقول فريدة : كان خير الله بك يضحك أثناء كلامه معي .. لكنني أشعر
(القسم 5)
الآن أن قهقهاته كمُدية تقطع أوصالي .. أنا جالسة قرب الشباك أوراق الأشجار الصفراء تتساقط وبعضها تسقط على دفتر مذكراتي وأنا أكتب في صفحته الأخيرة أوجع ذكرياتي إنّ آخر خيط من خيوط آمالي تقطع هذا اليوم ( لقد حكم على طائر الأدغال بالسجن المؤبد ) لن تقرأ ذكرياتي ورغم أن كلّ ما كتبته كانت لك .. كامران لقد أخطأتُ بحقك لأن حبي لك كان طاغياً على حُبك .. ليتني لم أقدمْ على فعلتي .. سامحني كامران .. ورغم ما جرى سمعت زواجك وفرحت كثيراً .. كما حزنتُ كثيراً بوفاتها رحمها الله .. ومن يدري .. قد أكون في يوم ما كأم لطفلك.. كامران فراقك يشدني إليك أكثر .. غداً أكون زوجة لهذا الرجل المسَن.. إنه في سعادة ما بعدها سعادة .. وزوجته فتاة كالزنبقة وطاهرة كطهر الملائكة .. أما أنا فأراني كأرملة توفي زوجها غداً فراقنا الأخير.. لكن رغم كل شيء أنت بضعة مني .. أما أنا فبكل كياني وروحي لك حتى مماتي ...كامران ...!!!
ليلة أمس كنت العروسة .. لا أعتراض على ما يشيرون لي أن أقوم به.. لقد أدخلنني الحمام وألبستني فستان العروسة شكلوا طوقاً في شعري .. ولكن حين أخذنني إلى مرآة كبيرة أغمضت عيناي .. بعد حلول المساء حضر خير الله بك برباط أحمر .. يضحك قائلاً .. أن شاء الله سنسعد في حياتنا .. وستكونين زوجة وفية لي .. يسترسل قائلاً : لقد زرتُ قير مؤنستنا المرحومة .. وضعتُ على قبرها الصغير باقة من الأزهار .. كما وضعتُ طوقتين ملونتين لشعرها الأشقر .. كانت هذه الصغيرة ذكية جداً تدرك الأمور .. أحياناً في أثناء خلوتها معي كانت تقول : حين يزفون ( آبلاتي ) سأشكل طوقات ملونة في شعري والبس الفستان الأبيض ... تقول فريدة : أثناء سماعي هذه الكلمات المحزنة لصغيرتي لم أطق فبدأت بالبكاء .. محاولة إخفاء دموعي التي تمسح كحل عيني.. تقول فريدة أمضينا الساعات الأولى من الليل في غرفة الطعام وخير الله بك يقرأ رواية من الرومانس .. أما أنا فبدأت أنسج أطراف منديلي ورقبتي نحو الأرض .. آه من هذا الرجل المسن .. كم كنتُ أحبه وهو كأب لي .. والآن بتُ أكرهه كثيراً مع أحزاني الجديدة .. دقت الساعة على الحادية عشر .. يقول لي : لقد حان وقت النوم عروستي .. أنا في غاية الأمتعاض منه .. يقول لي : هيا عروسة إصعدي إلى غرفتك لطفاً أنا نازل للاونباشي لبعض شؤوني... بعد غيابه قامت والدة أم خير الله بك من الرضاعة مع جارتنا بتبديل ملابسي فدفعوني بملابس النوم إلى غرفتي.. أحسست بشدة البرد فبدأت أحتمي بضوء الشمعدان .. بعد وقت قصير سمعتُ وقع أقدام .. إنه خير الله بك ينزع سترتهُ مُغنياً حين وقع بصرهُ عليّ فقد صوابه .. يقول لي: ما هذا الحال الذي أنت فيه .. أحاول الأجابة لكنه يقاطعني قائلاً ألا تخجلين مني ؟ بكل عقلك تعتبرينني زوجاً لكِ.. هل جننتِ فريدة ..؟ أنا كأبوك ..