(1 )

6 0 00

(1 )

دخل القصر.. محاطاً بحرسه.. تحف به هالة من الخوف.. كأنه يسحبها معه.. أو هي تركض خلفه. ترتعش من خطواته الأبدان وتخفق من رؤيته القلوب.. وتتعثر الخطوات خلفه. لا صوت يُسمع إلاّ صوت تنفسٍ مكتوم ووقع الأحذية الحذر.. تتسابق العيون لتأكل تضاريس الأمكنة بينما تنشغل العقول بمعرفة عقيمة عن سبب أو أسباب جعلته مكفهر الوجه.. منزعجاً حد انفلات أعصابه.. وفلتان هيبته المطرزة بالإتزان. ولأنهم مشغولون بالأسئلة.. شعروا أن الزمن راكد بينما الأسئلة بقيت تتقافز. ماذا حل بسيدهم. وجعل منه رجلاً آخر؟ هل يطالهم غضبه؟ هل ارتكبوا أخطاء بأعمالهم؟.

منذ الصباح.. رأوه يدور.. باحثاً عن شيء يشبه الوهم. لم يعرفوا حتى بعد انتهاء الظهيرة أي شيء. بينما ظل هو على حاله، يزداد سوءاً.. لم يجد ما يريحه ويخلصه من مستنقع الخوف.. النهار يمضي.. وهو يحوم في دوائر قلقة.. ضيقة حول القصر. تتوسع خطواته تارة وتارة أخرى تضيق كأنه يراوح في مكانه. فبدت حركته مثل قرقعة أقدام فوق زجاج محطم. وقد أحاط الثلج أسنانه.. يلتفت يميناً ويساراً فتتسمر القامات وتتحنّط الرموش.. وتتوسّع الأذان. لابد أن أمراً خفياً قد حدث.. لا يقدر أحد من مرافقيه أو حتى أقربهم إليه من معرفة كنهه.. الريح تحطّم رائحة الشم العفنة.. والولوج إلى السؤال المباشر يعني ارتكاب المعصية وهدر الروح ونفي الجسد. لذلك لم يجرؤ أحد على أن يملك الشجاعة وتوجيه استفسار.. مثلاً.. ما الذي يضايقك يا سيدي؟ تركوه على حاله.. يحطم أنفاس خوفهم بالخوف.. ولأنهم كذلك.. أكثر خوفاً من الآخرين الذين يعيشون خارج القصر الآن، حد إتمام الروح مع لحظة التلاشي المخفية في المجهول. والتصاق الصدر بالظهر مع ساعات الوقوف أو السير خلفه. فالعظمة سطوة.. لا حدود لها.. ونفوذها.. سياط تلسعهم عن بعد. لم يروه هكذا من قبل.. مكدراً.. حد الصمت.. منزعجاً حد بروز التجاعيد التي لم تكن لتظهر على وجهه لولا ما يمر به. لماذا هذا الصمت؟. كان إذا مرت به حالة من انزعاج بسيط لا يترك لسانه يهدأ.. يعبّر فوراً عن غضبه ويكشف عما يزعجه. ويعاقب أقرب من تصل إليه نفخة أنفه. وآخر من تلمسه أطراف أصابعه.. أو يضرب بعصاه المذهّبة أي شيءٍ قريب. زجاج.. كرستال.. أوانٍ فخارية.. كراسٍ.. جسد إنسان.. مساعده أو خادمه لا فرق. لكنه الآن يعيش في قعقعة الخوف الذي قاده إلى الصمت. كانوا في البدء يبتعدون عنه.. كل