الفصل الأول
اللوحة الأولى
(غرفة مطلية باللون الأصفر)
الخطيب (وهو يدخل):
- أمي.
الأم:
- ماذا؟
الخطيب:
- أنا ذاهب.
الأم:
- إلى أين؟
الخطيب:
- إلى الكرم (يهم بالخروج).
الأم:
- انتظر.
الخطيب:
- أتريدين شيئاً؟
الأم:
- ابني، الغداء.
الخطيب:
- لا ضرورة له، سآكل عنباً. أعطني السكين.
الأم:
- لماذا؟
الخطيب (ضاحكاً):
- من أجل قطعه.
الأم (من بين أسنانها وهي تبحث عن السكين):
- السكين، السكين... لعنة الله عليها جميعاً وعلى الوغد الذي اخترعها.
الخطيب:
- فلننتقل إلى موضوع آخر.
الأم:
- والبنادق والمسدسات وأصغر سكّين، وحتى الفؤوس ومذراة البيدر.
الخطيب:
- طيّب.
الأم:
- كل ما يمكنه أن يقطع جسد رجل. رجل جميل، وفي فمه زهرة، وهو خارج إلى الكروم، أو ذاهب إلى أرض زيتونه، لأنها له، ورثها..
الخطيب (وهو يخفض رأسه):
- فلتصمتي.
الأم:
-... وهذا الرجل لا يعود. أو إذا عاد فذلك كي نضع له سَعَفةً أو صحناً من الملح الخشن كيْلا يتننفّخ. لا أدري كيف تجرؤ على حمل سكين في جسدك، ولا كيف أترك أنا الأفعى داخل الصندوق.
الخطيب:
- ألا يكفي هذا؟
الأم:
- لوعشتُ مائة سنة، لن أتكلم عن شيء آخر. في البداية أبوك؛ الذي عشت معه وأنا أتنشّق رائحة القرنفل، لكن ذلك لم يدم سوى ثلاث سنوات. ثم أخوك. وهل من العدل أن شيئاً صغيراً مثل مسدس أو سكين يمكن أن ينهي حياة رجل هو كالثور؟ لن أسكت أبداً. تمر الشهور واليأس يخترق عينيّ وحتّى أطراف شعري.
الخطيب (بحزم):
- ألنْ ننتهي؟
الأم:
- لا. لن ننتهي. هل يستطيع أحد أن يرد لي أباك؟ وأخاك؟ ثم سجن الأشغال الشاقة.. ماهو سجن الأشغال الشاقة؟ هناك يأكلون، هناك يدخّنون، هناك يعزفون على الآلات الموسيقية! ميْتاي يملؤهما العشب، لا يتكلمان، تحوّلا إلى تراب؛ رجلان كانا نبتتيْ عطر.. القتلة، في السجن، مبتهجون، يتأملون الجبال...
الخطيب:
- هل تريدين مني أن أمضي فأقتلهم؟
الأم:
- لا.. إذا كنتُ أتكلم، فلأنّي... كيف لا أتكلم وأنا أراك تخرج من هذا الباب؟ لأنّي لا أريدك أن تحمل سكّيناً، لأنّي.. لأنّي لا أريدك أن تخرج إلى الحقل.
الخطيب (ضاحكاً):
- دعينا من هذا!
الأم:
- كم كنت أتمنى لو أنك امرأة. لما كنتَ الآن تذهب إلى الساقية، ولجلسنا نطرّز معاً في اللوحتين القماشيتين وفي الجراء الصوفية.
الخطيب (وهو يطوّق الأم بذراعه ضاحكاً):
- أمّي، وإذا أخذتك معي إلى الكرم؟
الأم:
- ماذا ستفعل امرأة عجوز في الكرم؟ ستأخذني لتضعني تحت الأغصان؟
الخطيب (يرفعها بين ذراعيه):
- عجوز، عجوزي، يا عجوزي.
الأم:
- كان أبوك يأخذني معه. هذه هي السلالة الطيبة. الدم. جدك ترك ابناً في كل زاوية. هذا ما يعجبني. الرجال، رجال؛ القمح، قمح.
الخطيب:
- أمي، وأنا؟
الأم:
- أنتَ، ماذا؟
الخطيب:
- هل أحتاج لأنْ أقولها مرة أخرى؟
الأم (جادّة):
- آها!
الخطيب:
- هل تريْن الأمر سيّئا؟
الأم:
- لا.
