فيديريكو غارثيّا لوركا
أعراس الدم
ترجمة: مروان حداد
العنوان الأصلي
Bodas de sangre
Federico García Lorca
مقدمة
مانويل فيفيرو
بين العناصر، الأكثر أهمية، التي تميِّز ما سُمِّي بـ "جيل 1927"، العمل بفعالية على التجديد في المواضيع والأشكال التقليدية، واستعادة الأهمية لما هو جماهيري وشعبي كمنبع شعري، وهذا ما يشكل منطلقاً أساسياً من أجل فهم أعمال مؤلِّفي تلك المرحلة.
هذه العناصر متحققة في أعمال فيديريكو غارثيّا لوركا بكثافة واتساع جليّين أكثر مما لدى أيّ من معاصريه. وقد وضع الحضور البارز للتقاليد الشعبية أعماله في مصاف الأعمال الكبرى في الأدب الإسباني.
منذ قصيدة Mío Cid الملحمية، مروراً بالقصيدة الغنائية القصصية "Romancero"، ورواية الصعاليك، ومانريكيه، وثيرفانتيس، وكيبيدو، وماتشادو، وإيرنانديث, تشكل التقاليد الشعبية نبعاً لا ينضب يستلهِم الأدب الإسباني منه الحقيقة والعمق.
والتقاليد، وهي هامة دائماً، تتحول لدى بعض المؤلفين إلى المصدر الأساس لأفكارهم الشعرية؛ وهو ما يتغذى به الفن ويمدّه بالحياة وبالازدهار. وهذه هي الحال مع فيديريكو غارثيّا لوركا، الذي نجد عناصر الموروث الشعبي حاضرة في أعماله (النثرية والشعرية)، ليس فقط عبر الألفاظ، والألوان، والموسيقا؛ بل في أساس العمل نفسه، كجوهر، وكواحدة من القوى الدافعة، الهامة، للإبداع.
في شعر لوركا، الذي ينعكس فيه الموروث الشعبي من خلال ما هو أندلسي، يقول "آنخل فالبوينا برات": "هناك تطابق هائل بين ما هو غجري والكثافة الشعرية". وأكثر من ذلك، فإنّ ما هو غجري يتمركز في عمق الحالة الشعرية. ونجده، بخاصة، في القصائد الغنائية القصصية، حبث يجري إنتاج الأساطير كما في قصيدة "أنطونيو إلكامبوريو".
إن المواضيع الأساسية للشاعر: الحب، والعمل، والأسرة، والخصوصية، لديها دائماً، كأساس، عناصر الموروث الشعبي، وكثيراً ما تتحول إلى قوى متجذرة بالأرض، ولا يمكن تفسيرها إلاّ عبر تحليل التقاليد والمجتمع.
التقاليد، وانقياد الإنسان نحو مصير يتّسم بالأعراف، والقيم الأخلاقية للعلاقات الاجتماعية التي لها جذور موغلة في القدم والتي تبرز باتجاه الحاضر عبر غنى عاطفي وأخلاقي لا محدود؛ تمثّل عنصراً تراجيدياً وحيوياً في الوقت ذاته، وتتحول إلى مرآة تعكس ما في أعماق البُنى الدرامية التي تقدمها.
هذا الانتشار الشعبي، وهذه الاستعادة لأهمية القوة الشعرية للتقاليد، حاضران في أعمال غارثيّا لوركا بدرجة فائقة من الإتقان. وتجري تنقية العناصر الشعبية من خلال روح صافية وشفافة ومثقفة؛ لكنْ من غير أن يُفقدها ذلك قوتها الحيوية.– وربما أن هذا هو أحد العناصر الأكثر أهمية وأصالة لدى هذا المبدع –. والإتقان الشعري لا يمكن أن تتحول غنائيته، بأية حال من الأحوال، إلى أعمال رفيعة، وتنعزل بسبب ذلك عن شعبيتها وتخسر الحقيقة. والأمر نفسه يحدث مع العمل الدرامي؛ فالشخصيات، والأحداث، والمواضيع التي تسبب المواقف الدرامية، وحيوية الفعل المنطلقة، هي شعبيةٌ بلا حدود. إن الذوق الجيد، والرقة والحساسية، ولو كانت هذه في غاية البساطة، (ولا يعني ذلك أنها أقل إتقاناً)، والأخلاق التي تشكّل أيضاً عنصراً يرتقي بجميع الشخصيات؛ جميع هذه الأمور حاضرة بصورة دائمة.