واحد منهم يريد أن يكون خلف الآخر حتى لا تصله لعنة غضبه . لكن الوقت استطال. وتفرّق الفراغ بينهم وتجرأت خطواتهم من الاقتراب. رأوه ينهش بداخله أكثر من انتباهه إلى المحيط الخارجي.. قالوا في داخلهم.. أنه همّ جديد يشغله.. جعله يعيش لحظات صمت رهيبة.. قد يكون الأمر متعلقاً بمستقبل حياتهم. فقد تعوّدوا منه على الأشياء الجديدة. حتى انه لم يفكر بالأكل مثلاً أو يقضي حاجته.. أو يتحاشى حرارة الشمس.. وظلّ بملابس الصباح.. انتبهوا إليه. لم يكن حليق الوجه.. لم يرتب ملابسه . كما هي عادته ليبدو في كامل أناقته التي تضفي عليه هالة من الإعجاب.تفوق هالة الملوك.. رأوه أشبه بمتسوّل يرتدي ملابس جديدة. حذاؤه مفتول الأربطة.كانت حالته تغذي بركة الصمت، وصورته غير اعتيادية .ظلوا خلفه.. معصوبي الأعين.. مطأطئو الرؤوس.. لا يناقشونه ولا يسألونه.. حتى شعروا بالجوع. وأخذ العصر يلتقط أنفاسه الوسطى. ولهاثهم الخائف لا يشبع بطونهم. ولا يريح أقدامهم. مثانات بعضهم ازداد انتفاخها وأخذوا يعصرونها أو يعودون إلى الخلف مبتعدين بحذر، ليطلقوا غازات بطونهم.. لعلّها تخفّف من ألم الحالة. فرشوا حبال صبرهم ونشروا غسيل أفكارهم.. ليهتدوا إلى طريقة لا خطورة فيها ولا يزيدون كومة القش القابلة للاشتعال بقدحه من إحدى عينيه. ولكن ما هو السبيل لأن يخبروه بضرورة أن يرتاح قليلاً. وسيجد الحلّ بعد أن يمدّد جسده ويأخذ فسحة من نوم.. لتتمطى الذرات حوله؟ لا يوجد شيء مستحيل بالنسبة له. إذن لا مشكلة بدون حلٍّ بسيط.حتى لو انهار الكون. من غيره استطاع أن يجعل الآفاق التي تصلها ذراعه تخافه وترتعش من أسمه وترتعد لصورته وتقدم له فروض الطاعة.. مخافة غضبه؟. توقفوا عدة مرات. ينظرون لعيون بعضهم متسائلين ومستفهمين. ولم تجرؤ حناجرهم على التحرك بحرف واحد. تجمّع الدم في أخامص أقدامهم وأنهكهم العطش وزاحم الجوع صبرهم. نظر كبير الحرس إليهم فأشاروا له بحواجبهم. طالبين منه العون. فما كان منه إلاّ أن غرز عينيه بنظراتهم.. وأدار وجهه صوب ظهر سيده. الذي يعرف برغم كل شيء. إنهم تعبوا. دورانه خارج القصر.. في أراضيه الشاسعة. في النهار الذي قُتِلَ ثلاثة أرباعه دون أن يعثر على حلِّ يريحه. جعله كل ذلك يتأكد كما تأكد من بُعدِ الحلّ عنه. انهم يودون لو دخل القصر ويفارقون صورته. فما دام هو في الخارج اذن سيكونون كظله. قال في نفسه.. عليه أن يكون لوحده.

