الفصل الرابع

7 0 00

الفصل الرابع

في بداية العام الجديد، بدأنا التعرف أحدنا على الآخر، كما لو أننا نعيش معا، مستيقظين. فقد توصلت إلى العثور على نبرة صوت حذر تسمعه هي دون أن تستيقظ، وترد علي بلغة طبيعية من جسدها. كانت حالتها المعنوية تتبدى من خلال طريقتها في النوم. فمن حالة الإنهاك والنفور التي بدت عليها في البدء، راحت تتحول إلى حالة سلام داخلي تجمل وجهها وتثري أحلامها. صرت أروي لها قصة حياتي، وأقرأ في مسمعها مسودات مقالاتي ليوم الأحد، وكانت هي، وهي وحدها، موجودة فيها دون أن أقول ذلك.

في هذه الفترة تركت لها على الوسادة قرطين من الزمرد كانا لأمي. فوجدتها تضعهما في أذنيها في الموعد التالي، ولم يكونا مناسبين لها. فحملت لها بعد ذلك قرطين آخرين، أكثر ملاءمة للون بشرتها. وأوضحت لها: القرطان الأولان اللذان جئتك بهما لا يتناسبان مع شخصيتك وقصة شعرك. هذان يناسبانك أكثر. فلم تضع أيا منهما في الموعد التاليين، ولكنها وضعت في الموعد الثالث اللذين أشرت إليهما. وهكذا بدأت أفهم أنها لا تنصاع لأوامري، ولكنها تتحين الفرص لإرضائي. وفي تلك الأيام، أحسست أنني قد اعتدت على ذلك النمط من الحياة المنزلية، فلم أعد أنام عاريا، بل صرت أرتدي بيجامة من الحرير الصيني كنت قد توقفت عن استخدامها، لأنه لم تعد هناك من تنتزعها عني.

بدأت أقرأ لها (الأمير الصغير) لسانت إكزوبري، المؤلف الفرنسي الذي يقدره العالم بأسره أكثر من الفرنسيين. كان الكتاب الأول الذي أمتعها دون أن يوقظها، فكان علي أن أذهب يومين متتاليين كي أنهي قراءاته لها وواصلنا بقراءة (حكايات بيرول) وقصص (التاريخ المقدس) و(ألف ليلة وليلة) في طبعة مهذبة للأطفال. وبسبب الاختلافات بين كتاب وآخر انتبهت إلى أن لنومها درجات متفاوتة من العمق، حسب اهتمامها بالقراءات. وعندما كنت أشعر أنها لم تعد قادرة على تقبل المزيد، أطفئ النور وأنام وأنا أحتضنها إلى أن تصيح الديكة.

كنت أشعر بسعادة غامرة تدفعني إلى تقبيل رموشه، برقة شديدة، وحدث في إحدى الليالي، مثل نور من السماء، أن ابتسمت لأول مرة. وبعد ذلك ودون أي سبب، انقلبت في السرير وأولتني ظهره، وقالت باستياء: إيزابيل هي التي أبكت الحلزونات. ومبتهجا بوهم إقامة حوار، سألتها بالنبرة نفسها: ولمن كانت الحلزونات؟ فلم تجب. كان لصوتها أثر عامي، كما لو أنه ليس صوتها وإنما صوت شخص غريب تحمله في داخلها.

وعندئذ تلاشت كل ظلال الشك من روحي: إنني أفضلها نائمة.

كانت مشكلتي الوحيدة هي الهر. فقد كان ضعيف الشهية ونفورا، ومضى عليه يومان دون أن يرفع رأسه في ركنه المعهود، وقد وجه إلي ضربة مخلب ضارية عندما أردت وضعه في سلته الخيزرانية، كي تأخذه داميانا إلى البيطري. لم تتمكن من السيطرة عليه إلا بصعوبة،وحملته وهو يرفس في كيس من القنب. وبعد قليل، اتصلت بي من متجر الحيوانات، لتقول لي إنه لا وجود لوسيلة أخرى سوى التضحية به، وهم يريدون موافقتي على ذلك. لماذا؟ فقالت داميانا: لأنه هرم جدا. وفكرت غاضبا في أنهم قد يشوونني حيا أنا أيضا، في فرن لإحراق القطط. أحسست بأني أعزل بين نارين: فأنا لم أتعلم حب القط بعد، ولكن ليس لدي قلب كذلك، لأوافق على قتله، لمجرد أنه هرم وحسب. أين يقول الكراس ذلك؟