الحقيقة الأكثر قسوةً، تتلازم مع الرمزية الأكثر شعرية، مع اللاواقعية الأكثر طغياناً. وعلى سبيل المثال، فالقمر يتحول إلى شخصية حلم، إلى جانب شخصيات أخرى حية وحقيقية؛ وهي إنسانية ليس فقط بسبب مشاعرها وفعلها، بل وأيضاً لأنها جزء حي من أرضها وناسها.
في مقال نُشر في شهر كانون الأول عام 1934، قدّم لوركا أسساً سلطت الضوء على أمور أساسية ذات علاقة مع فكرته عما يجب أن يكون عليه المسرح.
قال: "المسرح هو الشعر الذي ينهض من الكتاب ويتحول إلى بشر. من الضروري أن تظهر الشخصيات على المسرح وهي ترتدي أردية من الشِّعر، وفي الوقت نفسه أن تظهر من لحم ودم، وأن تكون تراجيدية بصورة واضحة ومتصلة بالحياة وبالزمن، ولديها الطاقة لأنْ تُري تقاليدها، التي تعبّر عن قيمها، وأن تخرج من بين شفاهها كل شجاعة كلماتها، ممتلئة بالحب أو بالكراهية".
الواقعية، التقاليد، الشعر؛ هي القيم الجمالية الرئيسة لمفهومه، والتي تحققت، فعلاً، في أعماله.
لا شك في أن المسرح هو نتاج نضج الشاعر، وهو يدل، في الوقت نفسه، على قوة خلق كبيرة، سواء فيما يتعلق بالبناء الشكلي، أم فيما عليه أن يتضمنه من أعماق سيكولوجية. ولا شك في أنّ العمل الدرامي يعلو كثيراً على الشعري.
مسرحية "بيت بيرناردا آلبا"، من ناحية بنائها الشكلي، تتميز كثيراً عن الأعمال المسرحية الأخرى لغارثيّا لوركا. العناصر الدرامية في هذه المسرحية وصلت إلى حدود متقدمة جداً من قوة الحضور والتأثير، في إطار إيقاع درامي استطاع أن يضبط كل شيء.
في "ييرما"، يتوازن الدرامي مع الشعري، وعلى الرغم من أن الأول هو المسيطر، فإن العناصر الشعرية لها أهمية كبرى.
لكنْ، كوحدة من التوازن الفني بين غنى المواضيع، والحقيقة الدرامية التي تنقلها الشخصيات، والإيقاع الذي يتطور من خلاله الفعل التراجيدي، فربما أن "أعراس الدم" هو العمل الدرامي الأكثر نجاحاً بين أعمال فيديريكو غارثيّا لوركا.
"أعراس الدم" صراع بين الحب كقوة مسيطرة فرضتها الطبيعة، وتعاليم الحياة التي تفرضها التقاليد. هذا الصراع موجود في إسبانيا، لكنّ المسببات التي تقود إليه، بطبيعته التراجيدية، يمكن أن تأخذ سمات تتجاوز، بصورة عامة، المجال الإسباني. من هذه الناحية تبدو هذه الدراما ذات طبيعة عالمية، ومن هنا تحقق لهذا العمل نجاح في مختلف أرجاء العالم. يجب أن نضيف هنا سبباً سيكولوجيّاً ذا طابع شخصي لدى المؤلف، سواء في رؤية الطبيعة التراجيدية للحب (الموضوع الذي لا تنفرد به مسرحية أعراس الدم. فحالات الحب غير المُشبَعة التي تتحول إلى حالات حب مستحيل نجدها دائماً في الأعمال الدرامية للوركا؛ وكذلك؛ لو تأملنا جيداً في أعماله الشعرية، لوجدناها ملأى بالحب المحبَط)؛ أم في رؤيته التشاؤمية للعلاقات الاجتماعية التي تخص شخصياته.
