الفصل الثاني

7 0 00

الفصل الثاني

أكتب هذه الذكريات، في القليل المتبقي من المكتبة التي كانت لأبوي، ورفوفها على وشك أن تنهار بسبب العث. وأنا في نهاية المطاف، من أجل ما تبقى علي عمله في هذه الدنيا. تكفيني معاجمي التي من كل نوع، مع المجموعتين الأوليين من (المراحل الوطنية) لدون بينيتو غالدوس، ورواية (الجبل السحري) التي علمتني فهم تقلب أجواء أمي بسبب السل.

خلافا لقطع الأثاث الأخرى، وخلافا لي أنا بالذات، تبدو المنضدة التي أكتب عليها في أحسن صحة مع مرور الزمن، لأن من صنعها من أخشاب ثمينة هو جدي لأبي، وكان نجار سفن. وحتى عندما لا يكون علي أن أكتب فإنني أهيئها كل صباح بالصرامة المتكاسلة التي تسببت في فقداني غراميات كثيرة.

ولديّ في متناول يدي، كتبي المتواطئة: مجلديْ (المعجم المصور الأول) للأكاديمية الملكية، طبعة 1903م: و(كنز اللغة القشتالية أو الإسبانية) لدون سيبستيان دي كوفاروبياسح و(نحو دون أندرييس بيو). إذا ما اعترضتني شكوك في مدلول لفظة ما، بالصرامة اللازمة. و(المعجم الأيديولوجي) المستجد لدون خوليو كاساريس، ولاسيما بسبب مترادفاته وأضداده: و(مفردات اللغة الإيطالية) لنيكولا زينغاريلي، ليكون عونا لي في لغة أمي التي تعلمتها من المهد، ومعجم اللغة اللاتينية، لأنها أم لغتين أخريين أعتبرهما لغة مولدي.

وإلى يسار المنضدة أحتفظ على الدوام برزم الورق الخمس. ذات الحجم الرسمي، من أجل كتابة عمودي لأيام الآحاد، وقرن مسحوق تنشيف الرسائل الذي أفضله على وسائد ورق النشاف المحدثة. وإلى اليمين هناك دواة حبر وحمالة رياش كتابة من خشب البالسو الخفيف، والريشة الذهبية، فأنا ما زلت أكتب بيدي، بالخط الرومنطيقي الذي علمتني إياه فلورينا دي ديوس، كيلا أعتاد على الكتابة بالخط الرسمي لزوجها الذي كان كاتبا بالعدل، ومحاسبا محلفا. حتى نفسه الأخير. منذ زمن فرض علينا في الجريدة أن نكتب على الآلة الكاتبة، من أجل تقدير حسابي أفضل لحجم النص في رصاص اللينوتيب. ودقة أكبر في الإخراج، ولكنني لم أتفق قط مع هذه العادة السيئة. واصلت الكتابة يدويا، واستنساخ ما أكتبه على الآلة الكاتبة، بنقر دجاجة شاق، بفضل الامتياز المزعج، باعتباري أقدم الموظفين. وأنا اليوم، متقاعد ولكن غير مهزوم، أنعم بالامتياز المقدس بالكتابة في البيت، والهاتف مفصول كيلا يزعجني أحد، ودون رقيب يرصد ما أكتبه من فوق كتفي.

أعيش بلا كلاب ولا طيور ولا خدم، باستثناء داميانا الوفية التي أخرجتني من مآزق لا تخطر على بال، وهي تواصل المجيء مرة كل أسبوع، لترى إذا كان ثمة ما يجب عمله، حتى وهي في حالتها الراهنة، ضعيفة البصر والعقل. لقد توسلت إليّ أمي، وهي على فراش الموت أن أتزوج وأنا شاب من امرأة بيضاء، وأن ننجب ثلاثة أبناء على الأقل، بينهم طفلة تحمل اسمها الذي كان اسم أمها وجدتها. كنت حريصا على الاستجابة لتوسلها، إنما كانت لدي فكرة شديدة المرونة عن الشباب، لم يبد لي معها قط أن الوقت قد تأخر. حتى ظهيرة يوم بالغ القيظ، أخطأت فيه بباب البيت الذي كان يملكه آل بالوماريس دي كاسترو في برادومار، وفاجأت الابنة الصغرى خيمنتا أورتيث عارية وهي تنام القيلولة في الغرفة المجاورة. كانت مستلقية وظهرها إلى الباب، والتفتت لتراني من فوق كتفها، بحركة سريعة جدا، لم تتح لي الوقت للهرب. آي اعذرني، توصلت إلى قول ذلك وروحي في فمي. فابتسمت هي واستدارت نحوي بحركة غزال، وأظهرت لي جسدها كاملا. بدت الحجرة كلها مترعة بحميميتها، لم تكن عارية تماما، فقد كانت على أذنها زهرة سامة، بتلاتها مائلة إلى اللون البرتقالي مثل (أولمبيا) مانيه، وكانت تضع أيضا سوارا ذهبيا في معصمها الأيمن، وعقد لؤلؤ حباته دقيقة. لم أتخيل قط أنه يمكن لي رؤية شيء أشد إثارة للارتباك فيما تبقى لي من الحياة، ويمكنني اليوم أن أؤكد أنني كنت على صواب.