الخطيب:
- فإذاً؟..
الأم:
- لا أعرف. هكذا، فجأةً، دائماً يفاجئني هذا الأمر. أنا أعرف أن الفتاة طيبة. أليس كذلك؟ مهذّبة. شغّيلة. تعجن خبزها وتخيط ثيابها، وأُحس، مع ذلك، عندما أذكر اسمها، كما لو أن هناك من يضربني بحجر على جبيني.
الخطيب:
- أوهام.
الأم:
- لا.. لأنني سأبقى وحيدة. لم يتبقَّ لي غيرك وأشعر أنك ذاهب.
الخطيب:
- لكنّك ستأتين معنا.
الأم:
- لا. لا أستطيع أن أترك هنا أباك وأخاك وحيديْن. عليَّ أن أذهب إليهما كل صباح، وإذا ما ابتعدت، فقد يموت أحد من عائلة فيليكس، واحد من عائلة القتلة، ويدفن بجوارهما. وهذا لن يحصل أبداً! لن يحصل أبداً! لأنني بأظافري سأخرجه من القبر وبمفردي سأسحقه بالسور.
الخطيب (بصوت قوي):
- عدنا مرَّة أخرى.
الأم:
- اعذرني. (صمت) كم من الوقت مضى على علاقتكما؟
الخطيب:
- ثلاث سنوات. استطعت خلالها شراء الكرم.
الأم:
- ثلاث سنوات. كان لها خطيب من قبل. أليس كذلك؟
الخطيب:
- لا أعرف. لا أظن. الفتيات يدققن في مسألة من سيتزوجن.
الأم:
- بلى.. أنا لم أدقق في اختيار أحد. نظرت إلى أبيك. وعندما قتلوه أصبحت أنظر إلى الحائط الذي أمامي. امرأة مع رجل واحد، وانتهى.
الخطيب:
- أنتِ تعلمين أن خطيبتي فتاة جيدة.
الأم:
- لا أشك في هذا. في كل الأحوال أشعر بأني لا أعرف كيف كانت أمها.
الخطيب:
- ما أهمية ذلك؟
الأم (وهي تنظر إليه):
- ابني.
الخطيب:
- ماذا؟
الأم:
- هذا صحيح! أنت على حق! متى تريد أن أطلبها؟
الخطيب (فرِحاً):
- هل ترين أن يوم الأحد هو موعدٌ ملائمٌ؟
الأم (بوجه جاد):
- أنا أُحضر لها أقراط النحاس الأصفر، وهي قديمة، وأنت تشتري لها...
الخطيب:
- أنتِ لديك خبرة أفضل...
الأم:
- تشتري لها بعض الجوارب المطرزة، ولك بدلتان!.. ثلاث! فأنا ليس لي أحد سواك.
الخطيب:
- أنا ذاهب. غداً سألتقيها.
الأم:
- أجل، أجل؛ وسأرى ما إذا كنت ستفرحني بستة أحفاد، أو بما تتمناه أنت، فأبوك لم تسمح له الظروف بأن يحقق لي ذلك.
الخطيب:
- الأول لك.
الأم:
- أجل، لكنْ أتمنى أن تُرزق بالبنات، لأني أحب التطريز والزخرفة وأن أكون مرتاحة.
الخطيب:
- أنا واثق من أنك ستحبين خطيبتي.
الأم: سأحبها. (تهم بتقبيله ثم تمسك نفسها عن ذلك). امشِ، لقد أصبحت كبيراً جداً على القبلات. ستعطيها لزوجتك. (صمت. ثم كما لو أنها تحدث نفسها) عندما تصبح كذلك.
الخطيب:
- أنا ذاهب.
الأم: قلِّبْ جيداً الأرض القريبة من الطاحونة الصغيرة، فإنك تهملها.
الخطيب:
حاضر.
الأم:
- امشِ والرب معك. (يذهب الخطيب. وتبقى الأم جالسة وهي تستند بظهرها إلى الباب. تظهر بالباب إحدى الجارات وهي ترتدي ثياباً داكنة، وتضع منديلاً على رأسها). تفضلي.
الجارة:
- كيف حالك؟
الأم:
- كما تريْن.
الجارة:
- نزلت إلى الدكان وجئت لأراك. نسكن بعيداً جداً!
الأم:
- منذ عشرين سنة لم أصعد حتى نهاية الشارع.
الجارة:
- أنت في حالة جيدة.