المصير التراجيدي للشخصيات، بصورة عامة،- التي تتحرك في فضاء العمل وتطبعه بمجمله -، لا يرتبط هنا، كما هي الحال في التراجيديا اليونانية، بإرادة الآلهة، بل نجد للقوى التي تحدد التطور والحل، الطاقة ذاتها، كما أنّ النتائج المشؤومة تبدو معلَنة منذ البداية.
في أعراس الدم، يُقدََّم الصراع عبر مسار الإحباط المزدوج للحب لدى رجلين وامرأة تبدو مدفوعة باتجاه أحدهما وكذلك باتجاه الآخر؛ بسبب الطبيعة، حيث يأخذ شكل حب لا يقاوََم؛ ومراعاةً للواجب الأخلاقي الذي يفرضه المجتمع.
بدءاً من اللوحة الثانية في الفصل الأول (يتكون العمل من ثلاثة فصول تضم سبع لوحات)، يتطور الصراع بين الحبّين بصورة متوازية، بتصعيد لا يتوقف، كما أن ذروته التراجيدية تتّضح منذ البداية.
جميع المواضيع التي تتضمنها أعمال لوركا، حاضرة في "أعراس الدم"، وتطل بمنظورها العميق على الموضوع الرئيس.
الموت، الذي يأتي في الفصل الثالث، في مثال متميز جداً للاستعارة الدرامية، يتجسد بمتسولة عجوز (لها مساعد يتمثّل بالقمر، القوة المتجمدة، الذي يريد أن يتدفّأ بدم أبطال العمل)، حاضر منذ البداية، منذ الكلمات الأولى للفصل الأول؛ وهو يظهر لكي يستمر، لأنّ أعراس الدم تراجيديا لا تتوقف. عندما لا يكون هناك حديث عن الموت، نحس بأنه قريب، وسرعان ما تتشكل لدينا القناعة لدى القراءة بأنه سيكون شخصية رئيسة في مسار العمل.
إذا كان هذا المعنى التراجيدي للحياة، ولمظاهرها الرئيسة، كالحب، يرتبط بالتقاليد الإسبانية (التقاليد في الحياة، وكذلك في الفن)، فهو لدى غارثيا لوركا، معرّف بصورة جلية عبر دافع خاص به، يشد كل العلاقات بين الشخصيات.
عناصر التراجيديا، وقيمها الأخلاقية، تتمثّل عبر بعض الشخصيات: بوالدة الخطيب، التي تحيا من أجل ابنها الوحيد الذي بقي لها، لكنْ بصرامة اجتماعية تقليدية. في نهاية الفصل الثاني، بعد العرس، وقبل إتمام الزواج، عندما تهرب زوجة ابنها مع رجل آخر، يبرز عنصر تراجيدي أكبر من مصيبة تخلي هذه الخطيبة؛ إذ نجد غضب الأم البالغ، في الوقت نفسه، مسيطَراً عليه بطريقة تراجيدية بسبب كون إجراءات الزفاف قد تمّت.
تقول لوالد الخطيبة:
"... ابنتك، نبتةٌ لأمٍّ سيئة،
لكنها أصبحت الآن زوجة ابني!"
ثم تصرخ مطالبة بالثأر، وبطريقة عنيفة تذكرنا بشيكسبير:
"... من لديه حصان هنا؛
من لديه حصان؟ وسأعطيه كل ما أملك،
عينيّ وحتى لساني."
وبعد قليل، تصرخ مرة أخرى:
"لكنها الآن أصبحت زوجة ابني.."
وأيضاً والد الخطيبة، ذو المظهر السلبي؛ فهو رجل يستغرق حياتَه بالكامل تفرُّغه للاهتمام بأملاكه. حتى أن زواج ابنته أيضاً لم يكن يعني بالنسبة إليه سوى التفكير بزيادة هذه الأملاك، ولم يكن لديه، في أية لحظة، حماسة لأي أمر لا يتصل بتحسين وضعه المالي.
