(٢)

9 0 00

(٢)

■■ مدد يا حلفاوى.. مدد

كانت الشمس تنحدر نحو الغروب وبدأ صهدها ينحسر، فتشجعت عسكرية، وصعدت إلى سطح السراية لتلم الغسيل. كان بطنها فوق مناخيرها، وكان رفس الجنين فى ذلك اليوم ينذر باقتراب موعد نزوله، إذ كان أشد ضراوة وإلحاحاً من ذى قبل.

لمت عسكرية جزءاً من الغسيل ثم اشتد طلقها، فتركت بقيته لنواعم العبدة وانصرفت قبل أن تضع المولود على السطح. الغسيل على ذراعها وكتفها، وآلام الطلق تتزايد.. لكنها عاندت وواصلت نزولها. بعد أربعة سلالم ثقل عليها جسمها. ندهت على نواعم فلم تسمع، ففرشت الغسيل على بسطة السلم وتسولت مدداً من الحلفاوى وحزقت. مكنت يدها من طرف سيخ حديد يبرز من خرسانة السلم ودقرت قدمها فى الدرابزين وحزقت. فتلت بشكيراً وأطبقت عليه فكيها وعضت وحزقت.

صفت دماغها وكتمت نَفَسَها وعصرت جسمها وعضت ثم حزقت مرة واحدة وغابت عن الوعى فراحت الصور تتلاحق: محمد عبدالوهاب، بوجهه المستدير كالرغيف، وعينيه الرائقتين، وطربوشه المحندق، وبدلته الأنيقة، يناجى فتاة ذات شعر مجعد ورموش طويلة: «القمر يا محلا نوره». حلزونات عملاقة تسير بالكهرباء. فساتين فاضحة وأخرى مقموطة على مفاتن مانيكانات شملا وشيكوريل. بنات وشبان تعانقت أياديهم فى حديقة أسماك الزمالك. فسحة الحنطور بين العصر والمغرب على كورنيش النيل. وقفة عمها حسن بك السيوفى ساعة كاملة أمام المرآة وهو يفتل شاربه. روائح البخور وسبح المجاذيب الطويلة وشباك سيدنا الحسين..

عندما أفاقت كانت على سريرها والمولود إلى جوارها فى طول قالبى طوب وقد راح فى سبات عميق. ندهت على نواعم بصوت مهدود فلم ترد.. كانت قد سبقت الجميع وذهبت إلى المندرة لتزف الخبر إلى سيديها همام والعمدة، هرول همام إلى السراية ونواعم فى عقبيه. اقتحم الغرفة، فوجد عسكرية مسنودة على سور السرير والمولود منكب على ثديها. أطلقت نواعم زغرودة مدوية وهتفت:

■■ ولد يا سيدى.. ولد.

حط همام مقعداً أمام دولاب الهدوم وصعد ومد يده إلى سطح الدولاب وسحب البندقية وهرول إلى سطح السراية وأطلق وابلاً من الرصاص. انقبض قلب عبدالواسع ولف المغزل وصرة الصوف فى قطعة خيش، وضعها فى طاقة صغيرة فى جدار المجاز، وسحب الزقلة من وراء البوابة وخرج قرفاناً لا يلوى على شىء.

كانت فاخرة مقرفصة تحت الجاموسة، تعصر حلماتها الأربع التى تشبه قرون الويكة الشائخة واحدة تلو الأخرى، لتحننها. ورغم أن القرفصة تلهب ركبتى فاخرة بسبب آلام الروماتيزم فإنها مجبرة، لأن الجاموسة لا تسمح لمخلوق آخر أن يلمس ضرعها. وعندما انتهت من الحلب سندت ركوة اللبن بهدوء على كانون مطفأ، ثم ملأت سطلاً صغيراً وطلبت من سمانى أن يوصله إلى هضبة، لأن جاموستها غرزت، أى لم تعد تدر لبناً، إذ كانت فى شهور عشرها الأخيرة، وابنها عبدالطاهر يسب لها الدين على الصبح ويجرسها إذا لم يفطر طبيخ بياض:

■■ خلى مخيمر يوديه.. أنا لا فيا مخ لهضبة ولا لحكاويكم الفاضية.

ردت فاخرة وهى تربط خرقة القماش حول فوهة السطل:

■■ مخيمر هايزقى وبايت فى الغيط. وابوك زى ما شفت.. سمع ضرب النار اتعفرت وطلع يجرى.. وحانز نامت.

ثم وضعت السطل إلى جواره وقالت مؤنبة:

■■ انت يا ولدى ما ليكش عازة. من يوم ما جيت من اسكندرية وانت لا سارحة ولا مروحة!.

كان سمانى قد قضى آخر سنة من خدمته العسكرية فى معسكر قرب العلمين، وخلال هذه الفترة لم يستطع أن يسافر إلى الربوة بسبب ظروف الحرب، إذ كان السفر يحتاج إلى يومين ذهاباً وإياباً، والإجازة لا تتجاوز اثنتين وسبعين ساعة فى أحسن الأحوال، وهكذا أصبح سمانى ضيفاً دائماً على صديقه السكندرى وزميله فى المعسكر إبراهيم توفيق. وبفضل إبراهيم وقع سمانى فى هوى الإسكندرية: بحرها، وبناتها، ومقاهيها، ومطاعمها، وجفصت نفسيته من الربوة، حتى إنه تلقى خبر انتهاء مدة خدمته بخليط من المشاعر الغامضة: فرحة الرجوع، ومرارة الفراق، والخوف من الأيام القادمة.

عندما عاد سمانى إلى الربوة بدا كل شىء غريباً فى عينيه. الوقت بطىء.. بل ميت، والحياة راكدة، خالية من أى متعة. لا بحر ولا مقهى. لا أصدقاء ولا مغامرات ولا بنات يعمن على وش الأرض كالسمك الصاحى. لا شىء سوى صوت عبدالواسع يتسلل من خارج البوابة:

بقرة وتجرى ورا بو

مكبوس م التبن شايح

وايشحال اللى ما له خو

كب الزرد ع الشرايح

احتاج سمانى إلى وقت طويل ليتخلص من إحساسه الخانق بأن كل الأشياء التى تربى عليها وألفها فى الربوة، لم تعد كما كانت. إحساس بالاغتراب والزهق وعدم القدرة أو الرغبة فى التواصل مع ما حوله ومن حوله.

أكثر من خمسة أشهر منذ أنهى خدمته العسكرية والإسكندرية تخايله. أكثر من خمسة أشهر وهو يحاول استعادة توازنه، ويجتر مغامراته خلال فترة التجنيد، وفى كل مرة يرش على وش الحكاية بعض الفلفل الأحمر: البنت التى رآها شبه عارية على شاطئ البحر فى الحكاية الأولى، راودته عن نفسه وصدها فى الحكاية الأخيرة. الضابط الإنجليزى «جاك» الذى هراه تذنيباً وزحفاً أصبح صديقه، ووعده بزيارة الصعيد بعد انتهاء الحرب ليتعرف على آثار الفراعنة. العيال الذين خطفوا طاقيته الميرى من على رأسه وهو يتمشى على الكورنيش، ترك فى جسم كل منهم عاهة مستديمة.

أطنان من الحكايات الملفقة، كأنما يحاول أن يحتمى بتلك اللحظات الجميلة من التورط مرة أخرى فى هذا العفن: رائحة الكنيف تقرف الكلب الجربان. طعم عيش القيضى كطعم التراب إذا كان بارداً، والمقمر منه شبعان رماد. ماء الزير عادم ودافئ كسليقة قافرة، أى بلا لحمة، ويسرح فى قعره الرترات. فاخرة هدها الهم والمرض، وبركت مثل سقف بوص فى شونة معتمة، بينما أصبحت «هضبة».. اسماً على مسمى، إذ تضخم ثدياها وتقببت مؤخرتها وزحف القشف على ظهرى يديها. وإسماعيل ما زال دهلاً، وزاده حمل الأرض وببور الطحين عفناً ودهولة. والكلب أصابه سعار، وأصبح ينبح لسبب ولغير سبب. والجاموسة تتقلب فى لجة روث قطرها ثلاثة أمتار على الأقل.

سيطر اليأس على سمانى وأدرك أنه يحارب طواحين هواء، فعاد إلى حلمه الجميل.. حلمه الذى هون عليه خمسة أعوام من الضرب على القفا، وتنظيف حمامات القشلاق والزحف على البطن، والعيش أبو رملة، والفول أبو سوس، والوقوف ساعات فى عز الصهد والصقيع. خمسة أعوام قضاها يتخيل ويرسم، وفى كل طلعة شمس يضع فى اللوحة خطاً أو لوناً، ثم يتأمل نفسه من بعيد ويتمتم: «يا سلام يا واد يا سمانى».. حتى اكتملت اللوحة: متعهد توريد خضار إلى معسكرات الجيش. عساكر الجيش وهو سيد العارفين، مستهلك مضمون، يأكل الزلط، والفلوس حاضرة على الدوام.

