الفصل الرابع:

5 0 00

الفصل الرابع:

إياك أن تعترضي!

لو إن أحدً أخبر ساسكيا منذ أسبوعين إنها ستترك كل ما ألفته لتسافر إلى جزيرة يونانية تجهلها بصحبة شخص لا تعرفه يفترض إنه خطيبها ،

لو حدث ذلك لهزت ساسكيا رأسها مستنكرة و ساخرة.

و هذا ظهر فقط ما يمكن إن يفعله مزيج من غطرسة الرجل و سيطرته و عزيمته و ثقته بنفسه ،

ثم راحت ساسكيا تفكر بقلق غامض.

ففي أقل من ربع ساعة ، سيأتي أندريس في سيارته المرسيدس ليأخذها إلى أول محطة في رحلتهما إلى.أفرديت.

الجزيرة التي كان جد أندريس قد إشتراها لزوجته و أطلق عليها اسم إلهه الحب.

كان زواج جديه نتيجة حب و لكن بموافقة الأسرتين.

هذا ما قاله أندريس لها أثناء حديثه عن أسرته ، زواج حب..

بعكس خطبتهما الزائفة ، فبمجرد كونها طرفاً في تلك الخدعة أشعرها بعدم الإرتياح ،

ولكن ليس بمثل ذلك الذي تملكها و هي تتصل بجدتها لتكذب عليها قائلة إنها مسافرة في رحلة عمل.

حاول أندريس إقناعها بأن تخبر جدتها بخطبتهما ،

لكنها رفضت ، قائلة بقنوط :

" ربما يسعدك إن تكذب على أسرتك بشأن ( علاقتنا) المزعومة ،

لكنني لا أستطيع الكذب على جدتي بشأن أمر كهذا....

و لم تستطع متابعة الكلام.. فلم تشأ الإعتراف لأندريس إن جدتها لن تصدق على كل حال ، بأنها عهدت بنفسها و مستقبلها إلى رجل دون حب.

عندما هدأت الضجة التي أثارها خبر خطبة ساسكيا و أندريس ، في العمل ،

أخذ زملائها يعاملونها باحتراس و تحفظ ،

فهي الآن خطيبة الرئيس و بهذا لم تعد واحداً منهم.

و هكذا أمضت ساسكيا الأسبوع شاعرة بالوحدة و الخوف ،

لكن كرامتها منعتها من قول أي شيء لأي أحد..

و افترضت إن هذا من تأثير طفولتها عندما عرف الجميع قصة والديها و كيف عهدوا بها إلى جدتها لتربيتها ،

و كل هذا جعلها تشعر بالإختلاف عن زميلاتها اللواتي لديهن جميعاً آباء و أمهات يرعونهم.

و هذا يعني إنه ما كان بإمكان أحد إن يحبها أكثر مما أحبتها جدتها ،

و هذا أول ما تعترف به ساسكيا الآن.

فقد كان منزل جدتها الذي نشأت فيه يحتوي على المحبة و الإستقرار اللذين يحويهما بيت آخر إن لم يكن أكثر.

و عادت من تفكيرها و نظرت إلى ساعتها ،

بقي أقل من خمسة دقائق لذهابها ،

و أخذ قلبها يخفق بقوة.

كانت حقيبة ملابسها جاهزة تنتظر في الردهة.

لقد صعب عليها اختيار الملابس ، إلى إن قررت أخذ خليط من ملابسها الصيفية التي اشترتها منذ ثلاثة سنوات عندما ذهبت مع ميغن في إجازة إلى البرتغال ،

بالإضافة إلى الملابس الخفيفة التي ترتديها في العمل.

لم تر أندريس منذ أخذها إلى الغداء.. فهو منشغل بوضع مناهج جديدة للعمل ،

حيث كان يواجه ،إذا صدقت الشائعات ،

مشاكل وضع الفندق المتدهورة الذي كان سائداً قبل استلامه الإدارة و الملكية.

- لقد زار كل فندق من فنادقنا. و راجع كل الطرق التي كانت تدار بها..