والحب، بين الخطيبة والرجل الذي هربت معه، له ماضٍ من خطوبة بين الاثنين، والزواج لم يتم لأن الشاب كان فقيراً. وهو ظرف يحدث في المجتمع الإسباني (وفي كل المجتمعات الأخرى، بدرجة أكثر أو أقل) وهو ما يؤدّي إلى انتهاء العلاقة وإحباط الحب بين شابين.
العمل، كقيمة أخلاقية متجذرة بعمق في تقاليد الإنسان الإسباني وفي وعيه، هو أمر ماثل هنا منذ البداية.
الطهر، ليس هو فقط قيمة أخلاقية ترتبط بالجنس، ولا يقتصر على المرأة، التي يعد طهرها مسألة لا تساهل فيها. عندما تذهب الأم لإتمام عرس ابنها، تقول لوالد الخطيبة، وهي بصدد التعريف بمزايا الخطيب:
"ابني رائع، لم يعرف امرأةً في حياته،
سمعته أنقى من ملاءة بيضاء تحت أشعة الشمس."
لكن النقاء والطهر يذهبان إلى ما هو أبعد من ذلك. فبين الحلويات والنبيذ، يتناول الخطيب قطعة حلوى، وعندما يقدِّم إليه والد الخطيبة كأس نبيذ، تقول الأم:
"- لا يشربه."
الشهوانية، سطوة الجنس، هي أيضاً من مواضيع هذا العمل (وهل بين أعمال غارثيّا لوركا ما هو ليس كذلك؟)، وهي حاضرة لدى الجميع، الذين في مقتبل العمر، والمسنين. لدى ليوناردو، كقوة ضارية؛ ولدى الخطيبة، بطريقة أكثر مأساوية، لأن مقاومتها أمر لا جدوى منه. الجنس يظهر كقوة مبهمة ترتبط بالموت، لكنّها قوة طبيعية، أرضية.
كل ما هو شهواني يزداد حضوراً واتساعاً عبر الطاقة الشعرية لغارثيّا لوركا.
تقول الخطيبة لوالدة الخطيب:
"... ذهبتُ مع الآخر، ذهبت!..
كنت امرأة تحترق، تملؤني القروح
من الداخل ومن الخارج،
وابنك كان مثل القليل من الماء،
الذي كنت انتظر منه الأبناء، والأرض، والصحة؛
لكن الآخر كان نهراً غامضاً،
مليئاً بالأغصان، كان يقرّب مني وشوشات أسَله،
وغناءه من بين أسنانه."
والطهر:
"كان ابنك غايتي، وأنا لم أخدعه.."
وسطوة الجنس بخاصة:
"لكنّ ذراع الآخر جرفتني كموجة...
وكانت ستجرفني دائماً، دائماً،
ولو أصبحت عجوزاً،
وكل أبناء ابنك يشدّونني من شعري.."
إذا نحّينا جانباً هتافات الأعراس، التي كُتبت بأفضل تقاليد الشعر الإسباني، وتحمل فرح الشعب، الفطري، والقوي، والبسيط؛ فإنّ ما يتبقّى من هذا العمل هو دراما لا تتوقف.
بلغة مقتضبة، محمّلة بدلالات جوهرية، يقدم لنا غارثيّا لوركا في "أعراس الدم" لوحة عميقة للريف الإيبيري، بناسه، وتقاليده، وأساليب حياته؛ في عمل ذي قوة درامية، تمتلك القدرة على الاستمرار حيّة، للقراءة كما على المسرح.
أعراس الدم
تراجيديا في ثلاثة فصول وسبع لوحات
(1933)
الشخصيات
الأم
الخطيبة
الحماة
زوجة ليوناردو
الخادمة
الجارة
فتيات
ليوناردو
الخطيب
والد الخطيبة
القمر
الموت (كمتسوّلة)
حطّابون
شبّان