أخيراً تتمكن فريدة على الأجابة قائلة للرجل دكتور بك جارتنا ووالدتك .. فعلتا ودفعاني بهذا الحال إلى غرفتي .. ما هذا الخذلان يا ربي . فريدة تحاول مسرعة ستر نفسها بهذه الملابس فتبدأ بالركض ثم تعود مُسرعة إلى خير الله بك وهي تصيح بابا.. بابا .. أنت أبتاه حقاً أنها تتعلق برقبة الرجل .. خير الله بك يفتح ذراعيه لها وهو يقول أبنتي العزيزة .. صغيرتي ويطبعُ قبلة على جبينها فريدة تعتبر هذه القبلة من النوادر .. قائلة أنها قبلة تفردتُ بها تقول فريدة أثناء النزول من غرفتي كنتُ أذرف الدموع من فرحتي وأضحك .. أضرب بقدمي على الأرض بقوة على الحيطان .. خير الله ما هذه الأصوات العالية إهدائي فريدة ستوقظين الجيران وأكون أنا الملام .. بعد أقل من شهر توفيت والدة خير الله بك من الرضاعة فلم يعد له وريث فقرر الرجل توريث أمواله وتركاته لفريدة .. وبعد أسبوع من وفاة والدته من الرضاعة راجع المحكمة الشرعية وبشهادة شاهدين حصل على موافقة المحكمة كما قدمّ تعهداً خطياً بهذا الخصوص فحصل على ورقة (زواج إسمي ) ليتسنى له توريث فريدة .. لنعد إلى ( تكفور طاغي ) خلال تلك الأحداث في ( قوشي أداسي ) كان كامران متواجداً في (تكفور طاغي ) وذلك بدعوةٌ نسيبه الكبير ( عزيز بك ) ولمدة شهر لينفتح هذا الشاب قليلاً بعدما جرى قبل اكثر من سنتين .. ولحضور حفل زواج أعز صديق له .. حضر كامران مع بسيبه حفل الزفاف .. بعد رجوعهما يقول له عزيز بك : لقد فرحتُ كثيراً وأستمتعتُ بصوت الطبل والطنبور.. كما أدهشنتني الألعاب البهلوانية .. أما أنت ورغم رؤيتك أعز الأقارب وحضروك هذا الحفل لم تكن كذلك .. كامران يحاول تبرير نفسه لكن عزيز بك يقاطعه قائلاً : لا كامران أنت تهمل حتى نفسك ..! أنتِ في عالمٍ آخر .. لي عينان وأذنان كامران : أنت تعرفني بك .. أنا هكذا بطبعي .. عزيز بك : أنظر إلي كامران ألا تراني كشاب مقبل على الحياة ؟ كامران : أخاف أن تسمعك خالتي عائشة خانم : حتى لو سمعتْ.. يسأل كامران هل تذكر زيارتك السابقة هنا قبل خمس سنوات كامران ضاحكاً يا نسيبي الكبير لقد مرت عشر سنوات على تلك الزيارة.. عزيز بك : ألا تزى كيف تمضي السنوات يا ولدي .. أنت الآن والد طفل صغير .. توفيت زوجتك ( رحمها الله ) .. ولكنْ كنت خطيب ( فريدة ) ألا تبحث عنها يا كامران ؟ .. أنا لا أستطيع النظر إلى الباب الخلفي لهذه الحديقة ..! كامران .. لو متُ بهذا الحال لا أعفو عنك كامران : لا قدر الله نسيبي الكبير .. ولكن أسألك كيف يمكن لجريح مثلي أن يرى نفسه وحيداً لا يكلمه أحد . عزيز بك وكما تعلمون وقعت مريضاً طريح الفراش لأكثر من ثلاثة أشهر أنت لا تصدقني..، والدتي لا تسمعني لم تبق لي سوى أختى نرمين وحينها كانت صبية في السابعة من عمرها ...!!
نسيبي العزيز أنا فكرتُ في الخروج لملاحقتها .. لكني تراحعتُ .. خفت من أن تقوم بتصرف جنوني فنكون فضيحة بين الناس .. عزيز بك ينظر إليه مشفقاً وهو يقول إهدأ يا ولدي يردف كامران قائلاً : فريدة بُحبها الطاغي ضيعت نفسها وضيعتني يضيف قائلاً مع استعادة عافيتي قليلاً توجهت الى ناحية زينيلر ولكن لم أجدها هناك ... لم أقطع الامل عنها ولكن بعد ما سمعته من زوجة مأمور يعمل معنا في البلديات وهي تعرف فريدة ووالدتي كانت في سفرة لجزيرة الطير مع صديقاتها رآتها وسلمت عليها وسألتها عن اخبارها فردت : عليها انا أعيش بسعادة مع زوجي هنا ..