أثر في الحادث بعمق، حتى أنني كتبت مقالة ليوم الأحد بعنوان مسروق من نيرودا: (هل القط نمر صالونات مصغر؟) وتسببت المقالة في حملة جديدة، فسمت القراء، مرة أخرى، إلى مؤيدين ومعارضين للقطط. وخلال خمسة أيام تغلبت الأطروحة القائلة بمشروعة التضحية بقط، لأسباب لها علاقة بالصحة العامة، ولكن ليس لأنه هرم.

بعد موت أمي كان يؤرقني الرعب من أن هناك من يلمسني وأنا نائم. وذات ليلة أحسست بها، لكن صوتها أعاد إلي الطمأنينة، وهي تقول لي بالإيطالية: Figlio mio poveretto. وعدت إلى الإحساس به في فجر أحد الأيام، في غرفة ديلغادينا، فتلويت من البهجة، معتقدا أنها قد لمستني. ولكن لا: كانت روسا كاباركاس في الظلام. وقالت لي: ارتد ملابسك، وتعال معي، لدي مشكلة جديدة.

وقد كانت كذلك فعلا، بل أكثر جديا مما استطعت تخيله. فأحد كبار زبائن المحل قتل مطعونا في الغرفة الأولى من الجناح. كان القاتل قد هرب. والجثة الضخمة العارية، باستثناء الحذاء، كانت شاحبة شحوب فروج على البخار، في سرير مضمخ بالدم. عرفته على الفور: إنه خ. م. ب. مصرفي كبير، مشهور بوجاهته ولطفه وتأنقه في الملبس، وقبل ذلك بجمال منزله. كان هناك في عنقه جرحان بنفسجيان، مثل شفتين، وفجوة في البطن لم تتوقف عن النزيف بعد. وما أثر في أكثر من الجراح هو الواقي الذكري الذي بدا أنه لم يستعمل بعد، على العضو المنكمش بفعل الموت.

لم تكن روس كاباركاس تعرف مع من كان في الغرفة، لأنه كان يتمتع كذلك بامتياز الدخول من البوابة المطلة على البستان. ولم تستبعد الشكوك في أن من كان برفقته هو رجل آخر. الشيء الوحيد الذي كانت صاحبة المحل تريده مني، هو مساعدتها في إلباس الجثة ثيابها. بدت واثقة من نفسها. حتى أنني أحسست بالقلق من فكرة أن الموت في نظرها لا يعدو أن يكون مسألة مطبخ. قلت لها: ليس هناك ما هو أصعب من إلباس ميت ثيابه. فردت هي: لقد فعلت ذلك كثيرا. والأمر سهل إذا كان هناك سيثبت لي الميت. فلفت نظرها: هل تتصورين أن هناك من سيصدق الحديث عن جسد ممزق بالطعنات داخل بدلة جنتلمان إنكليزي سليمة؟

ارتعدت خوفا على ديلغادينا فقالت لي روسا كاباركاس: من الأفضل أن تأخذها أنت من هنا. فقلت لها بلعاب متجمد: أفضل الموت قبل ذلك. وانتبهت هي إلى حالتي، ولم تستطع مواراة ازدرائها: إنك ترتجف! فقلت: خوفا عليها، ولكن قولي لم يكن سوى نصف الحقيقة. وأضفت قائلا: اطلبي منها أن تغادر قبل أن يأتي أحد. فقالت: حسن، أما أنت فلن يحدث لك شيء باعتبارك صحفيا. وأنت أيضا لن يحدث لك شيء، قلت لها بشيء من الحنق، فأنت الشخصية الليبرالية الوحيدة التي تأمر وتنهى في هذه الحكومة.

