(2 )

6 0 00

(2 )

هبت ريحٌ منعشةٌ وباردةٌ. كان الفجر قد أطل.. وكان بالنسبة له بعد ذلك فجر اكتمال الرؤية. كان نائماً حينها. منتظراً اكتمال الخيوط. عندما فزّ مرعوباً.. أيام طوال وهو يستجمع أحلامه لينطلق إلى ما يبتغيه. نظر إلى جسده.. مسدّ على وجهه ليتأكد من انه هو لا غيره من دهمته الرؤية. فتح النافذة.. ليتنفس بعمق ويستجمع نقر الشفرات التي لابد من تحليلها فوراً إلى خطوات.. شعر إن شيئاً ما يدغدغ عقله.. ويحيله إلى شيء آخر أكثر حرية في تصرفاته القادمة. نظر إلى زوجه النائمة.. العارية الساقين ، هزّ رأسه.. وأمعن النظر في الفجر وقرر البدء في مسيرته الجديدة. لقد حان الوقت.. وأزف الموعد. وصل اكتمال الرؤية إلى مداه الأخير. خرج إلى العراء يحصي الحصى ويتأمل.. من أين يبدأ طريقه. لابد من الخطوة الأولى التي لم تتوضح إليه في الرؤية.. لم يعد إلى بيته إلا عند المساء. لم تسأله زوجه.. فقد تعودت منه ذلك. اكتفى بالجلوس في زاوية الغرفة ، مغمضاً عينيه وهو يصارع الحلول التي أمامه. أزاح كل الأشياء المعيقة.. لن أنثني أمام عواطف مهتزة. ولأبدأ في البحث عن مكان مجهول.. لم تطأه قدم.. ولم يذكره أحد في الأسفار أو الكتب القديمة.. البحث عن بقعة لم ترها عين.. إلاّ الشمس والمطر والريح.. هذه هي الخطوة الأولى.. التي كان ينتظر موعد إعلانها. كانت عيناه تتسابقان في الانغراز في لجّة التيه لاصطياد مبتغاه الذي يومض له أن يتقدم أكثر. ليظلّ رأسه يدور في الفراغ.. بعد أن خلّف ما كان يراه فوضى وراءه دون رجعة. كان فرحاً.. حتى ان هواجسه وأحلامه دفعتاه لأن يفترش مساحة محصورة بين العدم والوجود.. والسؤال المترنح في سكرته.. ثملاً حد الانتعاش: أين سيكون مأواه القادم.. ليبدأ رحلته الأولى نحو التكوين. الرحلة التي ستبعثه إلى الخطوات والرحلات المجهولة بالنسبة له؟ هناك احتمالات متأرجحة تتداخل مع مرتكزاته مفادها قد يكون داخل شبكة من الوهم. لكن دواخله كانت تعزف له لحن الاستمرار. لأن ما يتحقّق له وما كان يناغيه في رؤياه المتكررة.. قادم إليه ولا عودة للتشرد الذهني الذي طال. جلسات التأمل كانت تمنحه قدراً كافياً لأن يصدق نفسه.. وان الأحلام لم تكن مجرد هلوسات.. أو لا يمكن ان تكون مجرد ذلك وهي التي رافقته أكثر من ثلث عمره.

خرج من البيت.. تاركاً ورقته المتعرجة الكلمات.. الراعشة الحروف.. المعلقة بلعابه القلق خلف باب الغرفة. خرج دون كلمات.. متخفياً عن الأنظار.. لا يريد لأحد أن يستدل على أثاره.. حتى لا يعلم بوجهته. أختلس نظرة أخيرة.. خائفة على خربته والبيوت المجاورة، وأنطلق بلا تردّد ودون التفات.. يطوي هروبه قبل انبلاج الفجر الثاني. واعلان ضوء نهارٍ جديد. للنهار عيون تبحلق في الأسرار وتفضحها وتخدش الأمنيات.. وعندما سطعت الشمس، كان خارج المدينة.. خلف الأفق البعيد.. يتسابق مع ظلّه. يعرف انهم الآن سينتبهون إلى غياب وقع أقدامه عن العزف اليومي المتواتر وفقدان أسماعهم لكلماته التي كان يقذف بها على كل من يلاقيه أو يسلم عليه.