خمنوا ماذا ؟

سمعت ساسكيا هذا الكلام عن أندريس و هي تقف مع مجموعة الموظفين الذين يستمعون بلهفة إلى نظام المدير الجديد ، فابتلعت ريقها بضيق ، متوقعة سماع إن أندريس قد وضع برنامجاً لطرد مجموعة كبيرة من الموظفين و ذلك لإيقاف طوفان النفقات غير الضرورية ,

ولكنها ذهلت وهي تسمع , بدلا" من ذلك :" لقد أخبر كل شخص إن وظيفته آمنه بشرط إن يرضى بالمشاريع التي سيضعها.

إنه مدير رائع ,ففي كل قسم تواجد فيه ، كان يتحدث بحيوية و نشاط ،

و يخبرهم بمدى تقديره لإنجازات هذا القسم ، و كيف إنه هو شخصياً سيتحمل المسؤولية في مجلس الإدارة إن لم يستطع تحويلها إلى مشاريع مربحة..

كانت الأخبار عن أندريس تفيد إن لديه أسلوباً لا يجعل موظفيه الجدد يقسمون يمين الولاء و حسب ،

و إنما يرفعونه إلى السماء تبجيلاً و تعظيماً.

حسناً ، ربما لم يروا الناحية الأخرى من المزايا التي رأتها هي في أندريس.

هذا كل ما استطاعت ساسكيا التفكير فيه و هي تصغي بشيء من المرارة إلى إطراء الجميع له.

أشارت الساعة إلى العاشرة و النصف الآن ، و هو لم يأت..

و أجفلت و هي ترى فجأة السيارة المرسيدس الفخمة تتجه نحو بيت جدتها ، في الوقت المحدد بالضبط !

و لكن طبعاً ما كان أندريس ليضيع ثانية واحدة من وقته الثمين إلا مضطراً ،

خصوصاً معها.

ريثما وصل إلى الباب الخارجي ، كانت هي قد فتحت الباب و وقفت تنتظره ،

حقيبة ملابسها بيد و مفاتيحها باليد الأخرى.

بادرها على الفور متسائلاً :" ما هذا ؟..

و رأت عبوسه و هو ينظر إلى حقيبة الملابس الرخيصة ،

و ثارت كرامتها على الفور فأجابته بحدة : إنها حقيبة ملابسي.

- ناوليني إياها.

- يمكنني حملها بنفسي.

فقال متجهما ً:. إنا واثق من ذلك ، و لكن....

فقالت متحديه :" و لكن ماذا ؟

الرجال اليونانيون لا يسمحون لنسائهم بحمل أمتعتهن و لا الإستقلال عنهم بأي شكل..

رأت من توتر شفتيه إنه لم يعجب بما قالت ،

و لأمر غريب ، شعرت برغبة في تحديه بالرغم من قلقها من العاصفة التي رأت دلائلها تتوهج في عينيه.

فأجاب :" أرى في هذه الحالة ، إنه ربما عليك لوم أبي الإنجليزي و ليس والدتي اليونانية ،

فمدرستي الإنجليزية التي أصر والدي على إرسالي إليها ، كانت تؤمن بما يعتبر الآن الطراز القديم للسلوك الجيد لتلاميذها.

ثم ألقى عليها نظرة غير ودية و أضاف

"كلمة واحدة أحذرك بها ، إن جدي يميل إلى الطراز القديم في مثل هذه الأمور.

و هو لن يفهم إصرارك العصري على ما تعتبرينه سلوكاً صحيحاً ، و أثناء وجودك في الجزيرة....

فأكملت عنه بمرارة :" علي إن أفعل ما تأمرني أنت به.

فلم يرد أندريس بأي كلمة

إذا كانت هذه عينه مما ستكون عليه الأسابيع القليلة القادمة ،

فهي لا تعرف كيف ستعيشها ،

و مع ،ذلك سيكون هنالك فائدة واحده على الأقل لعدائها الواضح لبعضهما البعض ،

وهي إن لا أحد من اللذين سيراهما معاً سيدهش عندما يقرران فسخ ( الخطوبة )

و بعد إن ركبا السيارة ، قال أندريس :

" ستقلع طائرتنا عند الساعة التاسعة من صباح الغد ، لذا عليك مغادرة الشقة باكراً.

فسألته على الفور بلهجة حذرة :" الشقة ؟.

- نعم ، لدي شقة في لندن ، سنبيت فيها الليلة ، و عصر هذا اليوم سنقوم بالتسوق.