يتذكر كامران ذكرياتهما لجميلة في ( تكفور طاغي ) .. تلك الذكريات تجعله هائماً وحائراً في دنياه بعد الذي حصل .. يقول الشاب لعزيز بك: عذراً أريد أن أقول لك بصراحة .. أ السبب الأهم لحضوري هذا المكان لأجل أستعادة ذكرياتي مع فريدة ..حال وصول عربة عزيز بك قرب (القنطرة الحجرية ) أستأذن كامران من نسيبه الكبير للنزول من العربة.. قائلاً .. أريد أن أتمشى قليلاً .. وعزيز بك متبسماً .. كما تشاء يا ولدي. ثم أضاف قائلاً : هل ترى هذه الطرق المبلطة .. أنا أشرفتُ لتبليطها عندما كنتُ والياً لـ ( تكفور طاغي ) وكم من مرات كنتُ أتابع العمل مع العمال جلس كامران على أريكة قديمة .. أثناء عودة (مذكان) مع اطفالها من استانبول .. أدركت كامران عند القنطرة.. كانت مذكان متواجدة في ( تكفور طاغي ) بسبب ذهاب زوجها بمأمورية إلى الأناضول .. لقد فوجئت مزكان فسلمت عليه .. ثم سألته أراك في إعياء هل رجعت لذكرياتك .. كامران : نعم مذكان وتخمينك صحيح.. يضيف قائلاً لها : لقد أنهيت كلامك بكلمتين .. بينما ما أراه الآن ومن خلال نظراتك .. كمن تخفي شيئاً عني .. كامران منذ مجيئه هنا .. والذي مر عليه خمس وعشرون يوماً يقوم بجولة في هذا المكان عصراً .. ثم يعود ليلاً .. تقدّمتْ مذكان مع الاطفال لغاية في نفسها !! عند اقتراب كامران من باب البيت كانت ( فريدة ) مختبأة وراء الباب .. مزكان تشير إلى كامران لينظر إلى ما وراء الباب .. لقد رأى الشاب حبيبته وهي قريبة منه جداً .. إنه في فرحة غامرة يفرك عينيه هل هذه حقيقة ؟!!
كامران يغمض عينيه ثم يفتحها ليرى فريدة .. إنه متشوق للنظر إلى عينيها الحوراوين .. والابتسامة لا تفارق شفتيه .. فريدة هي الأخرى تنظر إلى كامران .. أنها تمحلق بناظريها ناظريهِ الخضراوين .. والأبتسامة في شفتيها وعينيها .. كلاهما لا يجدان الكلمات للكلام أدركتْ مذكان حراجة الموقف .. فوضعت يدها في يد كامران قائلة لكامران : عليك أن تقوم بأداء التحية لفريدة .. كامران يحيها قائلاً : أنا في سعادة ما بعدها سعادة .. من فرحتي أكاد لا أصدق عيناي .. الدنيا تبتسم لي والف شكر لقدومك ترد فريدة بأبتسامة : شكراً كامران .. مزكان بأبتسامة أدعو الله أن نرى زواجكما هنا .. كامران يسألُ فريدة: متى وصلت هنا ..؟ فريدة بعد الظهر .. كنتُ في زيارة لأستانبول لبعض شؤوني ولشراء ملابس لي .. فجاش قلبي شوقاً لرؤية خالاتي.. ورؤيتكم جميعاً .. وربما هناك من يريدُ رؤيتي أيضاً ..! فقررت زيارة (تكفور طاغي ) لأنها مُلتقى الأقارب والاحبة .. تقول مذكان : حقاً فريدة : ( تكفور طاغي ) أجمل مكان للأحبة فريدة تواسي كامران بوفاة زوجته ( منور خانم ) رحمها الله .. في نفس الوقت تقول لكامران : قرة عين لك بطفلك الجميل ( نجدت ) أدعو الله أن يحفظه .. تضيف قائلة لكامران :أنه في حضني منذ أكثر من ساعة .. أنا أعرف كيف أكتسب محبة الصغار .. تقول فريدة لكامران نسيبك ( أقصد زوجي ( خير الله بك ) أذن لي بالبقاء معكم لشهرين ... أثناء تلك اللحظات بدأت نسيمة خانم بالبكاء وهي تقول تذكرتُ أختى المرحومة ((كوزيدة)) والدة فريدة.. فبدأت فريدة بالبكاء ., أيضا قائلة : أنا أبكي على طفلتي.. بدأ الحاضرون في مأدبة العشاء بتبادل النظرات الغريبة .. تسألها خالتها (عائشة خانم) : هل أنجبت طفلة فريدة ؟ فريدة : نعم طفلة كاللؤلؤة لقد أُصيبَتْ بـ ( ذات الجنب ) فلم تنج من مرضها خالتها تسأل وكم كان عمرها ؟ تجيبها وبوجه حزين كانت في الثالثة عشر .. كنتُ أنسج لها رداءاً.. يقول لها عزيز بك : على هذا الحال يكون زواجك وانت في العاشرة وهو في قهقهاته الكثيرة ,, الكل في ضحكات عالية .. بعد قليل.. بدأت فريدة تسردُ لهم قصة المرحومة مؤنسة الصغيرة بأسهاب وهي تذكر لهم كيف تبنّتها .. حتى لا تعيش وحيدة .. يقول عزيز بك لفريدة : أنت متعبة يا صغيرتي هيا إلى فراشك لتنامي قليلاً .. بتواجد فريدة .. في ( تكفور طاغي ) تستمر الولائم .. وفوق دعوات الأقارب.. عزائم ودعوات صديقاتها في صباح اليوم الثالث كان كامران ناهضاً من نومه فريدة ترى جناح شباكه المفتوح تقول لكامران تغيرت يا كامران كثيراً كنت لا تنهض إلا بحجاراتي على الشباك .. أما في الشتاء فكنت لا تنهض إلا بكراتي الثلجية .. مع هذا الصباح تأخذ فريدة كرسياً لكامران وآخر لها .. قائلة لكامران .. سأقدم لك كوباً من الحليب الساخن .. ألم تسمع كامران (إن ما تفرح المرآة الأناضولية كثيراً تقديم كوب من الحليب الساخن لزوجها ؟!! ) وكامران في حيرة من أمرها .. كاد كوب الحليب أن يسقط من يد كامران يحدق النظر إلى نضارة وجهها .. فلا يرى علامة من علامات الزواج في وجهها .. !! وفريدة حائرة فبدأت بالتحدث عن ذكريات طفولتها حين كانت مع والديْها في العراق .. ولكنّ كامران يقاطعها قائلاً وماذا عن خواطرنا يا فريدة ؟ لقد نكست رقبتها نحو الأرض .. وهي تقول لكامران .. نعم هناك ذكرياتنا ها هنا لكنني اعتبرها كسراب بعد ما حدث ..!!( نجدت ) الصغير مع فريدة عصر هذا اليوم .. كامران يسمع صوت فريدة وهي في غوغاء تقول له فريدة هيا قل لي .. خالة .. هيا نجدت .. خالة أما نجدت فيناديها ماما.. ماما .. لقد أقترب كامران منهما وهو يقول دعيه يناديك ( ماما) لأنني أتمنى ذلك .. مع الصباح الباكر لليوم الثاني أحس كامران برمي الحجارات الصغيرة نهض كامران تأخذه فريدة إلى ظل شجرة جوز .. وهي تأخذ كرسياً واحداً لكامران لقد أعدت له فطور الصباح.. مع الحليب الساخن.. جلست فريدة عند قدميه بعد أن وضع على كتفيه معطفاً قائلة له .. أخاف عليك من البرد .. لو تمرضت لاسمح الله فسوف تلومني خالتي كثيراً .. بعد الانتهاء من تناول الفطور تسأله فريدة : هل أعجبك الفطور؟ كامران .. لقد أعجبني كثيراً .. فريدة : تذكرتُ الآن (سكرقند ) .. أليست فطورك أحلى من سكر قند ) ؟.. والآن تأخذ من حقيبتها ( ميداليا من الذهب ) تتوسطها صورة خير اللك بك وهي تقول لكامران : أحب ن أريك صورة نسيبك الكبير .. ما أجمله أنا أعتبره حقاً من أنجب الرجال .. وكامران لا يستسيغ الكلام .. ويعتبره تأجيجاً لمشاعره ...