كان يرمي بحجره في كل الاتجاهات.. لعلها تحّرك دوائر في الهواء وتدخل في الرؤوس وتقنعها بمحتوى ألغازه التي لم يفهمها أحد أبداً. كان مهووساً بالحديث.. وكان لابّد أن يتحدّث دون أن يشير إلى مبتغاه.. لأن الرؤيا ستكون فاسدة.. ولا قيمة لها بعد ذلك. كان يتصور إن هذه هي الخطوة الأولى في تصرفاته التي ستقوده إلى استحكام قوته وسيطرتها. لذلك أخذ ينبّه الآخرين بأن حياتهم محض تنفس وأكل ونكاح.. دون الانتباه إلى مساوئ الاستقرار الهش الذي سببه الصمت. يخرج لسانه المبلول بالخوف، باحثاً عمن يشاركه أو يشجعه وينطق مثله بذات الحروف. كان يدّرب نفسه على أن تكون قادرة على استقطاب العقول باتجاه اسطرلابه، لينير دربه الطويل.. ويلتف الآخرون حوله.. لكن الآخرين كانوا لا يكترثون إلى كلماته.. وكانوا يغتالون حماسته المتدفقة أكثر من الفهم المعتاد. وظلوا لا يعرفون غايته ولا هدفه.. لم تنفعه محاولة تزيين أفكاره ووضعها داخل صورة مشرقة. ولأنه لم يجد غير الجفاء. ازداد خوفاً وظلاماً من إنه في الطريق الخطأ. وانه مندفع نحو هاويته.. قال لهم.. لا نفع للكلام في زمن الصمت.. فأجابوه بين أذنيه.. انه مخلوق مهووس.. يبحث في زمنٍ ممتد في دهاليز الصمت عن حروف تتوقّد بلا جمر. وقد أدرك ذلك حتماً بحواسه المنشغلة بالتقاطات الهواجس والردود.. ان لا فائدة من الاستمرار وقد ازداد خوفه حد الهلع.. وقد أعجبته لأيام فكرة الناس بعد فشله في تكوين زمن جديد انه في نظرهم مجرد رجل مخبول ومهووس. يعني ذلك انهم لن يحاسبوه أو يعرضوه إلى المساءلة ثم العقاب.

ظل بعدها يقلّب أوراق تأمله لتعطيه نتائج أخرى وخطوات جديدة.. متمسكاً بعالم الرؤية ليبحث في الاتجاه المعاكس يراقب أدهى التحركات.. يلملم ما يراه ويرتبّه ليفك الرموز أمام عرّافته التي بقيت وحدها تشجعه وتشحنه بأنه مخلوقٌ خارق. ليس من هذا العالم الآدمي. وان مستقبله ليس في هذا المكان. وانه سيكون في عالم الاستقطاب ذات يوم وعليه ألاّ يفتر من عزيمته ويزعجه عالم اللامبالاة.

كان بيته.. منزوياً في تعرجات الحي الصغير المفضي إلى أماكن خربة.. بيوت تتشابه بفقر حالها.. لكنها لا تتشابه في البناء. بعضها من طين وبعضها من الصفيح أو القصب والقليل منها من اللبن.. أبوابها بلا رتاجات وشبابيكها بلا زجاج وغرفها بلا أبواب.. وان وجدت.. فهي غير جاهزة للإغلاق أو الإيصاد. بيوت تتقابل أحياناً وأخرى تتباعد بلا نظام. لكن الشهيق كان واحداً. يستيقظون على صياح ديك واحد. يحتسون فطورهم السائل كل صباح لينطلقوا إلى أعمالهم بلا شكوى. إلاّ الأنين الدائر في الأضلاع.. ويشمّون رائحة الشواء ذاتها، ما أن تتلوى خارجة من فم تنّور مسجور.

عندما استيقظوا ذلك الصباح.. لم يسمعوا شيئاً مما تعوّدوا عليه من أصوات متتالية. كانت أعينهم مشرئبّة إلى الشمس وهي تزحف إلى سمت السماء.. أحسّوا إن شيئاً ما ينقصهم.. وأن الهدوء يعمّ أرجاء مدينتهم.. بل إن صمتاً قد حلّ بشكل مفاجئ لم يتعودوه من قبل. المحلات.. فتحت أبوابها ودبّت حركة النسوة والباعة والموظفين والعمال وطالبي الرزق. أين علامتهم الفارقة.. التي كانت تتحرك بين الجموع ؟. إذ لابد أن يكون كذلك. يدور في كل الأسواق.. يتكلم.. يعرفون إن لهجته خفّت حدتها لكنّه لابّد أن يتكلم ثم يختفي. هذا الصباح الذي أكل النهار ربعه الأول لم يخرج جسده ولم يُسمع صوته. تحّرك الزمن الراكد لحظة بأجنحة من هواء منعش رغم برودة الجو. وكان النهار رمادياً.. لا يختلف عن نهارات السبات العميقة الممتدة إلى قرون بعيدة.. استوطنوا أفكارهم وتقابلت نظراتهم وانتبهوا بعدها إلى غياب حركته.. هزّوا رؤوسهم. وتنابزت مجاميع الرجال مع بعضهم.. ربما هو طريح الفراش. ولكن أيمرض هكذا مخلوق لا يمل من الكلام ولا يشكو من ألمٍ رغم خوفه المتزايد من الموت؟

