الفصل الرابع
الشمس تتوسط القبة الزرقاء، والأرض مسرح مفتوح لحر قاتل يمرح في كل مكان كأنه نسيم عذب...
كنا نجلس فوق بساط ربيعي من الحشائش الخضراء بالقرب من بيتنا المسيّج بأشجار التوت والحور والليمون (لماذا لا تنمو في أرضناً أبداً أشجار الكرز؟ مرة زرع والدي واحدة لم تلبث أن يبست. حفر بئراً فسقط فيه ابن عمتي ومات. ردم البئر وزرع فوقه شجرة كرز لم تلبث أن أينعت وأورقت. لقد كبرت اللعينة لأنها تتغذى من الدم.
كان والدي على غير عادته ينظر إليّ كثيراً وأنا في شرودي الدائم. كنت أسترق النظر إليه بين حين وآخر فألمح في عينيه شيئاً خفياً. شيئاً يشبه الفرحة تنضح بها عيناه، بيد أنني لم أسأله شيئاً. أنا لا أسأل أبداً وليس ثمة جواب لأي سؤال.
فجأة أشعل لفافته ثم أسند ظهره إلى جذع شجرة توت وقال بهدوء بينما كانت سبابته تعبث برماد اللفافة:
ـ لقد قررت أن أزوجك!
تطلعت إلى أخي "عدنان" الذي كان يمضغ شيئاً ما في فمه، وتطلّع إليّ بدوره. ثم استمر الصمت اللزج فترة قطعه والدي بقوله عندما نظر إليّ مبتسماً:
ـ لقد أخبرني سائق السيارة أمس أنه قرأ اسمك بين الناجحين في الشهادة منشوراً في الجريدة. أنت الآن تحمل شهادة تخوّلك الدخول إلى ميدان العمل.
أوشكت أن أقول لـه إن هذه الشهادة لم تعد تساوي قيمة الورق الذي تكتب عليه، عندما تابع حديثه:
ـ لا أستطيع أن أعلّمك أكثر من ذلك. إن من حق إخوتك أن يتعلموا أيضاً.
سكت قليلاً ريثما أعاد إشعال لفافته التي انطفأت "والدي يدخن دخاناً رديئاً للغاية ولفافته تنطفئ أكثر من عشر مرات قبل أن يلقي بها" ثم تابع بلهجة الواعظ:
ـ أنا أعلم أنك ستبحث قريباً عن وظيفة لك، وستترك البيت. لكني لا أريد أن تعود إلى المدينة إلا بصحبة زوجة تنظم حياتك.
بقيتُ أنظر إلى والدي دون أن أستمع إليه. كان يتحدث عن حياتي ومستقبلي وأهوائي كأنّها لفافة من لفائفه، تنطفئ فيشعلها، وإذا ملّ منها ألقاها على الأرض.
فجأة خطر ببالي سؤال فقلت أقاطعه دون أن أدري شيئاً عمّا يقوله:
ـ أتكون قد اخترت لي ودون علمي زوجة؟
فغمز بعينه وهو يقول لي:
ـ أجل "عزيزة" هذه فتاة شريفة وهي تحبك، كما أنها تستطيع القيام بأعباء البيت خير قيام. لقد تحدثت مع والدها ووافق على الطلب وهو لا يريد منا "مهراً" ولا يريد أكثر من بيت بسيط لابنته.
شعرت بمرارة مقرفة تملأ فمي. هذه مهزلة لا أعرف كيف أجد منفذاً ضيقاً أعبر منه لأتخلّص منها. تمنيت أن أبصق. راحت يدي على غير هدى تشدّ حشائش الأرض وتقطعها. أغرس إصبعي في التراب الرطب وأحاول أن ألحق بها وأتوارى مثلها في باطن الأرض.
لم أجد ما أقوله. أحسست أن ثمة أشياء تبلغ حداً من الحقارة بحيث أن أرخص الكلمات تظل أسمى منها. أريد أن يتركني العالم وشأني بدءاً من هذه اللحظة، لكن أمي ضحكت فجأة وقررت بهدوء:
ـ لم يقل شيئاً. سكوته دليل على موافقته. ألم أقل لك إنه يحب "عزيزة"؟ لقد رأيته يقبلها مرّة في الغرفة الصغيرة، الملعون!