مساء هذا اليوم كان كامران وفريدة عائدان من السوق .. الأطفال معتادون حين يرونهما يتراكضون نحو الزقاق ويصطفون للحصول على حصصهم من اكلات .. أو مصقول أو فاكهة مع اقترابهما من الأطفال بدأ كامران بتوزيع حصص الأطفال .. أما فريدة فقد وقفت تحت شجرة الجوز .. فريدة بجزمتها تناثر الاحجار الصغيرة علي قدمي كامران قائلة له : لك الويل لو نسيتني .. أين حصتي كامران ؟ يتذكر كامران مثل هذا الموقف قبل عشر سنوات .. وكيف كان يطعمها بيده ثمار الفوندان.. كامران يمد يده إلى جيبه فيخرج علبة الفوندادن قائلاً لفريدة.. حاولتُ اخفاء حصتك ولكن مع هذا التهديد عدلتُ عن رأيي .. ولكن بشرط .. سوف أطعمكِ ثمار الفوندان بيدي .. كامران يأخذ ثمرة فوندان فيطعمها لكنها ورغم أصرار كامران لم تقبل تناول الثانية .. تأخذ العلبة... سوف أطعمها نجدت بعد الغداء .. يقول كامران لدينا بعض الوقت لنقم بجولة صغيرة في هذا المكان قبل أن يحل الليل : ونلقي نظرة على ساحل البحر.. فريدة : من الممكن كامران ولكن أئذن لي دقيقة واحدة لأضع علبة الفوندان .. وكامران يرجو ها أن لا تتأخر.. كامران مع هذا اللقاء الجميل يبدو هائما .. يُفكر في مصيرهما.. في تلك اللحظة انفضت مجموعة من الطير محلقة في الجو.. التفت كامران إلى فريدة قائلا أنت كذلك ستهجرين هذا المكان قريباً كالطيور. انت الآن في فرحة وسعادة معنا ونحن في هذا المكان الجميل ( تكفور طاغي ) .. فكيف تهجريننا لتعودي إلى مكان غريب .. لم تجبه فريدة .. كانت فريدة تشغل نفسها .. تخط على الرمال . كلمات.. قائلة عفواً كامران .. كنتُ أحفظ شعراً قديماً: من أربع مصارع.. ولكني لا أتذكر منها سوى مصرعين :
لا تتقد نيراناً ألوذ لأطفئها
إليك تهفو مُهجتي بدمع العين أسليها
مساء اليوم كانت عائلة عزيز بك في ضيافة لتناول طعام العشاء بدعوة من جاره لقد حضر الجميع .. سوى كامران .. كان هائماً على وجهه يجوب التلال مالبث حتى بدأت عاصفة شديدة أزيز الرياح يسمعُ من بعيد.. الغبار الكثيف يغطي أعالي التلال .. قوة العاصفة تدفع كامران نحو الوراء .. وجد الشاب صخرة كبيرة فالتجأ اليها .. العاصفة تجعل الحياة في ناظريه كصحراء حرداء .. أثناء هذه الهواجس رأى أمرأة تقبل نحوه من بعيد عندما اقتربت المرأة أدرك كامران أن الرداء الذي عليها هي رداء ( نرمين ) المطرزة .. الفتاة تحرك مظلتها لكامران: لقد أخذت الرياح مظلتها .. من صوتها عرفها كامران أنها فريدة برداء نرمين .. تقول لكامران كادت العاصفة أنْ تأخذني كما تأخذ العصافير .. تسأله فريدة لماذ لم تحضر وليمة العشاء ؟. كنا في ضيافة جارنا الأقرب تضيف فريدة : فكرت للذهاب إلى السوق فأخذت رداء نرمين لكنْ وأنا برداء وجهي لأحظت ضابطاً شاباً يتعقبني لقد أشتبه بالرداء فأعتبرني (نرمين ) .. بالله عليك كامران .. أتوسل إليك إياك أن توبخها أو تؤذيها.. أنا سأخبر خالتي بالموضوع لنكون على دراية من أمرها.. ساد الصمت قليلاً ثم بدأت فريدة بالكلام : لقاءنا في تفكور طاغي أفرحتني جداً سأعود غداً إلى ( جزيرة