سمعوا زوجه تنادي.. تسأل من تلتقيه.. إن كان قد رآه.. وعندما يئست من الإجابة التي تريح أعصابها.. لأنهم انشغلوا كذلك بالذهول والمفاجأة.. حثتهم للبحث عن خطاه.. ضحكوا في سرهم وتجرأ أحدهم وسألها.. إن كانت لم تمسك به أثناء رعشته التي تنتابه.. قالت لهم.. إنها لم تكن في البيت ليلة أمس. كانت عند أهلها. كانوا يعرفون إنه دائم القلق.. مسكون بأفكار ملعونة.. لا يكرهونه ولا يحبونه رغم أن كفّة الغضب تميل إلى الكراهية.. لكنهم اتخذوه فيما بعد قاعدة للترويح عن النفس. إلاّ قلّة قليلة.. اعتبروه المتكلم الوحيد الذي لا يخاف وانه ربما استغل فكرة الهروب من الموت للهروب أساساً من الملاحظات التي تزجّ به إلى السجن.

قادت خطاها لترسم الأثر المحموس .. يفتر تعبها بدوران لاهث ، وقد دلقت نكبتها أمامها تسيح في الشوارع .. سادرة بشعرها وجيدها وجزء من ساقيها لعيون اللحّاس الشبقة .. ضاع منها كل شيء دفعة واحدة ورمت مصيرها إلى الفشل. لذلك كانوا ينظرون إلى جمالها. ويتفرسون بارتباكها.. بارتعاشة شفتيها. وعباءتها المتطايرة.. امرأة تجذب أي رجل لجمالها.. فلم يكن أحد منهم تغادر عيناه وجهها.. كانت تجذبهم حتى في توسلاتها وخوفها وقلقها وأسئلتها. تعجبوا لحالها هذا. رأوها امرأة بائسة لا تستحق كل هذا الإهمال. واغتاظوا منها لأنها قبلت بالزواج من رجل مهووس بكلمات أشبه ما تكون كلمات ساحر أبله. رأوها وقد ذبل جمالها الأخاذ ساحر القلوب ومثبت العيون حد الجحوظ. هزّوا رؤوسهم واستجابوا لها.. توزعوا على الطرقات والفروع والخرائب. وخارج أطراف المدينة من اتجاهاتها الأربع.. لعلهم يجدونه منزوياً في مكان ما أو زائراً بيتا يعرفه. عجزوا عن إيجاد أثرهُ. دخلوا بيته الطيني.. قال لهم رجل يحترمون كلمته ويعتبرونه حكيماً لهم.. أن يتوجهوا إلى البيت.. لعله تارك شيئاً ما يدلّ على وجهته.. لم يكن من السهولة أن يرى الورقة أحد من المفتشين. نظراتهم اشرأبت دفعة واحدة في بادئ الأمر تلحس قن الدجاج.. هكذا نطق أحدهم وهو يغلق منخريه. سمعوا صرير الأبواب الثلاثة.. باب البيت الصفيحي وباب الغرفة الخشبي وباب المطبخ المتهرئ. لم يكن للحمّام باب وكذلك المرحاض.. لقد وضعت بطانيتين سميكتين بدلاً من البابين.. انقطع كلامهم.. وكان الصمت فيه أشّد إيلاماً من الفوضى التي أحدثتها الأقدام الداخلة والباحثة والمستطلعة. حتى الأطفال.. أخذوا يعبثون بالصحون وبقايا عشائه.. شاهدوا فراشه القذر على سرير معدني أكله صدأ السنين. لا يصطدم فيه ضوء الشمس رغم تواجده في فم الصباح. شاهدوا طاولته وكتبه الخرافية. رفعوا السجاجيد المتآكلة الأطراف.. نفضوا كيس تبغه.. بحثوا في جيوب ملابسه المعلقة على مسامير في الحائط المقابل للباب. حركوا المرآة المشروخة. فسقطت وتناثرت شظاياها، أيادٍ أخرى. بحثت في الساحة الكبيرة وسط البيت، حيث صنبور الماء.. دخلوا المطبخ.. بعثروا القدور ورفعوا الطباخ النفطي بعيونه الثلاث.. عبثوا بالأرض الرملية.. كسروا دولاب ملابسه. أطلت رؤوسهم تفتش الحمّام بشيءٍ من الشبق وكذلك المرحاض. نظروا إلى ملابسه بكراهية وأستطلعوا ملابسها بنظرات خليعة.. رفعوا عيونهم لجذوع النخل وفكوا ترابط السرير المعدني.. ضربوا الأرض مخلفين غباراً أفزع الفئران والقطط.. حبسوا أنفاسهم ورفعوا أطراف يشاميغهم حول أنوفهم.وعجزوا عن إيجاد دليل واحد يبرهن على غيابه الدائم.. كأنهم في مهمة بوليسية... وتباروا فيما بينهم لإظهار طاقتهم مثلاً أو نخوتهم تجاه المرأة التي بقيت مشغولة بالحزن الذي لفها وأنساها العالم الفوضوي. تقرب منها أحدهم.