المدينة المشتهاة، لطبيعتها السلمية، وأمنها الفطري، كانت تجرجر في كل سنة نكبة عملية قتل فاضحة ومروعة. لكن عملية القتل تلك لم تكن واحدة منها. فالخبر الرسمي الذي ظهر بعناوين بارزة وتفاصيل وفيرة يقول إن المصرفي الشاب تعرض للاعتداء والقتل طعنا، عرى طريق برادومار، لأسباب غير معروفة. لأنه ليس له أعداء. ويشير بيان الحكومة، كقتلة مزعومين، مزعومين إلى لاجئين من مناطق البلاد الداخلية، كانوا يقومون بموجة جرائم غريبة عن الروح المواطنية لسكان المدينة. وقد جرى خلال الساعات الأولى اعتقال أكثر من خمسين شخصا.

هرعت مستشيطا من الغيط مع المحرر القضائي، وهو صحفي نموذجي من صحفيي سنوات العشرينيات، يضع واقية شمس من السيلويلويد الأخضر، وربطتين على كميه، يتبجح بأنه يسبق الوقائع. ومع ذلك لم يكن يعرف إلا نسالات متفرقة عن الجريمة، فأكملتها له بقدر ما يتيحه لي الحذر. وهكذا كتبنا معا خمس صفحات لخبر ينشر على ثمانية أعمدة في الصفحة الأولى، منسوب إلى الشبح الأبدي الذي نسميه: مصادر تستحق ثقتنا الكاملة. ولكن يد رجل الساعة التاسعة البغيض –الرقيب- لم ترتجف لفرض الرواية الرسمية القائلة إنه اعتداء قطاع طرق ليبراليين. فغسلت ضميري بتقطيبة حزن، في أشد جنازات القرن صفاقة وأوسعها حضورا.

عندما رجعت إلى البيت في تلك الليلة، اتصلت بروسا كاباركاس لأستفسر عما حدث لديلغادينا ولكنها لم ترد على الهاتف طوال أربعة أيام. في اليوم الخامس، ذهبت إلى البيت وأنا أضغط على أسناني. كان الباب مختوما، ولكن ليس من الشرطة وإنما من قبل مصلحة الصحة. ولم يكن هناك في الجوار من يعرف شيئا. ودون أن يكون لدي أي مؤشر لمكان وجود ديلغادينا انطلقت في بحث ضارٍٍ، ومضحك أحيانا، خلفني لاهثا. أمضيت أياما بطولها أراقب الفتيات راكبات الدراجات، من مقاعد حديقة معفرة بالغبار، حيث الأطفال يلعبون بتسلق تمثال مقشر لسيمون بوليفار. كنت أرى مرورهن على الدراجات كالغزالات؛ جميلات، جاهزات، مستعدات لأن يمسك بهن في لعبة الدجاجة العمياء. وعندما نفدت آمالي لجأت إلى سلام ألحان البوليرو. كنت أشبه بمخمور مسمم: كل كلمة كانت (هي). لقد كنت أحتاج إلى الصمت دائما، من أجل الكتابة، لأن عقلي يلتفت إلى متابعة الموسيقى أكثر من الكتابة. ولكن الأمر انقلب آنذاك: لم أعد أستطيع الكتابة إلا في ظلال ألحان البوليرو. امتلأت حياتي بها. المقالات التي كتبتها في ذينك الأسبوعين كانت نماذج مشفرة لرسائل الحب. فطلب مني رئيس التحرير المعارض لذلك السيل من الردود أن أخفف من الحب ريثما نفكر في طريقة نواسي بها كل أولئك القراء العاشقين.