سعل أخي "عدنان" فجأة ثم ضحك ضحكة خبيثة، بينما كان في داخلي شيء يوشك أن ينفجر. في تلك اللحظة أحسست أنني طفل يتمنى أشياء كثيرة. أتمنى أن أتقيأ، لعلّي أبصق عن حواسي هذه الثرثرة التي نخرت عظامي. لكن والدي لم يلاحظ أي شيء على وجهي فتابع حديثه في الوقت الذي كنت فيه على وشك أن أنفجر بسيل عارم من الشتائم:
ـ أنت تلاحظ أنني أحاول أن أساعدك على بناء حياتك. الزواج دعامة الحياة ووسيلة استمرار سعيدة للإنسان، والبيت الهادئ والزوجة الوفية هما كل شيء في الدنيا، أجل كل شيء. لا تكن مغروراً بشهادتك، الشهادات اليوم لا قيمة لها، إن صاحب الدكان في القرية دخله أكثر من دخل أي أستاذ.
سكتَ قليلاً ثم سرتْ على شفتيه نوبة من النصائح:
ـ أتساءل الآن ماذا ستفعل في المستقبل؟ ستصبح موظفاً. هه؟ الموظف يتحايل على الحياة وهو وراء مكتبه. أؤكد لك أن الموظفين عالة على الحياة وعلى المجتمع، إن حضراتهم بكل بساطة ليسوا رجالاً، الرجل الحقيقي هو الذي يعمل في تراب الأرض يستيقظ في ساعات الفجر الأولى ويبدأ العمل حتى يطعم كسالى المدينة الذين يتثاءبون ساعات في أسرّتهم قبل أن ينهضوا منها ظهراً ثم يذهبون لحشو بطونهم.
عندما سكتَ والدي من جديد، مدّ يده إلى إبريق الماء وجرع منه جرعة كبيرة لم يلبث بعدها أن تجشأ وقال" الحمد لله رب العالمين" ثم التفت إليّ وتابع كأنّ هدوئي قد أعجبه:
ـ يجب أن لا تنسى أنني حرمت أخوتك من أشياء كثيرة حتى تكمل دراستك (تذكرت أنه قال شيئاً من هذا القبيل منذ لحظات) لكنّ الدراسة والشهادة لا علاقة لهما بالمستقبل... عندما تتزوج "عزيزة" ستعيش مع إنسانة متواضعة ليس لها متطلبات وبذلك توفر على نفسك الكثير من الهموم اليومية (اشتريت لناديا مرّة بثمن طعامي الشهري كله ملابس داخلية وقد شكرتني لذلك لكنها قالت إن ذوقي في الاختيار لم يكن موفقاً، لم يكن هذا مهماً. أتساءل كيف تدبرت مصاريف الشهر كلّه؟).... إن بنات المدينة، بشرفي، لا يصلحن إلا للعرض والزينة، إنهنّ لعب أنيقة وجميلة ولا ينفعنّ إلا للثرثرة والنقاش الفارغ، والطلبات التي لا تنتهي الواحدة منهنّ تمضي ساعتين كل يوم للاعتناء بأظافرها، بف، أنت تعرف ذلك دون شك.
"ناديا وسميرة ونجاح وميساء... حقاً كنّ جميعاً علباً للدفء والشبق و...".
ـ أصبحت المدينة خالية من أية امرأة حقيقية، الملعونات يبحثن دائماً عن الرجل الذي يدفع لآبائهنّ أكثر، لا يغرنّك جمالهن، الجمال المصطنع يذهب بسرعة، وأدوات التجميل تفعل العجب بوجوههنّ. اسألني أنا، لقد خدمت في الجيش الفرنسي أيام الحرب العالمية الثانية وعرفت كثيرات منهن، الواحدة منهن في النهار مثل القمر، وعندما يحين المساء تبارك اسم الله، تغسل وجهها فيزول الطلاء ويزول السحر. تعرفت في بيروت على فتاة إيطالية كانت تعمل ممرضة...
تطلّعت إليه أمي فجأة وفي عينيها وهج غريب. أوشك أن يعترف أمامها لأول مرّة بسر من أسرار حياته لم تكن قد عرفته من قبل. لكنه تراجع عن البوح به، فتابع يقول:
ـ دعنا من هذا الآن. أنت وعزيزة ستنجبان أولاداً رائعين، وتعلمّان الأولاد كيف يحبّون الأرض ويعملون فيها.
يبدو أن محاضرته قد انتهت، فتجشأ مرة أخرى واستغفر الله، ثم قرر بهدوء:
ـ هذا في النهاية شيء رائع. يجب أن تعتني بحياتك جيداً.