- التسوق..؟

- نعم ، التسوق ، أنت بحاجة إلى خاتم الخطبة ، و..

و سكت وهو يلقي عليها نظرة شاملة ، وفاحصة و غير راضية مما جعلها توشك إن تطلب منه إيقاف السيارة حالاً.

آه ، ما أجمل إن تخبره بأنها غيرت رأيها ،

و إن لا شيء يجبرها على الخضوع لإبتزازه لها لكنها تعلم إنها لن تستطيع ذلك.

- أنت بحاجة إلى ملابس أفضل.

إذا كنت تقصد ملابس الإجازات ، فهي في حقيبتي ، و..

فأسكتها متجهماً :" لا ـ إنا لا أعني ملابس الإجازات.

إنا رجل شديد الثراء يا ساسكيا ، لست بحاجة إلى إخبارك بذلك.

و جدي هو بليونير ، وأمي وشقيقاتي اعتدن شراء ملابسهن من أرقى دور الأزياء في العالم ،

رغم إنهن لا يعتبرن من المتأنقات فوق العادة أو المدمنات على التسوق.

و طبيعي ، بصفتك خطيبتي....

أخذت ساسكيا نفساً عميقاً غاضباً ثم قاطعته بلهجة خطيرة :

" إذا كنت تظنني سأسمح لك بشراء ملابسي....

- و لم لا؟ ألم تكوني مستعدة للسماح لي بشراء جسدك ؟

إنا أو أي رجل مستعد لدفع الثمن ؟

فصاحت مستنكرة و قد شهقت مذهولة من وقاحته :

" لا ، هذا غير صحيح.

فأجاب ساخراً : حسنا ً جداً.

و لكن وفري هذه الانطباعات الخاصة لأسرتي..

لا تنسي إنني أعلم بالضبط من تكونين ،

و فكري في الملابس التي سأشتريها لك على إنها علاوة معاش.

ثم منحها ابتسامة باهته غير رقيقة ، و قال :

" على كل حال ، علي إن أضيف إنني أريد مراجعة كل ما ترتدين شرائه ،

فالصورة التي أريد تقديمك بها إلى أسرتي بصفتك خطيبتي ، هي الأناقة و حسن الذوق...

- ماذا تريد إن تقول ؟

إنك إذا تركتني و شأني قد أختار ملابس تناسب أكثر اللاتي..؟

قالت ذلك بغضب لكنها سكتت ، عاجزة عن تلفظ تلك الكلمات التي تحترق في أفكارها.

و تملكها الذهول و الإرتباك عندما أجاب ببرود

" يبدو إنك غير معتادة على شراء الملابس الغالية الثمن و إنا لا أريد إطلاق العنان لك في توفير أحمق لا ضرورة منه مما يبطل الغرض من العملية كلها و بصراحة ، و خوفاً من سوء فهمك لكلامي ،

فإنا لا أريدك إن تشتري ملابس تناسب شابة ذات راتب متواضع أكثر مما تناسب خطيبة رجل ثري..

و للمرة الأولى ، لم تستطع ساسكيا التفكير في الرد عليه.

لكنها في داخلها كانت تغلي غضباً و خزياً ،

فهي لا تستطيع منع أندريس من المضي في خطته ،

إلا إنها صممت على الإحتفاظ في ذاكرتها بكل ما ينفقه عليها حتى تتمكن في النهاية من إعادة المال إليه حتى و لو إضطرت إلى خسارة كل المبلغ الصغير الذي و فرته بعناية حتى الآن.

و عندما لم يتلق جواباً منها قال :

" لا مزيد من الإعتراض ؟

فإنا مصمم ، يا ساسكيا على بلوغ ما أريد حتى لو إقتضى الأمر إن ألبسك الأثواب و أخلعها عنك بنفسي ،

ثم إياك و الخطأ ، فعندما نصل جزيرة.أفرديت" ستصلين بصفتك خطيبتي.

عندما وصلا إلى الطريق العام ،

قررت ساسكيا إنه من الحماقة المناقشة مع أندريس في طريق السيارات المزدحم هذا ،

ومضت نصف ساعة قبل إن تدرك إن مناقشة شراء الملابس إنستها مناقشة فكرة أهم تبعث الضيق في نفسها و هي فكرة قضائها الليلة في شقته.