الطير .. ربما أكررُ زيارتكم .. من يدري قد أزوركم بعد أيام .. وأستقر هنا ربما أكون زوجة لك لنقضي العمر في هناء.. على قارعة الطريق رأيا متسولة مع طفلها ، كامران يناولها عدة ليرات تبدأ المتسولة بالدعاء لهما : أدعو الله أن يحفظكما دائماً تقول فريدة لكامران هل سمعت دعاء المتسولة لنا .. كامران : وأنا أدعوا الله أن يقبل هذا الدعاء .. مع حلول المساء هدأت الرياح .. كامران : لدينا متسع من الوقت .. لنذهب نحو الساحل .. وفريدة ترجوه قائلة ولكن أريد أن أبدل ملابسي .. وأشعر بدوار في رأسي من شدة العاصفة .. لقد ترك الشاب يدها وهو في هياج وشوق إليها .. فريدة أثناء أقترابها من البيت سمع صوت أطلاق رصاص .. فهبت من مكانها كالطير .. نرمين تستقبلها وفريدة تغمرُ وجه نرمين بالقبلات .. فريدة تستأذن كامران لتدخل غرفتها مع نرمين.. صباح اليوم الثاني ذهبت فريدة إلى السوق فرجعت بعد الظهر .. ورغم تعبها قامت بنصب مرجوحة للأطفال كامران جالسً مع نسيبه الكبير عزيز بك، تأخذ فريدة ( نجدت ) الى المرجوحة ولكن لا يلبث قليلاً فتبدأ بدفع المرجوحة بقوة نجدت يصيح خائفاً .. الطفل يبكي وعائشة خانم خائفة على الطفل .. تصيح بوجه فريدة كما كانت تفعل قبل عشر سنوات .. دعي جنونك فريدة سوف تسقطين الطفل وفريدة لا تبالي بكلامها قائلة يا خالة كامران والد الطفل هادئ .. وأنا واثقة من نفسي فلا تخافي .. وهكذا أخذت فريدة الأطفال بدءاً من ( نرمين ) ثم الآخرين واحداً بعد آخر يلتفت كامران إلى فريدة قائلاً والآن جاء دورك لركوب المرجوحة معي ترد فريدة مبتسمة : أنا خائفة لأن المرجوحة لا تحمل كلبنا .. تدخلت مزكان وهي تقول لكامران: ألا ترى أنها متعبة .. لقد أخذت مزكان كامران إلى الطرف الآخر للحديقة .. تقول لقد أخبرتني فريدة عن سفرها غداً .. هل تعلم سبب سفرها ؟ أنها كما تقول قد تلقت رسالة من زوجها لترجع إليه .. تقول مذكان : أنا واثقة ما تقولها كذبة أنها تريد أن تتهرب منك يا كامران بهذه الوسيلة لقد تأثر كامران كثيراً من كلام مزكان فرد قائلاً : أنتِ تحدثني دائماً عن مآسي وأحزان فريدة.. هل تظنين إنني لاأُحبها ؟ ولكن لا حيلة لي أنها متزوجة .. بعد تناول طعام العشاء كان عزيز بك جالساً وقد أخذ فريدة بجنبه .. وبين هنيهة وأخرى يمسح كتفها .. .. يمسك من ذقنها .. آه منكِ يا فريدة لقد جرحتِ قلبي وانا في شيخوختي نام الجميع مبكراً .. الوقت الآن الثانية عشرة ليلاً تخرج مزكان من غرفتها بمعطفها الصوفي ... بيدها حقيبة .. تمشي على أطراف اصابعها بحذر.. تصلُ إلى غرفة كامران تدق الباب بهدوء بصوت خافت : كامران .. لقد فؤجتْ كثيراً حين فتح كامران باب غرفته مباشرةً لستأله مذكان ألم تنم لحد الآن .. يا كامران؟ بوجهه الشاحب وبصوت حزين نعم يا مذكان كما ترين .. مذكان: ماذا جرى بك كلمران ؟ أنا اتجرع السموم والسقم .. يسألها كامران عن مجيئها المفاجئ في هذا الليل الحالك .. مذكان تحاولُ تهدئته : هناك أشياء جديدة .. دخلت الغرفة فوضعت الشمعدان على منضدة قفلت الباب ثم جلست قائلة له .. الأمور بعد هذه الليلة ستكون أفضل .. أسمعني كامران برعشة صوتها ودموعها تقول له : قبل قليل جاءت فريدة إلى غرفتي وهي تقول لي : أعلمي جيداً منذ صغري وإلى حد الآن لم أفتح قلبي لأحد سواكِ .. واليوم هناك سرُ أريدُ أن أستودعه عندكِ كأمانة فحافظي على هذه الأمانة لحين سفري .. عندما جئت هنا.. قلتُ أنني لم أتحمل هذا الفراق وما قلته صحيح ولكن أريد أن أقول لك الآن إن السبب المباشر كان ألتزاماً لوصية المرحوم زوجي (خير الله بك) إنه رجل كبير حقاً لقد وقع طريح الفراش لثلاثة أشهر فأوصاني أولاً : أن أقوم بزيارتكم وبعد أسبوع فقط من وفاته فوعدته حين أشتد وقع المرض عليه .. وقبل يوم من وفاته .. أشار إلي لأكون بجانب رأسه .. إلى الآن أتذكر كلمات وصيته وما قاله ( أنا لست خائفاً على وضعك المعيشي لأن كل ما أملكه متروكة لكِ بصفتكِ زوجة لي (إسماً ) المال يزول ولكن ما يبقى للأنسان هي المعنويات المال يزول.. ولكن صلة الرحم تبقى .. الانسان يموت .. ولكن الانسانية لا تموت.. ثم اوصاني بمصالحة كامران .. قائلاً ( حتى لو كان متزوجاً ) سيكون لكِ أخاً يعاضدكِ فوعدته واقسمت له بذلك .. أخيراً اعطاني رسالة كتبها لكامران قائلاً وهذه رسالتي ( لكامران ) فسلمي الرسالة مع سلامي يقول لي بأداءك وصيتي يا ابنتي العزيزة أنام براحة في قبري لقد توفي بمرض ( السرطان ) وهذه فحوى رسالة المرحوم خير الله بك لكامران: (أن لا يفرط بفريدة ويتزوجها لأنها تُكن له حباً كبيراً رغم معاناتها ولأنها مثال العفة كما أراد أن يُطمئن كامران بأن زواجه لها كان زواجاً ( إسميا ) لترثه فحسب لعدم وجود أي وريث غيرها لتركتهِ.. نامت فريدة في ساعة متأخرة من الليل .. حين أستيقظت كانت الشمس مرتفعة في السماء .. الساعة تشير إلى الحادية عشر فرمت نفسها من السرير .. ومزكان منشغلة بشؤون البيت .. فريدة تعاتبها قائلة .. لو أيقظتني مبكراً .. ألا تعلمين أنني مسافرة ؟ تقول لها مذكان: ما زال الوقت متسعاً لك وليس هناك باخرة في ( مرمرة ) .. لقد أفتعلت فريدة هذا السفر المزعوم .. فسمعها أهالي المنطقة جميعاً لذا لا تريد التنازل عن كلامها .. ومزكان في مجبورية لمجاراتها حتى لا تبقى فريدة وحيدة في الساحة .. فريدة ومعها مزكان تقطعان الطرق الترابية بين البساتين للإسراع إلى الميناء .. يأخذ عزيز بك كامران بعربته وهما متجهان نحو المحكمة الشرعية .. أثناء تواجد فريدة مع مزكان شاهدتا باخرةً متجهة نحو الميناء .. واثناء ذلك عاد عزيز بك ومعه كامران .. فريدة متجهة للحاق بالباخرة ..يناديها عزيز بك ارجعي لأن زوجك غير راضٍ من سفرك هذا عادت فريدة بهدوء وسكون.. عزيز بك : أنا قمت بالواجب .. ولن أتدخل في شؤونكما . فتفاهمي مع زوجك كامران .. لقد غطت فريدة وجهها بكفيها .. وكادت أن تسقط لكنّ يدأ تمتد فتمسكُ يدها .. فريدة تفتح عينيها ويدها في يد حبيبها وزوجها المكان مكتظٌ بحشود من البشر .. فبداو عائدين وهم متجهون نحو بيت عزيز بك الواسع بسيمة خانم ومعها أختها عائشة خانم