فى الطريق يتزوج بنتاً من بحرى، من الدلتا أو الإسكندرية. بنتا بيضاء، قوامها طرى كالخروف الطايب وكلامها مايص كالسمنة البلدى. وعندما تصبح الفلوس نهراً تحت قدميه يعود إلى الربوة معززاً، مكرماً، مرفوع الرأس، يهرول فى عقبيه موكب نفاق لا يقل أبهة عن موكب سيدنا. يوزع الحسنات ويبنى لهؤلاء الكلاب جامعاً بقبلتين، حتى إذا تخاصموا لم يعطلوا شرع الله. ثم يرفع بيتاً على الجسر، بيتاً من طابقين أو ثلاثة، ذا بوابة حديدية مخيفة، ومجاز مسفلت، يحرسه كلب شرس مربوط فى رجل دكة ذات فرش وثير وشرفة مقوسة فوق الواجهة وتراس فى الخلف يطل على الزرع ونوافذ مدهونة بأخضر غامق وبنى محروق، ثم يختم حياته بالقاضية: يشترى أرض بيت الدكر وينتزع المشيخة ويدخل البرلمان.

سحب عبدالواسع نسيلة صوف وشبكها فى الخيط اللانهائى، الملفوف حول المغزل، ثم برمه بهدوء وقوة، وانتظر حتى انتهت النسيلة، وقال متهكماً:

■■ على مهلك علينا يا ابو المرحوم!

أخذ سمانى سطل اللبن متضرراً. وفى طريق عودته اشترى باكو معسل، وقصد بيت حسنين النق، حيث اعتاد أن يهدر طرفاً من الليل مع ابنه عبدالعال: يشعلان الجوزة ويتبادلان حديثاً فاتراً ومجانياً عن أحوال البلد. لكن عين سمانى اليسرى فى تلك الليلة ظلت ترف حتى عاد إلى البيت:

■■ نص الليل اتقتل وأبوك لسه ما رجعش من بره!.

قال سمانى هازئاً:

■■ تلقاه حود على فريدة عشان يختِّمها على باقى الببور.. أمال يا بت منازع!. ده بدل ما يبنى له بيت عدل!

تمتمت فاخرة وهى تجرجر قدميها عائدةً إلى غرفتها:

■■ احنا يا حبيبى عملنا اللى قدرنا عليه وراضيين باللى عملناه.. الدور والباقى ع اللى عايز يسكن فى سراية!

نامت فاخرة على شكوكها ونام سمانى على أحلامه الوردية، لكن عبدالواسع لم يعد إلى البيت حتى صباح اليوم التالى. قلبوا عليه البلد، ومشطوا أرض الزمام بالقصبة والشبر.

لم يتركوا بشراً أو حجراً إلا سألوه. لم يتركوا شونة أو حوشاً أو خرابة إلا فتشوها. لم يتركوا نجعاً أو كفراً أو نزلة إلا سألوا أهلها.. لكن عبدالواسع فص ملح وذاب.

لم يكن لدى الغرابلية أى دليل على تورط بيت الدكر فى مسألة اختفاء رجلهم، لكن سمانى حسبها على النحو التالى: إذا كان العمدة اكتفى بحرمان فريدة من دخول السراية عقاباً لها على خطيئتها، فهذا يعنى أنه لن يترك عبدالواسع يفلت بعملته، لذا قرر أن يختبره:

■■ أبويا وين يا عمدة؟

بعد يومين كاملين على اختفائه، استيقظ أهل الشق على مشهد مفزع: جثة تتدلى من قعر الكوبرى الخشب الذى يربط بين سراية بيت الدكر ومندرتهم الكبيرة. وقف وكيل النيابة ومساعده الشاب ورهط من كبارات البلد، يضم سيدنا والعمدة والشيخ محمود فزاع وشيبة الحمد وبنيامين أبو الخير، تحت الكوبرى يتطلعون إلى الجثة. كان الرأس ملفوفاً فى كيس بلاستيك معقود بإحكام حول الرقبة، بينما بقية الجثة عارية تماماً. ولم يكن صعبا على أى طفل فى الشق أن يتعرف على صاحبها، لكن أحداً لم يفهم مغزى قطع العضو الذكرى لعبدالواسع ووضعه فى فمه سوى سيدنا:

■■ مدد يا حلفاوى.. مدد!

لون البعث

الحكاية أن «سلام العُدُر» نفحة من تاريخ أسيوط. وأسيوط فى قاموس جوتييه تعنى «سيوت»، وهو اسم قبطى قريب من الاسم المصرى القديم «سوات». وفى معجم الحضارة المصرية القديمة «وبواوت»، أى «حارس الطريق».

وقد أخطأ علماء الحيوان عندما خلطوا بين «ابن آوى» (الذى ليس له وجود حقيقى فى مصر) وذلك النوع من الكلاب الجائلة المعروف علمياً باسم «كانيس لوباستر»، أى الكلاب الذئبية أو البرية. والأرجح أن الروم أطلقوا على أسيوط «مدينة الذئب» لهذا السبب.

وقد كانت هذه السلالة الأرستقراطية المنبوذة بمثابة الصورة الأرضية لإله أسيوط، أى «حارس الطريق». ولما كان إخوة هذا الحيوان البرى يجولون فى أطراف الهضبة الجافة وفى وادى النيل فقد ساد الاعتقاد بأنه التمثيل الحقيقى لـ«أنوبيس»، أى «ابن آوى».

والثابت فى الميثولوجيا المصرية أن «ابن آوى» هو الإله الجنائزى، محنط الموتى ومرشدهم، أى الذى كان يحمل الأرواح ويسير بها فى الطريق المؤدى إلى الصحراء، وقد ألبسه الفنان القديم، وكذلك بقية الكلاب الجنائزية الأخرى، أثواباً تشبه «الراتينج الأسود» الذى كان يستعمل فى التحنيط.. وهكذا أصبح الأسود لون البعث وليس الحداد.

[٣]

■ ■ يا أنا يا الكلب فى البيت!

لاحظت فاخرة أن علاقة حفيدتها حانز بالكلب غير ودية: يجلس المطشى كما تسميه على عُكَة ذيله متحفزاً، ويلاحق البنت بعينين متوجستين. وكلما اقتربت منه ركبته العفاريت وكشر عن أنيابه وشب محاولاً الإفلات من السلسلة، حتى وقع المحظور، وانفلت فى ذلك اليوم، وعضها فى فخذها، فظلت تبكى حتى أغمى عليها.

منذ توفى عبد الواسع وفاخرة تلح على سمانى أن يشوف حلاً فى موضوع الكلب قبل أن يتسبب فى مصيبة، وفى كل مرة يتجاهلها ولا يفعل شيئاً. لكنها أقسمت هذه المرة بمقام الحلفاوى أن تقتله حتى لو اضطرت إلى بيع وزة لتشترى له سماً، فغلى الدمُ فى عروق سمانى، وأقسم أن يتخلص من كل الوز الذى فى البيت ليؤدبها.

كان المشهد صاخباً وهيستيرياً، وكانت الجاموسة تقطع اجترارها أحياناً وتتطلع إلى ما يجرى بعينين أثقلهما نعاس القيلولة، بينما جلس الكلب على عُكَة ذيله، وطرطق أذنيه، وراح ينبح بين الحين والآخر نباحاً جنائزياً مقبضاً.

زنق سمانى جوقة الأوز فى ركن فاستسلمت لمصيرها، ثم راح يقبض على رقبة كل وزة ويضربها ضربة واحدة محكمة فى عامود يتوسط صحن البيت، فتنكتم وتسقط جثة هامدة: إحدى عشرة أوزة ألقيت جثثها أمام عينى نواعم، على الجانب الآخر من الجسر.

ندبت فاخرة وهجمت على سمانى، ثم كلبشت فى قب الجلابية وصرخت فى وجهه:

■ خربت البيت وكبيت الزيت يا صايع يا خربان!. ليل ونهار بارك على الدكة زى البطيحة ومستحملينك.. وآخر المتمة تفش غلك فى الوزات اللى نافعينا!.

دفع سمانى فاخرة فى صدرها ليتخلص منها، فسقطت على الأرض. ولحسن الحظ أن هضبة دخلت فى اللحظة نفسها، فألقت شُقَتها على الدكة وهى متلهوجة، ثم مالت على أمها وأخذتها فى حضنها وتطلعت إليه وقالت بنبرة غضب:

■ ■ تمد ايدك على أمك يا جاك الحلبة المربوبة!

ثم دخل مخيمر بحمارة الجراو فلم يتمالك أعصابه، وسحب الزقلة من وراء البوابة وناول أخاه اثنتين متتاليتين خاطفتين فى ظهره. وقبل أن يشتبك الاثنان انشقت الأرض عن فاخرة ووقفت بينهما بجسمها وهى تردد:

■ ■ موتونى يا وِلد عبد الواسع.. موتونى بدل ما تداووا فضيحتكم وتاخدوا تار أبوكم!.