انعدام السكينة أجهز على صرامة أيامي. كنت أستيقظ في الخامسة، ولكنني أظل في عتمة الغرفة، متخيلا ديلغادينا في حياتها اللاواقعية، وهي توقظ إخوتها، وتلبسهم ملابسهم المدرسية، وتقدم لهم الفطور، إن وجد، وتجتاز المدينة على الدراجة لتقضي محكوميتها بخياطة الأزرار. تساءلت مذهولا ما الذي تفكر فيه امرأة وهي تخيط الأزرار؟ تراها تفكر في؟ هل تبحث هي أيضا عن روسا كاباركاس لتلتقي بي؟ أمضيت أسبوعا دون أن أخلع أفرهول المميكانيكي، في الليل والنهار، ودون أن أستحم، ودون أن أحلق ذقني، ودون أن أنظف أسناني، لأن الحب علمني في وقت متأخر جدا، أن المرء يتهندم من أجل احد، يلبس ويتعطر من أجل أحد، وأنا لم يكن لدي قط من أفعل ذلك من أجله. ظنت داميانا أنني مريض عندما وجدتني عاريا في أرجوحة النوم في الساعة العاشرة صباحا. رايتها بعينين معكرتين بالجشع، ودعوتها للتقلب معي ونحن عاريان. فقالت لي بازدراء:

- وهل فكرت فيما ستفعله، إذا قلت لك نعم؟

هكذا عرفت إلى أي حد أفسدتني المعانة. لم أكن أتعرف على نفسي في ألمي المراهق. ولم أعد أخرج من البيت كيلا أبتعد عن رصد الهاتف. فصرت اكتب دون أن افصله ولدى أول رنين أقفز إليه مفكرا في أنها قد تكون روسا كاباركاس. وأقطع أياما بطولها إلى أن أدركت أنه هاتف بلا قلب.

ولدى عودتي إلى البيت في مساء أحد الأيام، وجدت القط متقوقعا على نفسه عند أدراج البوابة. كان متسخا ومزريا، وفي حالة من الوداعة مثيرة للشفقة. أوضح لي الكراس أنه مريض، واتبعت تعليماته ليستعيد عافيته. وفجأة بينما أنا أتناوم في إفاءة قيلولة، أيقظتني فكرة أنه يمكن أن يقودني إلى بيت ديلغادينا. حملته في كيس مشتريات حتى حانوت روسا كاباركاس، فكان لا يزال مختوما، وبلا أي إشارة إلى وجود حياة فيه، ولكن القط تقلب في الكيس باندفاع شديد. تمكن معه من الهرب. قفز حاجز البستان، واختفى بين الأشجار. طرقت البوابة بقبضتي، فسألني صوت عسكري، دون أن يفتح: من هناك؟ أناس مسالمون، قلت ذلك كيلا أكون أقل منه، وأضفت: إنني أبحث عن صاحبة المحل. فقال الصوت: لا توجد صاحبة المحل. فألححت: افتح لي كي آخذ القط على الأقل. قال: لا يوجد قط. سألته: ومن تكون أنت؟ لا أحد، قال الصوت.

لقد أعتقد على الدوام، أن الموت حبا ليس إلا وسيلة شعرية. ولكنني في ذلك المساء، بينما أنا عائد إلى البيت، من دون القط، ومن دونها، تأكدت من أن الموت حبا ليس ممكنا وحسب، وإنما أنا نفسي، العجوز الذي ليس لديه أحد آخذ بالموت حبا. ولكنني انتبهت أيضا إلى أن الحقيقة المعاكسة تنطبق علي: لا يمكن لي أن أستبدل بغمي كل متع الدنيا. كنت قد أضعت ما يقارب الخمس عشرة سنة، في محاولة ترجمة أغنيات ليوباردي، وفي تلك الأمسية فقط أحسست بها بعمق: (آه لحالي، إذا كان حبا فكم هو معذب).

دخولي إلى الجريدة بالأفرهول، وبذقن غير حليقة، أيقظ بعض الشكوك حول حالتي الذهنية. المبنى المرمم، مع كبينات فردية من الزجاج، وأنوار سمتية، بدا كأنه مستشفى أمومة وتوليد. فالجو الصامت والمريح بتصنع يغري بالتحدث همسا والمشي على رؤوس الأصابع. في ردهة المدخل، ومثل نواب ملك موتى، كانت الصورة الزيتية للمديرين الثلاثة مدى الحياة، والصور الفوتوغرافية للزائرين المشهورين. وكان يتصدر القاعة الرئيسة الهائلة صورة ضخمة لهيئة التحرير الحالية، التقطت في مساء عيد ميلادي. لم أستطع تفادي المقارنة الذهنية مع الصورة الأخرى، الملتقطة وأنا في الثلاثين. وتأكدت مرة أخرى بذعر أن المرء يشيخ في الصور أكثر، وبصورة أسوأ، مما هو في الواقع. السكرتيرة التي قبلتني في مساء يوم عيد ميلادي، سألتني إذا ما كنت مريضا. وأسعدني أن أجيبها بالحقيقة كيلا تصدقني: إنني مريض بالحب. فقالت هي: مؤسف أنه ليس هياما بي! فرددت إليها المجاملة: لا تكوني واثقة إلى هذا الحد.