و لكن ما الذي تخافه في الحقيقة ؟

من المؤكد إنه لن يحاول التحرش بها ، فقد سبق و أفصح عن رأيه السلبي بها من هذه الناحية.

و كرامتها أكبر من أن تعترف له بمخاوفها و توجسها من فكرة مشاركته شقته.

سيكون الأمر مختلفاً في الجزيرة.

هنالك سيكونان مع أسرته و الموظفين الذين يديرون الفيلا الواسعة التي بناها أبوه.

لا من الحكمة عدم التفوه بأي كلمة ، و هذا أفضل من التعرض لسخريته و ازدرائه و عدم تصديقها إن هي أفصحت عن قلقها.

*******

كانت أثينا تنتظر سائق سيارة الليموزين المستأجرة ، لكي يضع أمتعتها في الصندوق و هي تضرب بقدمها على الأرض بفارغ الصبر.

ففي اللحظة التي سمعت فيها بخبر خطبة أندريس و إنه سيحضر خطيبته معه إلى جزيرة.أفرديت" لتقديمها إلى أسرته ، باشرت العمل ،

من حسن الحظ إن الخطبة ليست زواجاً ،

و هي ستسعى جهدها حتى لا تنتهي هذه الخطبة بالزواج.

كانت تعلم لماذا فعل أندريس هذا فهو يوناني حتى العظم..

رغم إصراره على الإعلان عن دمه الإنكليزي..

و هو ، كأي رجل يوناني ، أو أي رجل في الحقيقة ، لديه إستعداد غريزي للسيطرة ،

و إن إدعائه بحب تلك المرأة الأخرى هو ، ببساطة ،

هو ، ببساطة طريقته في إظهار تلك السيطرة ، رافضاً الزواج من أثينا ،

هذا الزواج العزيز على جده و عليها.

عندما إنطلقت بها الليموزين ـ مالت إلى الأمام و أعطت السائق عنوان الشقة الفخمة في البناية المطلة على النهر.

لم يكن لديها منزل في لندن ، فهي تفضل حياة نيويورك الإجتماعية و متاجر باريس الأنيقة.

قد يظن أندريس إنه هزمها بمناوراته في إعلان خطوبته على تلك الفتاه الإنكليزية الباردة ، دون شك.

لكنها ستنهي ذلك حالاً ، و تجعله يتأكد من إن مصلحته الحقيقية معها ،

و بعد ، كيف يمكنه مقاومتها ؟

فهي تمتلك كل ما يريده ، كما إنه يملك كل ما تريده.

من المؤسف إنه استطاع منعها من المزايدة ضده عند شراء هذه الممتلكات الجديدة.

لم تكن حيازة الفنادق نفسها تهمها بشيء ،

و لكن ذلك كان ليكون إغراءً ممتاز تدليه أمامه كطعم ،

فهي لم تستطع فهم إهتمام أندريس البالغ بالممتلكات الجديدة ؟

و لكن في شخصية أندريس أشياء كثيرة لا تفهمها ،

و كان هذا من الأمور التي جذبتها إليه ، فأثينا تتشوق دائما إلى ما ليس في يدها.

عندما كان أندريس في الخامسة عشرة ، كان طويل القامة ، عريض المنكبين ،

و من الوسامة بحيث لا يمكن وصفه.

كان يكفي حينها إن تراه أثينا لتذوب شوقاً إليه.

حاولت جاهدة إن تغويه ، لكنه استطاع المقاومة ،

و عندما قررت إنها تريده ، إذا بها تتزوج بعد شهر واحد و هي في الثانية و العشرين من عمرها.

و العروس في هذا العمر لا تعتبر صغيرة السن حسب المفاهيم اليونانية ،

و كانت أثينا أمضت وقتاً طويلاً و هي تحاول حذرة اقتناص الرجل الذي أصبح زوجها ،

وهو يكبرها بعشرة أعوام ، إلا إنه بالغ الثراء ،

و قد زاول معها لعبة القط و الفأر أكثر من سنه قبل إستسلامه لها ,

و من المؤكد إنها ما كانت لتتخلى عن هذا الزواج الذي جاهدت طويلا للحصول عليه ، لأجل رغبتها في أندريس ، وهو مجرد غلام ،

وبعد إنجابها ابنتين هما الآن في عمر الورود ، تدخل القدر ، ومات زوجها فجأة و أصبحت أرملة فاحشة الثراء..