كانت فاخرة تتكلم ووجهها ناحية سمانى، بينما كلبشت نواعم فى ذراع مخيمر وهى تتوسل:

■ ■ سايق عليك النبى يا سيدى تقعد ع الدكة.

استجاب مخيمر لتوسلات نواعم، وجلس على الدكة وهو يراوح بين الغل والندم. أما سمانى فقد قرفص فى صحن البيت سانداً ظهره على خدة باب غرفة فاخرة.

بعد دقائق حضر خلف تكفا، ثم حضر سيدنا، ثم حسنين عبد الحق. وبعد أن سمعوا شهادة نواعم قرروا أن سمانى غلطان:

■ ■ مال الوز ومال الكلب اللى عض حانز!.

ومخيمر غلطان:

■ ■ حد يضرب أخوه اللى أكبر منه!.

وجبروا خاطر فاخرة بكلمتين:

■ ■ عوضك على الله.. بعزنها كلت توكسوفين.

لكن المشهد الأكثر تشويقاً لم يأت بعد.

هدأت الأمور وانصرفت نواعم. وبعينيها اللتين سيأكلهما الدود يوم القيامة رأت تكفا مرت بهلول الزاهى تنقض على الوليمة ككلاب السكك. وتقسم نواعم بحرمة المقام أنها رأت فى يد تكفا سكيناً، وأنها كانت تقلب فى الجثث بحثاً عن وزة لا تزال فيها بقية من حياة. وعندما تبين لها أن الوز مات وشبع موتاً، ملأت شوالاً وطلبت منها - من نواعم - أن تساعدها فى حمله، لكن نواعم اشمأزت وأبت.

وفى المساء، ذهب سيدنا إلى عسكرية ومعه الحجاب الذى كتبه لسنوسى كما طلبت، فسألته عما حدث بعد ذلك، فقال إن تكفا أغلقت بابها على نفسها وأشعلت كل الكوانين وطبخت كما لم تطبخ من قبل: الكبد والقوانص فى قعباية، والأجنحة والرجول فى قعباية أخرى، وبقية الوز سلقته فى حلة ضخمة وطبخت بشوربتها ملوخية خضراء.

وقال خلف للأسطى بخواجى، وكانا فى غرفة المكن ينظفان بعض أجزاء الببور، إنه مر على تكفا بالصدفة فى اليوم التالى، ولم يكن قد علم بما جرى، فطلبت منه أن يبقى ليتغدى معها على غير عادتها، فاستغرب وتوجس، لكنه وافق وفى ذهنه أن الغداء لن يزيد على بيضة بدهانة ودنشة جبنة قديمة وبتاوتين عيش قمح. لكن تكفا فاجأته بوليمة لم ير مثلها فى حياته. وبدلاً من أن يفرح ويهجم على الأكل هجم عليها وهو لا يصدق أنها وصلت إلى هذا الحد من التخريف:

■ ■ وز ميت يا مرة يا فقرية!.. اتهوستى!.

ردت تكفا بهدوء وهى تضع أمامه قعباية المرق:

■ ■ ميت ولا صاحى.. حد لاقى!.. كُل كُل!.

أحس خلف بالقرف من الأكل ومن سلوك أمه. وتقلصت ملامحه وهو يحكى للأسطى بخواجى كيف أنها كانت تنام فى جِف الوزة وتقزقزه كما يقزقز البنى آدم عنقود عنب:

■ ■ المهم إنت كلت ولا ماكلتش؟

بصق خلف على الأرض وقال معاتباً:

■ ■ خبر إيه إمال يا سيدنا.. ده إنت ماعدتش كاسر فى قرفتى بصلة!

أقسم خلف بمقام الحلفاوى أنه لم يضع فى فمه لقمة واحدة من هذه الوليمة، لكنه طلب من تكفا أن تعمل له كباية شاى فلم تستجب. كانت قد أتخمت وفردت ساقيها ودلدلت ذراعيها إلى جوارها، فانصرف قاصداً ببور الطحين وهو يضرب كفاً بكف. وفى اليوم نفسه، وبينما هو قابع تحت طبلية القواديس لإصلاح أحد التروس، شعر أن يداً تجذبه من الخلف، فالتفت وراءه مخضوضاً:

■ ■ حانز؟.. إيه اللى جابك يا بت الكلب؟

كان صوت المكن تحت الطبلية أعلى منه فى أى مكان آخر فلم يسمعها. لكنه أحس وهو ينظر إليها محاولاً سماعها أن التى تقف أمامه ليست حانز بت هضبة بت عبدالواسع، أجمل وأخف طفلة فى الشِق، بل هى الجنية نفسها.. الجنية التى فاجأته ذات يوم جالسة على مصطبة هنا، فى غرفة المكن، وطلبت منه أن يتزوجها.

سرح خلف قليلاً، وكانت حانز قد أدركت أنه لا يسمعها، فدست فمها فى أذنه وقالت بصوتها الطفولى الحاد:

■ ■ جدتى ماتااااااات!

قبض خلف على معصم حانز وسحبها وراءه وخرجا من تحت الطبلية. وعندما وصل إلى البيت كانت تكفا لا تزال فى مكانها وقد أحيطت بقعابى وصحون فارغة، فأدرك أن مراوحها لم تتحمل هذه الكمية من الدسم الفاسد، فماتت فى الحال:

■ ■ إيه اللى حصل يا خلف؟

ضحك خلف وقال:

■ ■ الظاهر بِشمِت!

وسكت برهة ثم تمتم فى أسى:

■ ■ خليها تغور!

[٤]

منذ بدأت السهرة وعين العمدة اليسرى ترف.

انطفأ نور الكلوب فى المندرة ثلاث مرات رغم أن الهواء واقف والحر يفرقع المقل كما يقول شيبة الحمد. تشاءم العمدة وانقبض قلبه، لأن همام سافر إلى مصر ليدفع إيجار شقة غرناطة ويشترى راديو للسراية، لكنه تأخر أكثر من اللازم، ومصر على ما يسمع تحترق، والمظاهرات فى كل مكان، والناس يموتون فى الشوارع بلا تمييز:

■ ■ تمينا متشعلقين فى الوفد لحد ما البلد غرقت!

فتحت السياسة جرحاً قديماً فى صداقة العمدة وبنيامين. لم يكن الوفد حزباً، بل سفينة أحلام جمعت الاثنين، وظلا سنوات طويلة لا يسمحان لأحد بالعبث فى هذا الجرح. لكن موجة «الهلال مع الصليب» راحت تدفع هذه السفينة من أزمة إلى أزمة، حتى تحولت الأحلام إلى كوابيس، واستقرت حطاماً فى ساحة قصر عابدين عقب أزمة الرابع من فبراير ١٩٤٢.

ورداً على هذا الموقف المتخاذل انشق مكرم باشا عبيد عن الوفد وأعلن حرباً ضارية ضد زعيم الوفد مصطفى النحاس بسبب قبوله تشكيل الحكومة بأوامر صريحة من سفارة الاحتلال. وما إن انشق عن الوفد وأطلق حزباً جديداً باسم «الكتلة»، حتى انضم إليه عدد غير قليل من كبار الملاك الأقباط، وكان من بينهم بنيامين أبوالخير:

■ ■ خبر إيه يا بنيامين! ما تقعد عوج وتتكلم عدل.. الوفد برضه اللى غرق البلد ولا صاحبك أبو كتلة اللى خان الوفد والبلد مع بعض!

كانت نبرة العمدة مشحونة بغل وغلظة لم يألفهما بنيامين، وقبل أن يفيق الأخير من ذهوله.. استطرد عبد الجواد:

■ ■ صحيح.. ديل الكلب عمره ما يتعدل!

تكهرب جو القعدة، فغمز سيدنا للشيخ محمود فزاع فجلجل صوته الأجش، الخالى من أى تنغيم، ببضع آيات من قرآن ما قبل السحور. وما إن ختم حتى لم بنيامين عباءته وانصرف، عاقداً العزم على أن هذه آخر مرة يدخل فيها مندرة بيت الدكر. وعندما دخل ألماظ العبد بصينية السحور لم يكن قد بقى من الحضور- خلافاً للعمدة وسيدنا والشيخ محمود - سوى بخواجى وشيبة الحمد، بينما ظل العمدة متسمراً على دكته، مغمض العينين.

لم يسبق لسيدنا أن رأى عبد الجواد الدكر فى هذه الحالة. كان يشعر أن الرجل يغلى من داخله. قد يكون قلقاً لتأخر همام، وربما يشعر بالأسى والندم، لأنه أخطأ فى حق بنيامين، لكن الحكاية أبعد من ذلك.

لذا ما إن انتهيا من تناول السحور حتى طلب منه سيدنا أن يكون صريحاً معه، لأنه لا يصدق أن الموضوع وفد وكتلة ونحاس وإنجليز، ولا يصدق أن هذا الكلام الفاضى يمكن أن يفتح جرحاً أغلقه الاثنان منذ أكثر من خمسة وعشرين عاماً. لكن العمدة لم يلتفت إليه وظل صامتاً:

■ ■ الظاهر حسدناكم!