- ما الذي حدث؟

سمعت آخر ودّ الحديث أيضا.ً

- أنها ساعة الانقلاب على عقبيه.. لأنه كان يمسك حفنة من ريح.

جاءها صوت

- لا أدري لماذا أحبّت هذه المرأة رجلاً مجنوناً.

لم تجبهم.. دهشتهم كانت أقوى أيضاً. فصورته المرسومة في الأذهان.. جعلتهم لا يتوقعون مغادرته أطراف المدينة البعيدة فهو يخاف الموت، والوحدة القاتلة.. دائماً يتواجد وسط الجميع يعجبه الكلام كثيراً.. ويعجبه أن يسمع ما يتفوه به الآخرون حتى لو كان ضدّه. وكان يقول لهم إذا ما استفزّوه.. إن ما يقولونه سخافات الزمن الحالي التي لا تفضي إلا للهلاك.

تركوها تولول وتضرب رأسها.. وبقيت مع انتصاف النهار الذي غابت شمسه خلف الغيوم السود. غادروها خائبين.. لاعنين أنفسهم على تركهم أعمالهم في اشتداد البرد الذي انتشر فجأة مع طيات الريح، للبحث عن رجل لا يمت إليهم بصلة.. صفقوا بأيديهم نافضين الغبار. نظروا أليها نادمين، مقطّبين حواجبهم. تركوها تقبع في زاوية روحها المهجورة.

وجدت نفسها وحيدة.. فقدت اتزانها.. لطمت على وجهها وتركت قدميها تقودانها إلى حيث أمها لتبكي في حضنها. وتطرح أسئلة لا أجابهة لها. أو تتلقى أسئلة ليس عندها الإجابة عنها. لقد كان خائفاً من كل شيء.. كيف يغادر؟.. انه لن يعود أبداً. كانت الريح تولول بهدوء.. قادتها أمها إلى السرير وغطتها لتطيب إرتعاشتها.. أو تنام. فالنوم أفضل الآن من البقاء مع الهواجس.

لكنّ أحد الرجال.. الرجل الحكيم.. راق له البحث بمفرده. إنها فرصته الجديدة التي لن تتوفر مرة أخرى. تأمل نفسه.. وراقب الماضي. شاهد شريطاً طويلاً من ذكريات قتلت في لحظة غادرة بالسم عند اعلان زواجها من رجل معتوه.. ليبقى أسير حسراته وغيرته. ترّوى قليلاً. وجمع نفسه وقاد أحلامه الجديدة. فالعذر المنظور يشفع له للقيام بما يمليه عليه قلبه الصابر المحطّم. وقف أمامها .. تضطرب الحروف وتدور حول حنجرته. وبان طفلا صغيرا لا يعرف من الحكمة شيئاً، بلع ريقه.. تأخرت الكلمات.. تشجع .

- سأبحث عنه، عن أثره. اعرف انه كان يخطط لشيء ما. لن تصدّقي ذلك. فمثله يخفي أشياءه تحت أبطه.. ويضع على وجهه قناع المسكنة.. بل أقنعة من أجل جذب العواطف.

لم تجبه. كانت لحظتها تصارع فكرة قبولها لعرض هذا الملاحق لخطواتها .المؤنب لزواجها والمعلن فشله بل موته.. تعرف أنه يحتفظ بالأسرار والأشياء الكثيرة عن زوجها. وكثيراً ما كان يأتي إلى أبيها ليتبادلا الحديث عنه. مرة سمعته يقول. انه يتكلم بأشياء غريبة عن عقول الناس، وانه يعرف خفايا الأمور. وانه مخلوق لم يخلق إلى هذا العالم ليكون واحداً عادياً. وكان عندما يتكلم معه بشيءٍ من الحكمة، يهرب.. ويكتفي بأن يصفن باتجاه الأفق. وينظر صوب أعالي البيوت، ويفتح عينيه كأنه يتلقّى سبيلاً من الوهم. ثم يهذي بكلمات ليس ذات معنى. كان يلغي كل فرضيات الاحترام.. ويتقوقع في ظلام عينيه.. وقال عنه انه رجل مريض. إن لم يكن في حالة انفصام.

- أنا من سيجد أثره.. فقط عليكِ أن تؤمني ان السفن التي لم يكن بناؤها جيداً. لابد لها من الغرق.