أغلقت دفعة واحدة، خجلا من بلادتي، ومصمما على نسيانها. لكن خيمينا أورتيث حالت دون ذلك، فقد راحت ترسل إلي رسائل شفهية مع أصدقاء مشتركين وبطاقات غرام استفزازية وتهديدات قاسية، فيما هي تنشر الإشاعة بأننا نحب أحدنا الآخر، دون أن نكون قد تبادلنا كلمة واحدة. كانت المقاومة مستحيلة، فقد كانت لها عينا قطة متوحشة، وجسد بالغ الإثارة، بالملابس ومن دونها، وشعر غزير من ذهب هائج. زهوها كامرأة يدفعني إلى البكاء غيظا على الوسادة. كنت أعرف أن ذاك لن يصل أبدا لأن يكون حبا، لكن الغواية الشيطانية التي مارستها علي كانت شديدة الإحراق، أحاول تهدئتها مع أي غانية خضراء العينين أصادفها في طريقي، لم أستطع قط إخماد نار ذكراها في سرير برادومار، وهكذا سلمتها أسلحتي بطلب يديها رسميا، وبتبادل خواتم والإعلان عن حفلة زفاف كبرى قبل عيد العنصرة.

انفجر الخبر في الحي الصيني بقوة أكبر مما في الأندية الاجتماعية. في البدء بسخرية ولكنه تحول إلى معارضة أكيدة لبعض الأكاديميات المحترفات اللواتي يرين أن الزواج حالة مضحكة أكثر منها مقدسة. تقيدت خطوبتي بكل طقوس الأخلاق المسيحية، على شرفة أزهار الأوركيدا الأمازونية والسراخس المعلقة في بيت خطيبتي، كنت أصل إلى هناك في الساعة السابعة مساءً، مرتديا بذلة كاملة من الكتان الأبيض، وحاملا أي هدية من مشغولات الخرز التقليدية أو الشوكلاتة السويسرية. فنتبادل الحديث، نصفه بالرموز ونصفه بجد، حتى الساعة العاشرة، تحت حراسة أرخينديا التي كانت تغفو مع أول طرفة عين، مثل الرقيبات ذوات القلنسوات في روايات ذلك العهد.

كانت خيمنتا تزداد شراهة كلما صار تعارفنا أفضل، فهي تتخلص من حمالات الصدر والتنانير كلما ازدادت وطأة حر حزيران، وكان من السهل تصور القدرة الهدامة الطاغية التي تمتلكها في العتمة. بعد شهرين من الخطوبة، لم يعد لدينا ما نتحدث عنه، وطرحت هي موضوع الأبناء، دون أن تقول مباشرة، وإنما بحياكة أخفاف صوف خام بالسنارة، لأطفال حديثي الولادة. وتعلمت أنا الخطيب الشهم الحياكة معها، وهكذا صارت الساعات غير المجدية المتبقية لحفل الزفاف، تمضي وأنا أحوك الأخفاف الزرقاء للمواليد الذكور، وهي تحوك الأخفاف الوردية للإناث، لنرى من منا سيصيب، إلى أن صارت الأخفاف تكفي لخمسين ابنا. وقبل أن تدق نواقيس الساعة العاشرة كنت أركب عربة تجرها أحصنة، وأذهب إلى الحي الصيني لأعيش ليلتي في سلام الرب.

كانت حفلات وداع العزوبية الصاخبة التي يقيمونها لي في الحي الصيني تمضي في طريق معاكس لسهرات النادي الاجتماعي ثقيلة الوطأة والمضجرة. وهو تناقض أفادني في أن أعرف أي العالمين هو عالمي الحقيقي، وقد أوهمت نفسي بأنهما عالماي على السواء، ولكن كلا منهما في ساعاته المحددة. فمن أي واحد منهما، كنت أرى الآخر يبتعد بالزفرات المؤثرة التي تتباعد بها سفينتان، إحداهما عن الأخرى، في عرض البحر. الحفلة الراقصة عشية يوم زفافي، في ماخور (إلبودير دي ديوس) تضمن طقسا أخيرا لا يمكن له أن يخطر إلا لخوري غاليسي متورط في وحول الشهوة، ألبس جميع العاملات الإناث طرحات زفاف وأكاليل زهر برتقال، كيف يتزوجن جميعهن مني، في طقس ديني جماعي. كانت ليلة تدنيس عظيمة للمقدسات، أقسمت فيها اثنتان وعشرون منهن على الحب والطاعة، وأجبتهن بقسم الوفاء والإعالة إلى ما بعد القبر.

