1

9 0 00

1

نغبشة العصفور في جوف الظلام أقلقت مرقدي . أمل الليالي ينجلي عن فجر فتي ، له طعم الحب ، ودفء العشق ، ولذة الاحتضان .

*****

الفجر وعالمه الثري يلوح في الأفق .

*****

منف الوجهة .

أترك أتريب (1) مخلفة ورائي كل شئ ، عالماً يمتزج فيه الحب بالمتعة بالثورة . منف الأمل .

لا تبعد عنا كثيراً ، الآن ، يستيقظ رخ.

نذهب إلي بتاح في معبده . بعد أن كلت النفس وفشل المسعى في البحث عنه في الشمال .

*****

الشمس ترسل دفئها الحاني إلي وحدي.

*****

أجلس علي حافة المركب ، وسط المركب يجلس أبني رخ بشبابه اليافع وقلبه الغض ، النوتي يمارس عمله في منتهى النشاط والحيوية.

*****

في الدلتا مولدي.

الدلتا المثلثة ، لها طبيعة خاصة ، تنعقد عليها آمال كبار في تحقيق النجاة.

*****

علي مقدمة المركب ، واقفة ، أتطلع إلي الأفق .

*****

أريد مقابلة الحكيم في أمر هام ، يتوقف عليه مستقبل البلاد.

غير مسموح بذلك.

لماذا؟!

هذه أوامر ؟.

أتريب : مدينة بنها ، محافظة القليوبية.

- لا تجعلني أعرضك للعقاب .

اقتحمت الباب ودخلت .

صاح الحارس :

- إلي أين أنت ذاهبة ؟!

جري خلفي يمنعني .

لا. لآ . أريد مقابلته . وهممت بضربه.

*****

رخت أنت جميلة .

رخت أنت قويـــة.

هل هو يوم لك أم عليك؟

هل تقترب الدنيا من قدميك ، ثم تزهدينها ؟

اليوم يومك .

*****

كنت أسير في يد أبى . أتركه ، أحياناً ، وأذهب ابحث عن أي شئ .

*****

في البدء ، تكررت محاولاتي للخروج من البيت واستكشاف الطبيعة حولي علي أجد تفسيراً لهذا الكون الواسع ز تحيرت كثيراً ، لم أيئس . العالم مبهر ، تتناثر أجزاؤه بلا معني …. قد يبدو لها معني .

*****

في صغري تبدي لي العالم أكبر مما أتصور كون مذهل حقاً بكل ما فيه من عجائب وغرائب.

*****

شخص يسبح في فضاء لا نهائي . يصطدم بالحب والكراهية علي هيئة بشر.

*****

بيت أبي ، العالم الأول ، سبحت في معانية ، حفظت مسالكه وتكويناته …. من جدار لآخر … من خدش لآخر … من اصغر معلم لأكبره … كل شئ .

*****

في بيت أبي كل خطوة لها معني .

*****

عطف أبي علي ، عوضني عن فقدان أمي . ماذا كان شكلها ؟ ماذا كان لونها ؟ هل كانت جميلة ، حلوة ، أم ماذا؟

ماتت ، وهي تلدني .

ماتت دون أن أراها.

ماتت وتركتني أصطلي بقسوة زوجة أبي .

*****

المعبد أول ما طالعت بعد بيت أبي . له صورة مقبضة ، تصغير لهذا الكون الكبير ! عالم غريب ، تحدث فيه الأعاجيب.

رجال منزوعو الشعور والنخوة ، قبيحو الوجوه ، ملابسهم تثير في نفسي الضيق والضجر.

*****

مباني المعبد ضخمة عالية، تثير في نفسي نوعاً من الخوف والرهبة والشعور بالدنو.

*****

صغيرة في هذا العالم ، أحاول فهمه، بينما عاجزة أنا عن فهم نفسي!!

*****

سألت أبي ذات مساء بهيج :

الإنسان لا يعرف نفسه ، فكيف يطلب منه معرفة غيره ؟!

نظر إلي مندهشاً ز يبدو أنه أستكبر السؤال علي سني . ربت علي كتفي في حنو. ولم يجب .

*****

أسير في يده ، ذات صباح ، حنانه يغمرني ، الحنان الوحيد في عالم القسوة . المعبد يطل برأسه الكبير ز لم نسر طويلاً . ذهبت إليه أتلقى علومي الأولي . الدراسة قاسية . ملعون قساة لا يرحمون . تفوقي يشفع لي.

*****

في ليل له طعم الورد ، سألته عن أمي ، فتنهد ونظر إلي السماء ، وكمن تذكر حلماً جميلاً :

- كانت لي العالم بأكمله.