عرفت ماذا يعني.. وبادلته نظرة لم يستدل منها على إنها اعتراف بأخطائها.. فاضطرب قلبه.. وقبل أن يرتجف جسده أمامها. أعطاها ظهره لينتظر المساء. موصداً باب قلبه.. معلناً لحظة الاقتفاء. رمى عقب سيكارته وأمسك الليل من منتصفه. وأحكم إغلاق معطفه حول رقبته وحمل في اليد الأخرى مشعلاً، خاف عليه أن يطفأ من شدة الريح. وهو يتّقي لسعة البرد ورذاذ المطر. ألقى نظرة ازدراء إلى البيت.. كان يمكن أن يكون مكان بيته.. مثل هكذا امرأة لا تستحق أن تسكن في هكذا بناء. يجب أن تكون نبضات القلب هي اساس البيت ليعطيها حباً دائماً. وما أن يعود حتى يأخذها في حضنه.. يمتص منها رحيق العمر الذي لا نفع له بدون حبّ صادق متكافئ.. عاقل.. بلا هلوسات. ليبقى في عنفوان سعادة دائمة.. لكنه الآن. بلا امرأة. متلفّعاً بيقين زاهر من إنه آجلا أم عاجلاً سيلتقيان مرة أخري.. والآن فان الله استجاب لبعث يقينه.. مغفرة عن عذاباته الكثيرة. ولكن هل سيستريح وجيب القلب؟ إذن لابد من أن يتأكد من غيابه الدائم.. غياب الهارب السارق لأحلامه نهائياً. ليقترب اكثر في خطوته المؤجلة التي بترت في غفلة من زمن. أو لأنه لم يحسن إكمالها لخجله الزائد أمامها.

كانت قدماه وهما تعبران عتبة الباب الساقط.. ترتعشان. توقف برهةً ليضبط تخلخل نفسه. فالبيت، بدا له وكأنه مسكون بأرواح شريرة، وكادت تختبل رغبته الجامحة بالبحث عن المصير الذي لا عودة لمعرفته. ليكون أمامه المعلوم السعيد. غاصت قدمه اليمنى في بركة من طين. والأخرى في بركة من ماء. أطلق حسرة طويلة. وواصل إزاحته للظلام المتحرك مع نار المشعل المتطايرة بفعل الريح. وبدا له المدخل بعيداً، وإن الغرفة غائرة في العمق. عليّ أن أشبع فضولي وأقاوم نضوبي.. أن أفتش عن أسرار مدفونة لرجل قاوم رغبات الآخرين وحاول زعزعة قناعتهم.. أحرّض نفسي على استذكار أسئلة تتصاعد بخطوط بيانية كلما نظرت إلى وجهها والذي آثرت المكوث معه. لأنها أحبته وباعت حبي الذي حرثته وزرعته وسقيته بدمي ونبضي وقلقي لتنطلق منه العصافير والفراشات التي ماتت جميعها لأن الواحة تحولت إلى صحراء بلا أفق بين ليلة وضحاها. لقد استطاع هذا المعتوه المسكون بأسئلة شيطانية من أن يدّور رأسها باتجاهه ، ويجذب ذرات ضعفها إليه لتكون أسيرة إرادته. لم تنفع كل محاولاتي في إثارة انتباهها واستبيانها لمدى خطورة فعلتها. لأنه لا يستأهل هذا الجمال وهو المملوء بالقبح. كنت أمنّي نفسي وأتمسك بذرائعي من أنها ستصحو ذات يوم على اكذوبة حبها لرجل بدأ هوس الجنون يلاحقه، ويتحول إلى عبث الأفكار الخطرة.. لا أدري لماذا بقيت هكذا معه وهو الذي يتكلم علانية وسرّا عن الجن والأحلام والرؤيا والقمة والأوحد. يرسم طالع المستقبل على هواه. المهم أن ذرائعي تلاشت وخابت آمالي وتبخرّت أحلامي وطمست جميعها في وحل الفشل الذي لحق بي كما الفيضان المدمّر.. أخذت سيوله تنهمر على شواطئ حياتي لتحيلها إلى مناطق هشة.. مالحة.