الأم:
- أتعتقدين ذلك؟
الجارة:
- الأمور تمضي. منذ يومين جاؤوا بابن جاري وقد قطعت الآلة ذراعيه. (تجلس).
الأم:
- رافائيل؟
الجارة:
- أجل. وكثيراً ما أفكر بأن ابنك وابني أصبحا في وضع أفضل حيث هما، إنهما ينامان مطمئنين، ليسا معرضين لأن يصبحا معوقين.
الأم:
- اسكتي. كل هذا مجرد هراء، وليس فيه أي عزاء.
الجارة:
- آه!
الأم:
آه!
(صمت).
الجارة (بحزن):
- وابنك؟
الأم:
- خرج.
الجارة:
- أخيراً اشترى الكرم!
الأم:
- حالفه الحظ.
الجارة:
- الآن سيتزوج.
الأم (تتنبّه، تقرّب كرسيها من كرسي الجارة).
- اسمعي.
الجارة (وهي تتهيّأ للاستماع إلى حديث سرّي):
- قولي لي.
الأم:
- هل تعرفين خطيبة ابني؟
الجارة:
- فتاة طيبة!
الأم:
- صحيح، لكنْ...
الجارة:
- لكنْ من الذي يعرف ما في أعماقها، لا أحد. تعيش وحيدة مع والدها هناك، بعيداً جداً، على مسافة عشرة فراسخ من أقرب بيت. لكنها طيبة، وتعودت العزلة.
الأم:
- وأمها؟
الجارة:
- أنا أعرف أمها. جميلة. وجهها يضيء مثل قدّيس؛ لكنّها لم تعجبني أبداً. لم تكن تحب زوجها.
الأم (بحدة):
- لكنْ! ما أكثر ما يعرفه الناس!
الجارة:
- معذرة. لم أقصد الإساءة؛ لكنها الحقيقة. ثم، هل كانت محتشمة أم لا، لم يتحدث بذلك أحد. كانت متعجرفة.
الأم:
- دائماً الشيء نفسه!
الجارة:
- أنتِ سألتني.
الأم:
-كنت أتمنى لو أن أحداً لا يعرفهما؛ لا المتوفّاة منهما ولا الحيّة. وأن تكونا مثل عوسجتين، لا ينطق باسمهما إنسان، لكنهما تخزّان عندما تدعو الضرورة.
الجارة:
- أنت على حق. ابنك يساوي الكثير.
الأم:
- أجل. لهذا أحافظ عليه. لقد قيل لي إنه كان للفتاة خطيب.
الجارة:
- كانت في الخامسة عشرة. وهو تزوج منذ عامين، من ابنة عم لها. لم يعد أحد يذكر شيئاً عن تلك الخطوبة.
الأم:
- وكيف تتذكّرينها أنتِ؟
الجارة:
- أراكِ توجهين إليّ الأسئلة!
الأم:
- كل منّا يريد أن يطّلع على ما يشغله. من كان الخطيب؟
الجارة:
- ليوناردو.
الأم:
- أي ليوناردو؟
الجارة:
- ليوناردو ابن عائلة فيليكس.
الأم (تنتفض):
- ابن عائلة فيليكس!
الجارة:
- يا امرأة، أي ذنب ارتكبه ليوناردو؟ كان ما يزال في الثامنة من عمره عندما حدث ما حدث.
الأم:
- هذا صحيح... لكنّ عندما اسمع اسم "فيليكس" (من بين أسنانها) وهو الفيليكس نفسه، أشعر بأن فمي يمتلئ بالوحل (تبصق) وعليَّ أن أبصق، عليَّ أن أبصق كي لا أَقتُل.
الجارة
- اهدئي؛ ما الذي يعيدك إلى هذا؟
الأم:
- لا شيء. لكنك تفهمين ذلك.
الجارة:
- لا تقفي أمام سعادة ابنك. لا تقولي له شيئاً. أنت أصبحت امرأة مسنة. وأنا أيضاً. أنت وأنا علينا التزام الصمت.
الأم:
- لن أقول له شيئاً.
الجارة (تقبّلها):
- ولا أي شيء.
الأم (بهدوء):
- هذه الأمور!...
الجارة:
- أنا ذاهبة، اقترب موعد وصول جماعتي من الحقل.
الأم:
- أرأيت كم الطقس حارّ هذا اليوم؟
الجارة:
- الأولاد الذين يجلبون الماء للحصّادين يعودون وقد اسودَّ لونهم. وداعاً، يا امرأة.