كانت مشكلة العمدة فى رمضان أن أكلته الرئيسية ليست فى الإفطار بل فى السحور، وكان يأكل أى شىء: فول وبيض.. فطير مطبق.. كنافة باللبن.. بواقى طبيخ، المهم أن يكون على المائدة رايب. لكنه فى تلك الليلة، وبسبب ما جرى بينه وبين بنيامين، نسى الرايب، أو ربما لم يهتم، وكانت النتيجة أن الأكل كبس على مراوحه وهو نائم، فهب مفزوعاً وأفرغ فى جوفه قلة ماء وهو لا يعرف إن كان مدفع الإمساك ضرب أم لا!.. لقد كان كابوساً خانقاً: رأى نفسه فى حشد من رجال ونساء بلا ملامح، ولا يعرف إن كانوا فى عرس أم مأتم، وبين يديه بقوطة يغرف منها لحماً نيئاً يوزعه عليهم وهم يتصايحون ويطلبون المزيد:

■ ■ نايبى يا عمدة!

اللحم النيئ فى المنام فأل سيئ، كما قال له سيدنا فى صباح اليوم التالى، لذا قضى بقية النهار متوجساً، وذهب بذهنه مذهبين: إما أن همام- بعد الشر - سيعود من مصر فى عربة سوداء، وإما سينزل الجنين من بطن عسكرية ميتاً، أو- بعد الشر- ينزل حياً وتلقى هى وجه ربها. لكن همام عاد بسلام، وجلجل صوت الراديو فى أنحاء السراية ونزل الجنين حياً، قابضاً على الدنيا، وخرجت عسكرية من لجتها بعمر جديد:

■ ■ مبروك يا سيدى.. ولد يا سيدى ولد.

انتفض همام والعمدة، وهرول الاثنان إلى عسكرية فى محرابها. خجلت وحاولت أن تنهض فاستحلفها عبد الجواد ألا تتحرك. رفع طرحة الشيفون من على وجه المولود وصلى على النبى وأخرج من سيالته كبشة فلوس، بعثرها فوق وحول جسمه، حتى لم يعد ظاهراً منه سوى وجه أحمر كالكبدة، وقبضتان مضمومتان بإحكام:

■ ■ سميتوا ولا لسه؟

ردت عسكرية بإعياء:

■ ■ إنت اللى تسمى.. وانت اللى تصلى ع النبى.

فكر عبد الجواد قليلاً ثم قال:

■ ■ الليثى.. الليثى همام عبد الجواد همام الدكر.

ومن شرفة الغرفة أطلق تسع رصاصات فى الهواء، ووعد بأن يكون العيد فى البلد هذه السنة عيدين: عيد رمضان وعيد قدوم حفيده الثالث. ورغم أنه كان قد أقسم ألا يطحن غلاية قمح واحدة فى ببور البلد، بسبب خلاف بيت الدكر مع الغرابلية، واعتاد من وقتها أن يرسل طحينة إلى ببور صغير فى كوم الخامض، إلا أنه حنث بالقسم هذه المرة، لأن كمية الطحين كانت أكبر من طاقة هذا الببور.

اضطر بخواجى فى الأيام الخمسة الأخيرة من رمضان إلى تشغيل قواديس الببور الثلاثة دفعة واحدة. وقبيل سحور ليلة السابع والعشرين، كبش حفنة دقيق وحركها بين أنامله، فلاحظ أنها لا تزال خشنة، فأحضر أجنتين وقدومين، وقرر وقف هذا القادوس وفك حجريه لإعادة نقشهما.

نده على خلف تكفا وطلب منه أن يمسك ذراع الـ»ملاوينا»، ثم نزل تحت الطبلية لفصل تروس القادوس.

كان خلف وفقاً لروايته يتطوح من أثر النوم. خيل إليه أنه سمع كلمة «ملاوينا». حرك الذراع قبل أن يخرج بخواجى من غرفة التروس، لكنه أحس أنها أثقل من كل مرة. خيل إليه أيضاً أنه سمع كلمة «حاسب».. لكن الصوت كان مكتوماً. وعندما أفاق كان كل شىء قد انتهى: لهف السير ذيل جلابية بخواجى. سحبه بسرعة وبقوة هائلتين إلى الحدافة، فمزقته أشلاء تناثرت فى أضابير غرفة المكن، وظل سيدنا أسبوعاً كاملاً وهو يلاحقها إصبعاً إصبعاً ونسيلة نسيلة، ثم وضعها فى مقطف طحين وأغلق بوابة الببور وانصرف فى هدوء.

[٥]

هذا ليس بلداً.. بل مماتة!.

شد عبد الجواد الدكر طرفى عباءته على حياة صاخبة كان خلالها كبيراً بحق ومهيباً بحق. لم يظلم ولم يساوم، وإذا حلت العقدة فى المنشار احتكم إلى قانونه الخاص: خسارة قريبة ولا مكسب بعيد، فتراكمت خسائره: أخطأ طائر الموت عندما أخذ الحاج عمران فزاع، وكان ينبغى أن يقصف عمر فريدة. وكان بشعاً وهو يسترد الأمانة من بخواجى. وسحب النور من عينى فرعام حزناً على ميسم، فأصبح قاعاً مظلماً، خرباً. حتى عبد الواسع لم يكن يستحق هذه الميتة المخزية، رغم ما بينهما من خصومة:

■ ■ أنا السبب! أنا السبب!.

تحامل العمدة على نفسه. وبدافع من الشعور بالحب والذنب قرر فى سابقة هى الأولى من نوعها وقد تكون الأخيرة، أن ينصب لبخواجى جنازة فى مندرة بيت الدكر، وأن يتلقى فيه العزاء كأى مسلم. وقبل أن يتنفس الصبح كانت كلثوم قد قمطت رأسها كالعادة بالحردة الشيفون. قمطتها بقوة، ولطستها بطينٍ باردٍ من تحت زير المقام، ومضت إلى حيث يُزَفُ الميت. لم تسأل من الذى مات، وهل مات مسلماً موحداً أم نصرانياً كافراً، ولم يسألها أحد إلى أين هى ذاهبة!. كانت تنهب الطريق نهباً كأن فى قدميها ذاكرة. وما إن لمست عتبة السراية حتى أطلقت صرخة امرأة متمرسة، شقت جمعاً من الحريم كان يتهامس ويتعاتب ويتأمل بعضه بعضاً:

■ ■ الشِلاية وصلت.

انتفض الجمع واقفاً، والتف حولها فى دائرة شغلت غالبية صحن السراية: كلثوم فى منتصف الدائرة وقد شقت ثوبها من الصدر إلى الداير، بينما النساء من حولها يزمن. ثم راحت أجسادهن تتماوج وقد أصبحن فجأة سافراتٍ، وكلما علا أزيزهن تسارعت حركة أجسادهن. ثم بدأن يضربن خدودهن بكفوفهن ويقفزن قفزاً سريعاً منتظماً وقد أطلقن العنان لأثدائهن وأردافهن، فراحت تترجرج وتضرب فى كل اتجاه. وبعد نحو ساعة توقفن عن اللطم وجلسن فى إعياء، فدست كلثوم يدها فى عبها وبدأت فاصلاً يسلمُ فاصلاً من عديدٍ كسلاسل الذهب:

فايت على بيتى سفا كُحليه

زمقان ابويا..

ولا حديت راح ليه!.

وما إن انتهت كلثوم من وصلتها حتى جلست فى صمت وخشوع، لا تكلم أحداً ولا أحد يكلمها، حتى جاءت نواعم بمحرمة الإفطار فأخذتها وانصرفت. وفى طريق عودتها إلى المقام كلبشت حانز فى طرف شُقتها وراحت تمطرها بوابل من الأسئلة:

■ ■ من علمك هذا الكلام الحلو يا خالة؟

فترد كلثوم:

■ ■ الأيام يا ابنتى!.

تسألها حانز:

■ ■ وعلى من تبكين؟

تقول كلثوم وهى تؤرجح جسمها:

■ على كل عزيزٍ فُقِد: على الأب الذى ولى تاركاً صغاره معلقين فى كتينة الساعة. وعلى الأخ الذى لم يدخل دنيا ومات زمقاناً من أخته. وعلى الأخت التى دست سرها فى مولودها وحملت مشيمتها ورحلت. وعلى الابن الذى شيعته رصاصة غدر وهو يتقلب على زهر القطن كالفراشة.

ثم تفتح المحرمة وتفرد الأكل أمامها وتستطرد:

■ على كل من مات فى غير أوانه.

تسألها حانز من جديد:

■ ■ حتى بخواجى؟.

ترد كلثوم:

■ ■ حتى بخواجى.

تستدرك حانز:

■ ■ لكنه نصرانى يا خالة!.