عند باب القصر الداخلي. وفي الممر الموصل إلى غرفته.. فتح فمه للمرة الأولى.. فاهتزّت الرؤوس.. مقّربة الأذان لالتقاط حروفه التي لا تشبه حروفاً أخرى في قدرتها على الولوج إلى اصعب الأماكن في العقول.

- لا يدخل عليّ أحد. مهما كانت الأسباب أو الأعذار. لا طلبات ولا استقبالات.. لا اجتماعات.. لا مشورة.. لا تلبية طلبات ولا رؤية من يريد الشفاعة.. لا أريد أن أرى بشراً...

إنفجر بالون الصمت وتهتّك الاستقرار.. وسقطت آخر شعيرات الصبر الذي تنامى خلال نهار متعب لم يعيشوه من قبل طوال السنوات من عصر ازدهار الريح. لم يجدوا أنفسهم إلاّ أن يطلقوا سيقانهم مع حسراتهم المحصورة بين اللثة واللسان ليبردّوا لهاتهم الساخنة.. وليتزاحموا... على أبواب المراحيض.. ثم ليهربوا إلى مضاجعهم رافعين أقدامهم حتى يعود الدم إلى الرؤوس. إلاّ كبير حرسه.. لم يشعر بالتعب أبداً ..بدأ بتشديد الحراسة حول القصر. والمساحات المحيطة به. كثّف الدوريات.. زرع حرسه مثل شجيرات متقاربة.. طالبهم باليقظة والحذر واستنفار أسماعهم، إلى أقصى درجات الالتقاط.. لا يتركوا ريحاً تهب قبل أن يفتشوا ذراتها ان كانت متجهة نحو القصر. وبقي في مكانه... قد يحتاجه سيده في أية لحظة. أعجبه الأمر. وقرّر البقاء.. عندها سيعرف انه أكثر إخلاصاً من الآخرين فيما لو رآه سيده ما زال في مكانه.. لم يبارحه.. وبقي ملازماً.يقظا..ليجنب صاحب السيادة محاولة اغتيال جديدة ،قد تخطط له . فقد نجا من عدة محاولات حقيقية .

وحده الآن في الغرفة. والانزعاج أخذ يتسلق نوافذ رأسه التي كانت مطلة على الأرجاء. الصمت يخيفه.. فيقطعه بصوت حذائه على البلاط الرخامي. ما الذي يفعله ليريح أعصابه. ضرب أول مزهرية كبيرة ذبلت أوراقها بلا مقدمات. فتناثرت الأوراق.. سحقها بحذائه. ملطخا كدره لعله يقدم له عصيراً يبرد ما يشتعل في داخله. ويجد جواباً للأسئلة الوثابة. لا يدري لماذا تعطّل الحل لديه. منذ شهور فقد تلك التلقائية التي كان يتمتع بها .. وهو يدور في الشوارع .. لم يعد يزور البيوت والمدارس .. صار يأتي بحكام مدنه وكبار رجالاته إلى قصوره لابلاغهم مراده . كل شيء الآن يقوده إلى الإرهاق. لم يكن يفصح عن ذلك في جلساته التأملية. معتقداً ان كل شيء صار طوع أمره. وانه لشيء بسيط في الوقت نفسه.. يحصل لأي رجل له كل هذه المسؤوليات. وانه سيزول حتماً. حتى ان مستشاره الأول لاحظ عليه ذلك.. لاحظ شرودة وانقطاع تسلسل أفكاره.. وبتر كلماته وازدواجية أوامره، واختلاف حركاته.. وعندما سأله في لحظة جرأة.. لم يجبه.. اكتفى بأن رمقه نظرة كاد أن يتبوّل الرجل. ومن فوره حاول أن يخفف من جرأته. فأخذ ينقل إليه الأخبار الكاذبة التي التقطها في لحظة انهياره. مزيداً عليها كمية من التلميعات المنافقة.. فهو يعرف أن مثل هذه الأخبار تسعد سيده. مبتسماً في وجهه ابتسامة تعبر عن ضعف شديد. وكانت عيناه قد أخذتا على عاتقيهما مراقبة تصلّب وجه سيّده.

سيدي.. الأرجاء تؤدي إليك يمين الولاء والطاعة. الناس مازالوا يحبونك ويهابونك. ويطلبون

لقاءك. مازلت حديثهم سيدي.. حديث المقاهي والبيوت. حتى فراش الزوجية.لقد استفتوك سيدي العظيم وزحفوا الى صناديق الاقتراع مع دبكاتهم.. لا تطل غيبتك عليهم .

- أعرف.. أعرف..

تغيرت تقاسيم وجهه مما جعل من عينيه ترسلان علامات معرفة الباطن .كان يعرف خاصية سيده الخارقة في سبر ما هو مخبوء في الأفكار .

- ولكنك تعرف أيضا. إن هناك من يريد التشويش على مسيرتي العظيمة.. على إنجازاتي النادرة والخالدة.كأن الجمهورية التي رفعت من شأنها هي ملك لآرائهم.

- لا يوجد من يستطيع أن يرفع رمشه أمامكم أو يفتح شدقيه.. كل شيء طوع أمرك. أما هؤلاء سيدي.. فهم مجموعة من فاقدي معرفة أبوتهم.. حتماً.