لم أستطع النوم بسبب نذير أمر لا خلاص منه. ومنذ الفجر بدأت أعد مرور الساعات على دقات نواقيس الكاتدرائية، حتى دقات الناقوس السبع المرهوبة التي يتوجب علي عندها أن أكون في الكنيسة. بدأ جرس الهاتف بالرنين في الثامنة؛ طويلا لجوجا بلا لين، طوال أكثر من ساعة. ولم أكتف بعدم الرد عليه وحسب، وإنما بعدم التنفس أيضا. وقبل العاشرة بقليل طرقوا علي الباب، بقبضة اليد في البدء، ثم بصرخات أصوات معروفة ومستنكرة. خشيت أن يحطموه اعتقادا منهم بحدوث مكروه خطير، ولكن في حوالي الحادية عشرة ساد البيت صمت متوتر كالذي يلي الكوارث الكبرى. عندئذ بكيت من أجلها ومن أجلي، وصليت من أعماق قلبي متوسلا ألا ألتقي بها في حياتي، مطلقا وإلى الأبد. ولا بد أن قديسا ما سمعني نصف استماع، لأن خيمينا أورتيث غادرت البلاد، في تلك الليلة بالذات، ولم ترجع إلا بعد مرور عشرين عاما، وكانت قد تزوجت وصار لها سبعة أبناء، كان يمكن لهم أن يكونوا أبنائي.

تكلفت جهدا في الحفاظ على موقعي وعمودي الأسبوعي في (الدياريو دي لا باث)، بعد تلك الإساءة الاجتماعية. ولكنها لم تكن السبب في إبعاد عمودي الصحفي إلى الصفحة الحادية عشرة، وإنما السبب هو الاندفاع الأهوج الذي دخل به القرن العشرون. فقد تحول التقدم إلى أسطورة المدينة. كل شيء تبدل. طارت الطائرات، وألقى رجل مبادرات كيس رسائل من طائرة "جنكر" مخترعا بذلك البريد الجوي.

الشيء الوحيد الذي بقي على حاله هو أعمدتي في الصحيفة. انقضت الأجيال الجديدة عليها في هجمات مضادة، مثلما تنقض على مومياء من الماضي يجب تدميرها؛ ولكنني حافظت على مقالاتي، بالنبرة نفسها، دون تنازل، في مواجهة رياح التجديد. صممت أذني عن كل شيء. وكانت مقالاتي قد أكملت أربعين سنة، لكن المحررين الشبان كانوا يسمونها (مودارا النغل). استدعاني مدير ذلك الزمن إلى مكتبه، ليطلب مني أن أجاري نبرة الاتجاهات الجديدة. وقال لي بلهجة وقورة، كما لو أنه اخترع ذلك للتو: العالم يتقدم. فقلت له: أجل إنه يتقدم ولكن بالدوران حول الشمس. أبقى على عمودي ألأحدي، لأنه لم يجد مصحح برقيات آخر. وأنا أعرف اليوم أنني كنت على حق، وأعرف السبب. فمراهقو جيلي النهمون للحياة نسوا أوهام المستقبل روحا وجسدا، إلى أن علمهم الواقع بأن المستقبل ليس كما يحلمون به، واكتشفوا الحنين.

وهناك كانت أعمدتي ألأحدية مثل لقية أثرية بين أنقاض الماضي، وانتبهوا إلى أنها ليست للشيوخ فقط، وإنما هي كذلك للشباب الذين لم يخافوا أن يشيخوا. وعندئذ رجع عمودي إلى صفحة الافتتاحيات، وحتى الصفحة الأولى في بعض المناسبات الخاصة.

كل من يسألني أجيبه دوما بالحقيقة: العاهرات لم يتحن لي الوقت لأتزوج. ومع ذلك يجب أن أعترف بأنني لم أجد هذا التفسير قط ، حتى يوم إكمال سنواتي التسعين، عندما خرجت من بيت روسا كاباركاس، مصمما على عدم العودة مطلقا إلى استفزاز القدر. كنت أشعر أنني شخص آخر. انقلب مزاجي من جماعات الناس الذين رأيتهم متكئين على السور الحديدي المحيط بالحديقة العامة. وجدت داميانا مقرفصة في الصالة تمسح الأرضية فأثار في شباب فخذيها وهي في هذه السن، رعشة أزمنة أخرى. لا بد أنها أحست بذلك، لأنها غطت نفسها بالتنورة . ولم أستطع كبح الإغراء بسؤالها: أخبريني يا داميانا: ما الذي تتذكرينه؟ فقالت: لم أكن أتذكر شيئا، ولكن سؤالك ذكرني. أحسست بضيق في الصدر. قلت لها: لم أعرف الحب قط. فردت هي على الفور: أنا بلى، عرفته. وواصلت قائلة . ودون أن تتوقف عن عملها: بكيت اثنتين وعشرين سنة من أجلك.