أرملة ثرية تطلب الحب ، وكان أندريس قد أصبح رجلاً.. و أي رجل !

عندما وقفت السيارة أمام العنوان الذي أعطته للسائق ، تفحصت صورتها في المرآة المثبتة داخل السيارة. جراح التجميل الأمريكي يستحق حقاً المبلغ الباهظ الذي دفعته له و الذي أعاد مظهرها إلى أوائل الثلاثينيات من العمر.

أما شعرها الفاحم فقد قصه و سرحه أشهر مزيني الشعر في العالم ، بينما كانت بشرتها تتألق بفعل.الكريم" الغالي الثمن الذي وضعته بإسراف ، و زينة وجهها لا تظهر أي عيب فيها و توضح إنحراف عينيها السوداويان ، في حين كانت أظافر يديها و رجليها تلمع بالطلاء الأحمر البراق.

و بدت على شفتيها ابتسامة رضى.

لا ، لا يمكن إن تنافسها خطيبة أندريس الصغيرة المملة الكئيبة ،

فتاة المكتب التي لابد إنه وقع في غرامها أثناء المفاوضات لشراء سلسلة الفنادق تلك..

و بدت القسوة في عيني أثينا.

هذه الفتاه ستدرك حالاً أي غلطة أقترفتها في محاولتها الإستيلاء على الرجل الذي تريده أثينا ،

و يالها من غلطة فظيعة للغاية !

عندما خرجت من السيارة تبعها شذا العطر الباريسي الغالي الثمن..

عطر مسكي ثقيل يحرك الرغبات.

كانت ابنتاها المراهقتان تشمئزان من هذا العطر ،

و طالما طلبتا منها إن تغيره ، و لكنها لم تشأ ذلك.

إنه طابعها الخاص و عنوانها كإمرأة ،

ولا شك إن خطيبة أندريس الإنكليزية تتعطر بشيء تافه و رخيص كماء اللفندر!

سأترك السيارة هنا.

هذا ما قاله أندريس لساسكيا و هي يدخل بسيارته المرسيدس إلى موقف متعدد الطوابق في وسط المدينة.

و اتسعت عينا ساسكيا عندما رأت التعرفة الملصقة على الحاجز.

لم تحلم قط في حياتها بدفع مثل هذا المبلغ كأجرة لركن السيارة ،

لكن الأغنياء كما يقال ، هم أناس مختلفون.

و يا للاختلاف الذي شعرت به عندما اصطحبها أندريس طوال العصر إلى متاجر لم تعلم قط إنها موجودة ،

و في كل متجر ، كان الجو المميز الذي يحيط به يبدو و كأنه يجذب من البائعات نوعاً من التبجيل و الإحترام يجعل ساسكيا تزم شفتيها.

و رأت الإعجاب في عيون البائعات و هن يحضرن مجموعات الملابس ليراها.. ليراها هو و ليس هي.

و كلما لاحظت ساسكيا ذلك كلما ازداد في نفسها الإحساس بالضعف و الإحباط و الإستياء.

و خرجا من أحد المتاجر الفخمة بعد إن رفضت ساسكيا بخشونة إن تجرب طقماً بني اللون ،

ثم إنفجرت صارخة في وجه أندريس :

" إنا لست دمية أو طفلة.

فقال متجهماً

" لا ؟

حسناً لكنك تقلدين الأطفال بشكل رائع ، ذلك الطقم كان....

فقاطعته و هي تصر على أسنانها :" لا يمكن أبداً إن أدفع ثمناً لقطعة ثياب مبلغاً يفوق الألف جنيه..

حتى و لا لثوب عرسي !"

و عندما رأت أندريس يضحك ، حملقت فيه ثائرة و متسائلة

" ما الذي يضحكك ؟"

- أنت ، يا عزيزتي ساسكيا.

هل لديك فكرة عن ثوب العرس الذي ينزل ثمنه عن الألف جنيه ؟

- لا ، ليس لدي فكرة ، لكنني أعرف إنني لن أشعر بالإرتياح أبداً و إنا أرتدي ملابس يطعم ثمنها مجموعة من الناس ،

كما إن ثوب العرس الغالي ليس ضمانا لزواج ناجح.