كان بانتظار أن يمنحه كلمة إعجاب.. إشارة ليصطاد من خلالها شهيقاً هارباً أثناء ذلك الخوف. بينما بقي سيده يعبث بحافة عصاه على الحشائش الطويلة.. ينتظر مزيداً من هذه الكلمات التي قد تجعله ينسى على الأقل آلامه.

- سيدي.. ما عليك سوى الإشارة إلى هؤلاء. سنأتي بهم إليك مقيدين أو ننفذ فيهم حكم الإعدام فوراً.

- ما أعانيه أكبر من هذا أيها المستشار الهمام.

- صورتك سيدي مرسومة في الإحداق. أنت الأوحد في القلوب.

- اللعنة عليك.. لقد أزعجتني.. أنت واحد منهم أيها التافِهْ. إنك تتربص بي لتحتل مكاني.. وانك واحد ممن لا يعرف من أي حيمن نزل في رحم أمك.

- أنا سيدي العظيم.؟

- نعم أنت أيها الكلب.

وصرخ بأعلى صوته على كبير حرسه.. جاءه راكضاً.. وقد فوجئ بالمستشار الأول وقد تبول على ملابسه وعرف ما يجول بخاطر سيده.

- أين الكلاب الجائعة.؟

- موجودة سيدي في ذات المكان.

- هذا التافهْ يتصور إنني لا أعرف شيئاً.

- انه خائن ياسيدي.. لأشهر ثلاثة ونحن نراقب تحركاته. ولولا عطفكم الأبوي لقتلناه قبل حين.

- وها هو ذا يحاول أن يبدو أمامي وبكل صلافة بمظهر الرجل المطيع. خذه وسآتي خلفكم.

وجروه جراً. إلى مكانٍ محاطٍ بأسلاكٍ شائكةٍ عالية. مزّقوا ملابسه.. والرجل يستغيث. إنه لم يفعل شيئاً يستحق ذلك.. عند مدخل الحلبة.. رفسوه بمؤخرته واقفلوا الباب. بينما بقي الرجل في مكانه يخفي خصيتيه بكفيه.. ثم نظر إلى سيده وهو يجلس في مكان مرتفع على كرسيٍ عميق.. كأنه أمام احتفال سيقام بعد لحظات.

دخلت ثلاثة كلاب .. الألسن متدلية والعيون جاحظة ، وصوت الجوع يأزّ في الآذان .. تشي بمنظرها إنها لم تأكل لحما نيئا يشوى في البطون ويطحن .. تتحرك بقفزات لتتملص من ربط السلاسل وأعلى خياشيمها يخمن إن لحما لذيذا سيذيب طبقات الجوع المتراكمة من دهر.. نظر إلى سيده نظرة استرحام أخيرة .. فوجد ابتسامة عاهرة تنطلق من بين أسنان مشغولة بقضم تفاحة حمراء بحجم الكف .. عين على سيده وعين على الكلاب التي فكت سلاسلها لتنفذ صولتها الأخيرة ، جعلته ينفض يديه عن عورته ليدافع عن دمه المسكوب ولحمه الذي تمزق على السلاك الشائكة ، وصوت أسنان الكلاب آخر ما طرق سمعه وهي تتلذّذ بما تحت حلمة ثديه الأيسر .

كان الجميع يعالجون مصل ذهولهم وصمتهم وخوفهم ، وهم يرون سيدهم قد أخرج جسده المربوع ، ليبصق على ما تبقى من العظام ويغادر المكان وسط تصفيق المؤيد لعدالته .