فتصحح كلثوم:

■ ■ نصرانى طيب.. ولأنه طيب أحبه سيدنا.. ومن أحبه سيدنا مات فى ليلة القدر.

سبعة أيام بلياليها.

سبعة أيام وبوابة الببور مغلقة على مقطف الطحين، بينما وفود المعزين تهرول من مندرة بيت الدكر إلى مندرة بيت أبوالخير، من السابعة صباحاً إلى التاسعة مساء. سبعة أيام وعبدالجواد الدكر واقف على لحم بطنه يتلقى واجب العزاء: لا بكى ولا تكلم ولا تقلصت عضلة واحدة فى وجهه، لكنه كان يتصدع.

فلما كانت الليلة السابعة...

ذهبت نواعم العبدة بصحبة ابنها سعيد إلى ببور الطحين. فتحت البوابة وسحبته إلى الداخل وأضاءت شمعة، فانقلبت كتلة الظلام إلى فراغ معتم، تتخبط فيه بقعة ضوء لا تصنع ظلالاً ولا خيالات، لكنها تستنفر بضعفها شبح الخوف. تقدم الاثنان نحو باب غرفة المكن: خطوة للأمام واثنتان للخلف. كانت العتمة قد أصابتهما بدوخة خفيفة، كما شعرا لأول مرة أن للسكون صوتاً. لكنهما كانا محظوظين إذ عثرا على مقطف الطحين وراء عتبة الباب.

حمل سعيد المقطف دون أن يسأل نواعم عما فيه. كان كل ما يشغله أن يخرج وتنتهى هذه الليلة على خير. انتظر خارج الببور حتى أغلقت نواعم البوابة وسارت أمامه:

■ ■ ورايا ع المقام.

كان سيدنا فى انتظارها كما اتفقا. وضع سعيد المقطف على عتبة المقام، وطلبت منه نواعم أن ينصرف بسرعة، ثم طرقت الباب طرقتين متتاليتين ثم ثالثة منفردة، فأتاها صوت من الداخل:

■ ■ الباب مفتوح.

سحبت المقطف ودخلت فى صمت. وعندما اقتربت من حرم المقام.. تذكرت أنها لم تغلق الباب، فاستدارت وعادت لتغلقه فوجدته مغلقاً، فشهقت:

■ ■ مدد..

ثم لفها دوار، وأحست أنها ضئيلة وخفيفة، وأن أحداً يهز الأرض من تحتها كما يهز غربالاً، ولم تفق من هذه الحالة إلا وسيدنا أمامها.

تقول نواعم إن سيدنا رفع غطاء المقطف، فهب بخواجى واقفاً على قدميه كالعفريت. ثم خرج وهو ينفض الغبار عن كتفيه وحجره ومؤخرته، وينظر إليها مبتسماً، ممتناً، دون أن ينطق بكلمة واحدة. وتقول أيضاً إن سيدنا أخذه من يده، وتوجها إلى جبانة المقام، حيث حلت روح ميسم فى جسم كلثوم.. لتهبا أهل الربوة «مستورة»، شاعرة الجنائز التى لا يُشَقُ لها غبار. وتقول ثالثا إنها سمعت بخواجى يقول لسيدنا وهو فى الطريق إلى الجبانة:

■ ■ العمدة يطلب الإذن!.

فابتسم سيدنا ولم يعلق.

وعندما عاد إلى مندرة بيت الدكر فى صباح اليوم التالى وجد العمدة جالساً على دكته الصغيرة، محاطاً بذلك المزاج الشفاف، حيث يمكن للمرء فى لحظته الفارقة أن يميز بوضوح بين لهفة المحب وشماتة الخصم وما بينهما من نفاق.

كان مكلفتاً فى العباءة، حتى أنها بدت كالكفن.

ألقى سيدنا تحية الصباح فلم يرد ولم يحرك ساكناً، فانخرط فى حشد الواقفين:

■ ■ فاكر يا دكر!

الصوت ليس غريباً عليه. أيكون بنيامين!. نعم بنيامين. هو الوحيد الذى سمح له عبدالجواد أن يناديه بلقبه:

■ ■ فاكر أيام روض الفرج، وأم كلثوم، وشقة غرناطة!. فاكر الرقاصة اللى ضحكت عليك وخدت منك العقد الألماظ وهربت من باب الكباريه الورانى!.

فكر العمدة أن يخرج من تحت العباءة ويحتضنه ليبكيا معاً، ولآخر مرة، أيام جميلة:

هوه ده يخلص من الله..

القوى يذل الضعيف.

حتى يبخل بالمطلة..

شىء ولو دون الطفيف.

ليه ده كله..

مين يقول له..

اتهدى وخليك لطيف!

مضت بضع دقائق تفحص خلالها عبدالجواد الدكر وجه صديقه القديم، ثم رفع عينيه إلى أعلى وابتسم كعادته فأشاع بين الحضور جواً من التفاؤل، لكنه سرعان ما انزوى تحت العباءة.

موت وبعث

عادت كلثوم من تغريبتها إلى الربوة وبطنها منتفخ بثمرة حرام: طفل نكدى سماه سيدنا «عطية»، لكنها عاشت فى مقام الحلفاوى مكرمة معززة، وهناك تفجرت مأساتها عديداً يمزق القلوب، فاستحقت أن تكون «شلاية» القرية. وفى سراية بيت الدكر وضعت عسكرية مولودها الثانى «سنوسى»، أول ذكر شرعى لهمام الدكر. وبعد يومين من البحث عن عبدالواسع الغرابلى فوجئ أهل الشق بجثته معلقة فى قعر الكوبرى الخشب، الذى يربط السراية بالمندرة الكبيرة، وازداد ابنه البكرى «سمانى» توحشاً وكرهاً لبيت الدكر، ولأهل البلد بشكل عام. بينما عثر خلف تكفا على أمه ميتة فى مكانها بعد وجبة «وز ميت» دسمة. وكانت الفاجعة موت العمدة عبدالجواد الدكر متأثراً بموت صديقه النصرانى «بخواجى وديع باسيليوس» من ناحية.. وموت حزب الوفد من ناحية أخرى.

[١]

■ ■ كل أيام تدى أحكامها يا كبيرة!

تحول عبد الجواد الدكر بين عشية وضحاها إلى طيف من زمن جميل. وباع بنيامين الوفد لينضم إلى «كتلة» مكرم باشا عبيد. ثم ضاع الوفد وضاعت الكتلة وألغت الثورة كل الأحزاب. وبموجب قوانين الإصلاح ركب خلف تكفا وحسنين عبد الحق ومخيمر الغرابلى ومهران الدابى وغيرهم من الهوام أجزاء من أرض بيت الدكر وبيت أبو الخير، بعد أن كانوا يحلمون بالعمل فيها أجراء. أما همام فقد واصل رسالة العمدة فى بارات القاهرة وملاهيها، بينما عسكرية تختبر متانة القفطان فى عباءة شيخ البلد. لكن سيدنا لم يشعر بالقلق إلا باندلاع الحرب على عرش «الكبيرة» بين عسكرية، وعمتها ناعسة.

فى الجولة الأولى استغلت عسكرية انشغال السراية والبلد كلها بالأزمة الصحية التى عصفت بالعمدة، وسجلت مولودها الرابع باسم «باسل» وليس «عبد الجواد» كما كان يتمنى. ومع أن همام لم يتوقف طويلاً أمام هذه المسألة فإن ناعسة قدرت أن ما فعلته سيكون بداية لمشاكل أخرى كثيرة:

■ ■ قالتها نواعم العبدة وما صدقتهاش.. ولادة وهتاكل لجامها.

وفى الجولة الثانية لبدت عسكرية فى أذن همام كالقرادة، وبدأت تزن عليه، لكى يأخذ دكة العمدة، إذ أدركت- بحكم انتمائها إلى واحدة من أعرق عائلات أسيوط وأكثرها نفاذاً- أن هذه الدكة الصغيرة جزء من شرعيته كشيخ بلد، وهى شرعية متوارثة أباً عن جد. انتفضت ناعسة وهددت بترك السراية إذا أقدم همام على هذه الحماقة. لكن عسكرية أصرت على موقفها، واتهمتها بأنها تتآمر على ابنها ليفوز ابن أخيها، سعد الناحل، بمشيخة البلد.

عندئذٍ تدخل سيدنا واقترح أن يتم تفصيل دكة لهمام تشبه دكة العمدة بالضبط، شريطة أن توضع أمام البوابة الرئيسية للسراية وليس فى المندرة. وكان عزاء عسكرية أن دكة همام تحولت بمرور الوقت إلى منصة لإدارة شؤون أهل البلد، ولم يعد مسموحاً لمسلم أو نصرانى أن يمر من أمامها وهو على ركوبة إلا إذا كان كهلاً لا يقدر على المشى أو عبيطاً لا يقرأ العواقب أو مريضاً ليس عليه حرج، حتى إذا لم يكن على الدكة سوى عصا همام ومنشته.