فقال ساخطاً :

" آه ،

وفري علي محاضراتك ,,

هل فكرت يوماً كم من الناس يبقون دون عمل إذا ارتدى كل شخص الأشكال البالية و أكياس الخيش كما تريدينهم إن يفعلوا ؟"

فقالت و كأنها تدافع عن فكرتها :

" هذا ليس عدلاً.

و رغم كل شيء كانت ساسكيا من الأنوثة بحيث تحب الملابس الجيدة و تريد إن تبدو بمظهر لائق.

و الشك إن ذلك الطقم كان سيليق بها تماماً و يظهر أنوثتها ،

كما اعترفت بينها و بين نفسها ، لكنها كانت مصممة تماماً على إعادة كل قرش ينفقه أندريس عليها.

و قالت له ثائرة :

" لا أدري لماذا تصر على هذا ؟

إنا لست بحاجة إلى أي ملابس ،

و قد سبق إن قلت لك هذا ، كما إنك لست بحاجة لتبذير نقودك بأي شكل لتؤثر علي.

فقال بحدة و غضب :

" إنني رجل أعمال يا ساسكيا ،

و هذا يعني إنني لا أبذر نقودي ، بأي شكل، سواء عليك أم على أي شيء آخر

و مهما كان السبب ، و خصوصاً للتأثير على امرأة يمكن بسهولة شراؤها بأقل من نصف ثمن ذلك الطقم.

ثم أمسك بيدها التي ارتفعت بشكل تلقائي لتصفعه و قال بلطف

" آه لا......... إياك.

كانت قبضته قوية ، بحيث ابيضت أصابع ساسكيا.

لكن كرامتها أبت عليها القول بإنه آلمها و أبت عليها الإعتراف بخروج مشاعرها عن سيطرتها.

و عندما أخذت تترنح ،

و قد شحب وجهها من الألم و الصدمة ،

أدرك أندريس ما يحدث ، فترك معصمها و هو يشتم ،

ثم راح يدعك يدها ليعيد إليها الحياة.

- لماذا لم تخبريني بأنني أؤلمك بهذا الشكل ؟

عظامك بهشاشة العصافير.

- حتى الآن ، وهو يمسد يدها بخبرة ليعيد إليها الدم ،

لم تستطع ساسكيا السماح لنفسها بالضعف استدراراً لشفقته ،

فقالت له بحدة :

لم أشأ إن أفسد عليك متعتك ، إذ يبدو إنك كنت مستمتعاً بإيلامي.

- أجفلت حين سمعت الشتيمة التي أطلقها و هو يترك يدها عابساً و قائلاً بتصميم :

" لقد زاد هذا عن الحد. فأنت تتصرفين كالأطفال أولاً كنت بنت هوى ،

و الآن طفلة.

هنالك دور واحد أريد رؤيتك تقومين به من الآن فصاعداً ، يا ساسكيا ،

وهو الدور الذي سبق و اتفقنا عليه ، سأحذرك الآن.

إن أنت قلت أو فعلت أي شيء يجعل أسرتي تشك في مدى صدق حبنا ،

سأجعلك تندمين جداً على ذلك. هل فهمت ؟"

- نعم فهمت.

فعاد يقول محذراً :

" و إنا أعني ما أقول ، فإذا أنت هزأت بي ، لن تعملي ليس في سلسلة فنادقي و حسب يا ساسكيا ،

بل سأفعل ما يلزم لكي لا تتمكني بعد ذلك من العمل في أي مكان.

فالمحاسبة التي لا يمكن الوثوق بها ، و التي طردت من العمل بسبب تهمة السرقة ،

لن يرغب أحد بتوظيفها ، هل فهمت ؟"

فقالت بصوت منخفض و خائف و قد شحب وجهها :

" لا يمكنك إن تفعل بي هذا.

لكنها أدركت جيداً إنه يمكنه ذلك.

شعرت الآن نحوه بكراهية بالغة.

و عندما أدخلها إلى المتجر التالي ، و رأت عيني البائعة تتسعان بإهتمام ،

فكرت بأن هذه الفتاه هي مرغوبة لديه.. بل و أكثر من مرغوبة !