ضرب رأسه لهذا التذكر اللعين. وقف أمام طاولة الرئاسة. وحيداً مع الهواجس، يمسك أصابعه خلف ظهره.. وراح ينقل خطاه رواحاً ومجيئاً.. قلقاً .. فاقدا قدرة التفكير بصورة صحيحة. في الحقيقة.. انه كان كذلك. يعيش في هواجس الخوف من القادم الذي لا يعرفه. فكل ما كان يفعله وما صنعه لنفسه من قوة وقدرة لما كان لولا واهب سعادته وسطوته.. الذي لم يره أحد غيره. ولم يفارقه أبداً وها هو ذا يغيب عنه. انقطع حضوره فقلّت حيلته. وفلتتْ أفعاله من اتزانها. لم تنفع جلسات التأمل باستحضاره.. ولم تعد جلسات ظلّ النخلة لها فائدة في اللقاء مرة أخرى. توسل بالريح والضوء.. أن يسمع صوته فقط ليزيل عنه إرهاق التوسل بالحضور. لم يعد قادراً على العمل مع المرآة بالصورة التي يريدها.. كان يغيب عنه مدة. ولكنه سرعان ما يعود ليوبخه.. ويبقى هو يردد قسم الولاء بأن لا يفعل شيئاً يغضبه. وتعود المياه إلى المرور والنزول من أصابعه. ولكن هذه الغيبة الطويلة صاحبها تغير في الدواخل المهزوزة. لماذا تغيب عني يا سيدي.. يا واهب سعادتي.. أنت العظيم وليس أنا.. يا ملازم خطواتي منذ الطفولة حيث الحلم. إلى الحاضر حيث السلطة؟ لماذا..؟ لماذا؟

لطم جبهته بباطن كفّه الأيمن.. لا سبيل آخر يخرجه من المأزق إلا اللقاء وطلب العفو الأخير. الذي لا رجعة فيه. يعرف أن هندسة انتقالاته صارت أكثر غرابة وإرباكاً. وتحركاته فقدت مطاطيتها في الاندفاع. وأن رؤيته من قبل الآخرين صارت أكثر ابتعاداً. بل ان الغالبية أخذت تنفر منه.. عكس ما يتفوه به المنافقون. هو يعرف ذلك جيداً. ولكن لا طريقة أخرى غير أن يستمع إلى كذبهم ونفاقهم لأنه الطريق الأقصر للبقاء.. ارتعش.. والتفت إلى النافذة الكبيرة. ماذا لو عرفوا إن المرآة صارت بلا معنى. فقدت خيوطها وخطوطها لتنفصل عن الالتقاء مع لهاثه. مرآته التي لولاها ما وصل إلى ما وصل إليه. أدركني أيها الحبيب… سأقبل هاجسك.. واعتذر.. ولكن لا تجعل مرآتي عبارة عن زجاجةٍ لا تنفع.

وأجهش في البكاء. ربما تكون المرة الأولى التي يبكي فيها. لقد نسي شكل الدموع. كان يراها في عيون الآخرين فقط. ومن خلف حزنه العميق. راحت الصور الأولى تتسابق أمام عينيه الحمراوين. اطلق حسرةً أليمة ليقتلع آخر عشبة للصبر في مساحة عقله اليابس. انه الوباء. هكذا قال. ما أمر به هو الوباء. أكثر من الطاعون لو بقيت هكذا.. فمعنى هذا أنني أعيش اللحظات الأخيرة قبل الانزلاق إلى مهاوي الرحيل الأبدي. وأنا لا أريد هذا السفر المخيف. سأحرق أي شيء وكل شيء.

أخذت الصور تتلاحق بأسرابها.. فتزيد وقوده وحطبه معاً.. ويبدأ من جديد صراعه.. لم تتركه يلفظ زفيره ليطفئ النار أو يقلّل من لهيبها. فقط أُخرج لي للمرّة الأخيرة. فأنا أنهار وأنت تتفرّج بلامبالاة وكأنني ليس جزءً منك. أنت صانع قدري. هاأنا ذا أطوف حول جسر الأمنيات دون أن أضع قدماً واحدة لأعبر إلى ضفة الاستقرار.. دعني أشرح لك كل شيء. أعرف إنك تسمعني.. بل تراني أيضاً. وأعرف إ نك غاضب. لا يمكن أن تترك عبدك الذي أطاعك حد التماهي ونفّذ كلّ شيءٍ أردته.. أنت الذي درّبتني وأعطيتني أسرار مفاتيح الانطلاق. وعليك مواصلة الدعم لبلوغ أعلى درجات البقاء الدائم. بلا نهاية. هكذا اتفقنا، منذ البدء.