في المقدمة .. مذكان تلازم فريدة .. معهما حشد كبير من صديقات فريدة كامران مع عزيز بك.. يقول عزيز بك لفريدة مازحاً : هل تعلمين فريدة أن مزكان باعت أسراركِ لكامران .. ثم يخُبر فريدة قائلاً : أخذنا ورقة زواجكِ الأسمي معنا ومعها ( رسالة المرحوم خير الله بك ) فقام القاضي بنقض (زواجك الأسمي ) وبحضور شاهدين فتم عقد قرانكما على سُنة الله ورسوله فليبارك الله زواجكما .. كما وكلتُ نفسي لتلقينك عقدة النكاح .. وهذه وكالتي .. وكل الأمور على ما يرام.. بدموع الفرح تشكر فريدة نسيبها الكبير ( عزيز بك ) وهي تقول : وهذا الذي كنت أنتظرهُ .. فريدة تُقّبل يده وعزيز بك يًقبل جبينها .. مع وصولهم إلى بيت عزيز بك الواسع علت الهلاهل .. فقامت النساء بتزين غرفة فريدة ( القفص الذهبي ) لقد أعتدن لغرفتها كرسيين مدهشين نسيمة خانم تُجلسها على كرسّيها بالهلاهل .. عائشة خانم تُزينها والهلاهل مستمرة .. صديقاتها يُزينّ سريرها الكبير بشراشف من الحرير الخالص .. ثم بدأن بالخروج .. ثم خرجت بسيمة خانم ( والدة كامران ) ومعها عائشة خانم ( خالة فريدة وكامران ) .. فبدأتا بالبكاء .. لقد تذكرتا المرحومة ( كوزيدة خانم ) والدة فريدة ... أخيراً خرجت (كنتها) لتخلو فريدة في غرفتها والآن الدور لعزيز بك .. فريدة جالسة على كرسيها وراء حجاب .. وعزيز بك قُرب الباب .. يقول لها : والآن سأقوم بتلقينك عقدة النكاح . سأقرأها عليكِ وما أقرأها أنا ترددينها بعدي ..
(( قبلتُ نكاحي من كامران بزواجي له شرعياً .. بمهر معجل قدره كذا ليرات .. ومهر مؤجل بضعفها ) .. لقد كان عالم الدين حاضراً كذلك .. فبدأ يدعو لهما متضرعاً إلى الله .. ( أدعو الله تعالى أن يُبارك هذا الزواج لكما بالرفاه في الحياة مع عمر مديد بالخير والسعادة .. اللهم وهب لهما أولاداً من الصالحين ) والحاضرون يردّدون .. آمين .. آمين.. بيت عزيز بك الواسع يعُج بكثرة الحاضرين والحاضرات لقد ذُبحت الذبائح .. هناك طباخان ماهران يشرفان على طبخ الطعام .. وفي قدور كبيرة لقد أختلا الآن حبيبان طال أنتظارهما لهذا اليوم كامران يتيمنُ في الدخول قائلاً بسم الله الرحمن الرحيم حاولت فريدة أن تقوم لكنها إرتبكت قليلاً وكامران يحتضنها .. يغمرها بالقبلات .. يقول لها .. أنتِ أحلى من ( سكر قند ) تدبُ الحياة في دمها الهائج فتعانق حبيبها .. تحس فريدة أنها وبعد ظمأ شديد ترتوي الآن من ماء رقراقٍ كالزلال .. من فرط فرحتها تضرب الأرض لقد بدأ العتاب فريدة : أنتَ السبب فيما حصل كامران وكامران : بل أنتِ السبب .. كل منهما يلقى اللوم على الآخر بعد ثوان قليلة يبدأ العناق من جديد أثناء هذا العناق كانا يسمعان ومِن غُصن قريب تغريدة لا تستكين .
رشاد نوري بكك المشهور بـ (كالشمس)
من أشهر مؤلفاته
(طائر الأدغال سنة 1922)
اليد المجهولة 1924.
من اللسان إلى القلب 1925.
الطاحونة 1944.
شمس الأصيل 1926.
المعاناة 1944.
(وضع مناهج دراسية للتلاميذ بعد ترجمتها
من الفرنسية إلى التركية )
وله عدة قصص رومانسية مترجمة إلى التركية