خرج المحرر القضائي من كبينته صارخا بأن هناك جثتي فتاتين مجهولتي الهوية في المشرحة البلدية. سألته مذعورا: ما هي سنهما؟ فقال هو: إنهما شابتان. يمكن أن تكونا لاجئتين من المناطق الداخلية، طاردهما قتلة النظام إلى هنا. زفرت براحة. وقلت: الوضع يداهمنا بصمت مثل بقعة دم. فصرخ المحرر القضائي وقد صار بعيدا:

- ليس مثل بقعة دم يا معلم، بل براز.

شيء أسوأ من ذلك حدث لي بعد أيام، عندما لمحت بصورة خاطفة فتاة تحمل سلة مثل سلة القط، مرت كأنها قشعريرة قبالة مكتبة موندو. لحقت بها أشق طريقي بمنكبي بين حشد في زحام الساعة الثانية عشرة ظهرا. كانت جميلة جدا، خطواتها واسعة وانسيابية في شق طريق لنفسها بين الناس، مما كلفني جهدا في اللحاق بها. وأخيرا تجاوزتها، ونظرت إليها مواجهة. فأبعدتني جانبا بيدها، دون أن تتوقف ودون استئذان. لم تكن من ظننتها، ولكن كبرياءها آلمني كما لو كانت هي. عندئذ أدركت أنني لن أكون قادرا على التعرف على ديلغادينا وهي مستيقظة ومرتدية ملابسها، ولا يمكن لها هي أن تعرف من أنا لأنها لم ترني قط. وفي تصرف جنوني، قمت خلال ثلاثة أيام بحياكة اثني عشر زوجا من الأخفاف الصغيرة الزرقاء والوردية لأطفال حديثي الولادة، محاولا بذلك منح نفسي الشجاعة على عدم سماع أو غناء أو تذكر الأغنيات التي تذكرني بها.

الحقيقة أني لم أكن قادرا على تحمل روحي، وبدأت أعي الشيخوخة من هواني في الحب. وجاءني دليل آخر أشد درامية، عندما صدمت حافلة نقل عامة فتاة على دراجة، في وسط مركز المدينة التجاري. كانوا قد حملوها للتو في سيارة إسعاف، وكان يمكن تقدير حجم المأساة من الخردة التي تحولت إليها الدراجة فوق بركة من الدم الطازج. ولكن تأثري لم يكن كبير بسبب تهشم الدراجة، وإنما بسبب ماركتها، وموديلها، ولونها. لا يمكن لها إلا أن تكون الدراجة نفسها التي أهديتها أنا نفسي إلى ديلغادينا.

اتفق من شهدوا الحادث على أن صاحبة الدراجة الجريحة، شابة فتية، طويلة القامة ونحيلة، لها شعر قصير وأجعد، وبارتباك ركبت أول سيارة أجرة مرت من هناك وطلبت أخذي إلى مستشفى الإحسان، وهو بناء قديم، لجدرانه لون أمغر قاتم، يبدو كأنه سجن جانح على شط رملي. احتجت إلى نصف ساعة من أجل الدخول، ونصف ساعة أخرى للخروج من فناء يعبق برائحة أشجار مثمرة، حيث اعترضت امرأة مدعية طريقي، نظرت إلى عيني وهتفت:

- أنا هي من تبحث عنها.