أدركت ناعسة بعد هاتين الجولتين أن أيامها ولت بشالفعل، وأن عليها أن تسلم الزمام وتنزوى فى غرفتها حفاظاً على هيبة بيت الدكر وتماسكهم، وبذلك أصبح همام يقف بمفرده أمام دهاء عسكرية وطموحها الجارف وإصرارها على إعادة ترتيب السرايا من الداخل.. ولم تكن الجولة الثالثة أقل سهولة من سابقتيها:

■ ■ مقطف الدمس المتلقح فى أوضة السايس.

ثم بابتسامة خبيثة وقد ركزت عينيها فى عينى همام:

■ ■ ولاّ انت نسيت موضوع ميسم!

كان فرعام قد أصيب بالشلل متأثراً بوفاة ابنته ميسم بعد ساعات من ولادة عبد الله، رغم أن العمدة كان سخياً وعادلاً، واعتبر «عبد الله» حفيداً شرعياً له كل حقوق ولد الولد. وزاد فى سخائه بأن طلب من نواعم العبدة أن تكسب فيه ثواباً وتشقر عليه بين آنٍ وآخر لتؤكله وتحممه وتُلَبِسه وتغير له فرشته، ولم يكن يضايق نواعم فى كل ذلك سوى قليطته البنية الداكنة، المستقرة بين فخذيه مثل بطيخة شيليان، فكانت تتأملها بطرف عينها وتلاحظ احتقانها وعروقها المتوترة، فتشفق عليه وتتمتم:

■ ■ أمال لو سليم وماشى على رجليك يا جاك المرار كنت مشيت كيه بالداهية دى! بركة إنك ما اتجوزتش تانى يا حزين!

وبموت الفرسة وانقطاع سلالتها، لم يعد هناك مبرر من وجهة نظر عسكرية لإقامة فرعام فى الإسطبل، خاصة بعد أن تقدم شيبة الحمد بعرض مغرٍ لشرائه:

■ ■ ارميه فى كهف النبقة واطلق فيها النار.. ولو صعبان عليك وديه بيت أبو الخير وهمه يتصرفوا.. احنا مش ناقصين عفانة.

ثم حكمت على همام أن يسافر بنفسه إلى أسيوط ليطلب من أبيها محمود السيوفى يد «قاعودة»، ابنة عبد البارى سائقه الخاص، لابن نواعم البكرى سعيد ألماظ، على أن تتفرغ نواعم لخدمة ستها ناعسة، وعندئذٍ قررت أن توسع نطاق الحرب، وأن تكون الضربة هذه المرة موجعة:

■ ■ إلا المقام يا عسكرية!

تعرف عسكرية أن شيبة الحمد يحلم ويخطط منذ وطئت قدماه أرض الربوة لتوطين المساليب فى داير الناحية، وتعرف أيضاً أنه عرض على عبد الجواد الدكر أكثر من مرة أن يشترى هذه الأرض بأى سعر، لكن عبد الجواد الدكر كان يرفض بشدة فى كل مرة، ويهدد بطرده هو وكل المساليب من البلد إذا لم يتوقف عن التفكير فى هذا الأمر. وعندما استقر أمر المشيخة لهمام جدد شيبة الحمد عرضه، وجدد همام رفض أبيه وإن بنبرة أخف. ولأنه رجل داهية وحويط، قرر إجهاض الحجة القديمة التى تقول إن أرض المقام وقف يخص كل أهل البلد، أقباطاً ومسلمين:

■ ■ والله عال!. همام الدكر عامل للنصارى حساب!

فى الوقت نفسه كان شيبة الحمد قد أصبح قريباً جداً من الحرب الدائرة فى السراية، وأدرك أن همام خاتم فى إصبع عسكرية، لذا ألقى على عاتقها مهمة إقناعه. وكانت عسكرية تقول باستمرار إن صراع بيت الدكر ليس مع النصارى، بل مع الغرابلية، وحاولت كثيراً إقناع ناعسة بأن الغرابلية لا يخفون حقدهم وكرههم لبيت الدكر، ومن ثم فالتحالف مع المساليب سيكسر شوكتهم ويضمن لهمام ألا يكون بمفرده بعد ذلك. فى حين تصر ناعسة على أن الاقتراب من داير الناحية.. سيشعل الفتنة بين المسلمين والنصارى. وبين حسابات الزوجة ومخاوف الأم وقف همام حائراً. وكانت عسكرية تعرف متى تضرب.. وكيف يكون ضربها موجعاً.

خلعت الحلق البنادقى من أذنيها ولفت ذراعيها وراء رقبتها لتفك الكردان، فتدلى كُمَا روب الشيفون إلى كتفيها، فكشفا عن زندين أبيضين عفيين.

استدارت وهى لا تزال على مقعد التسريحة فأصبحت فى مواجهة السرير:

■ ■ انت تبيع وتحط النصارى قدام الأمر الواقع.. وافقوا: يبقى يا دار ما دخلك شر.. رفضوا: قدامهم المحكمة.. ومُوت يا حمار.

فردت طولها وسلخت الروب الأسود عن جسدها واستدارت، فخيل لهمام أنه يراها لأول مرة: كأنها لم تحبل ولم تلد أربع بطون. ارتفع الصدر واتسع الخصر بضعة سنتيمترات، لكنها لا تزال مغرية، وتستحق مكافأة. مال عليها همام وطبق فى جسمها مثل غيمةٍ فلم تقاوم. وعندما أحست أنه دخل عالمها السحرى.. انقضت عليه:

■ ■ اطلع إنت م الموضوع وخلى عقد البيع باسمى.

وقبل أن يجف حبر العقد كان سيدنا قد سرب الخبر إلى أديب أبو الخير، فاتصل على الفور بشقيقه بنيامين الذى حضر من أسيوط قبل شروق شمس اليوم التالى. وقبل أن يذهب إلى سراية بيت أبو الخير مر على مندرة بيت الدكر وسأل عن همام فلم يجده، فأرسل إليه العبد سعيد ألماظ وجلس ينتظر، لكن سعيد ذهب ولم يعد، فلعب الفأر فى عبه وأحس أن همام يتهرب منه، فاستشاط غضباً، لكنه تمالك أعصابه، ورفض اتخاذ أى إجراء قانونى ضد همام قبل استطلاع رأى ناعسة.

لم تكن المفاجأة بالنسبة لبنيامين أن ناعسة أصبحت هى وعبدتها نواعم منفيتين تقريباً فى إحدى غرف السراية، بل فى كون عسكرية هى التى حرضت همام على ارتكاب هذه الحماقة. وبما أن همام يدرك خطورة التصرف فى وقف المقام دون الرجوع إليه فإن ما فعله يشبه إعلان حرب.. وما دام يريد حرباً فليأخذها.

[٢]

■ ■ أخوكى باين عليه اتهوس!

كلما ابتعد سمانى عن حلم السفر إلى الإسكندرية ازداد تشبثاً بعدائه لبيت الدكر. وكلما مال عليه أحد ليذكره باستحالة أن يكون الغرابلية نداً لبيت الدكر، سواء فى الصيت أو الغنى، ازداد اقتناعاً بضرورة رفع البيت طابقاً آخر أو طابقين لو أمكن:

■ ■ شحات وعايز فينو!

بيت إيه اللى عايز يعليه! قال خلف تكفا موجهاً كلامه إلى زوجته هضبة وهى تضع شُقتها فى سحارة الهدوم، وكانت عائدة لتوها من زيارة إلى بيت أبيها، حيث شقرت على أمها واطمأنت على حانز، وفى غضون ذلك قتلت فأراً كان قد سقط فى صومعة الدقيق منذ أيام، وفشلت كل محاولاته فى الخروج: لفت هضبة يدها بخرقة، ثم دست ذراعها فى الصومعة، فاستسلم الفأر وتركها تقبض عليه معتقداً أنه عثر أخيراً على طوق نجاة.

لكن هضبة سحبت يدها بالغنيمة وركزت بضع ثوانٍ قبل أن تضربه بكل عزمها فى عرض الحائط لينزل صرة ملح. وعندما تأكد لحانز أنه شبع موتاً رفعته من ذيله، وتفحصت أنفه المدبب وأذنيه اللتين تشبهان ورقتى نعناع صغيرتين، ثم حملته إلى خارج البيت وألقته على الجسر وهى قرفانة.

كثيراً ما طلب خلف من سمانى أن يتريث فى مسألة استكمال بناء البيت، ودائماً كان سمانى يعاند ويتشبث أكثر بموقفه، حتى وقعت الفأس فى الرأس، وفوجئ الجميع بأنه اشترى مواد البناء بالفعل واتفق مع محمد أبو سالم، أشهر وأشطر بناء فى البلد، على كل شىء.