الأم:
- وداعاً.
(تتجه الأم نحو الباب الأيسر. وفي منتصف طريقها تتوقف وترسم على صدرها، ببطء، إشارة الصليب).
ستارة
اللوحة الثانية
غرفة مطلية باللون الوردي. أوانٍ نحاسية وباقات زهور. في الوسط طاولة عليها غطاء. الوقت صباح.
(حَماة ليوناردو تحمل طفلاً بين ذراعيها. تهدهده. زوجة ليوناردو في الزاوية الأخرى، تحيك جورباً).
الحماة:
نانا، يا طفل، نانا
الحصان الكبير
لم يرغب في الماء.
كان الماء أسود
بين الأغصان.
عندما يصل إلى الجسر
يتوقف ويغنّي.
من الذي يدري، يا طفلي،
ماذا يحوي الماء،
بذيله الطويل
عبر بساطه الأخضر؟
الزوجة: (بصوت خفيض):
نَمْ، أيها القرنفل،
فالحصان لا يريد أن يشرب
الحماة:
نَمْ، يا نبتة الورد،
فالحصان بدأ يبكي.
القوائم جريحة،
العرف متجمّد،
وفي العينين
خنجرٌ من فضة.
هبطوا إلى النهر.
آه، كيف هبطوا!
الدم يجري
أكثر غزارةً من الماء.
الزوجة:
نَمْ، أيها القرنفل،
فالحصان لا يريد أن يشرب.
الحماة:
نَمْ، يا نبتة الورد
فالحصان بدأ يبكي.
الزوجة:
لم يرغب في أن يلمس
الضفة المبللة،
جحفلته الحارّة
عليها ذبابات من فضة.
في الجبال الوعرة
كان يصهل
مع النهر الميت
عند المضيق.
آه أيها الحصان الكبير
الذي لم يرغب في الماء!
آه يا ألم الثلج،
يا حصان الفجر!
الحماة:
لا تأتِ! توقَّف،
أغلق النافذة
بغصنٍ من أحلام
وحلمٍ من أغصان.
الزوجة:
طفلي ينام.
الحماة:
طفلي يصمت.
الزوجة:
أيها الحصان، طفلي
لديه وسادة.
الحماة:
مهده من فولاذ.
الزوجة:
لحافه من هولندا
الحماة:
نانا، يا طفل، نانا.
الزوجة:
آهْ أيها الحصان الكبير
الذي لم يرغب في الماء!
الحماة:
لا تأتِ، لا تدخل!
اذهب إلى الجبل
عبر الوديان الرمادية
حيث هي المُهْرَة.
الزوجة (وهي تنظر):
طفلي ينام.
الحماة:
طفلي يرتاح.
الزوجة (بصوت خفيض):
نَمْ، أيها القرنفل،
فالحصان لا يريد أن يشرب.
الحماة (تنهض وبصوت خفيض جداً):
نَمْ، يا نبتة الورد،
فالحصان بدأ يبكي.
(تُدخِل الطفل. يدخُل ليوناردو)
ليوناردو:
- والطفل؟
الزوجة:
- نام.
ليوناردو:
- البارحة لم يكن بحالة جيدة. بكى خلال الليل.
الزوجة (فرِحة):
- اليوم هو مثل زهرة الأضاليا. وأنت؟ هل ذهبت إلى البيطري؟
ليوناردو:
- أنا آتٍ من هناك. هل تصدّقين؟ منذ أكثر من شهرين وأنا أضع النِّعال الحديدية الجديدة لحوافر الحصان ولا تلبث أن تقع. يبدو أنها تنخلع بسبب الأحجار.
الزوجة:
- أليس ذلك بسبب أنك تمتطيه كثيراً؟
ليوناردو:
- لا. فأنا أكاد لا أمتطيه.
الزوجة:
- البارحة قالت لي الجارات أنهن قد شاهدنك عند أطراف السهول.
ليوناردو:
- من قال هذا؟
الزوجة:
- النسوة اللواتي كنَّ يجمعن الكَبَر. لقد فاجأني ذلك. هل كنتَ أنتَ؟
ليوناردو:
- لا. ما الذي سأفعله هناك, في تلك الأرض البور؟
الزوجة:
- هذا هو ما قلتُه. لكن الحصان كان يتصبب عرقاً.