- كانت جميلة؟

- لم تكن هناك أجمل منها.

*****

قالت بغلظة :

تنظيف البيت وتحضير الطعام أهم شئ ، أتفهمين؟

*****

الصباح ذو نور وضيء ، أشعة الشمس تتعانق مع قطرات الماء لتغزل أقبح قصيدة خيانة ، جالس علي مقدمة المركب ، رأسها علي صدره ، ضحكت ضحكة ماجنة ، وقفت …. رقصت ، أبتسم ثغرة … أنشرح قلبه.

قيل لي كانت صديقة أمي ، فكيف حدث هذا ؟! كيف تزوجها ونسي أمي ؟! أمي ؟! أمي الحبيبة ، التي لم أرها يوماً !!

*****

حجرة الطعام مليئة بالأطباق الفارغة ، الأواني متناثرة في كل مكان ، أقف مذهولة ، كعادتي كل صباح ، أمام المشهد اليومي . الخادمة حمقاء . علي أن أفعل كل شئ بنفسي … حتى لا أتعرض للعقاب .

خرجت إلي عمق البيت . انحنيت ألتقط مقعداً مقلوباً أعدله . رنت ضحكتها الخليعة في أذني تخرقها. أهكذا يفوت الوقت بسرعة ويأتي الحساب ؟! استدرت ناحية

الباب ، دخلت تتأبط ذراعه. سألتني :

- الطعام جاهز؟

وقعت المقشة من يدي ، هزني صوتها ، أرتعش داخلي ، لم أستطع النطق ، لم تمهلني . صاحت في وجهي :

- يومك أسود ، طبعاً تلعبين!

نظرت إلي أبي . لم يتفوه . لم تهتز شفتيه . حاول إخفاء ضيقه حتى لا يشي به ، قدر استطاعته ، يعتصر الضعف وجهه . رغبة النطق تعبث به ، الخوف ألجمه.

*****

زوجة أبي متوحشة ، أخرج من البيت هرباً ، أبحث عن لا شئ .

خنوم لا يرضي بهذا الظلم ، أنه رحيم وقلبه كبير.

*****

سيد الرحمة ورب المغفرة . وصفه الكثيرون بأنه العادل الرحيم صاحب القلب الكبير . تعلقت به منذ الصغر. وكان دعائي يتوجه إليه ، وحده ، بالخلاص من ذل زوجة أبي وأن يرحمني من عذابي المتواصل ليل نهار ، جعلت الدنيا في عيني سوداء لا أنوار فيها ، والدنيا جميلة بالفعل ، لا يدرك قيمتها من تعود حلقة طعم المرارة طويلاً.

*****

إليه وحده يتوجه حبـــــي .

إلية وحده ترسل صلواتي .

له وحده يخفق قلبـــــــــي.

أنه المنقذ ، أنه المخلص ن الوحيد القادر علي إنهاء مأساتي بوضع النقطة الأخيرة فوق كلمة النهاية ليسدل الستار عن أعظم مأساة وتنتهي الحكاية ، ويذهب المتفرجون إلي بيوتهم ، لينعموا بنوم هادئ ، وأنا كذلك … أرتاح من هذا الحمل الثقيل.

ارتبطت به كثيراً ، وهربت من العقاب بسببه كثيراً ، كانت زوجة أبي تهم بضربي ، فأقول لها طلباً للنجـاة : { خنوم يرانا } . فتسقط من يدها العصا. مع أنها لا تؤمن به كثيراً أو بغيره !!

ألقيت بكثير من همومي وحمولي علية ، نسبت إلية أشياء لم يفعلها ، حتى أضمن في النهاية النجاة.

خنوم

ليس لي سواك .

حبيبتك رخـــت.

موقعة بالدم والدمع .

*****

الفصل فصل الفيضان.

النهر عن آخره ، الماء ملمسه مثير ، نسمات الهواء تداعب خدي بشقاوة وعذوبة ورقة ، الشمس تعزف أجمل لحن يتلاحم ضوءه الذهبي مع خيوط شعري السوداء السابحة بين الماء والهواء ز قطرات الماء تترقرق فوق خدي . افعلها متعمدة . تضحك الخادمة . تترك ملابسي من يديها . تسقط علي الأرض من الضحك . أنهرها تعود لرشدها . تقبض علي الملابس بحزم . وتجلس علي الشاطئ تنظر إلي عابسة في ضيق . أرقرق الماء فوق خدي . أعبث به بيدي ز لا تضحك . أناديها : { نفرت } لا تهتم . أكرر الرقرقة حتى لا تقدر علي إمساك نفسها فتضحك ضحكة صاخبة .