قهقهت أمي بحبور طفولي وسألت:
ـ ماذا تريد أجمل من هذا؟
قلت بشرود وأنا أرقب ذروة شجرة الحور الباسقة:
ـ أريد أن أموت.
سقط الصحن من يد أختي "آمال" التي كانت تنظف الصحون تحت شجرة التين الكبيرة، ووضعت أمي يدها على فمها لتمنع شهقة رعب أوشكت أن تفلت منها، ثم انسابت دموعها على خديها "لا أعرف كيف تستطيع أمي أن تبكي بهذه السهولة" ثم قالت بمرارة:
ـ لماذا لا تتحدث إلا عن الموت؟
أجبت سئماً:
ـ لأنه الشيء الوحيد الذي أريده.
ردّت أمي محتدّة:
ـ نريد أن نزوجك لنفرح بك وتكون سعيداً كبقية عباد الله وتقابل أنت هذا كلّه بالحديث عن الموت؟
تطلعتُ إلى أمي وأكدتُ بإخلاص حقيقي:
ـ لا أريد أن أتزوج!
صرخ والدي وهو يضرب الأرض الحشيشية بقبضة يده الخشنة:
ـ ما هذا يا وَلد؟ هذه رغبتي ويجب أن تتزوج!
ـ عندما يحين الوقت لذلك سأختار بنفسي.
ـ أنا أختار "عزيزة".
ـ لماذا لا تتزوجها أنت إذن؟
رفع قدمه فجأة وركلني بها ركلة عنيفة ألقتني بعيداً عنه، ثم قال وشيء كالوهج الأحمر ينبعث من عينيه:
ـ كلب. اذهب من هنا حالاً ولا تعُد إلى بيتي أبداً.
بيته؟
تطلعت إليه ببرود، بعد أن نهضت عن الأرض ونفضت عن ثيابي بعض الحشائش العالقة بها، ولأول مرة أدركت عمق الهوة التي تقف بيننا، وأي عقم تنطوي عليه علاقتنا.
أدرت ظهري وسرت مُطرق الرأس، مخلّفاً ورائي شهقات أمي، وعويل أختي، وضجر أخي الحقيقي... حتى وصلت شجرة التين، حيث كان "أحمد" و"أنور" يرقدان في ظلّها بكسلهما الدبق. ارتميت على التراب الناعم قربهما دون أن أقول شيئاً... ورحت أحدق بالأغصان المتشابكة.
إن أحداً لا يعرف لماذا تظلّ هكذا.. كلّ غصن يلقي على الآخر أثقاله بينما الفضاء الرحب يتسع للأغصان كلها؟ لماذا لا يمضي كلّ غصن إلى طريق يشمخ منه نحو العلاء؟
قال "أحمد" مبدداً شرودي:
ـ لقد ظهرت نتائج الشهادة يوم أمس وقد نجحنا.
توقّف "أحمد" قليلاً. ثم تابع بحسرة:
لم أجد إنساناً يهنئني ولم أشعر بلذة الفوز.
قال أنور ببرود مبتعداً عن حديث "أحمد".
ـ لقد باع أبي أول أمس البقرة. هذا المساء سأسرق ثمنها وأسافر بلا عودة. أخيراً تحررت حياتي بواسطة بهيمة، تفوه!
وعاد الصمت من جديد.
أوشكت أن أغمض عينيّ ضجراً، عندما سرت نوبة من الفلسفة على شفاههما. قال "أحمد":
ـ حياتنا هنا باتت مستحيلة. نحن نحسّ نوعاً من التفوّق تجاه الناس. يجب أن نرحل. لم يعد ثمّة تكافؤ... نحن ندعوهم للحياة وهم يسيرون في جنازتهم.
قال "أنور".
ـ يجب أن نرحل، أشعر بالاختناق، هذه القرية حدودها أضيق من أن تتسع لنا، لن أبقى حتى لا أبيع عمري إلى بهائم. هذا القطيع البشري لا أمتّ إليه بصلة، لم أُخيّر يوم ولدت، لكنني سأختار مكان حياتي... وسوف أحيا في طقوس احتفالية بعيدة عن هذا الإفك.
سكت "أنور" قليلاً ريثما تمخط ومسح أنفه بيده ثم قال ساخراً:
ـ كنت أتحدث منذ قليل عن الاختيار. أنا مخلوق كالبغل. ليس ثمة اختيار. كل مكان يبعث على الضجر. صحيح أن الحياة قاسية، لكنني أكره الموت لأنه يعني انتهائي وإلغاء دوري.
