4

9 0 00

4

هبط الدرج الصغير في نهاية الفناء كاهن ضخم . دهشنا لمنظره ، وحملقت فيه العيون ، أقترب منا قائلاً :

سيدي الحكيم في انتظاركم .

الحكيم في انتظارنا ن شئ لا يعقل !! قادنا ، بالفعل . إلي حجرة الحكيم .

*****

الأضواء تنتشر علي جانبي الممر الطويل في كوات جانبية ، روائح عطرة تفوح من ثنايا المكان ، الرهبة تغزو نفسي ، فلا صوت يعلو ولا نفس يصدر ، الحكمة في شخص سوف نلتقيها ، أمل كبير عشت أحلم به طويلاً منذ عرفت القراءة ، الحكيم ، مرة واحدة ، أقابله ؟!! شئ ولا في الأحلام!!

مين : إله الخصوبة عند قدماء المصريين .

منتو : إله احرب عند قدماء المصريين .

آمون : إله الدولة الحديثة وسيد طيبة والعالم القديم ، وسبب النصر علي الأعداء ، يعرف بـ { الخفي } ن ربط بينه الأغريق وبين إلههم الأشهر { زيوس } وساووا بينهما.

أهل مدينتنا يهتدون بهدية ، ويحفظون أقواله ، ويصلون إلي الإيمان عبر نفحاته وعظاته الطيبة . رجل عظيم ، فاقت أخلاقه وأفعاله أخلاق البشر وفعالهم ، وأقترب من صدق النبوءة وأمانة الرسالة.

*****

وقفنا أمام الباب ننتظر حتى يؤذن لنا بالدخول إلي حضرته العلوية . ألتفت إلي حور وجدته كعهدي به فحلاً هائجاً بالحب والثورة . رخ غارق في عالمه الغيبي المفضل.

*****

وقعت يدي ، في مكتبة المعبد ، ذات صباح مشرق ، علي بردية التعاليم الكبرى التي ألفها الحكيم ، مخطوطة بخطة الجميل ، النسخة الأصلية ، التهمت سطورها في دقائق معدودات ، وحفظتها عن ظهر قلب في يوم واحد . زاد طولها علي عشرين متراً من البردي الجيد النوع والصنع .

الحب هو عين الحياة ، والكراهية هي مقت الإله.

الإله يحب من يحب الحياة ، ويكره من يكرههـا.

العلم من الوجود الأول إلي الوجود الثانـــــــــي.

العطاء دليل الوجـــــــــود.

لا قيمة للإنسان بدون عمل .

العلم أساس كل تقـــــــــدم .

لا معني للحياة دون إيمـــان.

الرجل والمرآة متكامـــــلان.

تعاليم كثيرة جميلة ومفيدة . نفعتني في حياتي ولا زالت.

*****

فتح الباب . أنبعث الضياء يغمرنا . وفيض العطر يطربنا. تقدم حور نحو الداخل . تبعته ورخ . غاصت أقدامنا في رحابة الكساء الأرضي ، سرنا في هدوء ، تكاد أقدامنا تتوقف عن السير ، الرهبة تسكننا . مكان عجيب غريب ، حيوانات محنطة تملأ جنباته : غزال ، صقر ن عقاب ، تمساح ، قط ، ثعبان تقطعه سكاكين . وجهنا نظرنا نحو الحكيم . يتصدر مجلسه آخر الحجرة . نور عميق من عينيه الصافيتين شملنا في جوفه.

جاء صوته هادئاً ، معلناً توقف الدرس . أشار إلي تلاميذه . انصرفوا . ألقينا عليه التحية . فردها بأحسن منها . عرفناه بأنفسنا . فرحب بنا ز وأشار لنا بالجلوس . سألته بعد أن جال فينا بصره الثاقب.

- يا سيد الحكمة ، لماذا كل هذا الشقاء الإنساني الذي نواجهه ؟

دون تفكير :

- في سؤالك تكمن الإجابة ، نابع من الإنسان ولا شئ غيره .

كيف فاتني ذلك ؟!

عرضت عليه مأساتنا:

- ترك الشمال ورحل . كانت نسماته تريق في الوجود إيماناً ورضا .. اختفي واختفت نسماته ، فأين هو ؟

رد علي الفور :

- تقصدين اللغز .. المحير .. خنوم؟

- دون شك .

هو مشكلة حقيقة . لا أحد يدري أين هو .كثيراً ما نعمت بلحظات مختلاه معه . ألتمس منه النصح والإجابة ، كان يهبني ولم يحرمني قط، أحببته بشدة .. أهدي إلي طريقي . الآن ، لم أعد أراه أو أسمع به ، أو أسمع حتى عن أحد رآه أو أختلي به .. يبدو أنه ضاق بنا وبأفعالنا فذهب .ز ذهب غلي غير رجعة.

لقد أختلي بي ، ألم تسمع بذلك ؟! كيف يفوتك ذلك ؟! وإلي غير رجعه كيف ؟! هكذا سوف يضيع ما خططت . لا بد أن أجده ز لا بد أن أجد حلاً لمشكلتي . تركني دون حل لها.

تساءلت بآسي :

إلي غير رجعة ، كيف ؟!

- أحيانا ، كان يضيق بما حوله ، فيترك العالم كله يتناحر ، ويمشي ، يدعه لشأنه ، ما داموا قد استغنوا عنه ، حتى يوقنوا أن لا نجاة منه إلا إليه ، فيعود ، يعود عندما يشعر أنهم عرفوا قيمته كاملة ، ولن يغنبوه حقه .. يبدو أنه سئم الإصلاح إلي الأبد.