عندئذ فقط تذكرت أن ذلك المكان يعيش فيه، طليقين، نزلاء مشفى المجانين الوديعون. كان لا بد لي من التعريف بنفسي كصحفي، أمام إدارة المستشفى، كي يقودني ممرض إلى قسم الإسعاف. وجدت المعلومات عن الفتاة في سجل الدخول: روسالبا ريوس، ستة عشر عاما، بلا مهنة معروفة. والتشخيص: ارتجاج في الدماغ. التوقعات: تحفظ. سألت رئيس القسم إذا كان بإمكاني رؤيتها، وأنا آمل في أعماقي أن يقال لي لا. لكنهم أخذوني إليها بسعادة، على أمل أن أكتب شيئا عن حالة الإهمال المزرية في المستشفى.

اجتزنا قاعة تعبق برائحة حمض فينيك نفاذة، والمرضى فيها مكومون على الأسرة. وفي العمق في حجرة منفردة كانت من نبحث عنها ممددة على عربة نقالة. كان رأسها ملفوفا بالضمادات، ووجهها الذي لا يمكن تفسيره مشوها ونغطى بكدمات زرقاء داكنة، ولكن رؤية قدميها كانت كافية لأعرف أنها ليست هي. وعندئذ فقط، خطر لي أن أسأل نفسي: ما الذي كنت سأفعله لو أنها هي؟

وبينما أنا لا أزال متورطا في شبكة عنكبوت الليلة السابقة وجدت الشجاعة للذهاب، في اليوم التالي، إلى مصنع القمصان حيث أخبرتني روسا كاباركاس، ذات مرة أن الطفلة تعمل فيه، وطلبت من صاحبة المصنع أن يرينا منشآته، لتكون نموذجا لمشروع قاري ستقيمه الأمم المتحدة. كان لبنانيا سميك الجلد، وقليل الكلام، فتح لنا أبواب مملكته، على أمل أن تصبح نموذجا عالميا.

ثلاثمائة فتاة يرتدين بلوزات بيضاء، ورماد الأربعاء على جباههن، يخطن أزرارا في القاعة الفسيحة المنيرة، عندما رأيننا ندخل انتصبن واقفات كتلميذات، ونظرن إلينا بطرف عيونهن، والمدير يشرح لنا ويوضح مساهماته في فن تثبيت الأزرار العريق. كنت أتفحص وجه كل واحدة منهن، خائفا أن أكتشف وجود ديلغادينا مرتدية ثيابها ومستيقظة. غير أن واحدة منهن هي التي اكتشفتني، بنظرتها الخائفة من الإدارة التي لا ترحم:

- قل لي يا سيدي، ألست أنت من يكتب رسائل الحب في الجريدة؟

لم أتخيل قط أنه يمكن لطفلة نائمة أن تحدث مثل هذا الخراب. هربت من المصنع دون أن أودع، وحتى دون أن أفكر في أن من أبحث عنها هي واحدة من عذراوات المطهر أولئك، عندما خرجت من هناك، كان الشعور الوحيد الذي تبقى لي في الحياة، هو الرغبة في البكاء.

اتصلت بي روسا كاباكاس بعد شهر، بتفسير لا يصدق:

لقد ذهبت في استراحة مستحقة، إلى كارتاخينا دي إندياس، بعد مقتل المصرفي. لم أصدقها بالطبع، ولكنني هنأتها على حسن حظها وتركتها تتمادى في كذبتها قبل أن أوجه السؤال الذي يفور في قلبي:

- وهي؟

استغرقت روسا كارباكاس في صمت طويل، ثم قالت أخيرا: إنها موجودة، ولكن صوتها صار متهربا وهي تقول: لا بد من الانتظار لبعض الوقت. كم؟ ليست لدي أي فكرة، سوف أخبرك لاحقا. أحسست أنها ستفلت مني، فأوقفتها بجفاء: انتظري أعطيني نورا ما؟ فقالت: لا وجود لأي نور، وانتهت إلى القول: كن حذرا، يمكن لك أن تلحق الضرر بنفسك، وأن تسبب لها ضررا أكبر. لم أكن مستعدا لمثل هذا النوع من التمنع. توسلت إليها ولو مجرد فرصة لتقريبي من الحقيقة، وقلت لها إننا في نهاية المطاف شركاء في التواطؤ. ولكنها لم تقم بأي خطوة إضافية. بل قالت: اهدأ، الطفلة بخير، وتنتظر أن أستدعيها، ولكن ليس هناك ما يمكن عمله الآن، ولن أقول المزيد. وداعا.

