الفصل الأول
ذات صيف..
كان العالم يمور بالفرح والطفولة، وكانت قريتنا المعزولة عن العالم مغروسة في قعر واد تحيطه جبال هرمة خضراء، وكان الناس يشرقون بالدمع، يحسّون مرارة سوداء تترسب في أعماقهم تاركة جراحاً لا تراها العيون وهم ينظرون إلى أكوام صغيرة من القمح الضامر تتناثر على بيدر القرية، ولا شيء غير مدى أزرق توشّحه غيمات هلامية التكوين، تسبح تحت قبّة نحاسية زرقاء أصبحت أبخل من أن تجود ببعض المطر.
في زمان ما، أيام الخصب والأساطير، تعوّد سكان القرية أن يقيموا حلقات الرقص وينشدوا الأغاني العذبة حول تلال كبيرة من القمح الأشقر الممتلئ، في زمان السحر ذاك، كانت القرية أفراحاً لا تنتهي، أغنيات تشرق من الحناجر أحلى من شمس نيسان، وصبايا يمرحن على الدروب كفراشات الربيع...
هذا العام، ومن خلال وقفة ذليلة، شعروا بالخوف من السماء التي حبست ماءها عن الأرض، فأجدبت السهول، ويبست الكروم، وأينع الذعر في العيون... ولم يجنِ أحد من الطعام السنوي غير هذه الكومات القميئة من قمح ضامر مفروش على أوساخ الأرض... هذه الكومات كانت تشع صمتاً دبقاً التصق بالرؤوس المخثّرة بالجدب، والتي أحالها تصلب القبة الزرقاء إلى جماجم مجوّفة ترنّ في فراغها أصداء مقهورة.
كان من الصعب في عام الجدب هذا، أن يصدق أحد أن شيئاً لطيفاً في العالم سيحدث غير تلك الموجات الرقيقة من نسيم رطب يهب على الوجوه، حاملاً عن سطح النهر الصغير برودة تنعش أعصاباً واجمة أمام الحصاد البخيل.
إن شيئاً كالكابوس يضغط الرؤوس والقامات المحملقة بالقمح، ولم يستطع أحد أن يتخلّص من وطأته غير امرأة عجوز ذات شعر بني ووجه مُجَعّد حفرته الأيام بشكل مقرف... لاكت كلمات تستفز بها الرجال الواجمين:
ـ ألم أقل لكم الفجور دخل القرية؟! أرسلتم أولادكم إلى المدينة ليتعلموا, فعادوا كفاراً لا يؤمنون بشيء. هذا غضب الله. لم تحصدوا شيئاً، من أين سنأكل أيها الأكارم؟.
عاد الصمت الممزوج بالعفونة البشرية يلف الرؤوس المصلوبة في الخواء دون إيماءة أو حركة، غير أصابع الرجال المعروقة التي ترتفع بين حين وآخر لتعبث بلحى أصحابها والتي لم تحلق منذ شهور.
أحسست برغبة عارمة في الضحك، بينما كان الجميع يهزون رؤوسهم مؤكدين، بقدرية تافهة، الأحكام التي تلطفت بها تلك المأفونة (منذ سنوات أوصل العلم رجالاً إلى القمر).
كان "أحمد" يقف إلى جانبي يجترّ حيرته فقلت لـه بتأفف:
ـ إذا لم تمطر السماء فذلك عائد إلى أمور مناخية وطبيعية بحتة.
التفت "أحمد" حوله بسرعة ثم همهم ضجراً وهمس بخوف:
ـ ألا تستطيع السكوت قليلاً؟ كانت العجوز تنظر إلينا عندما ألقت خطبتها عن الفجور. لو سمعك أحدهم لما انتهى يومنا على خير.
ـ لا يهمني. يوماً ما سأبصق على وجهها القذر. وجهها هذا برهان أكيد على أن الإنسان مخلوق وضيع.
ضحك "أحمد" ضحكة مخنوقة بترتها صفعة قوية لسعت رقبته وصوت مبحوح ينهره من الخلف:
ـ اسكت يا حمار. الشيخ "عبد الستار" بدأ الدعاء؟
تشنجت أصابعي فجأة...
هذا الرجل الذي لا يملك من الإيمان سوى شعر ذقنه وسبحته السوداء الطويلة، يعتقد أنه يستطيع أن يغير حياتنا بصلاته، وأن يبدل هذا الواقع بتهويمة سحر. وهو يصر دوماً على أن يدخل الله طرفاً مسؤولاً في كل مصيبة تحلّ بنا... أحياناً تنقط الأصابع شهوات عجيبة!!