حياتي في النهر .

الماء ما أجمل ملمسه ز له مذاق ممتع .

{ نفرت ، راقبي الشاطئ جيداً }.

*****

الأفق ينفسح علي مشهد لا نهائي . تتعانق السماء مع النهر في وحدة شاعرية ، تجلو نفسي وتنير طريقي.

منف تبتلعني في دوامتها . مزدحمة بشكل غريب ، عامرة بالحياة ، تفيض بالحب ، ويتنسم ، بين طبقاتها العليا ، العشق في أبهي تجلياته ، ويفرخ أحلي ثمار القرب.

ليلة حب واحدة .

واحدة فقط.

قضيتها فيها، تركت في نفسي ما لا ينسي من روعة ولوعة.

*****

قادر علي كل شئ.

قادر علي أن ينير لي طريقي ، ويهديني إلي هدفي المنشود . بوابة المعبد تذكرني ، بالبدايات ، بداية كل شئ ، يبدأ أنيقاً جميلاً وينتهي إلي العدم . دخلت مع أبني رخ ، إلي ساحة الفناء المفتوح بلا حجاب . أخبرت برغبتي في مقابلة الحكيم .

خنوم

أين أنت ؟

هل من أمل؟

قادر علي كل شئ ، تعرف كل شئ ، حتى ما في نفسي وأن لم أبح به ، أقف أمامك عارية من كل شئ إلا من معرفتي أنني أمامك ، صاحب القدرة الخارقة علي المعرفة وكشف الغيب وهداية الطريق . بركاتك وهباتك لا تعد ولا تحصي ، فنحن فيض من فيض نعمتك.

خنوم !!

ارحمني ، هبني بركة من بركاتك أو نفحة من نفحاتك تصلني بك.

أين أنت ؟!

أتيت إلي الحكيم لأعرض علية مأساتي وأجد لها حلاً.

*****

رخ يصعد درجات منصة التتويج الدائرية بثبات . الكهنة فوقها متحلقون باسمون. يشير الكاهن الأكبر من فوق مقعده ، تعزف الموسيقي لحن التتويج . الناس مصطفون علي الجانبين يشهدون الحفل ، الفرحة تعلو وجوههم ، كيف لا يفرحون والفرح فرحي؟!

ترك الكاهن الأكبر مقعده ، تقدم باسم الإله ، يتوج رخ ، وضع فوق رأسه التاج ، تاج مصر العليا والسفلي ، تاج { كيمت تامري } *

الفرحة ينخلع لها قلبي ، الدنيا لا تسعني ، رخ سعيد ، في منتهى الفرحة ، أحس تأدية واجبي نحوه ، أظل بجانبه ، حتى يأمن أعداءه وينقي دولته.

تبادلت النظر معه طويلاً . أبتسم . ابتسمت . أقترب مني وجلس بجواري . فتي له قوة الجبال . يعجبني هذا النوع من الرجال . أحسست سخونة جسده تسري في نظراته تلهب أحشائي . يالك من وحش أليف أيها الرجل ، أريد به الثورة فأختار الحب عن كل شئ ، تعلقت به بشدة . وبعد نظرات مترددة بيني وبينه أفهمها جيداً .

* تعني : مصر الأرض المحبوبة.

قال لي مقدماً نفسه :

- حور …. أسمي حور من منديس * …… أعمل مساعداً لكبير كهنتها وساعده الأيمن .

أيها الحور اللعين أين أنت من زمان ؟!!! أبحث عنك بين الرجال منذ زمن طويل !! ارحمني فصبري طال . وأوشكت نفسي علي الاستسلام . صدري يمور بالحب والعنف يملأ رأسي . أريدها ليلة غير عادية . ليلة أولها الهمس والملاطفة والمداعبة وأوسطها العنف وآخرها اللذة الأبدية والارتواء المطلق.

نفسي ظمأى . وقدراتك لا تقدر . تفيض وتزيد . ولن يقف في طريقها سد مهما طال ارتفاعه . ماء النهر لا يرحم . يأخذ في طريقه ما يعترض مجراه.

قلت مرحبة به :

- مرحباً .

ابتسمت وأردفت أقدم نفسي مثله :

- أسمي رخت من أتريب … تعلمت الكهانة في الصغر واحترفت السحر في الكبر ( وأشرت إلي رخ ) وهذا أبني رخ…

قال متظاهراً بالدهشة :

- أبنك ! توقعت أنه أخوك الأصغر ..لا تبد عليك آثار الزواج أو متاعب الحمل والولادة .. ( ونظر في عيني ) أنت جميلة لم تدخل دنيا ..