ليوناردو:
- هل شاهدتِه أنت؟
الزوجة:
- لا. أمي.
ليوناردو:
- هل هي مع الطفل؟
الزوجة:
- أجل. هل تريد عصير الليمون؟
ليوناردو:
- بالماء المبرّد جيداً.
الزوجة:
- لماذا لم تأتِ لتناول الطعام؟
ليوناردو:
- كنت مع كيّالي القمح. دائماً يتسببون في تأخيري.
الزوجة(خلال قيامها بإعداد العصير، وبكثير من اللطف):
- وهل يدفعون أسعاراً جيدة؟
ليوناردو:
- السعر الملائم.
الزوجة:
- أنا بحاجة إلى فستان، وللطفل قبعة برِباط.
ليوناردو (ينهض):
- أنا ذاهب لرؤيته.
الزوجة:
- انتبه، فهو نائم.
الحماة (خارجة):
- لكنْ، من الذي يجعل الحصان يعدو كل هذه المسافات؟ إنه يحتضر، عيناه تكادان تخرجان من محجريهما وكأنه قادم من آخر الدنيا.
ليوناردو (بغيظ):
- أنا.
الحماة:
- معذرة؛ فهو حصانك.
المرأة (بخوف):
- كان مع كيّالي القمح.
الحماة:
- من ناحيتي، فلينفق (تجلس. صمت).
الزوجة:
- الشراب... هل هو بارد؟
ليوناردو:
- أجل.
الزوجة:
- أتعلم أنهم يخطبون ابنة عمي؟
ليوناردو:
- متى؟
الزوجة:
- غداً. سيكون العرس خلال شهر. أتوقع أن يأتوا لدعوتنا.
ليوناردو (برصانة):
- لا أعرف.
الحماة:
- أعتقد أن أمه لم تكن مرتاحة لهذا الزواج.
ليوناردو:
- وربما كانت على حق. فهي تستدعي الحذر.
الزوجة:
- لا يعجبني أن تسيء الظن بفتاة طيبة.
الحماة:
- لكنْ عندما يقول هذا فلأنه يعرفها. فقد كان خطيبها مدة ثلاث سنوات؟ (غامزة من الأمر).
ليوناردو:
- لكنّي تركتها. (لزوجته) هل ستبكين الآن؟ لا داعي! (يبعد لها يديها عن وجهها بفظاظة). تعالي لنرى الطفل.
(يدخلان متعانقين. تظهر فتاة، فرِحة، تدخل وهي تجري).
الفتاة:
- سيدتي.
الحماة:
- ماذا جرى؟
الفتاة:
- جاء الخطيب إلى الدكان واشترى أفضل ما كان موجوداً فيه.
الحماة:
- جاء لوحده؟
الفتاة:
- لا، مع والدته. جِدّية، طويلة. (تقلّدها). لكنْ أيُّ بذخ!
الحماة:
- لديهم المال.
الفتاة:
- واشتريا جوارب مطرّزة!... آه، أية جوارب! التي تحلم بها النساء! انظري حضرتك: سنونوة هنا (وتشير إلى الكعب)، وسفينة هنا (تشير إلى الساق)، وهنا وردة، (وتشير إلى الفخذ).
الحماة:
- يا بنت!
الفتاة:
- وردة مع بذورها وساقها! آه! وكل هذا من الحرير!
الحماة:
- سيجمعون ما بين ثروتين كبيرتين. (يظهر ليوناردو وزوجته).
الفتاة:
- جئت لأحكي لكم عما اشترياه.
ليوناردو (بحزم).
- هذا لا يهمنا.
الزوجة:
- دعها.
الحماة:
- ليوناردو، لا داعي لهذا.
الفتاة:
- أرجو المعذرة. (تخرج باكية).
الحماة:
- ما الضرورة للتعامل السيّئ مع الناس؟
ليوناردو:
- لم أطلب رأيك (يجلس).
الحماة:
حسنٌ.
(صمت).
الزوجة (لليوناردو):
- ماذا جرى لك؟ أية أفكار تثور داخل رأسك؟ لا تدعني هكذا من غير أن أعرف شيئاً...
ليوناردو:
- هذا يكفي.
الزوجة:
- لا. أريدك أن تنظر إليّ وتقول لي.
ليوناردو:
- دعيني. (ينهض).