وكانت تسيل من أصابعي المتشنجة رغبة عارمة بخنقه... لكنني لم أجرؤ على التطلّع إليه، بل ابتلعت رقبتي تلقائياً خوفاً من صفعة أخرى تصيبني أنا هذه المرة.
تفرّق أهل القرية تاركين كومات القمح تتخمّر بدعاء الشيخ وابتهالاته ومضوا منكسي الرؤوس وثيابهم الطويلة تزحف وراءهم تكنس الأرض الغبراء.
مشيت بهدوء، ومعي "أحمد" ثم ارتميت تحت شجرة تين هرمة تنتصب كقدر جائر على طرف البيدر، وضعت يديّ تحت رأسي ورحت أحدق بالأغصان المتشابكة بشكل بشع. هالني أن ألاحظ لأول مرة، أن ثمة أغصاناً صغيرة، نضرة باخضرارها، تحاول الخروج إلى النور، حيث الدنيا بلا حدود، لكنها تصطدم بأغصان هرمة عشش العفن فيها.
الحياة شائكة ومتشابكة...
رغباتنا بدائية ومتشابكة أيضاً. تخرج من جلودنا لترتدّ أحلاماً مائعة لجيل عاجز ومخصي يودّ أن يقلب كل شيء دفعة واحدة من خلال العمل مرة، وهدأة كسلى تكللها الأحلام العظيمة مرة أخرى. كان (أنور) يستلقي إلى جانبي بشكل أبله!!
لماذا كُتب علينا أن نحلم دوماً بالحياة وغيرنا يحيا الحياة؟
لماذا نبقى وحدنا في قعر العالم؟ حياتنا محددة بأطر مرسومة منذ الأزل، منذ أن كان الإنسان عارياً في مغاور الصخر؟!
جاءني صوت "أحمد" الذي ارتمى موهناً إلى جانبي يعلك حيرته ولوعته:
ـ سأسافر من هذه القرية. هذا قرار أخير. لا أعرف أين أذهب لكنني لم أعد أطيق شيئاً؟ هرَش أنور رأسه، ثم خلع حذاءه ووضعه تحت رأسه، وتثاءب وهو يلوك كلماته:
ـ عندما يبيع والدي إحدى بقراتنا سأسرق ثمنها وأسافر من هذه القرية بلا عودة. تفوه، من يتصور حياتي مرهونة ببقرة؟!
سكت قليلاً ثم التفت إليّ وسأل:
ـ هل تسافر معنا؟
كانت عيناي تتعلقان بأغصان التينة المتشابكة التي تحمل وريقات صفراء ميتة. لو نزل المطر لما اعتراها هذا الشحوب. المطر؟ لم يعد لدى السماء ما تعطيه والعالم فقير فقراً مراً. أين نذهب؟
التفتُّ إليهما. كانا ينتظران جوابي وفي عينيهما لهفة تافهة، وبعض التعب الذي مدّ عروقه الحمراء على أحداقٍ كانت ذات يوم بيضاء كالنقاء.
لم أجد ما أقوله. فأدرت ظهري ثم انكفأت على وجهي لعلّي أنام، لعلّي أنسى عقلي عدّة ساعات، لكن "أنور" لم يتركني وشأني، فعاد يسألني من جديد بلهجته الباردة الممطوطة:
ـ هل تسافر معنا؟
قلت بضجر حقيقي بينما كان وجهي يلامس تراب الأرض الناعم:
ـ لست أدري. كل الأمكنة متشابهة. العالم مكان مرير والحياة معاناة لا تحتمل. أنا لا أرغب بشيء. أتمنى أن أموت بسرعة ودون عذاب.
لفّنا صمت وذهول. لماذا قلتُ هذا؟
كنت أشعر في أعماقي أنني أكذب. طوال حياتي لم أختر شيئاً ولم أقرر شيئاً، وأنا الآن أهرب من الاختيار... لم أكن حراً وكل ثرثراتي تذهب هباء، أصحيح أنني أتمنى الموت؟
أبداً، لو كنت أملك مشيئة حرّة، لو تجرأت على الاختيار لما ترددت لحظة باختيار الحياة، هناك عدد صغير من الناس أحبهم وكثيرون أحتقرهم، وأتمنى بكل نجيعتي أن أبقى أطول مدة أستطيعها، ربّما لأنني أحاول أن أحب!! أبداً. ربما لأن عليّ واجبات يجب أن أؤديها لهم؟!... هذا كذب رخيص... عمري لم أفعل شيئاً طيباً من أجل إنسان لو خيرت لاخترت ولأصبحت الحياة ساحرة. هذا مهم للغاية.. أن أختار الحياة!