كوّر كفه وضربها على الجدار الرخامي. سرت رعشة ألم.. تاه معها.. حاول أن يصرخ. لكنه أمسك حنجرته.. وعالجها بنفخة طويلة لم يخرج منها إلا هواءٌ ساخنٌ. أحرق بلعومه.. لم يكن يريد لصوته أن يخرج مكسوراً.. فربما يوجد من يتربص به ليأخذ مكانه. فهذا العالم الذي يعيشه يغري الكثيرين بأن يتسلقوا بحذر.

كانت خيوط الضوء تتقاطع لديه مع شبكة الظلام المنبعثة من رأسه. لم يعد ذات الهواء.. يسبح في هاوية عميقة لا قرار فيها.. دخل بئراً عميقة بأفعاله.. ولم يعد بمقدوره الخروج بإرادته. فكّ أزرار ثوبه ليمنح رقبته حرية استقبال الهواء.. لا يعرف ماذا يفعل منذ شهرين وهو متخبّط في كل شيء. يعطي أوامر سرعان ما يتراجع عنها.. يتلذّذ بقتل الآخرين.. إن كانت هناك تهمة أو بدونها.. يعجبه التلذذ بتعذيب ما يراه مناسباً حد الموت الفضيع. شعر أن شخصيته صارت ازدواجية وصار الهلع منظره الوحيد. أخذ يشكّك في كل شيء.. يتصور أن الناس تريد موته أو تحاول قتله.. بل يدعون إلههم للتخلص منه. نعم يعرف انهم يخافونه.. لكن هذا الخوف يصاحبه دعاء انتهاء مرحلته والبحث عن المخلّص لهم. لم يفكر في يوم ما، وبعد سطوع صورته في الرؤوس وثباتها.. ان مرآته ستخونه يوماً.. ماذا سيفعل بدون مرآة؟ هي أداته الطائعة لاستمرار السلطة بين يديه. هذا ما كان يريده من واهب سعادته. ان يكون الأول.. ولكن لماذا طال الغياب؟ المرآة أخذت تعمل عكس اتجاه الريح وعكس اتجاه ساعة السلطة المنتصبة داخل عقله منذ زمن طويل. لم تكن كذلك. كانت طوع ما أفكر به. كانت تستجيب لنداءات الأمنيات وعندما توطن النفوذ وغاب الانتظار صارت الأمنيات لا حدود لها. أزيحت كل المعرقلات التي أمامي. وصرت أنا الذي أحلم أن أكون. وأنا الذي يقرر.. حيث عرفت معنى أسرار الحلم المختبئ الذي بزغ في لحظة تأمل خارج الروح. لأنطلق بعدها في رسم سياسات الوصول. رحت أتتبّع الخطوات للاتصال بما رأيته في رؤية الانبعاث التي سطعت واحتلت مكانها واستولت على تفكيري وكياني. تتبعّت كل الخيوط والتزمت بكل التفاصيل وعانيت وتجاوزت الصعاب لكي أصل. إذن لماذا هذا الانعكاس. أليس الأجدر أن أكون واحداً من هذا العالم الذي لا يراه أحد غيري أو على الأقل من سكنه الحلم مثلي؟ أليس الأجدر بعد هذه الرحلة الطويلة أن أكون لوحدي؟ هكذا قررت. لكن الأشياء انعكست دورتها.. وأدارت وجهها عني لتمنحني رائحة عفنة كرائحة ذروق وبراز تارة وأخرى كرائحة جثث تركت في العراء في منتصف نهار الحفاظ على دوران الأيام. كان لابد من ذلك.. كان لابد أن أفعل أي شيء لأكون أنا الذي يحافظ على نبوءة الرؤية... إن كل شيء يكدرني.. حتى هذا القصر الواسع الشاسع يضيق بي.

جلس خلف منضدته العاجية ذات الحواف المزخرفة المنتهية برؤوسٍ لأسودٍ أربع ليعيد شريط نضاله. نعم إنه نضال. لأنني الوحيد الذي جعل الناس جميعاً تفرح وتضحك وتأكل وتضاجع.

أسند رأسه على ظهر كرسيه الوثير ومدّ ذراعيه ليمسك برأسيّ الصقرين المتوثبين عند حافتي المسندين. واخذ يراجع نفسه. مانحاً إيّاها قليلاً من الهدوء المرتبك.