الزوجة:
- إلى أين؟
ليوناردو (باستياء):
- هل تستطيعين أن تسكتي؟
الحماة (لابنتها، بحزم):
- اسكتي! (يخرج ليوناردو). الطفل!
(تدخل وتعود حاملة الطفل بين ذراعيها. تبقى الزوجة واقفة من غير أية حركة).
القوائم جريحة،
العرف متجمد،
وفي العينين
خنجر من فضة.
هبطوا إلى النهر.
آه، كيف هبطوا!
الدم يجري
أكثر غزارة من الماء.
الزوجة (تتلفّت ببطء وكأنها تحلم):
نَمْ، أيها القرنفل،
فالحصان بدأ يشرب.
الحماة:
نَمْ، يا نبتة الورد،
فالحصان بدأ يبكي.
الزوجة:
نمْ، يا طفل، نمْ.
الحماة:
آهْ أيها الحصان الكبير
الذي لم يرغب في الماء!
الزوجة (بتأثّر):
لا تأتِ، لا تدخل!
اذهب إلى الجبل!
آه يا ألم الثلج،
يا حصان الفجر!
الحماة (باكية):
طفلي ينام...
الزوجة (باكية وهي تقترب ببطء):
طفلي يرتاح...
الحماة:
نَمْ، أيها القرنفل،
فالحصان لا يريد أن يشرب.
الزوجة (باكيةً وهي تستند إلى الطاولة):
نَمْ، يا نبتة الورد،
فالحصان بدأ يبكي.
ستارة
اللوحة الثالثة
داخل الكهف حيث تعيش الخطيبة. في العمق صليب من ورود كبيرة. الأبواب مستديرة، ذات ستائر مطرزة وأناشيط وردية اللون. على الجدران البيض والصلبة مراوح يد مستديرة وأباريق زرق ومرايا صغيرة.
الخادمة:
تفضلا.. (لطيفة جداً، بصورة طافحة بالرياء المتذلل. يدخل الخطيب ووالدته. الأم ترتدي ثوباً من الأطلس الأسود وتضع خماراً مطرّزاً. الخطيب، بالمخمل الأسود مع سلسلة ذهبية كبيرة). تفضلا حضرتكما بالجلوس؛ سيأتيان حالاً.
(تخرج).
تجلس الأم والابن، دون أية حركة وكأنهما تمثالان. فترة صمت طويلة.
الأم:
- هل أحضرتَ الساعة؟
الخطيب:
- أجل. (يخرجها ويتأملها).
الأم:
- علينا ألاّ نتأخّر في العودة. ما أبعد مكان سكن هؤلاء الناس!
الخطيب:
- لكنّها أراضٍ جيدة.
الأم:
- جيدة؛ غير أنها منعزلة كثيراً. أربع ساعات على الطريق وليس هناك أي بيت ولا أية شجرة.
الخطيب:
- إنها الأراضي البور.
الأم:
- لو كان أبوك لكَساها بالأشجار.
الخطيب:
- بلا ماء؟
الأم:
- لكان قد بحث عنه. السنوات الثلاث التي عشناها معاً، زرع عشر شجرات كرز. (تعود بها الذاكرة). ثلاث شجرات جوز في المعصرة، وكرم كامل ونبتة تدعى جوبيتر، ذات زهور حمر... لقد ذبلت.
(صمت).
الخطيب (عن الخطيبة):
- لا بد وأنها تقوم بارتداء ملابسها.
يدخل والد الخطيبة: مسنّ، شعره أبيض يلتمع. رأسه منحنٍ. تنهض الأم والخطيب ويمدّان إليه يديهما بصمت.
الأب:
- استغرقت رحلتكما وقتاً طويلاً؟
الأم:
أربع ساعات.
(يجلسون).
الأب:
- سلكتما الطريق الأطول.
الأم:
- لقد أصبحتُ في سن لا تسمح لي بسلوك طريق النهر الوعرة.
الخطيب:
- يصيبها بالدوار.
(صمت).
الأب:
- محصول الحَلْفاء جيّد.
الخطيب:
- جيّد بالفعل.
الأب:
- في أيامي، لم تكن هذه الأرض تنتج الحَلْفاء. كان من الضروري معاقبتها وحتى جعلها تبكي، كي تعطينا شيئاً مفيداً.
الأم:
- لكنها الآن تعطي. لا داعي لأن تشتكي. أنا لم آتِ كي أطلب منك شيئاً.