لم تعلق هضبة على اتهام خلف لسمانى بأنه اتهوس على الرغم من أنها لا تتحمل فيه أو فى مخيمر شكة الشوكة، لأن خلف بصراحة كان محقاً هذه المرة: إن كان عليها فهى أيضاً وريثة شرعية لعبد الواسع، ولها فى رقبتى سمانى ومخيمر عرق، ومن حقها أن تزعل، لأن سمانى يسعى إلى بناء بيت مبنى بالفعل ولا ينقصه شىء، بينما تقيم هى وزوجها وأولادها فى سباتة بوص وراء الببور وينامون وسط الغنم والمعيز والدجاج والحمام، وليتهم يشعرون بالأمان. فبعد كل فيضان يضطر خلف لتجديد السباتة، إما لأن جذور البوص باشت، أو لأن جحافل الحمير والماعز نحتت أطرافه أولاً بأول، أو لكليهما معاً.

ومخيمر!. مخيمر الذى ضحك عليه العمدة وهو صغير ونصحه بجنى البلح بكلتا يديه فسقط من على النخلة وانكسر حوضه. مخيمر الذى كانت تأكل عشاءه قطة، وعندما يتدلى مخاطه على شفته العليا يلعقه بلسانه. مخيمر هذا هو الذى يدير حصتهم فى ببور الطحين ويباشر الأرض ويلوقها ويزرعها ويلم محصولها بنفسه، ويفرمه نورج ويشقه محراث بقر قبل أن يفرط فى سهم واحد من هذه الأرض أو يسمح لبنى آدم أن يخدش حياءها بـ»طورية شك».

مخيمر هو الذى يصرف على البيت ويتبن للجاموسة ويسقيها ويحممها ويبيع سمنها وجبنها وزبدتها.. مخيمر هذا لا يعنيه أصلاً أين ينام ولا ماذا يأكل أو يلبس: قدمان حافيتان، وذقن غير حليقة على الدوام، ووجه لا يدركه الماء بالشهر، وجلباب مزيت على اللحم فى عز طوبة:

■ ■ صحيح.. اللى خلف ما ماتش!.

أما فاخرة فكانت ترى فى استكمال بناء البيت سفهاً لا يليق بورثة رجل مات مغدوراً، وبمثل هذه الطريقة البشعة. ثم أنهم مهما بنوا وعلوا ستظل قامة بيت الدكر أعلى. ولو كان سمانى ابنها بحق لسمع نصيحتها واهتم بالبحث عن بنت حلال من توبه.

قالتها فاخرة كثيراً حتى تدلدل لسانها وبح صوتها: هى تحتاج فى الحقيقة إلى زوجة ابن تخدمها وتسهر على راحتها، وليس إلى بيت من طابقين ذى بوابة حديدية ومجاز مسفلت يحرسه كلب مربوط فى رجل دكة وثيرة، وشرفة مقوسة فوق الواجهة، وتراس فى الخلف يطل على الزرع، ونوافذ مدهونة بأخضر غامق وبنى محروق:

■ ■ الله يرحمك يا عبد الواسع.. اللى دبرته النملة خده الجمل فى خفه!

كانت فاخرة وهضبة تدركان أن رأيهما لن يقدم أو يؤخر، فاستسلمتا من البداية لرغبة سمانى، بينما رفض مخيمر أن يهدر مليماً أحمر من نصيبه أو نصيب أمه وأخته فى هذا الكلام الفاضى. وإذا أراد سمانى أن يرفع البيت طابقاً أو حتى عشرة طوابق فليكن من حر ماله.. ولم يكن الأمر سهلاً على الإطلاق.

ذهب سمانى إلى حسنين عبد الحق ليستلف منه، فتقلص وكش كأن أحداً وضع سكيناً بارداً على قفاه، ونصحه بأن يسمع كلام أمه ويبحث عن بنت يتزوجها بدلاً من أن يقضى بقية عمره مثل دكر الدوم. وذهب إلى خلف ليطلب منه مبلغاً، على أن يسدده من نصيبه فى إيراد الببور، فانتفضت هضبة وأعطته دشاً بارداً، لأن الأصول أن يعطيها، لا أن يأخذ منها، ولو على سبيل السلف. مال على الأسطى بخواجى فقال له إن السلف تلف ورده خسارة:

■ ■ والعمل يا سيدنا؟

فكر سيدنا قليلاً ثم قال متخابثاً:

■ ■ إذا كان ولا بد.. يبقى مفيش غير شيبة الحمد.

يعرف سيدنا أن شيبة الحمد تربطه ببيت الدكر صداقة قوية من أيام العمدة، وأن همام وعسكرية سيرحبان بتوريط سمانى وإغراقه بالديون. وبالفعل طلبت عسكرية من شيبة الحمد أن يكون سخياً معه إلى أقصى حد:

■ ■ خليه يبيع اللى وراه واللى قدامه.

فتح شيبة الحمد لسمانى صفحة مستقلة فى دفتر الشكك وشقها خانتين: صادر ووارد، وكان حريصاً على دعم خانة الصادر بكل التفاصيل التى من شأنها إغلاق الباب أمام اللبط والمراوغة واتساع الذمة:

تلاثة جنيهات لشراء عشرة آلاف قالب طوب من قمينة حسنين عبد الحق.. «بأمارة ما الكلب عض محمد أبو سالم فى بطيخة رجله اليمين وهو موطى عشان يقيس عرض الميدة».

سبعة عشر قرشاً بيد هضبة أختك أجرة عربية الرملة.. «بأمارة ما كان مخيمر قاعد ع الدكة عريان عشان حاطط خلقاته يتحمصوا على بلاط الفرن من البراغيت». خمسة جنيهات وثمانية وسبعون قرشاً بيد خلف تكفا تمن بوابة حديد.. «بأمارة المحرات ها ياكل طين».

للوهلة الأولى.. سيطر على سمانى شعور بالقلق سرعان ما تجاوزه، وأحس بالقرف من أهل الشق لأنهم خذلوه، ولم يقفوا إلى جواره فى بناء البيت. وعندما جاءت لحظة الحساب، وبدأ شيبة الحمد يلح فى استعادة فلوسه، قرر سمانى أن يفاتح مخيمر فى مسألة تقسيم الورث فلم يعترض، لكنه اشترط ألا يتم ذلك إلا بعد موافقة بقية الورثة، وهما فاخرة وهضبة.

عايزة بت يا خلف

لم يستطع خلف أن يصمد هذه المرة. أغمض عينيه وسد أنفه، وحط قطرتين من مائه الدافق على جمرتها فانطفأت. وفى آخر شهور حملها بدت بطولها المفرط وجسدها المنتفخ مثل قلع مركب. وعندما تحسست ميسونة بت معبد عبد الحق بطنها وضغطت على أحد ثدييها بشرتها بأن فى بطنها توءماً، أحدهما أو كلاهما بنت..

وصدقت ميسونة: اصطدمت بويضة بحيوان منوى، فأفرخت ولدا وبنتاً متشابهين إلى حد التطابق: خلف الله وشربات. وفى حين خفف خلف الله من صدمة خلف فى شربات.. استحوذت شربات على اهتمام هضبة، ومنحها بكاؤها إحساساً بوسع البيت.

كانت تضع القرش على القرش لتشترى لها قماش جلابية جديدة أو صندل أو توكة شعر. ولم يكن يمر أسبوع دون أن يضع عواض المسلوب قفص البيض على عتبة بيت خلف تكفا ويجلس فوقه، بينما هضبة تفاصله من داخل العتبة وهى تقلب فى محتويات القفص، وتبذل قصارى جهدها لتغالطه فى الحساب.

[٥] البت اتلبست!

لسبب لا تعرفه هضبة.. أفلتت حانز من مصير شقيقتها الصغرى شربات.

تأتى ميسونة مرت معبد، خاتنة كل بنات البلد وتيوسها، وفى عبها موسى الحلاقة وكيس البن. تطلب من هضبة أن تضع حانز على ماجور العجين وأن تفتح فخذيها على الآخر، مع الضغط عليهما بكل قوة لتثبيتهما، فإذا بحانز تضم فخذيها على سوءتها، فكأنهما خُلِقتا ملتصقتين. أربع محاولات ختان فاشلة، وفى الخامسة تعاطف معها خالها سمانى وانتزعها من حضن هضبة وأخذها لتقيم فى كنف جدتها فاخرة. ويوماً بعد يوم ملأت عليه البيت ولم يعد يتحمل غيابها، وكلما تطلع إلى وجهها وملس على شعرها أحس بالراحة والامتنان:

■ ■ إنتى يا مقصوفة الرقبة!

انخلعت حانز من حضن فاخرة وأتت إلى خالها سمانى جرياً فتعثرت فى عتبة الباب وسقطت على وجهها فى صحن البيت، فنبح الكلب مفزوعاً، وتفرق جمع صغير من الفراخ، والتفتت الجاموسة غير عابئة:

■ ■ غورى ازقينى.