أحسست بقلبي يطفر من مكانه. فقلت لها، باحثا عن مخرج مشرف: كان يمكن لنا أن نكون ثنائيا جيدا. فقالت: إنك تسيء إلي بقول هذا الآن، لأنه لم يعد ينفعني ولو كعزاء. وبينما هي تغادر البيت، قالت لي بطريقة أكثر طبيعية: أنت لن تصدقني ولكنني ما زلت عذراء، والحمد لله.

اكتشفت بعد قليل أنها تركت ورودا حمراء في كل أنحاء البيت، وبطاقة على الوسادة: (أتمنى لك بلوغ المئة). بهذا المذاق الكريه جلست لمواصلة كتابة عمودي الذي لم أكمله في اليوم السابق. أنهيته في نفس واحد، وخلال أقل من ساعتين، وكان علي أن ألوي عنق البجعة لأخرجها من أحشائي دون أن يظهر علي البكاء. وبنفحة إلهام متأخرة قررت أن أنهي هذا المقال بوضع حد سعيد، لحياة صحفية طويلة وجديرة دون الخضوع لشرط موتي البغيض.

كنت أنوي ترك المقال في استعلامات الجريدة، والعودة إلى البيت. ولكنني لم أستطع. فالعاملون كلهم كانوا بانتظاري للاحتفال بعيد ميلادي. كانت هناك ورشة ترميم في البناء، مع سقالات وأنقاض باردة في كل مكان، ولكنهم أوقفوا أعمال البناء من أجل الاحتفال. وعلى منضدة نجار كانت مشروبات الأنخاب والهدايا الملفوفة بورق مبهرج. وبينما أنا مشوش بوميض آلات التصوير، استجبت لكل ما طلب من صور للذكرى.

أسعدني أن أجد هناك صحفيين من الإذاعة، ومن جرائد المدينة الأخرى. من جريدة (لابرنسا) الصباحية المحافظة، وجريدة (الهيرالدو) الصباحية الليبرالية، و(الناثيونال) المسائية شديدة التأثير، التي تحاول التخفيف من توترات النظام العام بروايات عاطفية مسلسلة. لم يكن غريبا أن يكونوا معا، فضمن روح المدينة كان هناك تقبل حسن للحفاظ على سلامة الصدقات بين الجنود، بينما الماريشات يخوضون حروب الافتتاحيات.

وكان هناك أيضا، خارج أوقات دوامه، الرقيب الرسمي دون خيرونيمو أورتيغا، الذي كنا نسميه رجل الساعة التاسعة البغيض، لأنه يصل بدقة في هذه الساعة من الليل، بقلمه الدموي كعاهل قوطي. ويبقى هناك إلى أن يتأكد من عدم وجود أي حرف لم ينل جزاءه من طبعة الصباح. كان لديه نفور شخصي تجاهي، لعجرفتي النحوية، أو لأنني أستخدم كلمات إيطالية، عندما تبدو لي أكثر قدرة على التعبير من الكلمة القشتالية، دون أن أضمنها في أقواس أو أكتبها بخط مائل، وهو استخدام يجب أن يكون مشروعا بين لغات من أصل واحد. وبعد أن عانينا منه أربع سنوات انتهينا إلى تقبله، باعتباره ضميرنا الخبيث.

حملت السكرتيرات إلى القاعة قالب حلوى بودين، عليه تسعون شمعة مشتعلة، واجهتني لأول مرة بعدد سنوات حياتي. وكان لا بد لي من ابتلاع الدموع، عندما غنوا النخب، وتذكرت الطفلة دون أي مبرر. لم تكن خبطة حقدن وإنما شفقة متأخرة على المخلوقات التي لم أكن آمل بالعودة إلى تذكرها. وريثما انقضى مرور الملاك، كان أحدهم قد وضع في يدي سكينا من أجل تقطيع الحلوى. ولم يتجرأ أحد على ارتجال خطبة، خوفا من السخرية. وكنت أفضل الموت على الرد على مثل تلك الخطب. ولإنهاء الحفلة عمد رئيس التحرير الذي لم أشعر نحوه قط بتعاطف كبير، إلى إعادتنا إلى الواقع الفظ. فقد قال: والآن، أيها التسعيني اللامع، أين هي مقالتك؟