الأب (وهو يبتسم):
- أنتِ أكثر غنى مني. الكروم تساوي الكثير من المال. كل غصن هو قطعة نقود فضية. ما آسف له هو أن الأراضي.. أتفهمينني؟... متباعدة. ما أتمنّاه هو أن يكون كل شيء متجمعاً. أحس بشوكة في قلبي بسبب بستان صغير يقع وسط أراضيّ، ولا يريدون بيعها لي، ولو بكل ذهب العالم.
الخطيب:
- هذا يحدث دائماً.
الأب:
- لو أن عشرين زوجاً من الثيران تستطيع أن تجلب كرومكِ إلى هنا، ونغرسها عل سفح الجبل. إنه شيء مفرِح!..
الأم:
- لماذا؟
الأب:
- ما أملكه أنا هو لها، وما تملكينه أنتِ هو له. لهذا السبب. كي نرى كل شيء متجمعاً. والتجمع أمر جميل!
الخطيب:
- وسيكون العمل أقلّ.
الأم:
- عندما أموت، تبيعون تلك وتشترون هنا بجواركم.
الأب:
البَيْع، البَيْع!، إه!؛ الشراء، يا ابنتي، شراء كل شيء. لو كنت قد رُزقت بأبناء لكنت قد اشتريت كل هذا الجبل حتى طرف الساقية. ولأنها ليست أرضاً جيدة؛ بالسواعد تصبح جيدة، ولأن الناس لا يمرون بها، فلن تُسرق ثمارك، وتستطيعين النوم باطمئنان.
(صمت).
الأم:
- أنت تعرف سبب مجيئي.
الأب:
- أجل.
الأم:
- وماذا؟
الأب:
- يبدو لي أن الأمر جيد. هما قد تحدثا بذلك.
الأم:
- ابني يملك ويقدر.
الأب:
- وابنتي أيضاً.
الأم:
- ابني رائع. لم يعرف امرأة في حياته. سمْعته أنقى من ملاءة بيضاء تحت أشعة الشمس.
الأب:
- وماذا أقول لك عن ابنتي. تقوم بتحضير العجين عند الثالثة. مع كوكب الزهرة. لا تثرثر أبداً، ناعمة كالصوف. تُجيد كل أنواع المطرزات وتستطيع أن تقطع حبلاً بأسنانها.
الأم:
- بارك الرب منزلك.
الأب:
- باركه الرب.
(تظهر الخادمة مع صينيتين. واحدة عليها كؤوس، والأخرى فيها حلويات).
الأم (لابنها):
- متى تريدان العرس؟
الخطيب:
- الخميس القادم.
الأب:
- اليوم الذي تكمل فيه اثنتين وعشرين سنة بالضبط.
الأم:
- اثنتان وعشرون سنة! هو عمر ابني الكبير لو عاش. كان سيعيش حاراً ورجلاً كما كان، لو لم يخترع الرجال السكاكين.
الأب:
- لا يجب التفكير بهذا الأمر.
الأم:
- كل دقيقة. ضع يدك على صدرك.
الأب:
- فإذاً الخميس. أليس كذلك؟
الخطيب:
- هو كذلك.
الأب:
- الخطيبان ونحن نذهب في السيارة حتى الكنيسة؛ فهي بعيدة جداً، أما المشاركون فيذهبون في العربات وعلى المطايا التي ستأتي بهم.
الأم:
- اتفقنا.
(تمر الخادمة).
الأب:
- قولي لها إنّ بإمكانها الدخول. (للأم) سأكون مسروراً جداً بأن تعجبك.
(تظهر الخطيبة بطريقة تتكلّف فيها الحياء. يداها منسدلتان ورأسها مطأطئ).
الأم:
- اقتربي. هل أنتِ سعيدة؟
الخطيبة:
- أجل. سيدتي.
الأب:
- لا داعي لهذا التكلّف. بالنهاية، ستكون هي أمك.
الخطيبة:
- أنا سعيدة. وعندما أعربت عن موافقتي فلأنني أرغب في ذلك.
الأم:
- بالطبع. (تلمس ذقنها). انظري إليّ.
الأب:
- كل شيء فيها يشبه زوجتي.
الأم:
- حقاً؟ ما أجمل نظرتها! أتعرفين ما هو الزواج يا بنيّة؟
الخطيبة (جادة):
- أعرف.
الأم:
- رجل وأولاد وغرفة عرضها ذراعان لكل ما عدا ذلك.