تسلقت حانز حمالة الزير ورفعت الغطاء وكبت نصفها العلوى، فلم تخرج إلا بندعة ماء تلق فى قعر السطل. رفع سمانى السطل على فمه، فلاحظ أن الماء قليل وعكر، فانتظر بضع ثوانٍ ثم بدأ يشرب. وأثناء ذلك دست حانز يدها فى سيالة خالها أملاً فى العثور على بلحة أو ملبسة أو إصبع ملبن أو قمع عسل فلم تعثر إلا على ستين فضة، أى قرش ونصف، فأخذتها وأطلقت ساقيها للريح، وكان عبدالله ينتظرها كعادته عند جذع النخلة السفافة:

■■ حلمت إنك واقفة جوة بحر كبير.. كبير قوى.. وأنا قال واقف على الشط. لا إنتى قادرة تطلعيلى ولا أنا قادر ننزلك. وبعدين يا ستى اللا ما إنتى طلعت لك قال سمكة كبيرة.. كبيرة قوى.. بلعتك مرة وِحْدَة وراحت غاطسة بيكى تحت المية.. وأنا قعدت نبكى.. نبكى.. نبكى.. لغاية ما صحيت.

لا أحد من أهل الشق يعتقد أن ما بين حانز وعبدالله يمكن أن يتجاوز لعب العيال، فى حين راهن سيدنا من البداية على أن هذه العلاقة ستكون شعرة الدم التى تصل القاتل بالقتيل، وخطط لإقحامها فى صراع بيت الدكر والغرابلية: أقنع سمانى بأن حانز ستكون طُعماً لاصطياد عبدالله، وطلب منه أن يتركهما يلهوان حتى تصبح العلاقة بينهما أمراً واقعاً ويتزوجا، وبهذه الطريقة تؤول حصة عبدالله فى تركة بيت الدكر إلى الغرابلية. وفى المقابل أقنع همام وعسكرية بأن من الأفضل لهما أن يشجعا ولدهما على جر البنت إلى جرسة مدوية تجعل الغرابلية يمشون بين الناس ورؤوسهم مدلدلة على صدورهم.

لم يكن خلف معنياً أصلاً بأمر حانز ولم يشعر يوماً أنها تشبهه. وكلما نظر إليها أحس أنها تنتمى إلى أب آخر وأم أخرى. لكن.. إذا كان خلف معذوراً لأنه رجل، فليس لدى هضبة فى الحقيقة ما تورثه لها.. إن كانت تشعر بالفعل أنها ابنتها: أنف حانز كالنبقة، وأنف هضبة منفوش مثل قرن الفلفل الأخضر. شفتا حانز رهيفتان كورقتى بفرة بينما شفتا هضبة مكتنزتان كشفتى نواعم عبدة بيت الدكر. شعر حانز ناعم وأصفر كسنابل القمح، وشعر هضبة أخشن من ليف نخلة الساقية. جسم حانز، حتى وهى لا تزال فى العاشرة، طالع ملفوف كضفيرة الملبن، بينما هضبة اسم على مسمى.

هكذا مرنت هضبة نفسها على نسيان حانز، واستعاضت عنها بشربات. لكن المشكلة أن شربات هى الأخرى تقضى ساعات الليل سارحة بين أسطح البيوت وبسطاتها: مرة تسطو على قعباية لحمة، وأخرى على ماجور رايب، وثالثة على كسرونة سمنة. وإذا لم تجد شيئاً من كل ذلك لهطت منطال العدس الذى تسد به ميسونة مرت معبد عبدالحق فوهة كانونها طوال الليل وتوزعه على طقتين: مفتوتاً فى الإفطار ومغمساً فى العشاء.

مر وقت طويل قبل أن تلاحظ هضبة أن جسم شربات لا يكاد يخلو من كدمة خفيفة، أو جرح سطحى، ومع ذلك لم تكن تقلق أو تهتم. وحتى عندما استيقظت البنت من نومها وهى تعرج، توقعت هضبة أن يكون الأمر مجرد شقاوة عيال. وذات يوم انحنت عليها وهى نائمة، وحاولت أن تلفحها على باطها لتنقلها إلى فراشها، فأحست أنها ثقيلة أكثر من اللازم. وضعتها على الدكة وسوت ملابسها وشدت عليها الغطاء وانصرفت، وبعد لحظات قرصها قلبها، فحملت اللمبة نمرة خمسة وعادت إليها. قربت اللمبة من وجهها وتفحصتها جيداً، فلاحظت أنها قاطعة النفس، فدبت على صدرها وزعقت:

■■ الحقنى يا خلف!

كانت شربات قد تجاوزت عامها الأول بقليل عندما أصبحت روحها تحل فى جسد قطة سوداء فاحمة لا يمكن لمخلوق أن يكتشف حقيقتها إلا إذا شاهد ذيلها القصير وعينيها الزجاجيتين. إذا ضُرِبَت القطة فى موضع من جسمها ظهر أثر الضربة فى الموضع الذى يقابله من جسم شربات.

هب خلف وعبدالطاهر مفزوعين. تأملا وجه شربات فأجهش عبدالطاهر بالبكاء، وبصق خلف وابتعد غير مبالٍ. وبعد دقائق فوجئت هضبة أن البنت تتمغط فى فراشها ثم تستدير لتنام على جنبها، فأصابها ذهول ولم تعرف ماذا تفعل: هل تفرح لأنها لا تزال حية، أم تقلق لأنها ملبوسة!. وفى مساء اليوم التالى اشترت نصف دستة شمع ولفحتها على كتفها وذهبت إلى المقام تطلب تفسيراً، فأجابها صوت من الداخل:

■■ ما تخافيش.. البت شقة جوز.. كل ما تنام تسرح!

وعندما ذاع صيتها فى الشق وكثرت الشكاوى من سطوها على بيوت الناس صرخ الصوت فى وجهها:

■■ مش كملت سنتين يا ولية؟

ردت هضبة وهى لا تفهم قصده:

■■ كملتهم يا خويا!

فلم يقل سوى كلمة واحدة وكأنه يتلو قرار إعدام:

■■ طاهروها!

ومنذ سمعت هضبة هذه الكلمة وهى متشائمة، تتطلع إلى البنت بقلب مقبوض وعينين متسائلتين:

■■ مدد يا حلفاوى! ندرن عليا لو البت عاشت لندبح لك جدى!

وقبل صلاة ظهر الجمعة، سبحتها وفتلت شعرها ضفيرة واحدة وألبستها جلباباً أبيض نص كُم بخصر مزموم وكرانيش فوق الركبة وأربع زراير فى الظهر، وأعطت عبدالطاهر مية فضة ليشترى لها علبة ملبن من دكان ناروز.

كان الوقت يمر على هضبة ثقيلاً، وكانت شربات غافلة، منهمكة فى ملبنها وقد تلطخ جانبا فمها بدقيق السكر وبدأت تضيق بلزوجة أصابعها.. وجاءت بخيتة:

■■ يا صلاة النبى يا صلاة النبى.. مفيش دنشة ملبن لجدتك ميسونة!

حاولت ميسونة أن تخفف من وطأة حضورها، لكن البنت جفلت فتركتها تلهو وراحت تعد العدة. قلبت ماجور العجين وفرشت عليه محرمة بيضاء، وأخرجت من عبها كيس البن والموسى.

طلبت ميسونة من هضبة أن تضع شربات على ماجور العجين، وأن تفتح فخذيها قدر استطاعتها. كلبشت شربات فى رقبة أمها وبدأت تبكى، فجفلت الأم، فتقدمت ميسونة وأخذتها من حضنها بالقوة. جأرت البنت وقاومت، وكان قلب عبدالطاهر يتمزق وهى تتطلع إليه مستنجدة من وراء غلالة الدموع. أجلستها ميسونة على الماجور وجلست وراءها، ثم فتحت فخذيها الصغيرتين وطلبت من هضبة أن تضغط عليهما بقوة.

لم يتحمل عبدالطاهر فخرج من الغرفة، وفكرت هضبة أن تستر البنت وتتراجع، لكن ميسونة زعقت فى وجهها وطلبت منها ألا تتحرك وإلا تسبب الموسى فى كارثة.

بسملت وغرزت أصابعها بين فخذى شربات وأحكمت قبضتها على فتيل الشهوة وجزته من جذره. وخلال اللحظات التى مرت قبل أن تعثر ميسونة على كيس البن كانت شربات قد دخلت فى إغماءة، بينما لطخ الدم كرانيش جلبابها الأبيض والمحرمة المفروشة على الماجور.

كبست موضع الجرح بالبن، وطلبت من هضبة أن تنقلها إلى الدكة وأن تحافظ على فخذيها مفتوحتين فترة، ثم نهضت وغسلت يديها وجلست تنتظر وهبتها. وفى غضون ذلك لاحظت هضبة أن غيبوبة شربات طالت أكثر من اللازم، فتوقفت عن التهوية أمام وجهها. ندهت عليها فلم ترد. ربتت على خدها فلم ترد. عندئذٍ.. أمسكت ميسونة معصم شربات ورفعت يدها، ثم تركتها تسقط، فأدركت أن البنت فارقت الحياة:

■■ مالكيش حظ ف البنات ياختى.. شدى حيلك!