ماذا تريد مني يا حور الجميل ؟ تحاول الانقضاض وبأقصى سرعة ؟ أفهم نبض نظراتك….

أنا وأنت علي خط عمل واحد . هنيئاً لنا سوياً …. يبدو أن الاكتمال والذوب في الآخر حتى الفناء قادمان لا محالة …. حور لا تعبث بقلبي الغض . ضعيف لا يتحمل وقع ضرباتك القاسية.

حور العشق أوله النظر ، وثانية الملامسة ، وآخره الاندماج والذوب . فهل أنت قادر علي المواصلة ؟ الطريق شاق ؟ تفترشه الورود والأشواك؟

قلت أداري خجلي :

- يالك من مجامل كبير !!!

نهشتني عيناه السوداوان البراقتان وهو يقول :

- إنها الحقيقة – شرف عظيم لي ، أن أري الكهانة والسحر مجسدين في أنثي …. وأنثي جميلة .

منديس : بلدة في شرق الدلتا ( أنظر هامش ص 35 ).

لن أقدر عليك يا حور الجميل . متمرس علي إيقاع النساء في شراكك العنكبوتية لماذا كل هذا ؟؟! أتريد أن تصل بسرعة ؟! منهياً آلاف السنين من الرغبة ؟! مغامر مجنون ! الجنون والمغامرة أروع ما فيك – اصبر حتى يتهيأ لنا الحال …. أري العطش في عينيك …. يقابله نفس القدر في نفسي وقلبي وصدري وفي ككل… الحب قادم لا محالة ، فأصبر حتى يأتي الميعاد … حتى ينهمر المطر ، فيه الحب ينمو ويزدهر ، ويضمنا تحت جناحيه ، والعشق في ثناياه ، ونعرف معا لحن معرفتنا بقدرته علي إرواء الأرض الجدباء بماء الحياة وتطهيرها من الجوع والحرمان … أصبر يا حور أصبر … واصبري يا رخت ….. اصبري …..

تلعثم لساني وأنا أرد : -

- أشكر لحور حسن بيانه …. أنت كثير المجاملة .

- ماذا يصنع أبنك؟

ماذا حدث يا حور ؟!! هل ضايقك ردي ؟ لماذا انتقلت إلي محطة أخري دون أن تكمل الأولي ؟ من أجل ماذا ؟ انتقلت علي سبيل المناورة أو ضقت بأهلها؟

قلت بأسي حقيقي :

- لا يفعل شيئاً . حاولت تلقينه العلم في الصغر فلم يفلح …

صاح متعجباً :

- غريب أمره حقاً ! أن ينبع الجهل من نبع العلم هذا المستحيل عينه!!

بل غريب أمرك يا حور ! ماذا حدث ؟! والمستحيل هو ما تفعل !!

أمنت علي قوله :

- قدر يا عزيزي حور ، ما أقسى قرارات القدر !

تساءل :

- أسمه ……. ؟

سريعاً نسيت أسمه ؟! إذن لن تذكرني لو فارقتك للحظة …. ما دمت في أحضانك تذكرني . ومتى فارقت دفء جسدي . أو إن مر أمامك شبح أخري نسيتني لتوك!!

بضيق واضح أجبت :

- رخ

متأملاً الاسم :

- رخ !! رخ !! … اسم جميل ..

أسمه جميل كوجهك الجميل . قلبي يهفو إليك ز لا يقدر علي البعد . أذابه في نيرانك الحامية . أذقه نبض عذابك . امنحني الدفء في عز الشتاء .

متودداً :

- رخت ، هل أكون متطفلاً لو عرضت عليك مشكلتي ؟

مشكلة ؟! أهناك مشكلة إذن ؟ قل يا حور ولا تخف . سرك في بئر عميقة لا يصلها إلا المحترفون من الرجال. قلت مرحبة :

- بكل سرور

مفصحاً عن نفسه :

- أنني لم أجئ إلي هنا إلا بعد أن فاض بي الكيل .

يبدو أنها مأساة حقيقة . سقطت علي كنز يا رخت . قل يا حور الجميل ولا تخف.

تظاهرت بالسذاجة :

- كيل ؟! أي كيل ؟

ألقي بحجر ضخم في بحيرة آسنة حين قال :

- ضقت ذرعاً بالبحث عنه ….

- أرتجف قلبي .

أستدرك :

- خنوم هذا مشكلة كبري .