إلي الأبد ؟! هذه هي المأساة الحقيقية ، لا بد أن يظل الإيمان به كامناً في النفوس حتى أصل إلي ما اصبوا إليه. وليكن بعد ذلك ما يكون.

قال حور محتداً :

- كلام سيدي الحكيم يثير الشك في وجوده ويسر به غلي قلوب الباحثين عنه!

رد الحكيم بهدوء :

- لا شك في وجوده بالمرة ، إنما وجوده في الشمال أصبح أصعب من الحصول علي خشب ( ون آمون } * ألا تتفقون معي في ذلك ؟

في صوت واحد :

- بلي يا سيد الحكمة . التجربة تبرهن علي صدق قولك.

بعد صمت جابت معه عيناي فضاء الحجرة الفسيحة . البخور منثور علي نار هادثه . يضفي علي المكان جواً من السحر والقداسة . قال :

* سوف ترد قصته في الفصل الثالث .

- عليكم إخلاص النية في البحث عنه أولاً ، حتى تصلوا إليه ، أنه لا يحفل إلا بأصوات الصادقين من مريديه.

الإخلاص موجود . فهل هو موجود ؟ ارحمني يا خنوم .

فصدري مبلل بلعابك وعرقك ودموعك .

رغبة في المعرفة تساءلت :

تقصد نتجه إلي الجنوب ، يا سيد الحكمة ؟

- في الشمال لا وجود له . ربما يكون رحل إلي القنتين أحب بقاع الأرض إلي قلبه ( جسدي أحب بقاعها إليه . احب شئ ) .. أو فيله .. أو .. أي مكان آخر .

( بصوت أرتفع نبره ) ضاق عقلي بأفعاله واستعصي علي تفسيرها .. وسلمت في النهاية بأنه كان حلماً جميلاً لا يلبث المرء أن ينساه بمجرد الصحو من النوم .

أنفعل حور . وصاح صياحاً لا يليق بحضرة الحكيم :

- كلامك يا سيد الحكمة يحطم الأمل في البحث عنه .

لم ينزعج الحكيم من صياحه . وقدر موقفه . ورد بهدوئه المعتاد :

- ليس بالضبط ، لا بد لمن يبحث عنه من عزيمة قوية وإرادة عفية وإيمان لا يلين ز لا يثور لأتفه الأسباب مثلما أنت ثائر هكذا .

فرحت في حور المغرور . وسعدت بتأنيب الحكيم له . أحرج حور . صمت ولم ينبس بكلمة واحدة . وقلت منهيه اللقاء :

- أخيراً ، بما ينصح سيد الحكمة ؟

- الجنوب ، ولا شئ غير الجنوب .

الجنوب . الجنوب . لا شئ غير الجنوب . آه لم يكن هناك . سوف تكون المأساة عظمي وبلا حدود.

هممنا بالخروج . قال الحكيم :

- انتظروا قليلاً .

فرحت ماذا يريد ؟ أهناك شئ جديد يود إضافته ، يساعدنا في رحلة البحث المضنية عنه ؟ ربما . لن نخسر شيئاً . ليكن الانتظار .

مال علي أحد الرجال خلفه . غاب الرجل فترة قليلة . عاد ومعه شخص تشع منه المهابة . شاب يبدو علية الذكاء ، امتداد لهذا الحكيم العظيم . لما رآه الحكيم قال مرحباً به :

- سيا .. سيا .. تعال يا سيا .

تقدم سيا . وأنحني علي يد الحكيم ليقبلها . سحبها الحكيم بسرعة غير ملحوظة وربت علي كتفه في حنو. وقال مقدماً إياه :

- سيا ارقي عقل عندي وأطهر قلب.

نظرت إليه فأكبرته في نظري ز ونزلت كلمات الحكيم منزلها من نفسي ز لمحت حور غير منسجم لرؤيته . يبدو أنه غار منه. رخ عاد من عالمه السري .

أردف الحكيم :

- سيا أحب تلاميذي إلي .

تلميذ نابغ في مدرستك الراقية ، أيها الحكيم .

رحبت بسيا . وكذلك رخ . بينما حور صامت شارد متضايق . قال الحكيم :

- معكم سيا يسمع ويري .

إذن سيأتي معنا . أعين لنا أم علينا ؟ مساعدة منه أو له ؟ لا بد من الحذر .

- اعتبروه أنا .. هو أنا وأنا هو .. لا فرق بيننا .. أستشيره في كل شئ ، في رأيه الصواب غالباً .

نظرت إلي سيا ، ثانية ، أتحقق من كلام الحكيم . سيا هادئ . متزن . نظرات عينيه مستقره مطمئنة . متنبه . يقظ . واع بكل ما يدور حوله .

- يذهب معكم إلي الجنوب . أوصيكم به خيراً .

خيراً ؟ إن شاء الإله خيراً . الخير كل الخير . لا تقلق . أيها الحكيم !!

قال وسيا في مواجهته :

- سيا .. أوصيك بهم خيراً . هم أناس طيبون ز جاءوني من الشمال بحثاً عن المحير .. خنوم .. كن لهم خير عون يا سيا .

أنحني سيا يقبل يد سيده الحكيم ز لم يسحبها هذه المرة . أهي من أصول الوداع ؟ قبله وصافحه . تحرك سيا وفي عينيه يلمع الحزن وتطل بوادر دموع كالأطفال اليتامى لفراق سيده ز ونحن نهم بالمغادرة نادي الحكيم :

- سيا .. تعال .. يا سيا..

توقفنا .

- أريد سيا وحده.