ظللت ممسكا الهاتف بيدين دون أن أدري من أين سأواصل، فقد كنت أعرفها جيدا، وبما يكفي لأن أفكر في أنني لن أستطيع الحصول على أي شيء منها إلا بالحسنى. بعد الظهر قمت بجولة اضطرارية باتجاه بيتها، واضعا ثقتي في المصادفة أكثر من العقل، ووجدت الباب لا يزال مقفلا وعليه ختم مصلحة الصحة. فكرت في أن روسا كاباركاس قد اتصلت بي من مكان آخر، وربما من مدينة أخرى. ومجرد الفكرة ملأتني بنذر عكرة. ومع ذلك، في الساعة السادسة مساء، وحين لم أكن أنتظر ذلك، وجهت إلي عبر الهاتف، كلمة السر نفسها التي كنت قد قلتها لها من قبل:

- حسن، الآن أجل.

في الساعة العاشرة، وكنت أرتجف وأعض شفتي كيلا أبكي، ذهبت محملا بعلب شوكلاتة سويسرية، وحلوى لوز وسكاكر، وسلة أزهار متوقدة لأغطي بها السرير. كان الباب مواربا، والأنوار مضاءة، وكانت تنساب من المذياع بصوت متوسط الارتفاع، سوناتا الكمان والبيانو الأولى لبراهمز. وكانت ديلغادينا في السرير مشعة ومختلفة إلى حد تكلفت جهدا في التعرف إليها.

كانت قد كبرت، ولكن ذلك لم يبد في طول قامتها، وإنما في نضوجها المندفع الذي جعلها تبدو أكبر بسنتين أو ثلاث سنوات، وكانت أكثر عريا من أي وقت آخر. وجنتاها المرتفعتان، والبشرة المحمصة بشموس بحر مائج، والشفتان الدقيقتان والشعر القصير والمجعد، كلها كانت تضفي على وجهها بريق (أبو لو) براكستليس خنثى. ولكن لم يكن ثمة مجال للخطأ، لأن نهديها قد كبرا، حتى أن كفي لم تعد تتسع لهما، واكتمل تشكل ردفيها وتناسقهما للتو. فتنتني دقة الطبيعة الصائبة تلك، ولكن حيل الزينة بلبلتني: الأهداب الاصطناعية، أظفار اليدين والقدمين المطلية بلون صدفين والعطر الرخيص الذي ليست له أي علاقة بالحب. ومع ذلك فإن ما أثار حفيظتي هي الثروة التي تتزين بها: قرط ذهبي مرصع بالزمرد، وعقد من اللؤلؤ الطبيعي، وسوار ذهبي يتخلله بريق ألماس، وخواتم بأحجار ثمينة في كل أصابعها. على الكرسي كان فستانها كبنت ليل موشى بالخرز والتطريز، وكان هناك أيضا حذاؤها المخملي، صعد رعب غريب من أعماقي وصرخت:

- عاهرة.