كان غير مصدق نهائياً انها تزوجته. كان يكذب أذنيه ويصدّق وجيب قلبه المتعب. حتى عندما أبلغوه بدعوة رسمية لحضور ليلتها الأولى التي ستكون فيها عارية في أحضان رجل تعرفه المدينة بالمهووس والمجنون والساحر والممثل لتفاصيل الحياة. أصابه دوار فضيع لم يستطع بعدها أن ينقل قدماً واحدة.. وجد جسده وقد تسمر في مكانه والأرض تميد به.. لم يستطع أبداً التخلص مما هو فيه.. وصار يواجهه بعدها لفضح نواياه.. أستخدم حكمته لشيء آخر من أجل عواطفه فأخذ يقطع الطريق عليه.. على لسانه.. وكان ذاك يقابله ببرود.. يحاوره بحديث مضرج بالهلوسة ، فينهال لسانه خوفاً ورعباً من موت لا ضرورة لحتميته إذا ما كانت القدرة موجهة الى تخمة الأكل والنوم والتغوط والنكاح واعطاء اللسان جرعة على الإتيان بأسباب المكوث ، لنجر العمر بطريقة تمهد السبيل لاعلاء الشأن. لم يكن بمقدوره مواجهة سيل الكلمات الخارجة من فم أتقن لعبته جيداً في إقناع الآخرين وكمّ أفواههم وفتح آذانهم لحديثه. كأن حكمته ضاعت أمام ما يعتري قلبه من ألم. قال له ذات لقاء. ان عليه أن يراقب أحلامه.. فكل واحد له أحلامه الخاصة والتي يجب أن تنطلق إلى الواقع.. دون الرجوع إلى خرافات عقيمة. كان يردد أمامه كلما واجهه ((كلّ له طريقته في التفكير.. ولكن على المرء أن يعرف ماذا يحلم ليحدد ما يريد ويفك رموز المسألة)).

لم أفهم منه شيئاً. رأيته متقلباً في أفكاره.. ورحت أراقب حركاته لعلي أفك رموز خرافته طارداًً ما يطحنه من دقيق أفكاره من رأسي حتى لا تلتصق بقفاي وأصدقها.

ضوء المشعل يرتعش.. فينمو الخوف ويتوزع مع ارتجافته الخفيفة.. يمسك بقوة كفّه الملمومة مقبض المشعل..ليوازن النار المتناثرة بلا استقامة على الجدران والأرض المعفّرة بالإهمال. ظلّ يطلع برهة على زيف المكان.. رائحته مثل كحول مزيفة.. بيت بلا حبّ، أو حنان. يعشّش فيه الغموض.. يحتوي بين ركائزه الهشة الدهاء. كأنه من زمن غابر ومخاتل. أنفه يشم مرغماً رائحة بول وبراز لمرافق بلا باب. أحس انه بيت من الإهمال. أهكذا فعلتِ أيتها المجنونة وركضتِ خلف ضعف قلبكِ، لو كان بيتي لما تركتكِ هكذا. أهكذا يفعل الحب لتسكن أجمل امرأةٍ في المدينة في بيتٍ عفن.. لا أثر لممارسة الحب؟ هكذا استشفّ في الخطوات القليلة، فأصابه الغيظ.. فتراءى له هيكله.. ببدلته الوحيدة التي حافظ عليها من التآكل، وساقيه العريضتين وقامته الفارعة وعينيه الجاحظتين، وأصابعه المنفردة ويشماغه الذي يغطي فيه صلعته. رآه كالملدوغ، ينبش بأشياء لم يعرفها.. بدا له أكثر سناً وأضعف بنية.. وجهه أصفر.. ثم رآه تائهاً أمام غيمة عقيمة.. تسبقه ريح سوداء. تخلّف ضباباً أسودَ كأحتراق عجلات لا تمشي. رآه ينتصب.. لا يحرّك شفتيه كعجوز صموت.. يتضرّع إلى نسمةٍ صافيةٍ بعيدة عنه لتنظيف خلايا رأسه. يخاطب شيئاً خرافياً بكلمات طلسمية لم يطلع عليها لكنه سمعها من أفواه المشعوذين والمؤمنين بالجن. تذكر ذلك اللقاء الأخير قبل ثلاثة أيام من لحظة إعلان غيبته الجميلة. وقف أمامه. يرتجف.. حتى انه أصيب بالذهول عندما فتح شدقيه ليرمي له سراً لم يبح به لأحد غيره. قال له .

- أريد العيش في مكان جديد.. لم يعد لي في هذا المكان فائدة.. سفني غرقت.

ضحك.. ليبطل مفعول السر الباهت.. وأذنه تلتقط أول ارتعاشة مفرحة دخلت جسده. يريد العيش في مكان آخر. يعني انه سيغادر.. ولكن هل سيأخذها معه؟

- هناك أشياء تنتظرني.. تنادي أن آتي إليها.. أعرف إنك لن تصدق.. لم يعد حاجباي يطبقان هنا لأنني أسير أفكاري وتطلعاتي.

وهل ستأخذها معك؟

- أنا أعيش في عزلة عن العالم. وأفكاري يجب أن تنطلق من هذا الانعزال. لا أدري ماذا سأكون.. لكني أعرف ماذا يجول في رأسي من مستقبل.

- وأي مستقبل هذا؟

- ستعرف حينها.. بل ستسمع أنت بذلك. أنت رجل حكيم. والحكمة لا تلتقي مع أمثالي المصهورين بالرؤية والعالم الغريب عن عالمك.

- لك زوجة تنتظر خطاك. كيف يستطيع قلبك فراقها.

- لأني وحيد سأصل إلى مبتغاي.