ـ قهقه فجأة وتابع:
ـ دوري؟ أنا أنهق كالحمار. أي دور هذا؟ تفوه... ليكن، لا أريد أن أموت. الموت يوقف الاستمرار، وأنا أريد أن أستمر دون أن أعرف السبب.
ردّ "أحمد" بألم:
ـ مأساتنا، أننا لا نستطيع أن نحدد مشاكلنا لعلّنا نرى حدود هذا العالم الذي يسحقنا. سنهرب وأنا أحب ذلك حباً جماً، لكنني أعرف أنني، في أي مكان، سأعيش حياتي معاناة رهيبة.
ـ من يدري قد نقول غداً عن حياتنا هنا، أنها كانت مغامرة أو إنها أسطورة، قد نموت في مكان مجهول لا نجد حفرة نُوارى فيها، وقد لا نجد كفناً يلفّ جثثنا. لكني لا أبالي. عندما أموت فهذا يعني انتهاء كل شيء، إنه توقف الحياة بالنسبة لي على الأقل.
ـ يجب أن نختار الحياة التي نريدها والمكان الذي نموت فيه. هذا هو نصرنا الوحيد "المحاولة" وسأبيع كلّ شيء من أجل هذه المحاولة.
أحسست بالضيق. هذه الثرثرة تثقب رأسي. لابدّ أن شيئاً عفناً يعشش في رأسيهما. لماذا لا يسكتان؟
لاحظ "أحمد" شيئاً من الامتعاض على وجهي فسأل:
ـ ما بك؟
أجبت بلا مبالاة:
ـ أنتما تثرثران بكلمات تتجاوز وجودنا. تتحدثان عن الاختيار وليس ثمة اختيار، أنا أكره القرية أيضاً، وأكره كل مكان، لكن الرحيل لا يعني شيئاً، يجب أن نخرج من أنفسنا أولاً وإلا فإن ثمّة لعنة ستظل إلى الأبد وراءنا.
بصق "أحمد" على الأرض وأعلن:
ـ أنت جبان.
تطلّعت إليه ثم ابتسمت غير مكترث، إني لا ألومه، يريد أن يجتر شيئاً ينسيه حيرته... أدرت وجهي محاولاً إنهاء هذا الجدل. لكن "أنور" عاد يعبث بكلمات كبيرة:
ـ هذا المكان معزول عن العالم بشكل كريه، ونحن معزولون عن كل ما هو حي، من أجل هذا نرى أنفسنا بلا قضية واضحة وأن الحياة مسرحية جميلة تُمثل في مكان ما. نجهل كل شيء عن المسرحية وأشخاصها، وزمانها ومكانها، ولا نرى من المسرح إلا ظلال الأنوار البعيدة.
سكت "أنور" من جديد ثم عاد ينبر بصوته وهو ينظر إليّ:
ـ صحيح أن الرحيل لا يعني شيئاً، لكن البقاء هنا لا يعني شيئاً أيضاً. على الأقل نحن نملك القدرة على الرحيل. إن الآخرين هنا قبضة هوجاء تمسك رقابنا ونحن نوشك أن نختنق... ألا تحس هذا؟
وقف عصفور مزوق على أحد أغصان شجرة التين لحظة ثم طار محلّقاً في الفضاء... راحت عيناي ترقبانه بذهول. هذا العصفور حر بشكل مطلق. إنه لا يفكر. لاشك أنه سعيد ولا يوجد شيء يشدّه إلى الأرض أو السماء. لماذا لم أُخلَق عصفوراً؟
انتزعني "أحمد" بقسوة من أحلامي عندما سألني بغتة:
ـ ما الذي يشغلك عنّا الآن؟
أجبت كاذباً وأنا أحس غماً يخنقني:
ـ والدي يريد أن يزوجني "عزيزة".
انفجر "أنور" ضاحكاً بخلاعة ثم قال مؤنّباً:
ـ قلت لك أكثر من مرة أن تبعد هذه المسطولة عن بيتكم, لكنك كنت تبحث عن حقل لتجاربك النسائية. انظر أي مأزق أوقعت نفسك به. ما الذي ستفعله الآن؟
ـ لست أدري. لقد منعني والدي من العودة إلى البيت.
ـ أنت سعيد الحظ بذلك. ولكن ماذا ستفعل؟
ـ لست أدري.
ـ هل تذهب معنا؟
ـ لست أدري.
ـ يبدو أنك تريد الزواج من "عزيزة".
ـ يبدو أنك حمار حقيقي.