فقد همس الشيطان في اذني بفكرة مشؤومة. وكانت كما يلي: لا بد أن روسا كاباركاس لم تجد، في ليلة الجريمة الوقت ولا صفاء الذهن اللازمين لتنبه الطفلة، فوجدتها الشرطة في الغرفة وحدها، قاصر وفي مسرح الجريمة. ليس هناك من هي مثل روسا كاباركاس في استغلال مثل ذلك الوضع: باعت بكارة الطفلة إلى أحد زبائنها المتنفذين الكبار، مقابل أن يخرجوها نظيفة من الجريمة. وكان أول ما فعلته طبعا هو الاختفاء ريثما تهدأ الفضيحة. يا للروعة! شهر عسل لثلاثة. هما الاثنان في الفراش، وروسا كاباركاس على شرفة فاخرة، تستمتع بنجاتها السعيدة من العقاب. أعماني غضب أهوج، ورحت أهشم على الجدران كل شيء في الغرفة: المصابيح، المذياع، المروحة، المرايا، المزهريات، الكؤوس. فعلت ذلك دون تسرع، ولكن دون توقف أيضا، وبضجة كبيرة، وبنشوة منهجية أنقذت حياتي. طفرت الطفلة في مكانها لدى الفرقعة الأولى، ولكنها لم تنظر إلي، وإنما تكورت مديرة ظهرها لي، وظلت على تلك الحال، مع تشنجات عضلية لا إرادية، إلى أن انتهت الضجة وزادت دجاجات الفناء وكلاب الفجر من الجلبة. وبوضوح الغضب المبهر جاءني الإلهام الأخير بإضرام النار في البيت، في الوقت الذي ظهرت فيه روسا كارباكاس هادئة عند الباب بقميص النوم. لم تقل شيئا. جردت بنظرها أضرار الكارثة، وتأكدت من أن الطفلة التي تتقوقع على نفسها مثل حلزون ورأسها مخبأ بين ذراعيها، مروعة ولكنها سليمة.

- رباه، هتفت روسا كاباركاس، ما الذي لم أكن مستعدة لتقديمه مقابل حب كهذا؟

تأملت كامل قامتي بنظرة مشفقة، وقالت لي آمرة: هيا بنا. تبعتها إلى بيتها. قدمت لي كأس ماء بصمت، وأومأت لي أن أجلس قبالتها، وطالبتني بالاعتراف. قالت لي: حسن، تصرف الآن كراشد، وأخبرني: ما الذي أصابك؟

أخبرتها بما أرى أنه حقيقة بينة. استمعت إلي روسا كاباركاس بصمت، دون استغراب، وأخيرا بدت مشرقة. قالت لي: يا للروعة، لقد كنت أقول على الدوام، إن الغيرة تعرف أكثر مما تعرفه الحقيقة. وأخبرتني عندئذ بالحقيقة دون تحفظ. قالت إنها في ذهول ليلة الجريمة نسيت الطفلة بالفعل نائمة في إحدى الغرف. وقد قام أحد زبائنها وهو محامي القتيل في الوقت نفسه، بتوزيع الهبات والرشى بسخاء، ودعا روسا إلى فندق استجمام في كارتاخينا دي إندياس، ريثما تتلاشى ضجة الجريمة. وقالت روسا: لم أتوقف طوال هذا الوقت لحظة واحدة عن التفكير بك وبالطفلة. وقد رجعت أول أمس، وكان أول ما فعلته هو الاتصال بك هاتفيا. ولكن أحدا لم يرد، أما الطفلة فجاءت فورا وكانت في حالة مزرية جدا حتى إنني حممتها لك وألبستها وأرسلتها إلى صالون التجميل، طالبة أن يجملوها كملكة، وقد رأيت كيف هي: على أكمل حال. الملابس الفاخرة؟ إنها من الفساتين التي أؤجرها إلى فتياتي الفقيرات، عندما يكون عليهن الذهاب إلى حفلات راقصة مع الزبائن. المجوهرات؟ إنها مجوهراتي، ويكفي أن تلمسها لتتبين أنها الماس من الزجاج، وحلي من الصفيح. وانتهت إلى القول: وهكذا كفاك إزعاجا، هيا اذهب لإيقاظها والاعتذار منها، وتول مسؤوليتها نهائيا. ليس هناك من هو أحق منكما بالسعادة.

بذلت جهدا خارقا لأصدقها، ولكن الحب كان أقوى من العقل. عاهرات! قلت لها معذبا بالنار المتأججة التي تحرقني من الداخل. وصرخت: هذه هي حقيقتكن: عاهرات براز! لا أريد أن أعرف أي شيء عنك أو عن أي عاهرة أخرى في العالم، وخاصة هي. أومأت إليها من الباب بإشارة وداع إلى الأبد، ولم يخامر روسا كاباركاس الشك في جديتي.

- ليكن الرب معك –قالت لي بتكشيرة حزن، ثم عادت إلى حياتها الواقعية لتقول:- على كل حال، سأرسل إليك فاتورة بالأضرار التي أحدثتها في الغرفة.