أطربه هذا السر وتمنى أن يرقص.. بل تمنى أن يحضنه ويقبله رغم كراهيته القديمة له. ويشجعه على تنفيذ ما برأسه من أفكار ملعونة.. تركه يغادر ساهماً.. لم يسأله إلى أين سيذهب. وأي مكان سيمارس فيه الطقوس.. رآه الآن بهيكله الناشف أكثر دموية.. ينظر بصعوبة إلى أزرار دشداشته ليوقظ بداخله همّاً مطموراً. أطلق ضحكة عالية.. أرتج المشعل منها. نفض رأسه ليطرد شبحاً مكفهراً خارج المكان.. لابد من إيجاد شيء قد تركه.. ليعلن لي على الأقل.. انه لن يعود. وأطرد بعدها صدأ سنين الانتظار.

دفع باب الغرفة. ادخل قدمه اليمنى.. وقبل أن يلحقها بالأخرى. إصطفق الباب بقوة. أصيب بارتجافة خفيفة.. وأدار جذعه بلا إرادة إلى الوراء. قبالة الباب الموصد.. يا ألهي لطفك، لا تجعلني أصاب بعدوى الرجل المهووس وأعذر قلبي.. فهو ليس حكيماً مثلي.

فتح عينيه فسقط بصره وضوء مشعله على الورقة التي كادت تسقط لولا تمسكها بجزء من خشب الباب الرطب. كانت تتأرجح.. وقد أصابتها رطوبة الباب المبلول بالمطر المنهمر دون انقطاع.. هذه ورقة من يتبجّح من أنه شرب من ماء لم تسقط قطرة منه في غير فمه. لا عليه بما كان يقوله.. عليه أن يتواطأ مع غاياته لعله ينجح بإخراج حزنه من طيّات قلبه.. ويطلق عصافيره الحبيسة الخرساء. لتحوم مرة أخرى حول عشها ويربح عينين سيطرتا على كل حياته.. ويبدأ بعدها بسقي ورد بستانه المهجور الذي كاد أن يتحول إلى أرض بور.

احتوته الزاوية البعيدة كما السجين.. مدّد ساقيه العبلتين.. وأسترد أنفاسه، وأشعل لفافة تبغ جاهزة وفتح عينين كعيني قطٍ مبهور. وراح يفّك أسرار الكلمات المريبة الغامضة المزخرفة

بالامعنى.. أحسّ بانقطاع المطر، وخفت حدّة الريح حتى كانت أشبه بالنسمات. وبدأ بالاستماع إلى صوته.. تحرّكت حبال حنجرته التي شاركته آخر محاولة لاغتيال شبح عودته.

((أنا الهارب من جور زمنٍ ملعون. ومكانٍ موبوء بالموت وصدورٍ يملؤها الحقد والضيق. وأفواهٍ غاب عنها الصدق، وأيادٍ استأنست لعبة الخمول، وعقولٍ تعودت الخدر وأرجلٍ راكضةٍ خلف اكتناز الأشياء.. وأنفسٍ بلا حلم.. متصورين أن ما يجري من أحداث وويلات لا علاج لها. إلا في السباق نحو الصمت دون أن يفكّروا بجدوى وجودهم أو يفهموا كيف يغلبون الموت. معتقدين انه الغاية الأخيرة والهدف الذي لا يحتاج إلى تخطيط.. لم يحركوا ذرات عقولهم أبداً. ولأنني مولود لأنبش في الصحو. منذ لحظة معرفتي بوجودي على وجه الأرض . رحت أصارع أفكاري التي تأتيني عنوة وبلا مقدمات حتى صارت جزءاً من تكويني. وكان واجبي هو أن أشذّب الفوضى لأُمنح الاستقرار الأبدي ولأنني منساق خلف الأقدام التي تقودها الأفكار التي تقودها أيضاً تأملاتي وتفسيراتي الخاصة. فلم أجد من يصغي إلي حتى ضقت ذرعاً وضاق صدري حد الاختناق من هول ما رأت عيناي وسمعت أذناي حتى داخ رأسي. ولم يعد ينفع الاستمرار مع الوجود المستلب . فأنبأتني الأحلام برؤياها العظيمة أن لا نفع من المكوث في نفس المكان. والدوران حول الزمن ذاته. لماذا لا أكون أنا من يمسك بصولجان الأمر؟أريد أن أكون عظيما . لأنني هنا كطير كُسرت جناحاه. فأنا أختلف عن الآخرين في كل شئ. حتى لكأني لا أنتمي إلى عالمهم الخاص. لذلك قررت الرحيل والبحث عن خطواتي. فهناك من ينادي بعزلتي لأنسج عالمي .. ٍسأكون هارباً في نظركم. لابأس. فأنا هارب من زمن لا يتحرك ..لأحرك ذراتي وأبحث عن مبتغاي .. لن تعرفوا طريق ذهابي. فأنا لا اعرفه أيضاً. لأني مقاد لأكون في زمن أقود فيه أشيائي. لذلك عليكم (من يجد هذه الورقة).. ألا تسألوا عني أبداً. حتى لا ترسلوا الموت خلف خطواتي.. أنتم لا تصدقون ذلك. ولكن يجب أن أقاوم الموت مهما كان الثمن .. لأني سأمسك بالريح..وأخاطب الغيوم أينما تكون.. فمصيرها سيكون لي حتماً ))