و في آخر متجر دخلا إليه ، طلب خدمات صاحبة المتجر شخصياً ،

فأحضرت لهما هذه ، ببالغ الكفاءة و النشاط ، ملابس لم تر مثلها مثيلاً إلا في المجلات النسائية المصقولة اللامعة.

حاولت رفض كل ما أحضرته صاحبة المتجر ،

و لكن في كل مرة كان أندريس يعترض عليها إلا في تلك المرة الوحيدة فقد اتفقا فيها ،

حينما أحضرت صاحبة المتجر ثوب بحر قائلة عنه إنه يناسب لونها تماماً و كذلك المكان الذي ستقصده ،

و عندما رأت ساسكيا إنه فاضح جداً اتسعت عيناها غير مصدقة..

و اتسعتا أكثر عندما استطاعت ، بحذر ، قرائه بطاقة ثمنه ،

فهتفت دون وعي :

" لا يمكنني أبدا السباحة بثوب بحر مماثل.

فبدا الذهول على صاحبة المتجر :

" تسبحين به ؟

رباه ، لا. طبعاً لا.

هذا ليس للسباحة ، ثم ، أنظري إلى هذا الوشاح الرائع الذي يتلاءم معه.

و أخرجت لها وشاحاً مستطيلاً من الحرير الهفهاف مزيناً. بالترتر. اللامع الملون

و عندما رأت الثمن المكون من أربعة أرقام ، شعرت ساسكيا بإنها تكاد تقع مغمياً عليها من الذهول ،

و لكن الإرتياح و الدهشة تملكاها عندما هز أندريس رأسه هو أيضاً ، قائلاً :

" هذا ليس نوع اللباس الذي أريد لخطيبتي إن ترتديه.

ثم أضاف بصراحة :

" إن جسم ساسكيا يجذب الأنظار دونما الحاجة إلى تزينه بملابس تلائم البغايا.

كانت صاحبة المتجر من اللياقة بحيث لم تلح عليهما بل ذهبت و عادت بعدة أثواب سباحة.

اختارت ساسكيا أزهدها ثمناُ ، سامحة ، على الرغم منها لأندريس بإن يضيف إليه وشاحاً ملائماً.

و بينما كان يدفع الحساب و يقوم بترتيبات إرسال المشتريات إلى شقته عند النهر ،

جلست هي تشرب القهوة التي قدمت إليها في المتجر ،

ربما لإنها لم تأكل طوال النهار.

ثم أنتابها الدوار ، عندما تذكرت بإنها ستذهب مع أندريس إلى شقته ، حيث سيكونان بمفردهما.

و في طريقهما إلى شقته ، قال أندريس لساسكيا :

" هنالك مطعم ممتاز بالقرب من شقتي. سأرتب إرسال وجبة طعام إلى الشقة و....

فقاطعته على الفور :

" لا أفضل الأكل في الخارج.

و إذا به يعبس قائلاً :

" لا أظنها فكرة حسنة ، لإن علي الخروج و لاأدري متى أعود.

و إن وجود امرأة مثلك ، تجذب الأنظار ، هذا إلى إن التعب باد عليك.

سيخرج أندريس ، و شعرت يقلقها يخف.

كانت قدماها تؤلمانها من السير طويلاً في الأسواق و هي لم تعتد ذلك ،

كما إن ذهنها كان مرهقاً من حساب المبالغ التي أنفقها أندريس أو بالأحرى هي أنفقتها لإنها مصممة على ردها لأندريس.

و كان مجرد التفكير بهذه المبالغ الضخمة جداً يشعرها بالمرض.

تبعت ساسكيا أندريس ، نحو ردهة المبنى و قد تملكها التعب و كان استعمال المصعد يحتاج إلى مفتاح خاص ، ثم تحرك بهما المصعد برفق بالغ جعل عيني ساسكيا تستديران ذهولاً عندما توقف أخيراً ،

فهي لم تشعر بصعوده.

فقال أندريس بعد أم أمسك بذراع ساسكيا :

" من هنا.

و اتجها نحو باب من الأبواب الأربعة و هو يحمل حقيبتها ،

ثم وضعها على الأرض مشيراً إلى ساسكيا بأن تتقدمه إلى ردهة أنيقة.