الخطيبة:
- هل هناك شيء آخر؟
الأم:
- لا. أن يعيش الجميع، هذا! أن يعيشوا!
الخطيبة:
- سأعرف كيف أقوم بواجبي.
الأم:
- جئتكِ ببعض الهدايا.
الخطيبة:
- شكراً.
الأب:
- ألا نتناول شيئاً؟
الأم:
-أنا لا أريد. (للخطيب) وأنت؟
الخطيب:
- أنا سآخذ (يأخذ قطعة حلوى. الخطيبة تأخذ أخرى).
الأب (للخطيب):
- نبيذ؟
الأم:
- لا يشربه.
الأب:
أفضل!
(صمت. الجميع ينهضون).
الخطيب (للخطيبة):
- سآتي غداً.
الخطيبة:
- في أية ساعة؟
الخطيب:
- في الخامسة.
الخطيبة:
- أنا في انتظارك.
الخطيب:
- عندما أبتعد عنك أشعر بالضيق، وكأنَّ غصة في حنجرتي.
الخطيبة:
- عندما تصبح زوجي لن تشعر بذلك أبداً.
الخطيب:
- وهذا ما أقوله أنا.
الأم:
- هيّا. الشمس لا تنتظر. (للأب) هل نحن متفقون على كل شيء؟
الأب:
- متفقون.
الأم (للخادمة):
- وداعاً يا امرأة.
الخادمة:
- فلتذهبا بحفظ الله.
(الأم تقبّل الخطيبة، ويخرجان بصمت).
الأم (عند الباب):
- وداعاً يا ابنتي. (الخطيبة تجيب بحركة من يدها).
الأب:
سأخرج معكما.
(يخرجون).
الخادمة:
- كم أتحرق لرؤية الهدايا.
الخطيبة (بحدة):
- ابتعدي عنها.
الخادمة:
- آه، يا بنت، أريني إياها!
الخطيبة:
- لا أريد.
الخادمة:
- ولوْ حتى الجوارب. يقولون إنها كلها مطرّزة. يا امرأة!
الخطيبة:
- قلت لك لا.
الخادمة:
- يا إلهي. وكما لو أنك غير راغبة في الزواج.
الخطيبة (وهي تعض على يدها من الغيظ):
- آيْ.
الخادمة:
- يا صبية، يا بنت، ماذا جرى لك؟ هل تأسفين لتخليك عن العيش كملكة؟ لاتفكري بأشياء مزعجة. هل هناك أسباب؟ ولا أي سبب. تعالي نتفرج على الهدايا. (تتناول الصندوق).
الخطيبة (وهي تمسك بها من معصميها):
- اتركيه.
الخادمة:
- آيْ، يا امرأة!
الخطيبة:
- قلتُ لك اتركيه.
الخادمة:
- أنتِ قوية أكثر من رجل.
الخطيبة:
- ألم أقم بأعمال الرجال؟ ليتني كنت كذلك!
الخادمة:
- لا تتكلّمي هكذا!
الخطيبة:
قلت لك اسكتي. فلنتحدث في موضوع آخر.
(يأخذ الضوء بالانحسار عن المسرح. صمتٌ طويل).
الخادمة:
- هل سمعتِ الليلة الفائتة وقع حوافر حصان؟
الخطيبة:
- في أية ساعة؟
الخادمة:
- في الساعة الثالثة.
الخطيبة:
- ربما أنه حصان ضلّ عن قطيعه.
الخادمة:
- لا. كان يمتطيه فارس.
الخطيبة:
- كيف عرفتِ؟
الخادمة:
- لأنّي رأيته. كان واقفاً عند نافذتك. فوجئت كثيراً.
الخطيبة:
- هل يمكن أن يكون خطيبي؟ كان أحياناً يمرّ في مثل ذلك الوقت.
الخادمة:
- لا.
الخطيبة:
- أنتِ رأيته؟
الخادمة:
- أجل.
الخطيبة:
- من كان؟
الخادمة:
- كان ليوناردو.
الخطيبة (بحدة):
- كذب! كذب! لماذا يأتي إلى هنا؟
الخادمة:
- لقد أتى.
الخطيبة:
- اسكتي! اللعنة على لسانك!
(تُسمع جلبة حصان).
الخادمة. (تطل من النافذة):
- انظري، أطلّي. هل هذا هو؟
الخطيبة:
- هو!
ستارة سريعة
نهاية الفصل الأول