الحقيقة أنني كنت أشعر بها تحرقني، طوال ما بعد الظهر، مثل جمرة في جيبي، غير أن التأثر كان قد تغلغل عميقا، على حد لم يطاوعني معه قلبي على إفساد الحفلة باستقالتي. فقلت: إنها غير موجودة هذه المرة. استاء رئيس التحرير لهذا الخطأ الذي لم يكن تصوره ممكنا منذ القرن السابق. فقلت له: تفهم الأمر مرة واحدة، لقد أمضيت ليلة شاقة، واستيقظت مشوشا. فقال هو بمزاجه الذي كالخلب: كان عليك إذن أن تكتب هذا، فالقراء يحبون أن يعرفوا من صاحب العلاقة مباشرة كيف هي الحياة في التسعين. فتوسطت إحدى السكرتيرات، ربما هناك سر لذيذ، قالت ذلك ونظرت إلي بخبث: أم أن الأمر ليس كذلك؟ أحرقت وجهي هبة ملتهبة، وفكرت: يا للعنة، كم هو جاحد الحياء. فأشارت أخرى، مشرقة، إلي بإصبعها: يا للروعة! ما زالت لديه أناقة الإحساس بالحياء. فاستثارت في وقاحتها حياء آخر فوق الحياء. وقالت السكرتيرة الأولى: لا بد أنها كانت ليلة انقضاض، أشعر بالحسد! وقبلتني قبلة ظلت مرسومة على وجهي. ازداد المصورون ضراوة. وبإحساس بالاختناق سلمت المقالة إلى رئيس التحرير وقلت له إن ما قلته سابقا كان مزاحا، وهاهي ذي، وهربت في جلبة نوبة التصفيق الأخيرة، كيلا أكون حاضرا عندما يكتشفون أنها رسالة استقالتي، بعد نصف قرن من عبودية التجديف.

استمر الجزع طوال تلك الليلة، فيما أنا أفتح الهدايا في بيتي. عمال اللينوتيب جانبوا الصواب بإهدائي آلة صنع قهوة كهربائية، مثل الآلات الثلاث التي قدمت لي في أعياد ميلاد سابقة. وقدم لي الطباعون تفويضا باستلام قط أنغورا من الحظيرة البلدية للحيوانات. وقدمت لي الإدارة زيادة نقاط رمزية. وأهدت إلي السكرتيرات ثلاثة سراويل داخلية حريرية، عليها آثار قبلات مطبوعة، وبطاقة يعرضن فيها علي خلع السراويل عني. خطر لي إن إحدى مفاتن الشيخوخة هي الاستفزازات التي تسمح الصديقات الشابات لأنفسهن بها لأنهن يعتقدن أننا خارج الخدمة.

لم أعرف قط من الذي أرسل لي اسطوانة تضم افتتاحيات شوبان الأربع والعشرين، بتوزيع ستيفان اسكيناس. وأهدى إلي معظم المحررين كتبا رائجة. لم أكن قد انتهيت من فتح الهدايا، عندما اتصلت بي روسا كاباركاس هاتفيا، وبادرتني بالسؤال الذي لا أريد سماعه: ما الذي جرى لك مع الطفلة؟ لا شيء، قلت دون أن أفكر بالأمر. فقالت روسا كاباركاس: أيبدو لك لا شيء أنك لم تجرب مجرد إيقاظها؟ لا يمكن لامرأة أن تتسامح قط مع رجل يزدري تدشينها. فتعللت بأنه لا يمكن للطفلة أن تكون مستنفدة إلى ذلك الحد لمجرد أنها تركب أزرارا، وربما كانت تتصنع النوم خوفا من خطورة اللحظة. فقالت روسا: الأمر الوحيد الخطير هو أنها تظن حقا أنك لم تعد تنفع، ولا أحب أن تذيع عنك ذلك في الرياح الأربع.

لم أمنحها متعة مفاجأتي. وقلت لها: حتى لو كان الأمر كذلك فإن حالتها يرثى لها، ولا يمكن الاعتماد عليها، سواء أكانت نائمة أم مستيقظة.. إنها لحم مستشفى. أخفضت روسا كاباركاس من نبرتها: المشكلة في التسرع الذي تم به الاتفاق، ولكن هناك علاج، ولسوف ترى. تعهدت لي بأن تجعل الطفلة تعترف، وأن تجبرها إذا كان الأمر كما أقول على إعادة النقود، ما رأيك؟ فقلت لها: دعي الأمر عند هذا الحد، فهنا لم يحدث شيء، ولكنه أفادني بالمقابل كدليل على عدم صلاحيتي لهذه الأمور. وبهذا المعنى تكون الطفلة على حق: فانا لم أعد أنفع. أغلقت الهاتف، مفعما بإحساس بالتحرر لم أعرفه في حياتي، وبمنجى، أخيرا، من مهانة أبقتني تحت نيرها منذ كنت في الثالثة عشرة من عمري.