خنوم !! المأساة واحدة . هل تتحد التجربة الإنسانية إلي هذا الحد ، أيصل الكمال مرة واحدة ودفعة واحدة . ودون أدني موارية ؟! الحظ يخدمك يا رخت ، ويدفع إلي طريقك الهدف ممزوجاً باللذة وشلالات المتعة ، أم يستخدمك ؟

تظاهرت بوقوع المفاجأة :

- خنوم !!

أستأنف :

- أجل خنوم . قلبي مشوق إليه … أحبه بكل ذرة في كياني .. ولن أرضي عنه بديلاً .. أنني حبيبه وهو حبيبي.

الحب . رحيق الحياة ، سلطان الوجود . أفضل شئ فيه . خنوم ز الوحدة وال\ريق . خنوم . الأمل والألم . خنوم . الحلم والمأساة . خنوم . الصحبة والرفيق .

استدرجته أكثر :

- أكمل يا حور فإنها تبدو مأساة حقيقة.

زافراً الألم من صدره :

- بحثت عنه في الشمال فلم أعثر له علي اثر .. أي أثر . ترك الشمال كله ورحل .أين هو ؟! لا أدري .

كلنا لا ندري . المهم من يدرك الوقت المناسب وينقض علي الفريسة ولا تملك حراكاً وتسلم بالنهاية . النهاية !! الحلم والحقيقة !!

غرقت في تفكير عميق . صحوت منه علي صوته يصيح :

- سيدتي رخت .. رخت .. أين أنت ؟!

أنت السيد ، الملهم ، أنت العازف وأنا القيثارة .. أتلوى بين أصابعك كما تشاء .. أكمل يا حور . أكمل ولا تخف . قلبي يحتضنك بين راحتيه . لا تخف . أقفز مهما تقفز . أنت بين يدي .

غمغمت :

- هه .. هه.. لا شئ.

حاول أن يعرف شيئاً :

- لا بل هناك شئ .. وشئ قوي ..

أجل شئ قوي .. ملأ الوجود سحره . خصوبتك الطاغية .

قلت كأني قوي أحلم :

- ذكرتني بواقع جميل كنت أعيش بين ظلاله.

سألني بأدب جم :

- هل من حقي أن أعرفه ؟

ستعرف كل شئ في حينه ، حينما يلاصق جسدك جسدي ، وتتناهي الحدود والمسافات بيننا ، وتشتعل الشرارة المقدسة معلنة عن أول معركة في التاريخ بين الرغبة والعقل ، بين مفرطي العشق …

همست بهدوء :

- ستعرف في حينه .

خرج صوته عميقاً بالحزن والألم :

- اليوم أجئ إلي الحكيم عسي يدلني علي أي شئ . وأنت ما سبب قدومك إلي هنا ؟

قدومي إلي هنا قدوم إليك . حتى تهدأ نفسي المحرومة . تلهب شفتاك شفتي . ويحملنا الهوى علي بساطه ونحلق في سماوات علا من العشق والهيام ونطفئ الحيرة والعطش داخلنا.

قلت مراوغة :

- إنني أعشق زيارة معابد بلادي كلها ، خصوصاً معابدها الكبيرة .

عقب مستسلماً :

- الأمر يتعلق بك إذن ؟

بل يتعلق بك أنت . أنت ولا شئ غيرك . ما أتيت هنا إلا من أجلك أنت . لا أدري ما الذي دفعني إلي هنا . له فعل السحر وقدرة الحلم وقوة الأمل.

تظاهرت بالاضطراب :

- أنا .. أنا .. لا شئ ( وبحركة تمثيلية ) أنه قلبي وهواي ، يأمر وأنا أنفذ .

سألني بلهجة مغايرة :

- أهنالك أحد معين تريدين مقابلته ؟

لا أحد سواك . منذ ملايين السنين ارتبطت الأرواح بعضها ببعض . وكنا أنا وأنت أولها. نسمو فوق الوجود بتلاحمنا وتواصلنا عبر فراش العشق العبق ، الفناء والعدم .

قلت بوضوح :

- الحكيم .

صاح من فرحته :

- يا محاسن الصدف ، وضعنا القدر في طريق واحد .

أجل طريق واحد اصطفت علي جوانبه الآهات ، وافترشت ساحته المتعة ، ورفرفت عليه أغاني ونشوات الجسد .

عقب :

- سمعت عنه كثيراً .. منذ أمد بعيد .. أتوق شوقاً إلي رؤية وجهه الكريم والطرب بدفء حديثه.

قال مصدقاً :

- حب العلم فريضة .

بل حبك هو الفريضة . بل أولي وأحلي الفرائض ، منذ نطق الإله وخط أولي كلماته بالحب . يا حور الجميل .