انفجر "أنور" ضجراً:
ـ ماذا تريد إذن؟ تكره القرية وتكره الناس، وتكره الابتعاد أيضاً، ما الذي يدور في رأسك؟
ـ إن الهرب من هنا ليس طريقة مجدية.
صلبني "أنور" بين عينيه ثم سألني متحدّياً:
ـ ألا تحاول أن تحدد مرّة مكانك في هذا العالم. هل تعرف ماذا تريد؟
نظرت إلى بيتنا. كان أهلي يتكومون حوله كيانات كسولة تعيش منسية من العالم، يقتلها التواضع، وهي، ككل الناس هنا، حسبها أن تجد لقمتها السوداء ولو كانت معفّرة بالتراب، ثم تنام مع كل غروب، لا تعذبها أحلامها، وليس لها أية تطلعات.
إن جميع الانقلابات السياسية لم تصل حدود هذه القرية بعد. وكل القنابل الذرية المكدسة في العالم لا تعنيها، عندما مات "جيفارا" ظنّوا أنه راع كان يسرق بساتين بوليفيا، وفي "حزيران" لم يفكروا كثيراً بما حلّ، قالوا إن الساعة اقتربت... ولم يفهموا أن هذه الأمة مهدّدة بالانقراض... ما الذي يحدث في هذا العالم. لماذا لا تزورنا الشمس مرّة؟
الشمس؟؟ إن الشمس تملأ سهولنا وتزين تلالنا ولكن هذه الشمس باهتة لا تدفئ أحداً. إنها (الجوع يرضي الأسود بالجيف) هذه حقيقة. وارتج شيء في داخلي.
عاد أنور يطنّ من جديد في رأسي:
ـ ماذا تريد إذن؟
تمنيت أن أبكي أن أذرف دمعة واحدة تحمل صدى هذه اللوعة فلم أستطع. حتى الدموع تصبح حلماً قصياً عندما أحتاجها.
كان "أنور" ما يزال يحدّق بي، ولم يكن لدي ما أقوله فقررت بهدوء:
ـ أريد أشياء كثيرة لا أعرفها. وأحسّ أيضاً أنني لا أريد شيئاً من كل ما أعرفه، بيدَ أني أتمنى أن أموت بسرعة ودون عذاب.
وخيّم صمت دبق.
نحن في القرية أكذوبة لا شيء يؤكدها غير الموت. الموت فقط يؤكد أننا كنا أحياء يجب أن تمحى هذه الأكذوبة.. من يجرؤ؟
حطّ عصفور على غصن شجرة التين. نام "أحمد" بهدوء كطفل سمين ظلّ ساعة يرضع من صدر أمه. اتّكأ "أنور" بمرفقه على الأرض وراح يصفّر لحناً عذباً، لم يلبث أن راح يغنيه:
"انت وأنا، عم يسألونا كيف، منضل شو بيحلالنا نغني
أيام م بيلتقى عنا رغيف، ومنعيش ب أطيب من الجني".
تمنيت ألا يسكت "أنور" أبداً. في تلك اللحظة كنت أبيع عمري من أجل الكلمة الحلوة من أجل أي شيء يقلعني من جذوري، لكن "أنور" سكت فجأة كما بدأ فجأة، ثم مضى باتجاه "مرج القطن" راكضاً بأقصى سرعة يستطيعها، وتذكرت فوراً ما قاله لي مرة "عندما أشعر أنني ممزق من الداخل، وأن هذا اللعين، قلبي، يوشك أن يقفز من صدري ضجراً، لا أجد طريقة إلا أن أركض، وأركض بكل طاقتي البشرية، حتى أرتمي كالبهيمة الميتة، بلا حراك، عندها فقط أرتاح ولا أفكر".
من بعيد كانت ثمّة باخرة تجأر بصوتها مودعة الميناء وهي في طريقها إلى جزيرة من جزر النسيان، حيث أشجار الموز، والحر الدبق، وأطواق الزهور على صدور النساء العاريات، ليتني كنت بحاراً أنام كل ليلة على رصيف ميناء.
ليتني أسبح عارياً في بحار الجنوب الحارّة مع سمراء، غجرية الشعر، سوداء العينين، تلثغ شفتاها بكلمات لا أفهمها، من الذي اخترع الكلام؟ لقد أوصل الإنسان إلى المعرفة والمعرفة أفسدت كل شيء حتى البراءة.
العالم كهل لم يعش شبابه أبداً، أودّ أن أعيش شباب العالم.