في الساعة السابعة مساء كنت ضيف شرف على كونشيرتو جاك ثيبول وألفرد كورتو في قاعة الفنون الجميلة، في عزف مجيد لسوناتا الكمان والبيانو لسيسر فرانك، وقد أخذني المعلم بيدرو بيافا، موسيقينا العظيم، بما يشبه الجرجرة، إلى الكواليس، ليقدمني إلى العازفين. شعرت بانبهار شديد، حتى أنني هنأتهما على سوناتا لشومان لم يعزفاها، فصحح لي أحدهم خطأي أمام الملأ، وبصورة خبيثة. الانطباع بأنني خلطت بجهل بسيط بين السوناتتين، ظل مغروسا في الجو المحلي، وزاد من الحرج أنني حاولت ترقيع الأمر، بتوضيح أرعن، في تعليقي النقدي على الكونشيرتو يوم الأحد التالي.

أحسست لأول مرة في حياتي الطويلة بأنني قادر على قتل أحدهم. رجعت إلى البيت معذبا بهذا الشيطان الصغير الذي يهمس في الأذن بالإجابات المفحمة التي لم ترد إلى ذهني في الوقت المناسب، ولم تخفف القراءة ولا الموسيقى من غضبي. لحسن الحظ أن روسا كاباركاس أخرجتني من ذلك الهذيان بصرخة أطلقتها عبر الهاتف: إنني سعيدة بالجريدة لأنني لم أكن أظن انك أكملت التسعين وإنما المئة. فأجبتها مغتاظا: أبمثل هذا التهالك رأيتِني؟ فقالت هي: بالعكس، فما فاجأني هي رؤيتك في أحسن حال. ويا لروعة أنك لست من المسنين المتصابين الذين يزيدون عمرهم، ليراهم الآخرون في حالة حسنة. ثم غيرت الموضوع دون تمهيد: لقد أعددت لك هديتك. فاجأتني بذلك حقا: وما هي؟ فقالت: الطفلة.

لم أتريث لحظة واحدة للتفكير، وقلت: شكرا، فهذا الأمر انتهى. لكنها واصلت الكلام، متجاوزة ما قلته: سأرسلها إليك في بيتك، ملفوفة بورق صيني، ومسلوقة مع عود صندل على البخار، وكل هذا مجانا. بقيت متشبثا بموقفي، وانهمكت هي في تفسير عويص، بدا لي مخلصا. قالت إن الطفلة كانت في حالة بالغة السوء في يوم الجمعة ذاك، لأنها أنجزت خياطة مئتي زر بالإبرة والكشتبان. وصحيح أنها كانت خائفة من الاغتصاب الدموي، ولكنها دربت الآن للتضحية. وأنها استيقظت في ليلتي معها، لتذهب إلى الحمام، ووجدتني أغط في نوم عميق، فأشفقت أن توقظني، وعندما استيقظت ثانية في الصباح كنت قد غادرت. غضبت لما بدا لي أنه كذب بلا طائل. فواصلت روسا كاباركاس: حسن، حتى لو كان الأمر كذلك فإن الطفلة نادمة. يا لها من مسكينة. إنها هنا أمامي. أتريد التكلم معها؟ فقلت لها: لا، بالله عليك.

كنت قد بدأت الكتابة، عندما اتصلت سكرتيرة الجريدة. وكانت الرسالة هي أن المدير يريد رؤيتي في اليوم التالي، الساعة الحادية عشرة صباحا. ذهبت في الموعد الدقيق. كانت جلبة ترميم البناء لا تحتمل، فالهواء مخلخل بضربات مطارق وغبار أسمنتي، ورائحة قطران، ولكن المحررين كانوا قد اعتادوا على التفكير وسط روتين الفوضى. أما مكاتب المدير بالمقابل، فكانت باردة وهادئة، إنها في بلاد مثالية ليست بلادنا.

نهض ماركو توليو الثالث واقفا بهيئته المراهقة حين رآني أدخل، ودون أن يقطع محادثة هاتفية، شد على يدي من فوق منضدة المكتب، وأومأ إلي بأن أجلس. توصلت إلى التفكير في أنه لا وجود لأحد في الجانب الآخر من الخط، وأنه يقوم بهذه المهزلة لإبهاري، ولكنني سرعان ما تبينت أنه يتكلم مع المحافظ، وكان حوارا صعبا في الحقيقة، بين عدوين حميمين. وأظن أنه فوق ذلك، كان يسعى إلى أن يبدو حازما أمامي، مع أنه ظل واقفا وهو يتكلم إلى السلطة.