ضحك الرجل.. وسقط طين الجدار خلف ظهره.. ضرب كفاً بكف وبقوّة وأخرج عقب لفافته من مشربه ليدوسه بقدمه المتشققة.. ولم يزل يواصل الضحك.. مثبتاً عينيه على المشعل الموضوع داخل فتحةٍ في السرير المعدني. تحركت أنشودة الفرح.. وراحت حواسه الخمس ترقص طرباً. كأنه ينشد أغنية الصباحات الندية.. والأنسام العطرة التي فارقت عقله وقلبه منذ زمن حسبه سيطول.. شعر بتدفّقٍ جديدٍ لدمه.. وإن شرايينه الآن قد تتجدّد بكريّات دمها.. وإن دمَهُ يسير باتجاهاته الصحيحة عبر غرف جسده وأروقته لينضح عرقاً مفرحاً. هرب المجنون من الموت.. ستأكله الكلاب قبل أن يلج صباح أمله. لأنه يدور في الاتجاه المعاكس لمعنى الحياة. حتى لو وصل ، فمن مثله اقتادوا أحلامهم ليعبروا بها محيطات الوهم غرقوا، حتى عندما وطأت أقدامهم أرضاً تصوروها يابسة.. لن يكون شيئاً.

دار في الغرفة كمن يرقص وهو يحضن الريح. مخلفاً في رأسه صدى صلوات مداركه التي استنهضت بكل قوة لتعيد مجدها ومعناها ووجودها. رغم انه لم يستوعب ما قرأه. لأنّ من الصعوبة بمكان أن يصدّق هذه الإرتعاشات الخائفة لحجج واهية.. هل هو أمام رجلٍ حكيم أم رجلٍ خائف؟ لا تلتقي الحكمة مع الخوف. كلا.. ليس حكيماً. بل مجنوناً. والمجانين يملكون حتى الموعظة الفارغة ويتكلمون بصوت أعلى من أصوات العقلاء. لذلك فهو رجل مجنون مسكون بالخرافة.. ثم ألا يكون من معشر الجن أكثر منه إنساناً مجنوناً.. فقد سمعت منه أنه يؤمن بتأويلات وتفسيرات السحرة. ولم أصدق حينها. وإلا فمن أين تأتيه القدرة على مواجهة ما يفكر به من أجل أن يكون؟.

تأمل للحظات محاولاً قطع رؤوس الارتباك في تسلسل أفكاره واستذكاراته. ليتمكن من احتواء صحن الهوس المليء بالطنين. وعاد إلى فرحته يمسك بزمامها متخيلاً لحظة الإمساك بذراعيها. ثم الغوص في عينيها. لكنه عاد مرغماً إلى وجه الهارب.. رجل لن يموت يبحث عن الخلود.. ضحك بأعلى صوته ليسمع صداه.. كل شيء ضاع وتلاشى في ضجيج الريح العائدة. وانتبه إلى أنه أخذ يثرثر وفقد القدرة على الإمساك بأعصابه. أوعز إلى رجولته أن تثبت وأن لا تصاب بالانهيار حتى يتمكن من التخطيط للقادم من الأيام.

مزق الورقة.. نثرها في الفضاء.. شعر بغضبٍ حقيقي على نفسه لأنه ترك المجنون دون مواجهة صادقة.. وكان عليه أن ينتبه إلى محتوى الأفكار التي شجّت بأحجارها رؤوس الكثيرين.. دار دورة كاملة ماسكاً بمقبض مشعله..تراءت له صورته أمامه. رمى المشعل فوق القطن المتناثر.. أغرب عن وجهي ايّها المجنون. أكرهك مرتين.. مرة لأنك سرقت أحلامي .. ومرة لأنك تبحث عن سخافةٍ أسمها المكوث بلا موت .. لن تكون أكثر من أضحوكة.. سيدرجها التأريخ عبرةً للآخرين. ها أنا ذا أحرق بيتك حتى لا يبقى لك أثر.

وأشتعل المطر وهرب الليل وجفت الريح وتناثر جمر الجذوع وهربت الفئران ونبحت الكلاب وتجمعت الرؤوس أمام النوافذ مذهولة من احتراق السر. وما زال الضحك محصوراً في صدره.. خرج يردد تحت المطر..

رجل مجنون. نعم .. وقد مات هنا.