كانت تبدو عليه رذيلة العناية بحسن هندامه. فقد أكمل التاسعة والعشرين من عمره، ولديه أربع لغات، وثلاث شهادات خبرة دولية، على عكس الرئيس الأول مدى الحياة، جده لأبيه، الذي صار صحفيا تجريبيا بعد أن جمع ثروة من تجارة الرقيق الأبيض. إنه لطيف في التعامل، مشهور بأنه أنيق وهادئ، والصوت الوحيد الذي يعرض مهابته للخطر هي نبرة زائفة في صوته. يرتدي سترة رياضية على ياقتها زهرة أوركيدا حية، وكل شيء فيه يوحي بأنه جزء من كيانه الطبيعي، ولكن ليس فيه ما هو مخلوق لأجواء الشارع، وإنما لربيع مكاتبه وحسب. وأنا الذي أنفقت قرابة الساعتين لكي أرتدي ملابسي أحسست بخزي الفقر وتفاقمت حدة غضبي.

ومع ذلك فقد كان السم القاتل في صورة بانورامية جماعية للعاملين في الجريدة، ملتقطة في الذكرى الخامسة والعشرين لتأسيسها، مشارا فيها بصليب فوق رؤوس من ماتوا. كنت أنا الثالث إلى اليمين في الصورة، بقبعة قش مسطحة الحواف وربطة عنق ذات عقد كبيرة، مع لؤلؤة في المشبك، وشاربي الأول الشبيه بشارب كولونيل مدني، والذي كان لي حتى سن الأربعين، ونظارة طالب معهد ديني معدنية لم أعد أحتاجها بعد تجاوزي نصف القرن. لقد رأيت هذه الصورة من قبل معلقة في مكاتب عديدة، ولكنني لم أتحسس رسالتها إلا في تلك اللحظة: من الثمانية وأربعين موظفا الأصليين لم يبق سوى أربعة على قيد الحياة. وأصغرنا يقضي عقوبة بالسجن عشرين سنة لجريمة قتل متعدد.

أنهى المدير المكالمة وفاجأني وأنا أنظر على الصورة فابتسم قائلا: الصلبان لم أضعها أنا، وأظن أنها مزعجة. جلس إلى المكتب وبدل نبرة صوته: اسمح لي أن أقول لك إنك أكثر الرجال الذين عرفتهم تهورا. وحيال مفاجأتي قال مستبقا كل شيء: أقول هذا بسبب استقالتك. وتمكنت من أن أقول له: إنها حياة كاملة. فرد هو بان هذا بالضبط هو السبب في عدم كون الاستقالة هي الحل المناسب. فقد بدت له المقالة رائعة، وكل ما تقوله عن الشيخوخة هو من أفضل ما قرأه على الإطلاق وليس هناك من معنى لإنهائها بقرار يبدو أشبه بإعلان موتي مدنيا. وقال: لحسن الحظ أن (رجل الساعة التاسعة البغيض) قرأها، بعد أن كانت صفحة الافتتاحية مخرجة، وبدت له غير مقبولة. ودون أن يبحث الأمر مع أحد شطبها من أعلاها إلى أسفلها بقلمه التوركيمادي، وعندما علمت بالأمر هذا الصباح أرسلت ملاحظة احتجاج إلى مكتب المحافظ. هذا هو واجبي، ولكن يمكنني أن أقول لك بيننا إنني شاكر جدا لتعسف الرقيب. مع أنني لم أكن مستعدا لآن أوافق على شطبه المقالة. وقال: أتوسل إليك من أعماق روحي. لا تغادر السفينة في عرض البحر. ثم أنهىا بأسلوب بديع: ما زال لدينا الكثير لقوله في الموسيقى.

رأيت أنه مصمم جدا، فلم أتجرأ على زيادة حدة الاختلاف بحجة مسلية. المشكلة في الواقع هي أنني لم أجد آنذاك أيضا سببا محترما لمغادرة الناعورة، وقد أرعبتني فكرة القول له نعم مرة أخرى، لمجرد كسب الوقت. وكان علي أن أكبح نفسي كيلا يبدو علي التأثر اللعين الذي يستعجل الدموع. ومرة أخرى كالعادة ظللنا على ما كنا علي، بعد كل تلك السنوات الطويلة.

في الأسبوع التالي، وبينما أنا ضحية حالة هي أقرب إلى التشوش منها إلى السعادة، مررت بمتجر الحيوانات لآخذ الهر الذي أهداه إلي الطباعون. ليس لدي ميل طبيعي إلى الحيوانات، وهو الإحساس نفسه الذي أشعر به تجاه الأطفال قبل أن يبدؤوا التكلم، لأنهم يبدون لي بكم الروح. لست أكرههم، ولكنني لا أستطيع تحملهم، لأني لم أتعلم التعامل معهم. يبدو لي أمرا مخالفا للطبيعة أن يتمكن رجل من التفاهم مع كلبه أكثر من تفاهمه مع زوجته، فيعلمه الأكل وعدم الأكل في مواعيد محددة، والرد على أسئلته ومشاطرته أحزانه. ولكن امتناعي عن أخذ هر الطباعين، يمكن له أن يكون كارثة. أضف إلى ذلك: أنه قط أنغورا بديع، له وبر وردي مصقول، وعينان لامعتان، ويبدو مواؤه كما لو أنه على وشك أن يكون كلاما. قدموه لي في سلة من الخيزران، مع شهادة لسلالته، وكراس استخدام مثل الذي يقدم مع الدراجات لتركيبها.

كانت هناك دورية عسكرية تدقق في وثائق إثبات شخصية العابرين قبل السماح لهم بالمرور عبر حديقة سان نيكولاس. لم أر قط شيئا مماثلا، ولا يمكنني أن أتصور شيئا أشد تثبيطا للعزيمة كعلامة على شيخوختي. كانت دورية من أربعة شرطيين، يقودها ضابط يكاد يكون مراهقا. كان الشرطيون رجالا من المناطق الباردة، قساة صامتين، ولهم رائحة إسطبل، وكان الضابط يراقبهم جميعها بخديه الأنديزيين المحروقين على الساحل. بعد تفحص بطاقة هويتي وبطاقة اعتمادي الصحفية سألني عما أحمله في السلة. فقلت له: هر. أراد رؤيته. فرفعت غطاء السلة بكل حذر، خوفا من أن يهرب، ولكن شرطيا أراد أن يرى إذا لم يكن هناك شيء آخر، في قاع السلة، فوجه إليه القط ضربة من مخالبه. تدخل الضابط قائلا: إنه هر أنغورا ثمين. وداعبه بينما هو يتمتم بشيء، فلم يهاجمه القط، ولكنه لم يوله اهتمامه أيضا. سألني: كم سنة عمره؟ فقلت له: لا أدري، لقد أهدي إلي للتو. قال: إنني أسأل لأنه يبدو مسنا جدا، ر بما عمره عشر سنوات. أردت أن أسأله كيف يعرف ذلك وأشياء كثيرة أخرى، ولكن غيظي من أسلوبه المهذب، وطريقته المتدفقة في الكلام، أشعرتني بأنه ليس لدي معدة لتحمل التحدث إليه. وقال: يبدو لي أنه هر مهجور، تبادله أناس كثيرو. لن تجعله يتكيف معك، وإنما أنت الذي ستتكيف معه. اتركه على هواه، إلى أن تكسب ثقته. أطبق غطاء السلة، وسألني: ماذا تشتغل حضرتك؟ صحفي. منذ متى؟ فقلت له: منذ نحو قرن. شد على يدي وودعني بعبارة يمكن لها أن تكون نصيحة طيبة أو تهديدا على السواء:

- انتبه لنفسك.

فصلت الهاتف عند الظهيرة كي ألوذ بالموسيقى في برنامج بديع: رابسودية كلارينيت وأوركستا لفاغنر، وساكسيفون لديبوس، والخماسي الوتري لبروكنر، وهذه الأخيرة هي سكينة عدنية في كارثية أعماله. ووجدت نفس محاطا بظلمة المكتب. أحسست بشيء ينسل تحت طاولتي، لم يكن جسدا حيا وإنما حضورا خارقا للطبيعة احتكّ بقدمي، فقفزت صارخا. كان الهرّ بذيله الوبري البديع، وتثاقله الغامض، وسلالته الأسطورية، ولم أستطع كبح قشعريرة إحساسي بأنني وحيد في البيت، مع كائن غير بشري.

عندما دقت الساعة السادسة في الكاتدرائية، كانت هناك نجمة وحيدة ونظيفة في السماء ذات اللون الوردي، أطلقت سفينة صفير وداع محزون، وأحسست في حلقي بعقدة من المستحيل حلها، لكل الغراميات التي كان يمكن له أن تكون ولم تكن. لم أستطع تحمل المزيد. رفعت سماعة الهاتف وقلبي في فمي، وأدرت الأرقام الأربعة ببطء شديد كيلا أخطئ، ولدى الرنين الثالث تعرفت على الصوت. حسن يا امرأة، قلت لها بزفرة ارتياح، وتابعتُ: اعذريني على نزقي هذا الصباح. فقالت بهدوء: لا تقلق، كنت أنتظر مكالمتك، فنبهتها: أريد أن تنتظرني الطفلة مثلما ألقى الله بها إلى الدنيا، ودون أصبغة على وجهها. ضحكت هي ضحكة مجلجلة، وقالت: كما تشاء، ولكنك ستفقد متعة تعريتها قطعة فقطعة، مثلما يفتتن المسنّون، ولست أدري السبب. فقلت: أما أنا فأعرفه: لأنهم يشيخون أكثر فأكثر. واعتبرت هي الأمر ناجزا. فقالت:

- حسن، هذه الليلة إذن، في العاشرة تماما، قبل أن تبرد السمكة.